9

1824 Words
بدأ خليل يستعد لخطبة ثريا ... فاجتهد في عمله .. وراجع ادخاراته .. فوجدها لا بأس بها .. وتكفي لتقديم مهر محترم .. ولتجهيز منزل صغير مستأجر .. كما بدأ في البحث عن مص*ر دخل آخر يدعم به وضعه المالي .. حتى يستطيع أن يوفر لها حياة جيده ... فهو لا يحب الاعتماد على مال أبيه .. فلطالما آثر الاستقلال عنه ماديا وكان يتدبر أموره بطريقة أو بأخرى ... عاد خليل إلى الواقع مجددا .. هاهو لا يزال منتظرا في غرفة الانتظار في المستشفى .. ولم يحن بعد موعده مع الطبيب .. لفه الاكتئاب لأنه لم يستطع أن يفي لثريا بوعده الصامت .. فالظروف كانت أقوى منه .. أقوى من حبه لها .. لابد أنها شعرت بالخذلان حين لم تسمع منه خبرا .. حين لم يحاول الوصول إليها .. لابد أنه سبب لها الكثير من الحزن والألم ... دخلت الممرضة تنادي باسمه .. حان موعده مع الطبيب .. ابتسمت له الممرضه وسألته عن حاله .. فبادلها الابتسام وقال لها بأنه بخير .. وعلى أحسن ما يرام ... فقادته الممرضة إلى غرفة الطبيب .. وطمأنته بأن كل شيء سيكون على ما يرام .. وأن هذا الموعد ما هو إلا زيارة روتينيه .. فابتسم لها مؤكدا بأنه واثق من ذلك .. وليس خائفا من شيء .. فهو بالفعل يشعر بأنه بخير ... دخل خليل إلى الطبيب فحياه بحرارة .. ثم طلب منه الجلوس والسماح للمرضة بقياس ضغطه وحرارته قبل أن يبدأ الطبيب بالكشف عليه وقبل أن يتحدثا سويا في آخر التطورات ... لم تكن حرارته مرتفعه .. بل كانت طبيعيه .. والضغط كذلك كان طبيعيا .. قاست الممرضة وزنه .. وعلقت على الزيادة الملحوظة في الوزن .. وقالت له : جيد ، يبدو أنك تسترد عافيتك .. فقد ازداد وزنك أربعة كيلوات عن آخر مرة كنت فيها هنا .. خليل : نعم بالفعل .. إنني أسترد وزني بشكل جيد ولله الحمد .. الممرضة : هذا مؤشر ممتاز على أنك تتحسن .. خليل : أشكرك لطمأنتي ...... الممرضة : لا داعي للقلق .. سيطمأنك الطبيب بنفسه بعد قليل .. تأكد من ذلك ... ما إن أتمت الممرضة تدوين ملاحظاتها .. حتى سلمتها للطبيب .. و خرجت من الغرفة تاركة خليل والطبيب وحدهما ....... استقبل الطبيب خليل بكل حفاوة وترحيب .. وطلب منه الجلوس ليتبادل معه الحديث حول صحته العامة وكيف يشعر وما إلى ذلك من أمور .. الطبيب : كيف حالك الآن ياخليل ؟! خليل : إنني اشعر بتحسن .. إلا أنني أصاب بالتعب والإرهاق سريعا .. فلا استطيع مثلا الخروج لأكثر من ساعتين متواصلتين يوميا .. الطبيب : هل أصبت بالإغماء مؤخرا ؟! او بتسارع في دقات القلب ؟! أو تعرق بارد ؟! خليل : في الحقيقة لقد أصبت بالإغماء قبل يومين .. إلا أنني سرعان ماستفقت وشعرت بتحسن .. الطبيب : خليل .. يجب أن اتكلم معك بصراحه ... إنك لست ولدا صغيرا ويجب أن تقدر خطورة الوضع الذي مررت به .. والذي قد تعود إليه إن لم تعتني بنفسك وبصحتك جيدا .. خليل : إنني أعتني بنفسي يادكتور .. ولكني أريد التنزه والاستمتاع بوقتي كذلك .. الطبيب : خليل .. إن مرضك لا شفاء له .. إنه نوع نادر من الأمراض يصيب واحد في الألف او الألفين من الأشخاص .. وقدر لك ان تكون منهم .. يجب ان تتقبل واقع أنك لست كغيرك من الناس .. فمرضك يتطلب اهتماما كبيرا بصحتك .. خليل : هل تعني يادكتور بأنني لن أعيش طويلا ؟! الطبيب : لقد تجاوزت مرحلة خطيرة من المرض .. وقد تم اكتشاف المرض قبل تفاقم الأعراض .. وتمكنا من جعله تحت السيطره .. إلا أن المرض قد ينشط مجددا .. إن لم تعتن بصحتك .. فكل الأدوية التي تستخدمها ماهي إلا أدوات تساعد في تهدئة المرض .. وخموله .. خليل : هل معنى ذلك بأن المرض قد يعود مجددا ؟! الطبيب : لقد قلت لك بأن هذه الخلايا المسببة للمرض تمر بقترات من النشاط و فترات من الخمول .. ونحن بالعلاج نساعد على جعلها خاملة .. إلا أننا لا نستطيع القضاء عليها .. ولكي تبقى بصحة جيدة .. وتمارس حياتك بشكل طبيعي .. عليك الإعتناء بصحتك .. خليل : كيف ذلك يا دكتور ؟! الطبيب : عليك اولا ألا تتعرض لأشعة الشمس لفترات طويله ..فالخلايا تنشط بكثرة التعرض لأشعة الشمس .. كما عليك أن تتبع نظاما غذائيا متوازنا .. وتمارس الرياضة بانتظام حتى تساعد على تقوية عضلاتك لدعم العظام .. كما عليك ألا تجهد نفسك كثيرا في نشاطاتك اليوميه .. فلا ترهق نفسك بالتمارين .. ولكن تمرن باعتدال .. وخذ قسطا كافيا من النوم ... كما يجب أن تبتعد عن كل مصادر التوتر والإزعاج .. وابتعد عن كل ماقد يسبب لك القلق والتوتر .. خليل : وماذا عن الأدويه ؟! الطبيب : سنحاول تخفيف الجرعات التي تتناولها الآن .. إلى أن نصل إلى الجرعه التي ستستقر عليها لبقية حياتك .. خليل : ومتى ستقرر يا دكتور ماهي الجرعه المناسبة ؟! الطبيب : أقترح ان تبقى هنا لشهرين آخرين .. نتأكد فيهما من استقرار الحاله .. ونحدد الجرعه الملائمة .. ولكن لا تنسى أن تتصل بي عند أي ألم عارض تشعر به ولو كان بسيطا .. خليل : وماذا بعد الشهرين ؟! الطبيب : سأطلب منك بعد ذلك ان تقوم بزيارتي مرتين سنويا .. للاطمئنان على صحتك .. فلن تحتاج لأكثر من ذلك إن اتبعت تعليماتي بدقة .. كما سأقترح عليك أسماء الأطباء الذين يمكنهم متابعة حالتك هناك في قطر .. ولا تنسى أن تتصل بطبيبك هناك عند أي ألم تشعر به .. وإن لم تجد طبيبك .. يجب أن تخبر الطبيب الذي سيعالجك بتاريخك المرضي .. خليل : حسنا يا دكتور .. شكرا لك على هذه المعلومات الوافيه .. وسأنفذ تعليماتك بحذافيرها .. الطبيب : إلى اللقاء في الوقت الحاضر .. وأراك بعد أسبوعين من الآن .. خليل : إلى اللقاء ... خرج خليل من عند الطبيب والخوف يملؤه .. ماذا يقصد الطبيب حين قال بأن المرض سيبقى معه طوال حياته ؟! هل بإمكانه أن يتزوج ؟! هل بإمكانه أن ينجب أطفالا ؟! هل سيعيش ويراهم يكبرون أمام عينيه ؟! هل سيتحقق حلمه في الارتباط بثريا !؟ أسئلة وأسئلة تدور في رأسه .. لم يفكر بها مسبقا لأنه حاول التهرب منها .. حاول إقناع نفسه بأنه أصبح في أفضل حال .. وأن مامر به لم يكن إلا سحابة صيف .. مرت وانتهت .. ولكنه الآن مجبر لمواجهة الواقع .. مجبر على الاعتراف بأنه ليس كغيره من الشباب الذين في مثل عمره ويمتلؤون شبابا وقوه .. بل هو شاب مريض وضعيف .. أراد خليل ان يعرف كل شيء حول مرضه ... فهناك أسئلة خجل أن يسأل الطبيب عنها .. فتوجه إلى مكتبه قريبه .. واتجه إلى حيث الكتب الطبيه .. ترى .. هل يشتري كتابا أجنبيا ؟! أم يتوجه إلى مقهى للإنترنت ويبحث عن معلومات حول مرضه باللغة العربية أولا .. وإن لم يجد .. اشترى كتابا أجنبيا . .. فهو يريد أن يفهم كل تفصيلات المرض .. ويخاف إن هو اشترى كتابا أجنبيا أن تستغلق عليه بعض الأمور ويستعصي عليه فهم كل شيء .. خرج خليل من المكتبة وتوجه إلى مقهى للإنترنت .. وما أن دخل إلى صفحة البحث .. حتى طبع اسم المرض " مرض الذئبة العام " .. وجد مواقع عدة تتناول المرض بالتفصيل .. ومعلومات وافية حوله .. فأخذ يقرأها بتمعن وتركيز .. فوجد أن أعراض المرض تتفاوت من شخص لآخر .. وتختلف حدتها وخطورتها كذلك .. فهناك من يصابون بأعراض خطيرة قد تؤدي إلى إلتهاب في أعصاب المخ ونزيف حاد في المخ وبالتالي الوفاة .. وهناك من يصابون بأعراض خفيفه كالطفح الجلدي أو تساقط شعر الرأس .. وهناك من يصابون بالتهاب في الكلية أو الرئة .. وكما قال الطبيب .. فإن هذا المرض يعتبر مرضا مزمنا .. قد يحمله الإنسان لسنوات إلا أن أعراضه قد لا تظهر إلا في وقت متأخر ، وهو ناتج عن خلل في جهاز المناعة .. تقوم من خلاله الأجسام المضادة للبكتيريا الموجودة في جسم كل إنسان بمهاجمة الخلايا والأنسجة العضويه للإنسان بدلا من مهاجمة البكتيريا والجراثيم .. عند هذا الحد .. توقف خليل عن القراءة .. فما عرفه أكثر من كاف ليقرر بأنه لا يستطيع أن يظلم ثريا معه .. لا يستطيع أن يجعلها تقاسي معه وتتحمل مرضه الذي لاشفاء منه .. يجب أن يعاملها بطريقة مختلفه .. يجب أن يبين لها بأنه لم يعد يكترث لها .. يجب أن يحاول تجنبها .. لتنساه وتحب وتتزوج سواه .. شعر خليل بطعنة ألم عميقة حين فكر في أن ثريا ستكون لغيره .. ترى هل ستنساه ؟! هل تقبل بغيره زوجا لها ؟! انحدرت دمعة حزينة على خد خليل .. ونهض مكتئبا .. وتوجه إلى صندوق الدفع ليدفع المستحق عليه لاستخدامه الانترنت .. لم يرد خليل العودة إلى المنزل حتى لا تراه والدته بهذه الحالة فتقلق عليه .. فقرر أن يتوجه إلى النهر .. فيركب المركب ويتنفس هواءا نقيا .. وما ان انطلق به المركب حتى شعر خليل باسترخاء وهدوء .. وغرق في ذكرياته ورحلته المؤلمة مع المرض .. تذكر فرحته وسعادته باقتراب الموعد الذي سيخطب فيه ثريا .. وكيف أنه كان يحلم باليوم الذي سيفاجأها فيه بالخطوبة .. تذكر كم حلم باليوم الذي سيكونان فيه سويا .. ثم تذكر كيف بدأ يشعر بأعراض غريبه لم يسبق له ان شعر بمثلها .. كان اول عارض يصيبه طفح جلدي أصاب بطنه وص*ره وأطرافه .. لم يعره اهتماما في البدايه .. إلا أن الطفح بدأ في الانتشار بشكل ملحوظ .. فتوجه للطبيب الذي طمأنه وأعطاه عدة مراهم .. قائلا بأن الطفح سيزول خلال أيام .. ثم تذكر كيف بدأت شهيته للطعام تضعف .. وكيف فقد وزنه بشكل مفاجئ .. فقد فقد قرابة العشرون كغم .. مع أن جسمه كان متناسقا .. ولكنه أيضا لم يعر فقدانه للوزن أي اهتمام .. فقد يكون ضعف الشهية أمرا طبيعيا .. يصاب به الكثيرين وخاصة حين يكون فكرهم مشغولا بأمور مهمة كالزواج .. تذكر أيضا كيف أنه بدأ يشعر بالخمول والإرهاق لأقل مجهود يقوم به ... وكيف أنه كان يميل للنوم لساعات طويلة .. وتذكر حالات الإغماء المفاجئة التي كانت تنتابه .. ودقاق قلبه المضطربة .. كما تذكر حالات التعرق التي كانت تصيبه .. وصعوبة التنفس .. خلال كل تلك الأعراض .. ومرض خليل المتواصل .. نسي الجميع امر الزواج .. فقد كان الكل قلقا على صحة خليل المتدهورة بشكل ملحوظ .. وما كان يؤلم الجميع .. بأن الأطباء لم يعرفوا تشخيصا لما يعانيه خليل .. وكانوا يرجعونه إما لفقدان الوزن .. أو للقلق .. أو لسوء الحالة النفسية .. استمرت حالة خليل في التدهور يوما بعد يوم .. فكان يدخل المستشفى لأيام .. ثم يخرج منها ليعود إليها مجددا .. إلى أن أجري له فحص دم .. تبين منه أنه مصاب بفقر دم حاد .. وقد كان فقر الدم هذا مفاجئا ومحيرا للأطباء.. وخاصة نظرا للانخفاض الكبير لكريات الدم البيضاء .. فشك الأطباء بأن يكون خليل مصابا بسرطان الدم .. اعيدت له التحاليل مرة تلو المرة .. إلى أن قرر الأطباء ضرورة سفره للعلاج بالخارج .. وأبلغوا أهله بأنه مصاب بسرطان الدم .. فزع الجميع من الخبر .. وأصيبوا بانهيفار تام في البداية .. إلا أنهم تجلدوا .. وقووا من عزمهم .. وقرروا الصبر مع خليل حتى النهاية .. حين علم خليل بمرضه أصيب بصدمة تامة .. إلا أنه صبر وتوكل على الله .. وهو يأمل أن يشفيه .. ويعود بكامل قوته وصحته .. ما إن وصل خليل إلى لندن للعلاج .. منذ ستة أشهر حتى طمأنه الأطباء إلى أنه ليس مصابا بالسرطان .. وأن مرضه اقل خطورة بكثير .. ولكنهم حذروه من طول فترة العلاج .. وانه قد يمر فترات تكون حالته خلالها أسوأ بكثير من حالته الراهنه ..
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD