في المساء، كانت إيرين تجلس بصمت على السرير، ظهرها مسنود إلى الوسادة، تنظر من النافذة الصغيرة وكأنها تنتظر شيئًا… أو أحدًا. مرّت ساعات، ولم يأتِ. بدأت تشعر باليأس، بأن زيارته السابقة كانت مجرد لحظة شفقة عابرة.
لكن صوت خطوات خافتة قرب الباب أعاد قلبها للنبض من جديد.
دخل كوان بهدوء، يحمل في يده كيس طعام ساخن، وغطاء دافئ مطوي بعناية. توقفت عيناه فورًا عند طاولة الزهور والطعام الموضوع بجانبها، فتحدث ببرود خفيف، يخفي شيئًا من الغيرة:
"يبدو أن أحدهم سبقني."
نظرت إليه إيرين بملامح هادئة، لكن عينيها ارتجفتا للحظة، ثم قالت بصوت خافت:
"لا يهم."
كان جوابها بسيطًا، لكنه صادق. لم يكن حضور ليون يعني لها شيئًا، ليس في حضرة كوان على الأقل.
اقترب منها كوان، وضع الغطاء برفق على قدميها، ثم فتح كيس الطعام ووضعه أمامها بعناية.
"أحضرت لكِ حساء دافئ، وطعامًا صحيًا. لم أكن مرتاحًا لما وضعه الآخر على الطاولة."
ثم جلس على الكرسي بجوار السرير، وأردف بصوت أقل صرامة:
"أردت أن تتناولي شيئًا جيدًا… وتكوني بخير."
نظرت إليه للحظة، وكأنها لا تصدق أنه أمامها. وجوده، اهتمامه، وطريقته الهادئة في رعايتها، كان يعني لها أكثر مما تستطيع التعبير به.
قالت بنبرة خافتة، وهي ترفع الملعقة ببطء:
"شكرًا لأنك عدت."
لم يجبها كوان، لكنه أومأ برأسه بخفة، وبقي جالسًا بقربها، يُراقبها تأكل بصمت. كانت نظراته تتنقل بينها وبين ضوء الغرفة الخافت، وكأن شيئًا في داخله بدأ يذوب، قطعة بعد أخرى.
جلس كوان بجوارها، يراقبها وهي تأكل ببطء. لم تكن قد استعادت كامل قوتها بعد، فراح يساعدها بصمت، يقرّب إليها الماء أحيانًا، ويمدّ يدها بالمنديل أحيانًا أخرى، دون أن ينطق بكلمة.
حين لاحظ بقايا الطعام الذي تركه ليون على الطاولة، مدّ يده إليه بتقزز خفي، تفحّصه لحظة، ثم قال:
"بارد، لا يصلح للأكل."
وراح يرميه في سلة المهملات، ثم مسح الطاولة، ورتب الأزهار المهملة بجانبها دون أن ينتظر منها تعليقًا. في كل حركة له، كان هناك اهتمام صامت، كأنه يحاول إزاحة ثقل العالم عن كتفيها.
ما إن انتهى من الترتيب، حتى استدار نحوها وسأل فجأة، بصوته الخافت المعتاد:
"من الذي أتى اليوم؟"
ترددت لثانية، ثم قالت وهي تتجنب النظر في عينيه:
"أحد أقاربي... جاء ليطمئن علي."
لم يُعلّق كوان، فقط أومأ برأسه بخفة، كأنه قبل الجواب على مضض، ثم أمسك الغطاء الذي أحضره، وغطّاها بعناية دون أن يطلب الإذن.
"الجو سيبرد قريبًا. ارتاحي الآن، أنا هنا."
كلماته القليلة حملت معها دفئًا عجزت عنه كلمات كثيرة. لم يكن بحاجة لإظهار قلقه، فقد كان واضحًا في كل تصرف. بقي جالسًا قربها، صامتًا، كأن وجوده وحده كان وعدًا غير منطوق بالحماية.
غمر الدفء قلب إيرين حين غطاها كوان بلطف، وازدادت سعادتها حين رأته لا يهمّ بالمغادرة، بل جلس على الكرسي بجانب سريرها، يكتفي بالنظر إليها بصمت واهتمام.
كانت الساعة تشير إلى العاشرة ليلًا، والغرفة يلفّها السكون إلا من صوت أنفاسها المنتظمة. نظر إليها كوان طويلاً، إلى وجهها المتعب، إلى حاجبيها المرتخيين، إلى كل ما فيها بدا هشًّا ومؤلمًا... ثم أسند رأسه للخلف، ليغلبه النعاس أخيرًا.
---
مع أولى خيوط الصباح، سُمع صوت خافت يهزّ سكون الغرفة:
"كوان... لماذا نمت هنا؟"
فتح عينيه ببطء، تفاجأ بنظراتها المستيقظة، الممزوجة بدهشة خفيفة وامتنان ناعم. نظر إلى ساعته بتوتر، كانت السادسة صباحًا.
اعتدل فورًا، مدّ يده إلى هاتفه فوجد عشرات المكالمات الفائتة... كلها من عمه دايسيك.
وقف سريعًا، وقال بنبرة ناعسة متوترة:
"آسف... سأعود لاحقًا. ارتاحي الآن."
وغادر الغرفة بخطى سريعة.
ركب سيارته، أشعل المحرك، وانطلق نحو الشركة، بينما كان يضغط على زر الاتصال في هاتفه.
رنّ الهاتف مرتين فقط، ثم جاءه صوت دايسيك غاضبًا:
"كنت أعرف أنك هناك. أتعلم ما معنى أن تتجاهل مكالماتي؟! لقد تجاوزت حدودك يا كوان!"
حاول كوان الرد بهدوء رغم احتراق أعصابه:
"كنت في المستشفى. أردت التأكد أنها بخير."
رد دايسيك بحدّة:
"هذا ليس من شأنك! بدأت تتصرف وكأنك تنسى من أنا... أو ما الذي يترتب على كل حركة تقوم بها."
ضغط كوان على المقود بشدة، لكن صوته ظل باردًا:
"أنا لم أنسَ شيئًا... لكنني لا أستطيع التصرف وكأن شيئًا لم يحدث."
ساد الصمت لثوانٍ، ثم أنهى دايسيك المكالمة دون كلمة إضافية.
ظل كوان يقود في صمت، عيناه على الطريق، وعقله مع إيرين... ومع نظرة دايسيك التي لم تكن يومًا عادية.
ما إن دخل كوان مبنى الشركة حتى كان دايسيك في انتظاره، واقفًا أمام مكتبه بملامح مشتعلة بالغضب.
صوته دوّى في الممر قبل أن يُغلق الباب خلف كوان:
"أين كنت؟ هل فقدتَ عقلك؟!"
اقترب منه، نظراته تخترق صمته:
"هل وقعتَ في حب فتاة خادمة، لا أصل لها ولا اسم؟!"
رفع كوان عينيه ببطء، لكن ملامحه لم تكن خاضعة.
تقدّم خطوة، صوته هادئ كالسّم:
"راقب ألفاظك، عمي."
ضرب دايسيك بيده على المكتب بعنف:
"أنا من صنعتك! وها أنت تعارضني لأجل فتاة لا تليق حتى بتنظيف أرضية القصر؟!"
ازدادت نظرات كوان حدة، توتر فكه، لكنه لم يصرخ، فقط قال ببرود:
"أنت لا تملك الحق لتقرّر من أقترب منه... لا مييون، ولا غيرها."
تجمدت ملامح دايسيك.
"تتحدث عن مييون هكذا؟ بعد كل ما فعلته من أجلك؟ ستتخلى عنها من أجل خادمة؟"
ضحك كوان بسخرية قصيرة، ثم قال:
"أنا لم أحب مييون يومًا. ولم أطلب هذه الزيجة. أنت من صنعت الوهم."
اقترب دايسيك، خفض صوته بنبرة تهديد:
"إذن اسمع جيدًا… كل سهم تملكه هنا مص*ره اسمي، ويمكنني سحبه بلحظة."
لكن كوان لم يتراجع، بل واجهه بعينين ثابتتين:
"بل أنت من نسي… أنني أملك حصة باسم والدي. ولا أحد يملك حق المساس بها."
ساد الصمت لحظة، تصاعد فيها التوتر.
كان الجو خانقًا، الصراع بين الرجلين بلغ ذروته.
دايسيك تمتم أخيرًا، صوته يقطر غضبًا:
"ستندم، كوان. عاجلًا أم آجلًا… ستندم."
استدار كوان بهدوء، فتح الباب دون أن ينظر خلفه.
"ربما… لكنني على الأقل لن أعيش حياة ليست لي."
وغادر المكتب، تاركًا دايسيك واقفًا خلفه، يكتم الغليان في ص*ره.في المساء، دخل دايسيك غرفة إيرين بخطوات هادئة لكنها تحمل ثقلًا واضحًا. وقف عند الباب، عيناه تتجولان في الغرفة، ترصد كل تفصيلة: باقة الأزهار، الغطاء الدافئ الملقى بعناية على طرف السرير، وصندوق الطعام الذي لم يُفتح بعد.
ابتسم بسخرية خفيفة وقال:
"أزهار… طعام… وغطاء؟ هذا كثير جدًا من ابن أخي لخادمة بسيطة."
رفعت إيرين نظرها إليه، جسدها متوتر، لكنها لم تنطق.
اقترب بخطوات بطيئة حتى أصبح قرب السرير، وانحنى قليلًا، خافضًا صوته، لكن نبرته كانت مشحونة بالتهديد:
"اسمعيني جيدًا، أنا أنصحك… ابتعدي عن كوان. أنتِ لا تعلمين ما الذي تخاطرين به."
صمت لحظة، ثم نظر مباشرة في عينيها وأكمل:
"عودي من حيث أتيتِ، أو اذهبي إلى الجحيم، لا يهم… لكن إن ظننتِ أن علاقتكما يمكن أن تتطور، فدعيني أوضح شيئًا واحدًا…"
اقترب أكثر، حتى شعرت بأنفاسه الباردة تلامس وجهها، وقال ببطء:
"إذا حاولتِ التقرّب منه أكثر… سأقضي عليكِ بنفسي."
ثم استقام واقفًا، التفت، وغادر الغرفة دون أن يضيف كلمة.
باب الغرفة أغلق خلفه، وترك إيرين وحدها، تتنفس بصعوبة، بينما الصقيع الحقيقي لم يكن في برودة الليل، بل في تهديد رجل لا يرحم.ما إن خرج دايسيك من المستشفى بخطواته الثقيلة، حتى مرّ على ليون الجالس في الردهة. نظر إليه نظرة باردة خاطفة دون أن ينبس بكلمة، فبادلَه ليون النظرة، لكنه شعر بأن شيئًا ليس على ما يُرام.
نهض ليون فورًا، متجهاً نحو غرفة إيرين بخطى سريعة. فتح الباب ليجدها ترتجف، وجهها شاحب، ويديها تمسكان الغطاء بإحكام بينما أنفاسها متقطعة، وكأنها تُصارع شيئًا لا يُرى.
"إيرين؟!" قالها بقلق، واقترب منها بسرعة، لكنه ما إن لمس يدها حتى شهقت بصوت خافت، وكأن لمسته أعادت إليها الصدمة.
ركض ليون إلى الخارج مناديًا على الطاقم الطبي، فدخل ممرض وطبيبة على الفور. فحصوا نبضها وضغطها، ثم قاموا بحقنها بمهدئ خفيف.
"كأنها تعرضت لصدمة نفسية حادة أو نوبة هلع مفاجئة،" قالت الطبيبة وهي تتابع تنفس إيرين، الذي بدأ يعود تدريجيًا لطبيعته.
بعد لحظات من الصمت، فتحت إيرين عينيها ببطء، نظرت إلى ليون، وجهها لا يزال شاحبًا.
اقترب منها ليون وجلس بجانبها، همس بلطف:
"ماذا حدث؟ من كان هنا؟"
ترددت قليلًا، ثم بصوت مبحوح ومرتجف، قالت:
"دايسيك… دخل قبل قليل… هددني…"
شدّ ليون على قبضته، وعيناه اشتعلتا بالغضب المكتوم.
"بماذا هددك؟"
قالت بصوت مخنوق، تكاد الكلمات تُ**ر بين شفتيها:
"قال إن اقتربت من كوان أكثر… سيقضي عليّ."
أسندت رأسها إلى الوسادة، وعيناها تمتلئان بالرعب، بينما ليون بقي في مكانه، نظراته معلقة بالسقف، وكأنه يُخطط لردٍّ لا يكون أقل قسوة من تهديد دايسيك.
نظر ليون إلى إيرين بنظرة مختلفة، بعينين اختلط فيهما الصرامة والحنان، ثم قال بهدوء لا يخلو من حزم:
"سنتصرف بنضج، إيرين… هو لا يريدك، ولا بأس بذلك. مشاعرنا ليست جزءًا من هذه اللعبة. مهمتنا الأساسية ما زالت كما هي... الانتقام."
سكت لحظة، ثم أضاف وهو يضع باطن يده برفق على كتفها:
"اتركي الأمر الآن، دعيه يستريح لفترة. لا نريد لدايسيك أن يشكّ أكثر. ستبقين في منزلي ريثما نضع خطة جديدة... أنت لست وحدك."
كانت كلماته عقلانية، باردة نوعًا ما، لكن فيها دفء غريب لم تعهده من قبل. ربما لأنه هو الوحيد الذي لم يكذب عليها… ولم يخنها.
رفعت إيرين عينيها إليه، كانت ممتلئة بالضعف، بالعجز، وبشيء أشد… امتنان عميق لا تستطيع التعبير عنه.
ولأول مرة… اقتربت فجأة، دون تفكير، ورمت رأسها على ص*ره، تحضنه كأنها تحتمي من العالم داخله.
تجمد ليون لحظة من المفاجأة، ثم رفع يده بهدوء، وربّت على شعرها بخفة. لم يقل شيئًا… لكنه أغلق عينيه، وكأن هذا الحضن الصامت هو أكثر ما يحتاجه هو الآخر.