"واحد."
"بالطبع، عصابات المراهقين أليس كذلك؟"
"إثنان."
"هل تعرف ما الذي يمكنني أن أفعله بكما الآن؟ هل فكرت بهذا قبل أن-" قاطع صياح ذاك المسن الهمجي ركله سولو تستقر تمامًا بين ساقيه، ثم صرخ بكلمته الأخيرةً عاليًا.
"ثلاثة!"
إندلعت أصوات اقدامنا تضرب الأرض بعنف وتجلى لعن الرجل من ظهورنا كخلفية مزعجة.
" تبًا لحياتي!" صاح ساولو مضيقًا الخناق على كفي.
"فقط ماذا فعلت انا كي أواجه كل هذا؟ لماذا عليّ أن أنتشلكِ من وسط كل المشاكل التي تقعين بها كل يوم؟" أكمل تذمراته ممتعضًا، وبالرغم من ملامحه التي على وشك الإنفجار إلا أنه لم يُفلتني. ليس لثانية واحدة.
"توقف عن المبالغة، مر شهر كامل منذ رأيتك ولم أقع بمشاكلٍ سوى الآن." لفظت الحروف بصعوبة بعد أن توقفنا في أحد الأزقة المقاربة نلتقط أنفاسنا بعنف.
"نيلان، انتِ حياتك نفسها مشكلة."
"لا تكن وقحًا الآن فنحن بخير، اليس كذلك؟"
رمقني مطولًا بعيناه البنيتين كشاب إيطالي نموذجي، ثم هسهس ببعض الإستهزاءات التي لم أسمعها جيدًا.
"لنرى من جاء!" علا صوت مألوف جذب إنتباهنا فالتفتنا نراقب أجساد رفيقينا الإثنان تندفع نحونا.
في غضون ثوانٍ كان ساولو غارقًا وسط عناق جماعي تخللته تربيتاتهم الحميمية على ظهره، بعد شهر من المعاناة، وبذاك المظهر الضعيف الذي يُبين عذابه، ذاب بين أذرع صديقيه كأنه لم يحمل همًا يومًا.
"مرحبًا نيلان، كيف حال السجائر؟"
جفلت تحت سؤاله المفاجئ وراقبت بسمة جانبية طفيفة تتموضع فوق شفاهه، مارسل، مدمن سجائر. وكان ذلك سؤال طبيعي أتلقاه كلما لمحت وجهه.
"هاك." ناولته سيجارة ليرمقني صامتًا، وزفرت الهواء بقوة قبل أن ألقي العلبة بأكملها وسط يديه. المسروقات لا تمتلك عمرًا طويلًا.
أشعل مارسل سيجارة ونفث دخانها بوجهي شاكرًا، ثم أشار بإصبعه لرفيقه الضئيل دان والذي قد إشتعلت ملامحه الرقيقة قبل أن يعقب.
"سترون مشهدًا لم تلمح مثله أعينكما إذا إنتظرتما حتى منتصف الليل."
"شجار؟" ص*ر السؤال من قبلي وساولو بنفس ذات اللحظة، وقهقهت بخفة أثناء إنهمار تذمرات رفيقي "دان، أيمكنك أن تجدد من مقدماتك قليلًا؟ جميعها تنتهي بحدوث شجار لا طائل منه، هل تتذكر سبب إختفائي لذاك الشهر حتى؟"
"لا تفسد المتعة، إذا إرتعدت خوفًا فيمكنك الإختباء خلف ظهري وسأتولى الأمر. أيضًا، هذا شجار مميز."
فسر مارسل مشعلًا سيجارة أخرى، وأطلقت تنهيدة يائسة بعد أن تساءلت: "لماذا؟"
تبادل الإثنان نظرات ماكرة ثم لعق دان شفاهه هامسًا "معنا خنا-جر تكفينا جميعًا." إمتعضتُ سريعًا، وفرقت شفاهي بتردد لعدة ثوانٍ ثم ألقيت تعليقي بنبرة عالية متلعثمة.
"أليس ذلك مبالغ به بعض الشيء؟ أنتم فقط طلاب، من المفترض أن تحرصوا على الحصول على حياة أكثر هدوءًا."
"حقًا؟ أنتِ من تتحدثين عن الحياة الهادئة؟"
جعدت خصلة صغيرة من مقدمة شعري بتوتر. قهقه دان بعد إلقاء جملته ثم إقترب مارسل باصقًا حروفه في وجهي.
" ما يقصده دان هو، عليكِ أن تتوقفي عن التسول في الصباح وتقمص دور كلب الحراسة في المساء قبل أن تتحدثي عن الحياة الهادئة، على الأقل نحن نمتلك منازلًا."
حال جسد ساولو بيننا معيقًا نظري، فصار ظهره النحيل ذاك الحاجز الذي سمح لي بإطلاق تنهيدة طويلة حُبست وسط ص*ري.
"هل تستمتع بكونكَ حقيرًا؟"
"في ماذا اخطأت؟ كل ما قلته كان الحقيقة."
بلع دان ريقه سريعًا وفض شجار أعينهما دافعًا ص*ر مارسل للخلف، ثم تحدث متوترًا : "لا داعِ لكل هذه الجدية، نيلان لا تمانع، هي تعرف أنه مجرد مزاح لا أكثر. أليس كذلك؟"
تحركت ثلاثة أزواج من الأعين نحوى، وبالرغم من أنني شعرت بالعراء كمن يغتسل بحمامٍ عمومي عندما إبتعد ساولو إلا أنني اومأت بخفة مداعبةً أصابع يداي.
هناك دائمًا الاسوأ، هناك دائمًا ما هو اسوأ من الوحدة، ما هو أدكن من لياليَّ البائسة، ما هو أقذر من السرقة وما هو أكثر ألمًا من جمل عشوائية تنهال عليك من قبل من عطف على غيرك فأقحمك في دوامة حيرة لست ندًا لها.
هناك دائمًا من هو أقسى من مارسل وأكثر عنفًا من العم الطيب، لذلك..نيلان، أنتِ بخير.
زفر ساولو الهواء بخفة وربت على ظهري سريعًا، توردت وجنتاه بعد عدة ثوانٍ عندما شكرته بهمس، وتحركنا بإنسجام خلف دان عندما هتف بأن رحلتنا قد بدأت.
مر الوقت مثلما يمر دائما، نفس الوجوه والمنافسات والكحو-ل، نفس تصفيفات الشعر العشوائية والصبغات الفاقعة، نفس الأل**ب التي تنتهي بهم جثثًا هامدة مرهقة ونفس طعم المقرمشات الرخيصة يذوب في فمي.
وهناك، في ركن ناءٍ وسط هذه الساحة النائية بحد ذاتها جلسن فتاتان يستنشقان مسحوقًا مألوفًا، على بعد عدة أمتار جسد هزيل يرخي عنقه للخلف بينما يدب الآخر بالإبر في وريده. إنها مهزلة واسعة لا يستطيع إيقافها أحد.
"كل هذا بلا فائدة، إذا كنتم تمتلكون منازلًا فلماذا مازلتم هنا؟ إنه منتصف الليل..إنه ملاذ من لا يمتلك ملاذًا."
"نيلان!"
سرت رعشة طفيفة من أول شعراتي وحتى أحمض قدماي عندما قاطع هسهتي ساولوبمظهر يُرثى له، يعلو ص*ره ويهبط بيما تمتد ذراعه لتحيط ظهري بسرعة.
"إذهبي من هنا، إختبئي في أي مكان تجدينه."
"لماذا؟"
"فقط أسرعي، لقد عبث دان مع من لسنا أندادًا لهم."
كان صوته الدافئ متوتر تمامًا، إبتلت ملابسه القطنية لتلتصق فوقه وراقبت بطرف عيناي عددًا كبيرًا من الدراجات النارية يحيط بمنطقتنا.
حدث كل شيء بسرعة، فارقني ساولو قائلًا أنه سيذهب ليتصل بالشرطة والإسعاف عندما لاحظ هواتفنا تتهشم بجانب عظام رفاقنا. وكتمت أنفاسي بحذر خلف عدة أشجار كثيفة إحتوتني جيدًا.
بالرغم من ذلك، لم أستطع منع نفسي من إستراق النظرات. تحيط أجساد ضخمة لرجال غرباء بمجموعتنا البائسة، صوت صراخهم كان يبث رعبًا في قلبي، وفقدت الشعور بنبضي تمامًا حين أضفى القمر على حواف خناجرهم الحادة لمعانً مميزًا.
حين تصمت، حين تكبر، حين تبلى وتذبل كزهرة لم تعشقها المياه يومًا، حين يُطعن كل من بادلته أطراف الحديث مرةً ويستقر جسدك الهزيل خلف المسرح الدامي. بلا حراك. كيف ستشعر؟
في الصباح هنالك أزياء المدرسة الثمينة وفي المساء أزياء رفاقي، باليةً شُقت لمرات لا تحصى، نفس الأعمار والسنوات والأيام..فقط الأقدار مختلفة. فمن اسأل عن نصيبنا من السعادة؟
فُضت التجمعات وتلاشت أصوات الطعنات عندما إخترق إنذار سيارات الإسعاف آذان الجميع، لم يبقى على الأرض سواهم، يتآوهون بوجع كبقايا ألقاها الموت ولم تَرغب بها الحياة.
"سيئ جدًا." جمدت تلك الهمسات جسدي كتمثال يونانيٍ فارغ. "لماذا يخفون عنا الكثير من المتعة؟"
بلعت ريقي بذعر، رفض حلقي الصراخ وعجزت أطرافي عن الإبتعاد. إستسلمت لكف ذاك المجهول الذي حاصر جسدي راقبت كفه الآخر يداعب وجهي بخنجرٍ حاد.
" أنتِ قبيحة جدًا، لكنني سأعطيك مقدارًا جيدًا من المال. أين علينا أن نذهب؟"
إصتدم قلبي بقفصي الص*ري بعنف، أنفاسه الدافئة تضرب عنقي وذراعه تضيّق الخناق حول جسدي **لسلة حديدية لا تنوي الإفلات.
بهدوء.
أرخيت يدي فوق شعره، ومررت أناملي على كفه العنيف ليلين بيطئ.
بهدوء.
"نذهب؟ لماذا ليس هنا؟"
أطلق ضحكات صغيرة مفعمة بالنصرعلى ردي قبل أن يلف جسدي فأقابل وجهًا قاسيًا ملأته الندوب. دفعت رأسي نحو عنقه بإنسيابية، وإرتفعت ركبتي بمساعدة الأدرينالين فشقت ساقيه لنصفين شاكرةً ساولو.
إستقر ذاك الخن-جر تمامًا وسط ذراعي قبل أن يشقط المسكين فيتلوى ألمًا، سائل دافئ إنساب مني صابغًا سترتي الرديئة بالأحمر، الهواء صار ثقيلًا فجأة. وقاومت رغبتي في الإنهيار لأتملص من بين يداه وأخترق كل الأجساد قاصدة الشوارع.
أركض كما لم أركض يومًا، تتصدم قدماي بالأرض كعداءٍ لا يهدأ، كثور بائس لا يظمأ.
مرة أخرى..وسط إندثار النجوم في السماء ووسط صيحات السيارات الداكنة، أركض. لا ينجو من لا يركض.
إستنشقت الكثير من الهواء عدة مراتٍ حتى كدت أشعر بالأ**جين ينفد، وحاولت تنظيم أنفاسي بعد أن إقتحمت مخزن العم وصفعت الباب بقوة خلفي.
"نجوت.." همست بقهقهات تلقائية طفيفة. كان علي قطع جزء من القماش الذي يغلف بضاعة العم لألفه فوق جرحي، وغطيت نفسي بسترتي بعد أن إستلقيت مرهقةً فوق الأرض.
تسلل الأطفال للمخزن مجددًا عندما كنت قد فقدت شعوري بالوقت، تأرجحت بين الحقيقة والحلم لثوانٍ. كانت فقط ثوانٍ قليلة، لكنها إنتهت على عمي يظهر فجأة ويلقي ببعض الأشياء الصلبة عليّ صارخًا بتهديداتٍ معتادة.
"لقد دخلوا وخرجوا أمامك مباشرة، هل تعمل عيناكِ حتى؟! لقد وصلت حدي، اخرجي!"
"عمي، أرجوك..اليوم فقط." هسهست بخفوت، كل إنش بي يبدو متشنجًا، وفقدت الشعور بأي شيء باقٍ عندما إستقرت صفعة قاسية فوق خدي.
"مازال لد*كِ كم من الوقاحة يكفيكِ لطلب يومٍ آخر؟" أردف جازًا على أسنانه كمن على وشك أن يفقد عقله.
كنت شاردة في الفراغ بفراغ، كل شيء بدى خاويًا..من أنا؟ ما الذي أفعله هنا؟ اُلقي جسدي عدة مرات للأمام من قبل أكفف صلبة، وفُتح باب المخزن على مصرعيه لنصدم بسيارات الشرطة تمامًا أمامنا.
"ماذا هناك؟" إرتجف صوت العم متسائلًا. وفي خلال لحظاتٍ فض أصابعه عن شعري شرطيان حادان مكررين بأنه سيُتهم بالتعدي إذا واصل أفعاله.
"تعدي؟ هذه اللقيطة هي سارقة مدمنة تتسول في الشوراع وأنا من سيُتهم بالتعدي؟"
فقد العم رباطة جأشه لينهال عليهم جميعًا بالصراخ واللعن، وزحفت للداخل أحتمي من برد الشتاء القارص.
"أتفهم غضبك لكن هذا ليس ما جئنا لأجله، نحن هنا لأننا نمتلك معلومات تفيد بأن هناك جريمة سرقة حدثت مع عائلة فيسكونتي. وأظهرت كاميرات المراقبة أن اللص يرتاد هذا المكان مرارًا لذا- "انا لا أهتم بقضيتكم اللعينة، فقط خذوا هذه الخردة من هنا." قاطع حديث الشرطة عمي بنفاذ صبر.
طبع عدة خطوات للداخل ساحبًا سترتي ثم جذب ذراعي وألاقاني برفقة السترة للخارج لاعنًا. في ذاك الحين، بدأ اسوأ جزء في حياتي البائسة.
"ما الذي سقط من السترة توًا..؟" أعقب شرطيٌ متسائلًا.
في ذاك الحين صرت أملك شيئًا غير اسمي.
"أليست هذه هي القلادة الذهبية التي نبحث عنها؟"
صرت أملك... 'تهمة'.
___________________________
خلصت ، رأيكو؟
أكتر حاجة عجبتكو فالبارت؟
توقعاتكو للي هيحصل ؟