المقدمة
^^المرأة مثل الزهرة، إن اقتلعت من مكانها تموت^^
ويليام ش**بير
──
مبنى زجاجي عالي، ذو ت**يم حديث و مهيب، موظفين يدخلون و يخرجون من ذلك الباب البلوري الذي يفتح أوتوماتيكيا، كان خارجه هادئا ع** ما يحدث بالداخل تحديد بالطابق الرابع حيث كان الجميع يتحرك هنا و هناك بسرعة، بخوف و توتر يظهر على ملامحهم الجميع مرتعب من ذلك الإجتماع المفاجئ الذي نوى رئيسهم عقده بعد خمس دقائق...
أوراق مرمية على الأرض، و أخرى متطايرة بالهواء و من بين ذلك الحشد ركضت إحداهم بملابسها التي لا تنم للرسمية بأي شكل من الأشكال، شعرها البني يتطاير خلفها بفعل سرعتها، ترتدي قميصا أ**د بدون أكمام و عليه رسمة جمجمة فضية اللون، و بنطالا ضيقا من الجلد الأ**د مع حذاء ذو عنق متوسط الطول، الخواتم يملئون كف يديها، أحمر شفاه غامق ذو لون نبيذي، الكحل يزين عينيها البنيتين برموشها الطويلة، و رغم مظهرها الخطير الا أنها كانت أكثر من مرتعبة و هي تركض بذلك الممر مقتحمة ذلك المكتب فاتحة الباب على وسعه حتى يكاد يرتطم بالحائط على الجانب....
"إيروكا، القائد يطالب بحضورك فورا..."
بنبرة متسرعة و من بين أنفاسها اللاهثة أردفت بقلب يخفق بقوة، الا أن الجالسة خلف مكتبها لم تتحرك و لم تفزع بل بقي نظرها للأسفل مركزة بتلك الأوراق أمامها ببرود سيجارة رفيعة بين أصبعيها بين فينة و أخرى ترفعها الى شفتيها لتمتص النيكوتين بداخل السيجارة ليتغلغل الى أعماق ص*رها...
بروية و بعدم مبالاة رفعت عيناها الى الواقفة أمامها و عادت بظهرها الى الخلف لتستريح على ظهر مقعدها مهمهمة بعدم إهتمام و قالت : إذاً، دعيه ينتظر قليلاً لا زلت مشغولة بعض الشيء...
بدهشة و عدم إستيعاب إقتربت الأخرى من إيروكا و لا يفصل بينهما سوى ذلك المكتب الذي أسندت عليه إيروكا قدميها و بغل ض*بت كفيها على سطحه هامسة بحدة : يا فتاة أقسم بربي أنني لا أحتمل كمية البرود الذي بداخلك، هيا إنهظي حالا دعينا نرى ما سببه طلب الرئيس لمجموعتنا، أيتها النائبة حظورك مهم بهذا الإجتماع...
إبتسمت إيروكا بسخرية تنظر الى سيجارتها التي تحترق ببطء دون إهتمام لغضب الأخرى، اللامبالاة و البرود يسريان بشرايينها بدل الدماء، ما تقوله تنفذه فورا دون عناء و إن قالت أنها ستدع الجميع ينتظر هي ببساطة ستجعلهم ينتظرون غصبا...
"هل سألت نفسك يوماً كريستا، لماذا المدخن يموت!؟.."
همست بجمود ناظرة إليها بعيونها الحادة لتبتلع كريستا رمقها ببطء تحاول أن تفكر بإيجابة لسؤالها الغريب و الذي لم يكن بوقته المناسب أبداً، هي تكاد تحترق بسبب تفكيرها بالإجتماع و الأخرى تفكر بأمر بعيد كل البعد عن الاجتماع اللعين..
بجدية هي متأكدة بعقلها أن نائبة القائد مختلة عقليا، مجنونة باردة مستفزة و قاتلة مجرمة، كل تلك الصفات تجتمع بتلك الجالسة على عرشها كالملكة، و ليست أي ملكة بل هي ملكة الجليد إمبراطورة البرود و الإستفزاز...
"السجائر كالحب كريستا، يسلبك أنفاسك و خفقات قلبك بكل بطء و ألم خفقة بعد خفقة حتى يتوقف قلبك عن العمل و تصبح انسانا يعيش على الألم، بدون قلب فقط روح تصيح بكل وجع......"
إبتسمت بآخر جملتها إبتسامة غامضة و غير مفهومة الا أنها جعلت الواقفة أمامها ترتجف كل ذرة بداخلها، تحاول أن تبقى ثابتة أمام جبروتها الا أنها كغيرها مجرد الوقوف أمامها يجعلها تنصهر إجبارا تخضع و تضعف أمام قوتها...
إتسعت عينيها بذهول ما إن قامت إيروكا بإطفاء السيجارة بإصبعيها و رمتها بسلة المهملات بعدم مبالاة قبل أن تنهض معدلة سترتها و بكل غرور و شموخ سارت بكعبها العالي خارجة من المكتب تاركة كريستا بصدمتها قبل أن تركض خلفها تحاول أن تجاري خطواتها، فرغم أنها ترتدي حذاءا مريحا الا أنها تشعر بنفسها تكاد تقع ع** الأخرى و كأن الكعب صنع من أجلها، لتسير كالملكة بين العامة تجبر الجميع على أن يتنحى عن طريقها مخفضين رؤوسهم بإحترام...
دخلت الى قاعة الإجتماعات العملاقة و خلفها كانت تسير كريستا مخفضة رأسها الى الأسفل تطالع الأرضية الرخامية البيضاء بعيون شاردة ثم إقتربت و إتخذت مقعدها بجانب إيروكا التي جلست واضعة قدما فوق الأخرى و كادت أن تشعل سيجارة أخرى لولا دخول الرئيس من الباب المخصص له، وضعت العلبة بجيب بنطالها و ضمت قبضتيها مسندة إياهما فوق فخذيها...
جلس مترأسا تلك المجموعة المتكونة من سبع أفراد ثلاث فتيات و أربع رجال من بينهم القائد، كان كل منهم جالسا بمقعده بينما كان القائد أمام إيروكا من الجهة المقابلة على يمين الرئيس يعبث بتلك القداحة الفضية بين أصابعه مسندا مرفقه فوق الطاولة و كفه أسفل خده ينظر إلى ما يفعله بشرود غارقا بتفكيره عميقا قبل أن يشعر بض*بة أحدهم على كتفه موقظا إياه من سهوة أفكاره، التفت الى أحد موظفيه الجالس على جانبه الأيسر و الذي أشار بعينيه الى الأمام جعله يتبع مسار نظرته محولا بصره الى الرئيس الذي ينظر إليه ببرود جعل من إبتسامته المظلمة تتسع مقلصا عيناه بحدة و كانت نظرته كفيلة بأن تقتله حيا، لذا أبعد الرئيس عيناه عنه متهربا من ذلك الموت المرعب الذي يلمع بحدقتي الآخر...
"بما أن الجميع حاضر، سأود أن أخبركم أننا بصدد الدخول بمهمة جديدة خارج البلاد، هذه المهمة مختلفة عن كل ما قمتم بإنجازه بالسنوات الماضية، نحن الآن بحرب مع العصابات و ليست مجرد عصابة عادية، الأخطر الأقوى و الأشد فتكا و دموية، بيرود عصابة تايغر بيرود..."
قال الرئيس كلامه بثبات ناظرا الى ملامح كل واحد منهم بتدقيق و تركيز قبل أن يثبت بصره على إيروكا التي هزت حاجبها بسخرية و إرتسمت إبتسامة مميتة على ثغرها أما هو فبادلها إبتسامة هادئة مردفا : بالتعاون مع الإستخبارات المركزية الإسبانية، مهمة الفرقة F.A26 هي القبض على المجرم الدولي تايغر بيرود..
نقرت إيروكا على الطاولة بأظافرها الملقمة قاطبة حاجبيها بضيق و قد فهمت تماما ما يريده منها بنظراته تلك، بان الإنزعاج بوضوح على ملامحها و رغم ذلك إبتسمت لرئيسها قائلة بإستهزاء : و من سعيد الحظ هذا!؟، تايغر بيرود من هذا!...
كان دور القائد ليتحدث هذه المرة و قد نظر إليه الجميع بتركيز حينما حمحم غارسا أصابعه بخصلات شعره السوداء مجيبا ببرود : تايغر بيرود، خلف قناع رجل الأعمال هو مجرد مسخ مجرم يفعل كل ماهو ضد القانون للمتعة فحسب، تبييض أموال قتل تهريب أسلحة و م**رات، بالنسبة للمجرمين الذي القينا القبض عليهم يعتبرون أبرياء أمام تايغر، و*د مهووس بالدماء يتلذذ بصرخات أعدائه و الهدف من مهمتنا هو إيجاد دليل يثبت نجاسته، فكل ما قلته للتو ليس عليه أي دليل واحد يثبت صحته...
نظرت طويلا الى عيناه العشبية دون أن ترمش للحظة، إستمعت لكل حرف قاله بتركيز و بدأت تدرس خططها منذ تلك اللحظة، بقيت تفكر طويلاً و إبتسامة سوداء تعلو ثغرها الا أنها ما إن تذكرت شيئا حتى تلاشت إبتسامتها كتلاشي أفكارها و نظرت الى الرئيس بعيون حادة و دون أن تشعر نهضت قائلة بإعتراض : أنا أعتذر سيدي، فلتعفيني من هذه المهمة لن أستطيع أن أسافر....
أمسكت كريستا يدها تحثها الجلوس هامسة بتوتر : إيروكا، أيتها الحمقاء إهدئي...
زفرت إيروكا أنفاسها بثقل و هي تعود الى مقعدها قابضة على فكها بغضب و عيناها تسودان شيئا فشيئا، لا تريد أبدا أن تفعل شيئا ضد رغبتها و على ما يبدو أنها هذه المرة سيتم إجبارها لتنجز تلك المهمة، كورت قبضتيها بعنف حتى إبيضت مفاصلها و كم تمنت تحطيم قاعة الإجتماع بمن فيها، عيناها لا ترتفعان من فوق تلك الأوراق لا تريد أن يزداد غضبها برؤيتها لوجه رئيسها و تنسى مقامه و حينها فليترحم على روحه...
تن*د الرئيس ثم نهض من مكانه و قبل أن يستدير ليغادر قال بإبتسامته الهادئة : والدتك ستسافر برفقتك إيروكا، كنت أعلم أنك سترفضين السفر بسبب هذه المشكلة و الآن ليس لد*ك أي شيء لتعترضي بشأنه، أنا أعتمد عليك أيتها القطة السوداء واثق أنك ستنجزين مهمتك على أكمل وجه، سيتكفل ستيڤ بإخبارك عن باقي التفاصيل و أتمنى لك حظا موفقا إيروكا...
غادر مختفيا وراء ذلك الباب الأ**د لتبتسم إيروكا رغما عنها و قد تسللت الراحة الى قلبها متن*دة و هي تعود برأسها الى الخلف لتسنده على ظهر المقعد و رفعت بصرها الى ذلك السقف الأبيض تنظر إليه بشرود قبل أن تستمع الى صوت ستيڤ الذي قال بنبرة هادئة : أربعة لن يسافروا، لا نريد جذب الأنظار الينا بكثرة عددنا سأختار عضوا منكم ليسافر برفقتنا أما البقية سينجزون باقي المهمة هنا..
أحدهم لم يكن سعيدا بقراره، الخوف و الرعب إحتله بالكامل، أنفاسه تسارعت بخوف و تسارعت نبضات قلبه حتى تكاد تتوقف، لسبب ما علمت انها ستكون العضو الثالث الذي سيسافر الى إسبانيا رفقة القائد و نائبته، و لم يخطأ إعتقادها حينما نظر إليها ستيڤ بإبتسامته الساخرة و عيونه التي باتت ظلاما داكنا يبتلعها مردفا بإستهزاء : كريستا أندرسون، القرصانة البارعة كم سأكون سعيداً بمجيئك معنا، جهزي نفسك للسفر بعد يومان...
أمرها دون أن يأبه حتى ان رفضت أم لا، لم يترك لها حرية التفكير بإتخاذ القرار بنفسها، إن قال أنها ستسافر هي ستفعل دون نطق حرف آخر، كرامتها مهنتها و حياتها مرهونة بين قبضتيه هو لا أحد آخر...
بكت ب**ت و ارتجفت كلتا يديها بخوف ناظرة إليه بينما كان هو يبادلها نظرة متشفية قبل أن ينهض و يخرج من قاعة الإجتماع و قد تبعه باقي الموظفين لتبقى هي و إيروكا بمفردهما...
حاولت كتم شهقتها بكف يدها تتمنى بداخلها الا تلاحظ إيروكا أيا مما يحدث لها ثم إستقامت ببطء لتغادر القاعة و حينها فقط نظرت إليها ايروكا بعيون متفحصة ترى خطواتها المتبعثرة و كيف أنها على حافة الإنهيار تكاد تقع أرضا لشدة قهرها حتى خرجت و توارت عن ناظريها...
تن*دت إيروكا ب**ت ثم عادت لتهز رأسها الى السقف هامسة بحنق : مالذي تحاول فعله ستيڤ...
شردت هذه المرة بعيدا و الأفكار المزعجة تحيط بها من كل صوب، تلك هي المرة الأولى التي تسافر فيها خارج الولايات المتحدة، و ليست أي بلاد عادية إنها إسبانيا بلادها الأم و حيث ولدت هي، إيروكا ذات أصل إسباني من أم و أب عاشا و ترعرعا بمدينة برشلونة قبل أن تأتي والدتها الى نيويورك بعد موت والدها كما أخبرتها، هنا عاشت إيروكا خمس و عشرون سنة بحياتها بأمريكا و لم تسافر الى الخارج يوما، الا أنها هذه المرة أجبرت على السفر و العودة الى بلادها الأصلي الذي تمنت زيارته لسنوات عدة...
أخرجت أنفاسها المحتقنة من ص*رها قاطبة حاجبيها بضيق و هي تفكر كيف ستكون ردة فعل والدتها بعد معرفتها لهذا الخبر، لقد قطعت عهدا لوالدتها أنها لن تغادر خارج حدود أمريكا و لن تفكر مجرد تفكير بأن تسافر الى إسبانيا بالذات، لكن تبا مهمتها ضد رغبة والدتها...
"تبا لي و لعملي و حياتي البائسة، مالذي سأفعله بحق خالق الجحيم، و من هذا تايغر بيرود واللعنة..."
مسحت وجهها بكفيها شاعرة بالضيق الشديد من أوامر رئيسها ثم نهضت لتخرج من قاعة الإجتماع متجهة بخطواتها الثابتة الى مكتب ستيڤ الا أنها تجمدت مكانها بمنتصف الممر ناظرة الى ستيڤ الذي يوبخ كريستا قابضا على ذراعها بعنف شديد حتى يكاد ي**ر عظامها، أما هي فكانت الدموع تلطخ وجنتيها قاطبة جبينها بألم تحاول أن تفك ذراعها من بين قبضته القاسية الا أنها لم تستطع...
رأته يقترب منها و همس بأذنها شيئا جعل كريستا تتجمد مكانها و تجزم أنها نست التنفس لثوان كما إنحبست دموعها بداخل جفنيها قبل أن يتركها مغادرا الى مكتبه و أغلق الباب خلفه بعنف حتى يكاد ي**ره...
إلتقت نظراتهما بذلك الممر لتبتلع إيروكا رمقها بغصة و هي ترى الألم يبرق بعيناها، ترى القهر و الأسى ينهشانها كانت تلك المرة الأولى بحياتها ترى دموع كريستا و مشاعرها، كانت ترى كرها عميقا بداخلها كرها قاتلا محبوسا ينتظر الخروج ليقتل ستيڤ، كم بدى ذلك الظلام مريبا لإيروكا التي لم تفهم شيئا مما يحدث...
سارت نحوها لتقف أمامها و لا يفصل بينهما سوى خطوة واحدة و بتردد رفعت كفيها لتمسح دموع كريستا التي لا تتوقف عن الإنهمار كالسيول الغزيرة...
"أنا أكرهه، أنا أكرهه بشدة إيروكا..."
همست من بين شهقاتها المتألمة لتزفر إيروكا أنفاسها و أخفضت بصرها الى ذراع كريستا حيث وجدتها حمراء و علمت أثار قبضته على بشرتها الحنطية لتشعر بالفضول يزداد بداخلها أكثر من السابق، الا أنها فضلت ال**ت على أن تزيد من ألم صديقتها...
"أخبريني مالذي فعله ستيڤ، و مالذي كان يقوله لك منذ قليل..."
أردفت بإستغراب لتمسك كريستا كفي إيروكا مبعدة إياهما عنها و عادت للخلف خطوتان تهز رأسها نفيا و إبتسمت بزيف قائلة : لا شيء، أرجوك إيروكا دعينا لا نتحدث في هذا الأمر مجددا، و حينما تنتهين من عملك دعينا نخرج معا، إشتقت الى روز أريد رؤيتها...
نظرت اليها ايروكا ب**ت و إنزعاج من تغييرها للموضوع و ما لبثت أن تن*دت هازة رأسها بإيمائة صغيرة لتفر كريستا راكضة في حين بقيت إيروكا واقفة بمكانها ثوان عديدة، ثوان عديدة قبل أن تسير بخطوات غاضبة قابضة على فكها بحدة و إقتحمت المكتب بعنف و همجية لم تأثر بذلك الجالس على طاولة مكتبه بل كان منغمسا بالأوراق التي أمامه و بهدوء رفع رأسه تجاهها ينظر اليها بعدم إهتمام...
إبتسم و هو يرى عيناها تلمعان بشرارة قاتلة، جسدها بأكمله يرتجف غضبا و غيضا و يجزم أنه يرى موته ببنيتاها، تعذبه بشدة و تتلذذ بدمائه اللعينة و هذا جعل إبتسامته تتسع معتدلا بجلسته على مقعده واضعا قدما فوق الأخرى بغطرسة كملك على عرشه، عيون خضراء باردة كالثلج و عيون بنية تشتعلان كالسعير الحارق، حرب عيون لا يوجد فيها سوى رابح واحد الا و هو ستيڤ الذي إنمحت إبتسامته من على ثغره قائلا : هل ستظلين تحدقين بي طويلاً!؟، قتلتني و سلخت جلدي عن عظامي و دفنتني بمكان لن يعلمه حتى الشيطان، إن إنتهيت من تخيلاتك إجلسي و دعينا نتحدث عن مهمتك...
صفعت الباب بقوة أجفلت ذلك الموظف المار بقرب مكتب ستيڤ و كادت أن تقع نظارته أرضا لولا إمساكه لها، في حين كشرت إيروكا عن إبتسامة غاضبة و بخطوات واثقة سارت بإتجاهه قائلة بصرامة لم تعهدها بحياتها سابقا : فكرت و فكرت لثوان قبل أن أستوعب ما يحدث أيها القائد، ضللت أقول ما سبب خوف كريستا و ما سبب إرتجافها بكل مرة أراها، وا****ة لوهلة إعتقدت أنها خائفة من شيئ ما خارج المنظمة و حينما ركزت و عادت بي ذاكرتي الى كل لحظة أرى فيها الرعب الذي يحتلها بالكامل أجدك أنت بنفس المكان رفقتها، إعتقدت كريستا أن لا أحد سيلاحظ خوفها الا أنني فعلت إعتقدت أن لا أحد سيرى ألمها الا أنني رأيت، هل يمكنني أن أفهم مالذي تحاول فعله ستيڤ!؟، الا ترى أنها فتاة ضعيفة لا يمكنها تحمل الخوف!؟، أخبرني ستيڤ هل ربما أنت أيضا مسخ كالمسوخ مهووس بموظفتك الصغيرة!؟..
كانت تسند كفيها فوق سطح مكتبه تنظر إليه بعينان باردتان، فهي قد علمت أن غضبها لن يفيدها أبدا أمامه إن كانت تريد أن تعرف الحقيقة يجب أن تتعامل مع كل شيء بهدوء و تأني كي لا تفقد أعصابها بالأخير، هي الوحيدة من ستخسر أمامه...
كم أراد أن ينفجر ضاحكا بصخب و بأعلى صوته، كم رغب بأن يمسك رأسها اللعين و يهشمه بل و يقتلع ل**نها السليط الذي يتطاول عليه، إبتسم إبتسامة مظلمة لا روح فيها و بهدوء نهض ليسند كفيه فوق سقف مكتبه منحنيا بجذعه الى الأمام و قابل وجهه خاصتها و عيناه المظلمتان إلتقت بعيناها كالنار و الجليد تقابلا أمام بعضهما، و لا يدريان ان كانت النار ستذيب الجليد أم العكس....
أخفض بصره الى شفتيها لثانية واحدة قبل أن يعود بأبصاره الى عينيها هامسا بنبرة باردة و أنفاسه تلفح وجهها : إيروكا حلوتي، ما رأيك أن تهتمي بنفسك و لا تتدخلي بما لا يعنيك همم!؟...
نبرته الغريبة كانت تسمعها لأول مرة بحياتها ذلك الظلام الذي غزا عيناه جعلها ترتعب لكن ليس على نفسها، خافت على صديقتها التي لا تعلم بطريق من قد وقفت، حاولت بشدة الا تتأثر أو تظهر أيا من تعبيرات خوفها، و دون حتى أن تعود الى الخلف بل بقيت بمكانها قائلة بحدة : ما تفعله خاطئ ستيڤ، اتفهمني خاطئ، لا تدمر حياة الفتاة بجنونك لا تدع الظلام بداخلك يبتلع نورها، أنا لست مستعدة لأن أخسر صديقتي بسببك ستيڤ...
قبض على فكه و قبضتيه بقوة مانعا نفسه من أن يلكمها و يهشم كل ضرس و سن بفمها، يمنع شاطينه من الخروج و حينها فلترى المسخ الحقيقي بنفسها، كان كالبركان يكاد ينفجر و يذيب كل من حوله بحممه الحارقة و إيروكا إن لم تبتعد من أمامه حالا هو سيفجر بركانه اللعين بوجهها...
فهمت إيروكا نظراته القاتلة إليها و فهمت تحذيره بعينيه الا أنها كانت أكثر عنادا و هي لن تبتعد قبل أن تصل الى ما تريده...
إبتسمت بإستهزاء و إعتدلت بوقفتها ثم سارت بإتجاه تلك اللوحة الفريدة من نوعها غير مهتمة لنظراته الحارقة خلفها، بقيت تنظر إليها بتركيز تحاول أن تدرسها بحكمة و هي ترى الخطوط المتداخلة ببعضها بألوان زاهية و فاقعة، و كأن من رسمها مجنون هارب من مصحة عقلية قرر أن يرسم بخطوط ملتوية على ورقة و تباع بملايين الدولارات، هذا ما سيقوله أي شخص لا يمتلك حسا للفن و لا يفهم المعنى العميق بتلك الفوضى، إبتسمت هي بغرور و ثقة بنفسها ثم إستدرات لتواجهه من جديد قائلة : رأيت ذلك الخط ذو اللون الأرجواني صحيح!؟، الخط الوحيد المستقيم وسط تلك الفوضى و الخطوط الملتوية و الغير متناسقة، هل أنت ذلك الخط المستقيم أم أنك الفوضى بحياة كريستا، تحيط بها من كل صوب خافيا إياها وراء خطوطك الملتوية كي لا يراها غيرك، أم أنها حياتك الملبدة و المبعثرة تعيش كمسخ هارب من كل شيء له قوانين، تعيش بأكثر الطرق التواءا و تبعد عن الطريق المستقيم، لا تعرف معنى قوانين تعيش بشغف بألم و أخفيت ذلك الرجل المستقيم بداخلك تريد أن تنساه، لكن الا تعتقد أن فكرك مختلف عن واقعك!؟، عميل فيدرالي مهمته أن يطبق القوانين يعيش كمجرم يخالف قوانين الحياة!؟...
إبتسم ستيڤ بدون تعابير رغم أن عيناه تلمعان بإعجاب شديد، صغيرته بكل مرة تدهشه بذكائها و ملاحظاتها لن يفهمه غيرها و لن يفهمها غيره، يتشاركان نفس الشغف و الأفكار لذلك هما معا منذ سنوات و بكل مهمة ينجزانها يفوزان، إقترب منها ليقف أمامها بإبتسامته الهادئة التي تقع بحبها أي فتاة الا إثنان، المتمردة التي تقف أمامه و الأخرى التي تكن له كرها عميقا بداخلها، وضع كلتا كفيه بجيوب بنطاله رافعا رأسها للسقف لثوان قبل أن يخفض بصره إلى إيروكا متن*دا : القوانين صنعت لنخالفها إيروكا، لا يوجد أي قانون لعين بهذا العالم يمنعني عما أريد فعله، أنا أصنع قانوني الخاص بي حلوتي و من يريد رضا ستيڤ يجب أن يكون خاضعا لقوانينه أولا...
"كريستا ليست مجبرة على الخضوع لقوانينك ستيڤ.."
شددت على نطقها لإسمه بالأخير ناظرة اليه بعيون حادة لا تحمل اية تعابير سوى البغض و الإنزعاج أما هو فقد إنفلتت ضحكة ساخرة من بين شفتيه و إستدار مواليا ظهره العضلي إليها قائلا : ليست مجبرة، هي بالفعل ليست مجبرة الا أنني مجبر إيروكا، إما أن تنفّذ أو تموت لا حل آخر...
"أتحبها؟!.."
سألته بفضول قاطبة حاجبيها بحيرة ليبتسم ستيڤ بسخرية و قد سأل نفسه بتلك اللحظة هل هو يحبها؟!، هل الحب يعني أنه يرغب برؤيتها تتألم بكل لحظة بحياتها؟!، هل يعني أنه يتمنى قتلها بكل دقيقة تمضي بحياته، هل الحب يعني تخيله لدمائها تملآن كفيه و جثتها الممزقة أمامه؟!، هل الحب أن يشعر بال
***ة لمجرد رؤية دموعها و إستماعه لصرخاتها و توسلاتها؟!...
"حب!؟،و هل مسموح للمسوخ أن يشعروا بالحب إيروكا، المسخ ولد ليقتل ولد لينتظر موته بكل لحظة لعينة تمضي بحياته، إنما الحب هو شيء ليس من حقي أن أشعر به، هذا ما علمني إياه أبي..."
أردف ببرود عائدا الى مقعده لتبتسم إيروكا بألم، و إنقبض قلبها بحزن و إستياء شعرت بوجع كل حرف قاله بنبرته، علمت أنها قالت شيئا لم يجدر بها أن تقوله الا أنها لم تستطع أن تمنع نفسها من أن تسأله : و قلبك ماذا علمك ستيڤ...
"قلب!؟، هذه كلمة غريبة إيروكا أسمعها لأول مرة بحياتي، ما يقطن هنا صخرة أيتها الحلوة أما القلب دفن بقبر أمي منذ تسعة عشر عاما، أنا أمتلك هذا فقط و هذا يكفيني..."
أشار الى رأسه بآخر جملته راسما إبتسامة مظلمة على ثغره جعلها تخاف عليه من تلك المعتقدات التي غرست بعقله، ستيڤ لطالما كان غامضا يمتلك روحا قاتمة بداخله و شرا قاتلا لن ينجو أحدا منه، ستيڤ لم تعرف لسنة أو إثنان بل لخمس سنوات كاملة عاشت فيهم بحياته و عرفته على حقيقته التي لا تعلمها غيرها، هو أخفى ظلامه وراء ثرثرته و مزاحه طوال الوقت لكن من يدقق النظر بعيناه سيتمنى لو يختفي من على كوكب الأرض، عيناه بئر من الظلام يسحبك نحوه لتغرق بداخله عميقا دون نجاة...
"كريستا بريئة رغم مظهرها الغريب ستيڤ، هي بحياتها لم تكن هكذا و الآن بت أعلم سبب تغيرها لذلك حاول أن تبتعد عنها لا تؤذيها فهي لن تحتمل أرجوك أخي..."
رفع رأسه اليها مع نطقها لآخر كلمتها مقلصا عيناه بحدة و كم تمنى أن ينهض و يصفعها بقوة حتى يخرج عقلها من رأسها، اللعينة تلعب بنقطة ضعفه الوحيدة الا و هي علاقتهما الأخوية و تعمدت أن تناديه بأخي فقط كي يضعف أمامها و يوافق على طلبها...
"ايروكا سايرتك بحديثك لفترة طويلة و هذا ليس من إحدى عاداتي اللعينة، لذلك إجلسي و دعينا ننهي العمل اللعين الذي أجبرني الرئيس على إنهائه بنفسي..."
بان الإنزعاج على تقاسيم وجهه الرجولية و دق ناقوس الخطر بعقل إيروكا التي إبتلعت رمقها بصعوبة، و كقطة مطيعة سارت لتجلس على المقعد أمامه فخلف الإنزعاج سيأتي غضب هي لا ترغب برؤيته و تعود الى منزلها بأجزاء ناقصة، روز لن تكون سعيدة بهذا و هي بالتأكيد تكره حزن والدتها...
زفر ستيڤ انفاسه بحنق مبعدا بصره عنه لا يود أن يفضح نفسه أمامها، لا يريدها أن ترى ذلك الشيطان الذي بداخله هو سيقتل نفسه قبل أن يؤذيها بأي طريقة كانت، ليس هي على الأقل فأذيته يجب أن تكون لشخص يستحق كل الألم و العذاب...
عبث بتلك الأزرار أمامه للحظات قبل أن تظهر المعلومات التي يحتاجها على الشاشة العملاقة أمامه و قد ظهرت تلك الصورة أمام إيروكا التي إبتلعت رمقها فجأة متمعنة النظر بملامحه و تجزم لولا قرائتها لإسمه لوقعت بحبه فوراً...
"تايغر بيرود، كما ترين و*د مشهور بالعالم أجمعه إكتسح سوق الأسهم بسنوات عديدة، و لن نتحدث عن السوق السوداء هو إمبراطور على عرشها، يبلغ من العمر 32 سنة أول جريمة قام بإرتكابها منذ أن كان بعمر السابعة عشر، لم يمضي على بقائه بالسجن شهران ثم خرج ليساعد بأعمال والده منذ ذلك الحين لا أحد يسيطر عليه، ثمان عصابات من ثماني دول مختلفة يطالبون برأسه لكن لا أحد إستطاع مسكه أو أذيته، والده جيمس بيرود توفي منذ سنتين و دعيني أخبرك أن بتلك السنتين إزدادت وحشيته و أعماله القذرة..."
ظهرت صورة والده على الشاشة لتفتح إيروكا فمها على وسعه و هي ترى الشبه المريب بينه و بين إبنه، تايغر كان نسخة مصغرة من والده و كم كان ذلك مذهلا بنظرها...
"ماثيو لاسيردا محامي فاسد و مالك مجموعة لا سيردا لتصنيع غيار السيارات و الطائرات بأنواعها، لا يغرك شكله البريء إيروكا، من ترينه أمامك مختل من الصنف الأول و هو شريك تايغر بجميع أعماله و يكون أيضاً صديق طفولته الوحيد، يبلغ من العمر 31 عاما وحش دموي لديه هوس غريب بجميع أنواع الخناجر، و هو يعشق تجربتها على أعدائه لذلك إبتعدي عنه إيروكا مهمتك تايغر فحسب و ليس صديقه، ماثيو خطير و لا أنصحك بالإقتراب منه..."
لم تستمع إيروكا لأي ما قاله بل هي هائمة بملامح ذلك الأشقر الذي تعرض صورته أمامها، أبحرت بمحيط عيناه ذو اللون الأزرق الصافي و هي لا تصدق أيا مما قاله ستيڤ بحق خالق الجحيم كيف لكتلة البرائة أن يكون متوحشا، ذلك الشعر البندقي و بعض الخصلات الشقراء زادت من جاذبيته، بشرة حنطية تميل للبياض، شعيرات كالسكر الأسمر **ت ذقنه الحاد...
كانت هائمة و يكاد يغمى عليها لشدة وسامة الأخرق ماثيو الا أن تلك الض*بة التي أتتها من الخلف أيقظتها من تخيلاتها، نظرت الى ستيڤ بعيون حادة متحسسة رأسها و كم شعرت بالإنزعاج كونه قطع عليها لحظة سحرية، تبا للمهمة و لحديثه هي الآن تريد فقط أن تعود لتأملها بعيون ماثيو الى الأبد...
لكن جديته، حدة نظراته كالنصل الحاد ينخر قلبها بقسوة، علمت أنه ليس الوقت المناسب أبداً لتقوم بتشغيل ذلك الجزء التافه بمخها، فحسب ما ترى أن ستيڤ يحاول بشدة أن يبقى رزينا و يكمل حديثه دون أن يجن، كان كمن يجلس على مقعد يحترق بالنار يتحمل جلوسه بألم و **ت و ينتظر اللحظة التي يغادر فيها المكتب و يتحرر من الإختناق الذي يثقل ص*ره، إبتلعت ريقها مبتسمة ببلاهة و تصنعت البرائة بتقطيبها لحاجبيها بعبوس طفولي مزيف و لم يزد ستيڤ سوى حنقا منها، كم رغب أن يش*ه ذلك الوجه المستفز لأعصابه لكن الصبر مفتاح الف*ج ان لم يفعلها الآن سيفعلها مستقبلا، هذا إن بقيت حية و لم يكتشف تايغر مخططها...
تن*دت إيروكا بضيق ثم إعتدلت بجلستها واضعة قدما فوق الأخرى ناظرة إليه بثبات و قوة، و ها قد عادت نائبة القائد الى جديتها و إنتهى وقت اللعب الآن، هي جائت الى المكتب من أجل معلومات المهمة التي هي بصدد إنجازها، فلتترك وقت إنحرافها فيما بعد...
ضمت قبضتيها مسندة إياهما فوق فخذيها قائلة بثبات : حسنا، ما هي مهمتي الآن ستيڤ، مالذي يجدر بي فعله لننجح بزج هذا المجرم داخل السجن...
"جائتني بعض المعلومات أن تايغر يمتلك مخططا بإمكانه تدمير ولاية بأكملها، روسيا، ألمانيا، أمريكا، إيطاليا، بريطانيا، اليونان، الهند، تركيا، ثمان عصابات من ثماني دول سيفعلون أي شيء للحصول على هذا المخطط إيروكا، أتفهمين أي شيء، و مهمتنا حماية المخطط من تايغر و من الجميع، نحن لا ندري مالذي يخطط تايغر لفعله لكن حسب ما علمته أنه كاره للألمان و لديه عداوة شديدة مع منظمة سول الألمانية التي تقع ببرلين، لا نعلم ربما نستيقظ يوما و نسمع أن برلين إختفت من الخريطة و حلت الحرب العالمية الثالثة..."
كان جادا بكل حرف يقوله، جادا بطريقة جعلت إيروكا تخاف بداخلها، إعتقدت أنها مهمة كباقي المهمات الا أنها علمت أنها ستكون أخطر، أكثر فتكا من باقي مهماتها على مدار السنوات، شعور غريب يخبرها أنها بصدد الدخول الى الجحيم بقدميها و لن ينقذها أحد، أنها ستحترق كتبغ سيجارتها بكل بطء و تأني، بكل ألم و وجع حتى تلفظ أنفاسها الأخيرة وتموت ليكون مكانها الأبدي هو القبر.....
رجفة سرت على طول عمودها الفقري، و بعيون ضائعة نظرت إلى ستيڤ تحاول بشدة ألا تظهر أيا من خوفها أمامه و قالت بهدوء : حسنا ستيڤ، ماذا بعد!!!..
يتبع...