اللا مكان
نيلان
" إستيقظي!" دوى صراخه الأجش في كل المكان لأجفل متوسعة العينين، وراقبت قدمه تتأرجح في الهواء قبل أن تستقر تماما وسط وجهي.
"نصف بضاعتي قد ضاعت بسببك مجددًا ! إنه خطأي، لقد كان خطأً فادحًا السماح لمتسولة بالمكوث هنا." أكمل العم الطيب صيحاته، وإستمر بركل كل ما إستطاعت قدمه أن تصل له مني مطربًا أذناي باللعن والشتم كبركانٍ ثائر على وشك أن ينفجر.
بالرغم من ذلك، فهو عمٌ طيب.
بلا منزل، بلا موهبة، وبلا شيءٍ يذكر..لقد رضي بإستضافة عالة مثلي كل ليلةً للنوم في مخزنه البالِ بينما لم يلتفت نحوي أحد.
جعدت حاجباي عندما إمتزج طعم الدماء مع التراب في فمي لأبصق بجانبي وأمسح أنفي النازف ببطئ. لا فائدة تذكر من المقاومة ولا شيء يُجنى من الوقوف أمام جسده الضخم دفاعًا عن كرامتي.
حين تصل لذاك البعد حيث لا تمتلك شيئًا لتخسره تكون الكرامة مجرد خدعة إختلقها الأغنياء،
" لماذا لا تجيبين؟ هل يعجبك الأمر؟ أيعجبك كيف تتلقين ما تستحقينه تمامًا ككلب حراسة فاشل؟" قال وثم قهقه بخفة وبخبث ملتقطًا أنفاسه. "لقد إنتشلتك من وسط أياديهم القذرة تلك الليلة..وصدقيني، أستطيع أن أعيدك هناك في لمح البصر."
راقبته يسحب كل الأ**جين من حولنا وينفثه الهواء بينما يرخي قدمه الثقيله فوق بطني ويمسح جسدي المنبطح أسفله بنصر.
دفعت قدمه ببطئ ونهضت مربتةً على كتفه السمين " أشكرك على السرير القشيّ المريح الذي تهديه لي كل ليلة. انا مدينة لك، عمي."
أخبرته بنبرة مرهقة لم أحاول إخفاءها، ومررت من جانبه كما فعلت رياح الشتاء الباردة وخطوت أولى خطواتي خارج المخزن، أستنشق الهواء وابدأ يومي المشرق بكدمات جديدة .
" سرير قشيّ مريح؟ إنها بواقي القش الذي أضعه في الإسطبل." سخر العم، وأسرعت في الإبتعاد قبل أن تتجدد طاقته ويبدأ فقرة أخرى من العنف الجسدي الذي لا يبرع إلا به.
" هل ستهربين مجددًا؟ أقسم أنني لن أتركك حرة تتنفسين إذا سمحت لاولائك الأطفال بالتسلل للداخل مرة أخرى."
توقفت عندما إبتعدت عنه كفاية وألقيت نظرة على مظهره الضئيل بينما يلوح بيداه مهددًا. ثم أخذت نفسًا عميقًا.
" مرحبًا يا صباح يوم الثلاثاء الجميل..كيف حالك اليوم؟" همست، وداعبت نسمات الهواء اللطيفة خدي كإجابة سريعة.
نعم. نحن في ديسمبر، في الخامسة صباحًا بينما أشعة الشمس تنبثق وسط السحاب تارة فتدفئ وجوهنا وتارة وتهزمها الغيوم فلا يُرى لها أثر. ووسط كل ذلك أقف أنا، نيلان، لا أرتدي سوى هذه السترة الجلدية القديمة فوق لحمي مباشرةً ويبدو أنني اتجمد.
ولكن مع ذلك، ذاك الهواء كان لطيفًا.
نظرت لتلك الجريدة التي إلتفت حول ساقاي إثر شغب الرياح وأمسكت بها متفحصةً. " هلا تساعدينني على إيجاد وظيفة اذاً ؟ "
قلبت أوراق الجريدة وأخرجت سيجارة من علبة السجائر التي سرقتها البارحة بإنسجام ثم أسرع نحو مجموعة من الشباب الماكثين بين المباني بقربي عندما إكتشفت أنني لا أمتلك ما أشعلها به.
"أيها الوسيم، أيمكنك إشعال هذه لي؟"
أردفت متلاعبةً بعد أن حشرت السيجارة في فمي، ومرت ثوانٍ من النظرات الإستكشفيه قبل أن يقطع صمتنا ضحكات عالية إختلطت ببعض من المزحات القديمة. وقرب أحدهم ولاعته الضئيلة لتمتزج نيرانها بسيجارتي.
" شكرًا لك." تحدثت، وتلى حديثي لفحة من الدخان الهائج تتسرب من بين شفاهي.
" بحق الله، هذه الفتاة لا تخجل من هذا الطلب ابدًا." مزح أحدهم مترنحًا وتعالت قهقهاتهم لأنصرف بهدوء بعد أن إستنتجت أنهم منتشيين. وأتجنب الفقرة التالية.
ذاك النوع من البشر لا يعطي بالًا للمظهر، هو لا يرى فرقًا بين مظهري البالي وبين تلك العارضة التي يقطر من صورتها على محطة الحافلة سائل أبيض لزج..هو لا يرى من الأصل.
تفقدت إعلان العمل الصغير بزاوية الصفحة الثالثة ثم نفثت آخر لفحة دخان وألقيت بالسيجارة أرضًا.
" إذًا المقهى يقع بقرب مطار بريشيا مونتيكياري..جيد." همست مخاطبةً نفسي وثم رمقت الحافلة شبه الفارغة تنطلق من أمامي فيصير الشارع فارغًا إلا من أنفاسي.
لا حافلة لليوم، حشرت يداي اللتان إصتبغتا بالأزرق في الأطراف وإنطلقت سائرةً بإسترخاء.
المدينة..الزحام..أصوات السيارات، أعتقد أن هذه الأشياء هي أكثر ما يجب تأمله هذا الكون. أن يعلو صوت الحياة حولك فيجعلك تنسى نفسك هو أمر مريح..يتراكم صخبٌ فوق صخبٍ فيوقف أحدهم الآخر.
لهذا فأنا لا أمانع حقا أن أهيم في الشوارع طول ساعات يومي، مراقبة المارة وتعابيرهم..أعينهم اللامعة، القاسية، الشاردة، الفارغة..كيمياء البشر لم تفشل أبدًا في إثارة إهتمامي.
وصلت لذلك المقهى المزين بلافتة لامعة تحوي إسمه "splendente" بعد أن سرت مدة كافية لجعل جسدي يتدفئ مقاومًا صقيع الشتاء.
مسحت المقهى من أعلاه لأسفله قبل أن أزفر الهواء وأتذمر. " أعلم أنكِ كنتِ تحاولين مساعدتي ولكن..هذا مقهى راقٍ كثيًرا، سيكون من الصعب علي النجاح هنا."
إهتزت قدماي ما بين رغبتي في العودة أدراجي وتجاهل ذاك المكان المغرِ وبين رغبتي في الولوج للداخل تاركةً النتيجة بيد الحظ.
وما لبثت عدة دقائق حتى رن جرس ضئيل من فوق الباب معلنًا دخولي. عقدت حاجباي على مظهر النادلة التي قد إستقبلتني راكعةً قبل أن تجعد أنفها وترمقني بإستفهام محض.
" عذرًا، لقد رأيت الإعلان في الجريدة وأردت التقديم لوظيفةٍ هنا." تحدثت بتهذبٍ قدر المستطاع وأدركت أن البداية ليست مبشرةً كثيرًا عندما رمقتني الصغيرة صعودًا و نزولًا.
إستعنت بقدماي لأسحب بنطالي للأسفل أكثر فأمحي نسبة ظهور الكدمات في جسدي قدر المستطاع.
" تفضلي الى تلك الغرفة." أردفت بحدة مشيرة نحو بابٍ على اليسار، وتقدمت ببطئ مستكشفةً كل إنش هنا. الطاولات البيضاء الدائرية، الزهور التي تستقر فوق أي سطح يُذكر، ملابس النادلات الرسمية التي إختلطت مع خيالي مكونة صورة لجسدي الهزيل وسط ذاك القميص الزهري الفاتح..ورائحة القهوة النفاذة تغلف المكان.
قاطع إنسجامي أحد الزبائن يتهامس من خلفي "أيأتي المتسولون الى هذا النوع من المقاهي ؟"
" ألم أخبرك مسبقًا ؟ هذا النوع من الناس أغنى منك ومني معًا."
ابتسمت على تهكماتهم الظريفة وزفرت الهواء بتوتر مجددًا قبل أن أطرق الباب وآخذ الإذن فأدخل بخطوات محسوبة.
رجل في العقد الثالث من العمر تقريبًا يرخي جسده على كرسيٍ مريح، ويشير لي بالجلوس أمامه بعد أن عدل نظراته فوق أنفه فإماثلت لما قال.
قبضت على كفاي تحت نظراته المستكشفة ثم ألقى أولى أسئلته مردفًا."ما إسمك يا انسة ؟"
" أدعى نيلان."
ناولني إستمارة متوسطة الطول وقلم وثرثر ببعض الأشياء التي لم مرت بجانب أذني مرور الكرام، وحاوطت القلم بأناملي مسجلةً إسمي وعمري ورقم هاتفي.
قرأت الخانات التالية بتوتر وأعطيته نظرة يائسة ليسحب الورقة من أمامي بهدوء.
" هذا فقط ؟ ألت طالبة جامعة ؟"
" لا." بددت شكوكه بخفوت.
" لا تستطيعين العمل هنا إذا كنت لم تنهي تعليمك الثانوي على الأقل."
" في الواقع أنا لا أذهب للمدرسة أيضًا."
" اذًا ؟"
رفعت عيناي محدقة بنظراته الحارقة نحوى، مترقبًا حريصًا، وفركت رأسي في محاولة فاشلة لأن أفكر في رد مناسب.
" يمكننا تجاوز هذا الآن." قال، ثم أكمل جادًا." نيلان ميديشي..أظن أنني سمعت هذا الإسم من قبل، هل تمتلكين خلفية ذات سلطة تُذكر؟"
" لا."
" لذا..خبرات سابقة في العمل ؟" سأل متن*دًا بنفاذ صبر واضح، وإختفى شحوب وجهي فورًا لتحل محله ثقة جامحة. " بالطبع ، عملت سابقًا في تنظيف الحمامات في فنادق عدة وتوليت أمر تنظيف الشوارع كثيرًا، أتذكر أنني عملت لمدة نصف عام في توزيع الحليب على المدينة كل صباح وعملت في نقل وتغليف صناعات عدة، كذلك عملت لفترة وجيزة كمربية أطفال."
غيم الصمت سماءنا الداكنة بهدوء..لا يوجد ما يُسمع في هذه الغرفة سوى الضجيج المحبوس خارجًا وتنفسنا البطيئ. بعد عدة ثوانٍ أمطر رده بقسوة." لا أرى لهذا علاقة بطبيعة عملك هنا، سأعتبرك بلا خبرات تذكر."
فرقت شفتاي متأهبة للرد، وأصمتني للأبد حين سبقني معقبًا.
" أعتذر، لا أستطيع قبول عاملة لا تمتلك سوى إسمها."
رن الجرس معلنًا خروجي خاوية كما جئت، و تن*دت بثقل بعد أن نظرت للسماء الضيقة وسط تلك الطائرات العائمة في الأعلى.
" أسفة أيتها الجريدة..يبدو أن إسمي وحده لا يكفي."
إختفت ملامح الإحباط بعد عدة دقائق لا تُذكر، وأرخيت جسدي فوق سلالم المقهى بعد أن قررت أن أحصل على جرعتي اليومية من الإسترخاء، أراقب الطرق تتنافس على العبور بصخب مزعج.
لم تمر سوى بضعة دقائق وتوقفت سيارة سوداء ذات طراز فخم بقرب المقهى. وخرج شابين متجهان نحو السلالم التي أجلس عليها.
" أنتِ..؟" حركت عيناي نحو نداءه العميق بترقب.
كان شابًا من هاذان اللذان جاءا للتو، بشعر أ**د داكن وبشرة بيضاء متوسطة، عبث في جيبه قليلا ثم سحب عدة أوراق ومد كفه لي سريعًا.
" لا يسمح للمتسوليين بالجلوس هنا، خذي هذه واذهبي." أودف بتكلفٍ مبالغ به، وحركت عيناي بينه وبين ما بكفه عدة مرات بالعةً بريقي.
من مظهر النقود في يده فهي تكفيني لشراء الطعام والسجائر لمدة ثلاثة أيام.
بلعت ريقي مجددًا، ومددت يدي بترددٍ بعد ثوانٍ من التفكير ساحبة النقود لجيبي.
" الآن اذهبي." أمر بنبرة عميقة لينة، كأن صوته نوع من تنويمٍ مغناطيسيٍ يحدث بكامل إرادتك.
إستقمت وبدأت بالسير نزولًا عن السلالم عندما إلتقت عيناي بعينا الشاب الآخر لأقل من الثانية..وتتبعت عيناي ذاك المظهر المتلألئ يشق طريقه من جيب السترة حتى يسقط أرضًا.
رن الجرس من خلفي معلنًا الولوج، وتقدمت لألامس عقدًا ذهبيًا مرصعًا ببعض الجواهر يسترخي على السلالم.
" يا الهي.." بلعت ريقي بتوتر، مجددًا أتصارع بين رغبتي في سرقه كما السجائر ورغبتي في العبور من خلف هذا الباب الذي ألقاني خارجًا قبل فترة.
فركت شعري بجنون بينما أوزع نظرات معجبة نحو الثورة التي وسط أحضاني الآن، ودفنت أفكاري الإجرامية لقليلٍ من الوقت بعد أن قررت إنتظارهما ليخرجا مجددًا فأعيده من حيث جاء.
" أحسنتٍ، نيلان..لا مزيد من المشاكل." هامست نفسي بعد أن عاودت الجلوس على رصيف الشارع نافضةً الثلوج الخفيفة من تحتي.
كان ذلك حين مرت ساعة..ساعتين..ثلاث، و لم يخرج أحد.
___________________________
أطلقت تآوهاتٍ مكتومة حين شعرت بوجود يستمر بدفعي بإستمرار. عندما إستفقت كان هنالك مسنٌ ببذلة رسمية وجسد ممتلئ يصيح ممتعضًا.
" إبتعدي عن الطريق ! ألم يعلمك أحد القراءة؟ ممنوع الإنتظار! "
نظرت حولي لأجد الشمس تتوسط السماء والشوارع مزدحمةً كما لم تكن قبلًا، أصوات السيارات تعلو أكثر فأكثر صارخةً على ذاك الذي أوقف سيارته وسط الطريق كي يوبخ فتاة مثلي.
وكل ما خطر ببالي في تلك اللحظة هو أنني قد غفوت لأربع أو خمس ساعات على الأقل.
نهضت بتعب وإعتذرت بنبرة ناعسة للمسن الذي لم يرمش له جفن حتى ظل يدفع كتفي بثقل عدة مرات متتاليه.
" ماذا ساستفيد من أسفك؟ هل ستعوضينني عن التأخير الذي تسببتِ به مثلًا؟ " على صوته النحيف نسبيًا ليلفت أنظار كل من حولنا، ومع ذلك لم يتدخل أحد.
تلك الفكرة المحفورة عميقًا بعقول الجميع كانت تقوم بعملها، 'ما يحدث للناس لا يحدث لنا'، ولذلك فتجد تلك الأعين المختلفة تلتصق بالأرض وكأنها لم ترني توًا.
" أعتذر أيها السمين ولكن الرصيف لم يكتب بإسمك!"
قاطع ذاك المشهد المثير للشفقة صوت قوي صاخب مألوف.
" ساولو! ماذا تفعل هنا؟ " سألته بدهشة بعد أن إلتقطت لمعة الغضب في عيناه، وكان ذلك نذير شؤم واضح.
شعرت بيدٍ دافئة تغلف كفي ثم تسحبني للأعلى، وصوت ساولو يتهدج قرب أذني هامسًا " إركضي فور أن أعد لثلاثة."
اومأت بالإيجاب، وهمس بينما يقترب منه المسن غاضبًا " واحد."
" بالطبع، عصابات المراهقين أليس كذلك؟"
" إثنان."
" هل تعرف ما الذي يمكنني أن أفعله بكما الآن؟ هل فكرت بهذا قبل أن- قاطع صياح ذاك المسن الهمجي ركله سولو تستقر تمامًا بين ساقيه، ثم صرخ بكلمته الأخيرةً عاليًا.
" ثلاثة!"
~~~~~~~~~~~
رأيكم في البداية ؟
رأيكم في شخصية نيلان؟