المُقدمة و الفصل الأول
مُقدمة ...
حين يصاب الفؤاد بلوعة الحب هنالك تتطور المشاعر سريعًا ، لتُصبح مع مرور الوقت ، لعشقًا يصعب التخلص منه ، فيستنير الطريق نحو الهاوية ، ويتوغر الص*ر بأحاسيس لاهية ، عندها يصبح المحب ،
يتغنى بأجمل كلمات الغزل ، وأرقها ، وهي من أجمل الحالات التي يمر بها أيّ إنسان ، وبالذات إذا كانت كلمات ، صادقة ، و معبرة ، وعميقة ، فتستكين الروح بالإعتراف ، و تذوب المشاعر ، مع الأحاديث المتداولة ، ليستيقظ القلب بعد مدة من الهيام ، فيجد نفسه سجين داخل قارورة العشق المنسي ، يصرخ ، وينادي ، ليستمع له أحدهم ، ولكنه لا يجد صوى صدى صوته المتألم ، فيجلس مُسكين باستسلام ، حتى يأتيه المُنقذ من الآلام ...
........ .......... ..........
هي لا تعلم أنّه ينتظر منها نصف كلمة، وهو لا يعلم أنّها تنتظر منه البدء، غريبة فلسفة العشق ...
........................
الفصل الأول ..
اص*ر المذيع بجواره صوتًا رجوليًا محببًا ، ليُعلن عن وصولها الثامنة صباحًا ..
تن*د تنهيدة الاستيقاظ ، ليفتح عينيه ضوء الصباح الذي ملئ الغرفة بأكملها ،
نهض ينفض عنه غطائه ، ثم طأطأ عظامه اللينة طواعية ، ووقف بخفة كعادته ليخطو نحو المرحاض ،
قضى حاجته ورطب وجهه بالماء الجاري ، والصابون ، ثم فرش اسنانه ، وخرج على صالته الرياضية القاطنة في غرفة منفصلة ،
توجه نحو الاجهزة المرتبة بالغرفة ، ومارس نشاطه الرياضي اليومي ، الذي يحرص عليه بشدة ، كما يحرص دائمًا على صحته البدنية أكثر من حرصه على الاختلاط بعائلته الذي لا يهتمون بشيء سوى رأي الناس بهم ، أو هكذا هو يراهم !
انهى تدريباته بعد مرور ساعة من الزمن ، ثم توجه نحو دورة المياه وهو يحمل منشفته النظيفة ، بعدما التقطها من اعلى الشماعة ،
وقف تحت صنبور المياه ، وهو يلتقط انفاسه اللاهثة بسرعة من آثر عدوه على جهاز الركض واجهزة تقوية العضلات وبروزها ،
أخذ نفسًا عميقًا وهو يُغمض عينيه كي يستمتع بشلال المياه الدافئ الذي ينساب على جسده القوي ، لتنعشه وتريحه ..
وفي هذه اللحظات ظهرت صورتها تداعب خياله ، فانتفض كمن مسه تيار كهربائي ، ليجدها تنظر نحوه من خلف زجاج حوض الاستحمام ،
ابتسمت نحوه وهو يطالع ، وجهها البض وعينياها التي تشبه السماء الصافية ،
طأطأت راسها بخجل بحركة تجعل عالمه يتوقف عن الدوران ،
" هنا " الصغيرة التي امتلكت قلبه منذ كانت في السابعة من عمرها ،
كانت تركض بفزع نحو كلب يعوي بألم تحت شجرة كبيرة وسط الحديقة العمومية ، التي تتوسط الميدان بجوار مدرستها ،
تركت اصدقائها وركضت بأقصى سرعة وعيناها ممتلئة بالدموع البريئة ،
حين رأها خ*فت قلبه ، بجمالها ورقتها التي لم يراها على فتاة أخرى ،
ترك اصدقائه الذين كان يحاوطنه ، ويتضحكون سويًا وهم يتبادلون اطراف الحديث ..
انهمرت في البكاء الشديد حين رأته يقف بجوارها يتسأل :
" مالك يا هنا ؟! بتجري ليه كد ! "
جلست على الأرض بجوار الجرو الصغير لتحمله بكلتا يديها ، ثم مدت يدها نحوه وهي مازالت تبكي بحرقة قائلة :
- ارجوك يا چواد شوف ماله ..
لم يستطع هذا الشاب الصغير إلا أن يأخذ الجرو من يديها ، وهو يطمئنها :
- ما تقلقيش يا هنا .. أنا عارف دكتور بيطري قريب من هنا ، هوديه عنده ..
تفاجأ چواد بأنها شبت على اطراف اصابعها كي تطال وجهه ، لتطبع قُبلة رقيقة وبريئة على وجنته قائلة :
- ربنا يخليك ليا يا چواد ..
عندما تذكر قُبلتها البريئة ، ارتعش جسده بغضب كبير ، وقد شعر باختناق ، وكأن أحدهم يحكُم قبضته حول عنقه ، لتختفي صورتها التي تخيلها خلف الزجاج ، وهو يرفع زاوية فمه بابتسامة متهكمة ، ومستهزئة على مشاعر قد عاش تحت تأثيرها لسنوات عديدة ،
وكلما تذكرها اشتعل بداخلها شوق شديد لها ، لقد امتلك قلبه تلك الصغيرة بقُبلتها ، ومنذ أن اصبحت تملك قلبه ، لم يستطيع الحصول عليه مرة أخرى ، ولا حتى سمح لان تقترب منه أخرى سواها ...
ولكن ما حدث في الماضي لم و لن يستطيع تجاوزه يوماً !
اغلق شلال المياه الذي اصبح بارد ، وهو غارق في ذكرياته التي لا تنفك أن تتركه ، ثم جفف جسده المبتل ، وارتدي منشفته الكبيرة ، قاصدًا مطبخه كي يصنع فطاره ،
اخرج العلبة الكبيرة التي تحوي حبوب القمح المصنوعة ، ثم وضع الكثير منها في طبقه وعليها الحليب الساخن ، ليتناولهم على الفور ، ثم تناول كوبًا من عصير البرتقال بجانبه ، لينتهي سريعًا قاصدًا غرفته كي يرتدي ثيابه ويغادر ..
وقف امام المرآة يتطلع لمظهره بعدما انتهى وهو يرش من عطره المُفضل كلمسة أخيرة ،
ف*ناهى له صوت والده من النافذة الداخلية للغرفة ، وهو يتحدث مع والدته قائلًا :
أختي عالية وهنا بنتها وحازم جايين انهارده ، حضري عشا حلو ، وجهزي شوية حلويات والذي منه ..
وقعت من يده زجاجة العطر على الأرض الصلبة ، لتت**ر إلى أشلاء ،
زفر بغيظ من ردة فعله المتوترة حين سمع اسمها ..
نظر لوجهه المُحتقن عبر المرآة مرددًا :
- ايه مالك يا چواد .. اعمل حسابك مش هترجع البيت انهاردة .. خلصت ..
طالما كره ضعفه الشديد أمامها ، لهذا كان يتجنب دومًا الالتقاء بها ، او الاجتماع مع العائلة في مكان واحد ، وكل مرة كان هناك عذر مقبول ، ومنذ سنوات عديدة ، لا يتذكر بسبب كثرتها المرة الأخيرة التي زار بها عمته العزيزة ..
ترك الزجاجة المُحطمة كما هي على الارض ، وسارع في الذهاب لعمله ،
ركب سيارته وقد انقلب مزاجه للأسوء ، وقاد بسرعته العالية نحو شركته الصغيرة التي تعمل في مجال التجارة الخارجية ،
صورتها التي طاردته عبر زجاج حوض استحمامه ، لا تنفك عن الظهور كل لحظة امامه ،
وصل شركته بترحيب من جميع العاملين ، ليدخل مكتبه طالبًا من " ليلى " سكرتيراته التي تكبره بعشر أعوام ، لتأتيه ليلى على الفور ، بدفتر صغير تدون فيه أعمال اليوم المتعجلة ..
اخبرته أنه هناك أكثر من شحنة مستوردة ، وصلت الميناء وعلى " يحي " صديقه وشريكه أن يذهب كي يخلص أوراق الشحنة ويأتي بها للمخازن ،
وقف چواد بحماس قائلًا ليلى :
- لما يحي يجي خليه يفضل لحد ما ارجع ، وأنا اللي هروح استلم الشحنة واوردها المخازن ..
رفعت ليلى كتفيها بتعجب قائلة :
- تمام يا مستر چواد .. اللي تؤمر بيه
أخذ مفاتيحه من اعلى مكتبه وانطلق نحو الميناء ، وهو يحاول قدر ما يستطيع ان يُخرج صورتها من عقله اليوم عن طريق الانهماك في العمل ،
كما يفعل دومًا ...
وبعد ساعات من الجد ،
انهى عمله في الميناء ليهاتفه يحي :
- اجيلك يا محتاس ولا خلصت ؟
ضحك چواد بخفة قائلًا لصديقه :
- مين دا اللي محتاس .. يا هفء .. دأنا أخلص عشر شحنات كمان فوق دول وما اخدش نص ساعة زيادة ..
ثم انهى المحادثة بقوله :
- انا جاي في الطريق .. هحصلك على المطعم عشان جوعت ..
اغلق هاتفه ، وتركه على التابلوه أمامه ، ثم اطلق تنهيدة عميقة من قلبه المكلوم ، الذي يتمزق شوقًا إليها ، وكلما زاد الابتعاد زاد الشغف ، ومحاولات الالهاء حتى الآن لم تجدي نفعًا !
______________________
وقفت هَنا أمام المرآة كي تتأكد من مظهرها لعله يراها أو حتى يشعر بها !
تتمنى أن يعيرها ولو بعض الاهتمام البسيط هذه المرة ،
لقد سئمت تجاهله الذي يزداد يومًا بعد يوم ،
تأففت بضيق وهي تتأمل وجهها الجميل في المرآة بضجر ،
فقد وهبها الله جمال ربانيًا يجعل كل من يراها يذكر الله عدة مرات ،
اقتربت بوجهها من المرآة وهي تتسأل بحزن ظهر على وجهها :
" هو أنا وحشه قوي كدا في عينه ؟! ازاي مش شايفني وبيتجاهلني كل السنين دي ؟! لو بس أعرف إيه اللي حصل معاك يا چواد عشان تبعد عني بالطريقة دي ، بس أنا مش هسيبك انهارده إلا إما اعرف "
ضيقت عينيها بتحد كبير ، فقد عزمت أمرها أن توجهه في هذه الزيارة ، وتعرف منه ما الذي حدث منها كي يبتعد عنها هكذا ، لقد ظنت أنه عرف أخرى قد أخذت مكانها ،ولكنها تأكدت من يحي .. صديقة الوحيد وشريكه والذي اصبح صديقها المفضل أيضًا ، منذ أن ابتعد چواد عنها ..
وهي تعرف منه كل ما يخصه دون أن تصرح له بحبها الكبير لابن عمتها الوحيد الذي يغتال قلبها في كل زيارة لهم ، حين يختفي من البيت بأكمله !
ترقرقت الدموع بعينيها ، وهي تتذكر أن يحي أخبرها أنه يبتعد عن أي فتاة تحاول الاقتراب ننه بأسوء طريقة ،
ومهما حاول معه أن يعرف لما يفعل ذلك ، لا يجد إجابة منه على الإطلاق ، واثق أن چواد صديقة قد تعرض لعلاقة حب قوية صادمة ، جعلته زاهد في كل انثى تحاول الدخول لحياته ..
رددت اسمه الذي تعشقه بضيق ..
ثم اتبعت بغيظ شديد ..
( حائط السد متبلد المشاعر )
ابتعدت عن المرآة حين سمعت رنين هاتفها المتتابع ، لتجدها صديقتها المقربة وزميلتها في العمل ( ملك )
أجابتها بحزن ظهر على صوتها :
- أيوه يا ملك ..
شعرت صديقتها بصوتها المستاء فسألتها :
- مالك يا هَنا ما انتي كنتي كويسه الصبح في الشغل ؟!
اجابتها وهي شاردة :
- رايحين لعمتو انهارده ..
زفرت ملك بضيق قائلة :
- يووه يا هَنا .. أنتي كل زيارة تتنكدي كدا ؟!
يا بنتي بقى سيبك منه دا متخلف ولا شايفك ولا عاوز يشوفك ، واصلًا أنا ما بعتبروش راجل ..
انفعلت هَنا بالرد عليها :
- ما تقوليش عليه كدا يا ملك وإلا هتخسريني ، قولتلك ألف مرة چواد عمره ما كان كدا ، في حاجة حصلت ولازم اعرفها انهارده ..
تضايقت ملك مما سمعته لتقول له :
- زي كل مره .. عامة ابقي قابليني يا هَنا ، خليكِ كدا متعلقه في حبال دايبة بتجري ورا سراب ، وسايبه اللي بيحبك وبيتمنالك الرضا ترضي دايخ وراكي ..
ضيقت هَنا عينيها باستفهام مرددة :
- قصدك مين ؟!
اجابتها بنفس الضيق :
- أنتي عارفه قصدي مين .. متستهبليش ..
توقفت عن الحديث مع صديقتها عندما دخلت أمها لتتفقدها وهي تسألها :
- ها جهزتِ ؟!
لتضبط ملامحها المتجهمة وهي تقول لصديقتها :
- تمام يا ملك هكلمك لما نرجع ..
ثم وضعت هاتفها في حقيبتها و هي تقف لتهندم ملابسها ، وهي تشير لها برأسها إيجابًا ،
لتجد أمها تنظر نحوها بانبهار وتقترب منها لتحتضنها من الخلف قائلة :
- ما شاء الله لا قوة إلا بالله
ثم ضمتها بقوة جعلت هَنا ، تبتسم رغمًا عنها من طريقة والدتها الطفولية والعفوية ، لترفع زاوية فمها بابتسامة مرددة :
- القرد في عين أمه غزال ..
م**صت شفتيها باشمئزاز وهي تبتعد عن احضانها ثم أمسكت وجهها بتذمر قائلة :
- فااااشر دا أنتِ شمس منوره في عز النهار ،
ثم أتبعت وهي تشير لحواسها الخمس قائلة بإعجاب شديد :
- فيه في العيلة كلها حد عين زرقه وجميله كدا ، ولا أبيض زي الشهد كدا ، ولا شعره ! شعره طويل وحرير كدا ، ولا شفايفه نونو بلون الرمان زيك !
ضحكت هَنا بشدة على وصفها لها ثم قررت مشا**تها قائلة :
- دا روج يا ماما على فكره ،
ابتعدت عنها بغيظ تنهرني :
-انا مش عارفه انتِ ازاي مش مقدره جمالك .. يا بنتي أنا وأبوكِ لو نطول نداريكِ من عيون الناس هنعمل كدا أنا كل أما اخرج معاكي يجيلنا عريس تاني يوم ..
انتهت من أسطوانتها المتكررة كلما خرجا سوياً ، ثم أخذت تجر يدها للخارج وهي أفكر ..
هل هي بالفعل كما تصفها أمها بهذا الجمال !
وإن كانت بالفعل كذلك كما يقول الجميع ، سواء اهلها أو حتى صديقتها المقربات ،
فلماذا لا يراها چواد كما يراها الجميع ؟!
مؤكد ذوقه مختلف ولا يحب الشقراوات ؟ هل هذا معقول ؟!
شعرت بغصة في حلقها .. وضاق ص*رها بالإختناق ثم تذكرت فيبي قطة صديقتها ملك ، يبدوا انها كانت تهاتفها لأجلها ..
شهقتُ بشدةٍ وتركت يد أمها عائدة كي تأتي بها ..
وحين عادت وهي تحملها بين يديها سمعت زمجرة امها كعادتها :
- خلاص يعني ملك مش عارفه تراعيها بعتهالك أنتي ، مش كفاية الكلب بتاعك اللي ق*فنا في حياتنا ..
اخوكِ بيرن بقاله ساعه ..
اجابتها وهي تشعر بألم من أجل هذه القطة المسكينة التي تتلوى بين يديها بوجع كبير :
- يا ماما دي من الصبح تعبانة وبتعرج وما نمتش من امبارح لازم أوديها لأي دكتور بيطري ،
تأففت امها بضيق وهي تصعد بجوار اخيها وهي تقول :
- وصحبتها مش عارفه توديها لدكتور بيطري بعتهالك انتي ؟!
أثرت ال**ت وهي تمرى كفها على ظهر القطة بلُطف ، وتهمس لها :
- هتبقي كويسه يا حبيبتي ..
وحين استقرت في مقعدها ، انطلق أخيها نحو بيت عمتهم ..
ابتسمتُ رغمًا عنها وهي تدعوا الله ان تراه اليوم ، وحينها لن تتركه إلا عندما تعرف ما الذي اصابه ... مؤكد سيخبرها بكل ما يجول بخاطره ، فطالما كان قريبان من بعضهما البعض منذ طفولتهم ، وحتى شبابهم ..
فهو دومًا كان ملاكها الحارس ، ورغم أنها كانت ترى العشق في نظراته إلا انها انتظرت كثيرًا كي يعترف لها بعشقه ذلك ،
كم من المرات التي لم تعد تعدها حلمت بهذا اليوم !
تن*دت بعمق وهي تتذكر خوفه وحنانه عليها ، وفجأة ابتعد دون إبداء اسباب ..
لقد اختفى من حياتها كما الطيف البعيد ..
لاح على عقلها كلمة صديقتها ملك ، عن عاشقها الذي ينتظر منها كلمة واحدة .. لترفع زاوية فمها بتهكم كبير وهي تردد في عقلها كلما اغنيتها المفضلة :
( القلب اللي بيجرحنا ، في حاجة أكيد جرحاه ..
وجرحنا بتفكرنا بالقلب اللي جرحناه )
ثم نظرت عبر النافذة بجوارها وهي تتذكر اعتراف يحي صديق چواد :
- أنا بحبك يا هَنا .. ومن سنين مش من دلوقتي ، ديمًا كنتي حلم كبير قوي بالنسبة لي ، ورغم إني اترددت كتير اعترفلك بحبي دا بسبب صاحبي الوحيد وأخويا ، إلا اني بجد مبقتش قادر اخبي ،
أنا مش عاوز منك رد دلوقتي .. أنا بس كنت محتاج اعترفلك بحبي عشان ارتاح ..
____________