الفصل الثامن

3099 Words
الفصل الثامن الجبن والشّجاعة. غرائز وأخلاق. ، فالجبان يفر عن عرسه،. والشجاع يقاتل عمّن لا يعرفه. من لا يجد في نفسه. الشجاعة الكافية للمخاطرة. لن يحقق شيئاً في حياته. هبط هارون والضيق يسيطر عليه.. لو أسرع قليلا لأمسك ذاك الو*د وأدبه..داخله يتأجج غضبا و لن يهدأ له بال حتى… انقطع صوت أفكاره بغتة .وهو يبصر شيئا ملقى جانبا فجثي والتقطه. لتشتعل عينه بغضب قاتم. وقد أدرك جيدا من اللص. الذي تعدي على حرمة السيدة وأطفالها..وأقسم لن تمر فعلته مرور الكرام.. سيعاقبه شر عقاب. بهدوء يجلس هارون. يستمع لأنشودة الشيخ محمود عمران. ورغم طيف السلام الذي يغلف أجواءه. عقله يعج بأفكاره عن ذاك الو*د. الذي تسلل لبيت السيدة الارملة. يعم خسته وتذالته. لكن لن يظنه. يصل لهذا الحد. لقد بخس حق رجال الحارة. حين تصور ان فعلته ستمضي هكذا. يقسن بحياة أبنه طارق. لن يكون هارون. إن لم يلقنه درسا قاسيا. "ياتري مين اللي حاول ي**ق الست الغلبانة دي؟. وهي**ق ايه .هي حيلتها حاجة يطمع فيها.. الله يحرقه عديم الرجولة." _ طمع في دهبها يا أمنية. هكذا غمغم هارون لتجيبه: ايوة بس مين يعرف بدهبها ده .غير أهل الحارة؟ المسكينة شايلاه للزمن. واهو الحمد لله ربنا سخرك ليها .وشغلتها واتسترت.. قال وعينه شاخصة: ماهو مش غريب..لأسف الواطي من الحارة. دبت علي ص*رها: من الحارة؟ .مين الخسيس ده؟ وواصلت بحمية صادقة: قولي مين. وانا اروح أعلمه الأدب .واحرمه يقرب من ام سيف تاني..هو فاكرها ضعيفة ومالهاش حد.. يمين بالله اكله بسناني. عديم المروه والشرف. تأملها ولوهلة نسى ما يشغله. وشرد بها وببسالتها وجرأتها .وذاب مع رقة ملامحها الأسرة وصوتها المميز..دائما ما تعجبه أمنية..تجذبه بشكل كبير.. ويتعجب من نفسه كيف يراها بتلك الصورة. بعد أن كانت بعينه مجرد فتاة صغيرة. تلعب بين أقرانها.. الفرق بينهما تسعة أعوام.. لا يعرف هل _ استاذ هارون..سرحان في ايه؟ أومأ نافضا شروده: لا مفيش. _ مش هتقولي مين الحرامي. _ طبعا لأ.. _ يعني هتسيبه يفلت بعملته؟ ابتسم لتعبير وجهها الحانق والشهي: برضو لأ يا أمنية.. أنا هتصرف. صاحت بإصرار نبع من شجاعتها: طب قولي مين. ، أنا متغاظة وعايزة افش غلي فيه. قهقه بضحكة قصيرة: أهدى ياغزالة وراكي رجالة يفشوا غليلك. وياخدوا حق جارتك. وحق أي حد من أهل الحارة..ولا أحنا مش عاجبينك؟ لأول مرة يخاطبها بتلك الطريقة.. استشعرت في نظرته دفئا غريب. وبصوته شيء من الدلال .وهو يصفها بالغزالة.. لم يصفها أحدهم وصفا گ هذا قط.. غزالة؟ هي؟ .كيف وهي ذاتها حين تنظر لمرأتها .لا تجد أمنية الفتاة الرقيقة الجامعية.. تري مسخ ليس له مسمى..لقد خبأت أنوثتها خلف عباءة خشونتها الفضفاضة. و صوتها الغليظ الذي يشبه الرجال.. ليجيء ذاك الكريم ويصفها بالغزالة؟. _ انا سهل افضحه واقول للكل هو مين. ، بس انا هحل الموضوع بطريقتي. ، أما الست ام سيف. اتفقت انا وسالم هنتناوب علي حراسة عمارتها .الساعتين اللي بعد الفجر. عشان بتكون الحارة هادية من الرايح والجاي. و الخسيس استغل فيهم الوضع واتجرأ يسرق.. ومجرد ما تنزل الناس لاشغالها .ويبقي في حركة مفيش خوف.. ثم **ت برهة ليهتف مبتسما برقة: عشان كده بقولك اطمني يا غزالة. أومأت بارتباك طفيف حاولت إخفاءه .وهو يخاطبها ثانيا بهذا اللقب..ثم انسحبت من أمامه. وشرد هو بأثرها دقائق. ثم انصرف بتفكيره في أمر وحيد وأهم.. اللص الذي سيلقنه درسا لن ينساه. . _ ميوش. تعالي شوفي عريسك. وهو واقف يحرس ام سيف. بس اللئيم كل شوية. يرفع عينه نواحينا. ثم تن*دت بمبالغة. لتشا** شقيقتها: أوعدنا يارب. بشاب حليوة كده. عيونه متتشالش من علي شباكنا. جذبتها مي بعيدا عن النافذة مع قولها: طب روحي نامي وبطلي رخامة. داليا: بتوزعيني يعني. ماشي. طب وانتي مش هتنامي؟ _ لا هقرا شوية قرآن. عشان اختم الختمة التانية. _ يابختك. انا بطيئة شوية. بس هشد حيلي واحصلك. _ ان شاء الله يا دولي. رمقتها مليا ثم تساءلت: ميوش. بتحبي سالم؟ فرحانة انه خطبك؟ بدا علي وجهها مشاعر بكر. جعلت شفتيها تبتسم وهي تقول: طول عمري مشدودة لسالم. من واحنا عيال صغيرين. كنت فاكرة انه مجرد حب بنت مراهقة وهيتنسي. بس بجد يا داليا اللي حصل غير كده. مشاعري كبرت معايا. ودعيت ربنا يجعله من نصيبي في الحلال. والحمد لله انه استجاب ليا. دمعت عين داليا تأثرا: ربنا يسعدك يا ميوش. طب هو حاول يكلمك؟ _ أبدا. ولا مرة لمحلي. بس عيونه كانت دايما فيها كلام. _ عارفة ليه مش كلمك؟ عشان الواد ده محترم ويفهم في الاصول. واهو اول ما لقي الفرصة المناسبة. طلبك في النور. _ ماهو عشان كده يا دولي. كبر في عيني أكتر وأكتر. _ ربنا. يتمملك علي خير يا قلبي. ثم تحمست لها: عايزين. نلم البنات وننزل بعد الفطار نشتري لوازمنا. قراية فتحتك العيد. يعني عندنا فرح يا بت يا ميوش. ضحكت بخجل: ماشي يامجنونة. أمنية وسلمى وسميرة هيجوا معانا. _ الله الله. دي هتبقي فسحة تحفة. _ المهم ربنا يستر من الزحمة الايام دي. موسم عيد والناس هتبقي فوق بعض. _ ماقلقيش. كله هيتظبط. _ إن شاء الله. هتنامي ولا ايه؟ _ لا هقعد في الصالة شوية اقرأ قرآن انا كمان. . اختلست النظر إليه عبر النافذة المشرعة. بعد مغادرة داليا. لتجده يتبادل هو وهارون الحديث قليلا. فأدركت ان الأخير سيأخذ مكانه. ثم تركه وتقدم نحو بنايتها. خافت وابتعدت. ثم عادت تقترب. لتلمحه ينظر نحوها كأنه بعلم أنها هناك. منحها تبتسامة جذابة ثم مضي في طريقه. هكذا ببساطة أهداها صباحه الباسم. محافظا على ألا يخالف الاصول. فلم ترتدي خاتمه بعد. كن هو فارس بنظرها. تن*دت ودعت لهما بالتوفيق. ثم اتجهت لمصحفها. وبدات بقرأث أياته. محاولة التدبر. _ أحمد. وطي التليفزيون شوية. واسمع بكار علي قدك. _ حاضر يا ماما. غمغمت وهي تحفر ثمرات الباذنجان: ماما انتي مكترة المحشي اوي كده ليه؟. _ عشان ابعت شوية لام سيف يا صباح. المسكينة صعبانة عليا. حاسة ظروفها صعبة . بس نفسها عزيزة . مابتتكلمش. _ أه والله يا أمي. ربنا يسترها معاها. _ يارب. شهلي بقى .خلينا نلحق نحشيه ونسويه قبل المغربية. _ من عنية. بصي سيبيني انا اقور المحشي. وانتي روحي حضري الخلطة بتاعة الرز _ فكرة برضو. اهو ن**ب وقت. بس اوغي تشرمي البتنكان وتبوظيه. _ عيب يا ماما الكلام ده. انا مش عيلة لسه هتتعلم. . . . في المساء. _مالك يا هارون. أنت كنت بتتخانق ولا ايه؟ قالها العم شوكت بفزع. بعد ولوجه إليه بهيئة لا تبشر بالخير .ليعاجله هارون بقوله: اطمن يا بابا. واحد كان عايز يتربى وربيته. العجوز بتلقائية: بس شكلك اتربيت معاه يا ابني،. ده انت متخرشم وحالتك حالة. ابتسم هارون .وهو يلكز كتف أبيه برفق: عيب يا حاج ده أنا **رت عضمه. ، حبة الخربشة دي كانت أخره معايا .لكن انا عدمته العافية.. ده هيرقد شهر بعد العلقة اللي اخدها مني. غمغم العجوز بقلق تلك المرة: مين ده يا ابني ومن امتى بتتخانق؟. انت عمرك ما اتعصبت علي حد. اكتسبت نظرته قوة: لما الأمر يزيد عن حده. لازم هارون يتصرف.. ثم نظر لأبيه مستطردا: أنا بعتبر كل أهل حارة رمضان. رجالة وبنات وستات وولاد أهلي.. واللي يمسهم يمسني.. مقدرش اسيب الضعيف من غير ما انصره واحميه. برقت عين العجوز فخرا به .قبل أن يتسائل: طب فهمني حصل ايه؟. أطرق رأسه يفكر قليلا. قبل أن يحسم أمره: كنت بأدب الحرامي. اللي حاول ي**ق الست ام سيف. شهق الرجل: أنت عرفته؟. قولي مين الواطي ده وانا افضحه في الحارة. واخليهم يكملوا عليه. _ لا يا بابا مش هقولك.. خليني استر عليه وكفاية اللي اخده مني.. لو ساق العوء تاني ساعتها هتصرف. ثم نهض بإرهاق: معلش انا هاخد حمام وانام .جسمي تاعبني ربت علي ظهر ابنه بحنان: ربنا يبارك في صحتك يا ابني .ويجعلك ناصر للضعيف. "ممدوح؟!..مين عمل فيك كده يا ابني؟!" بدا الأخير يعاني بقوله: الحيوان غدر بيا..أقسم بالله ما… .آه صاح متألم فساعده صديقه: طب اهدي بس سيب الانتقام ده. بعدين خليني اخدك المستشفى. احسن تكون ات**رت. غمغم بنظرة تفيض حقدا وغل: أنا فعلا ان**رت يا منصور.. عشان كده. مش هسيب حقي من اللي **رني..هعلم عليه علامة ماينسهاش. "ماما أنا خايفة انام يطلع علينا الحرامي تاني" نظرت لطفلتها بحزن. وسحبتها لص*رها وهي تربت مطمئنة: متخافيش يابنتي..عمك هارون وعمك سالم. وباقي رجالة الحارة .بيحرسوا عمارتنا في الوقت اللي الحركة هادية فيه.. محدش هيقدر يقربلنا تاني. انضم إليهم الصغير وبحمية فطرية: متخافيش يا اختي. ، انا راجل البيت. ولو حرامي جه هض*به لوحدي. ومش هخليه يقربلك انتي وماما. دمعت عيناها فخرا بصغيرها. وحزنا علي حالها.. الزمن جعلها وأطفالها مطمع لكل عديم ضمير.. لو كان زوجها معها. هل تجرأ عليهم أحد؟ .تن*دت تناجي ربها سرا. ألا يعرضها لمكروه. وأن يحفظ هذه الصغار .ويكفيهم شر نفوس البشر. . . . . _مستعدون لسماع قصة اليوم يا أحبابي؟ _ معاك ياشيخ بركات. _ بسرعة ياشيخنا .متلهف اعرف هتحكلنا ايه الليلة. الأولى قالها بائع الفول الحاج متولي. أما الثاتية هتف بها سالم بحماسه المعهود. السمكة. هي روايتنا اليوم يا أحبابي،. قصة للأديب الكبير .مصطفى صادق الرافعي رحمه الله..حدثت للعالم الفقيه أحمد بن مسكين البغدادي عندما روى عن تجربته بنفسه قائلا: قصتي أني امتحنت بالفقر والقحط .في منزلي قحطا شديدا ، .أصابتني الحاجة والضر والمسكنة .، فلو انكمشت الصحراء المجدبة ،. فصغرت ثم صغرت حتى ترجع أذرعا في أذرع .، لكانت هي داري. _معلش يا شيخنا .مش فاهم جزئية الصحرا دي. تسائل سالم. بعد أن عصي عليه فهم مقصد الشيخ الذي أجابه ببساطة: يعني يا ابني بيشبه بيته بالصحرا نفسها..بيت فاضي .مجرد من كل شيء يقتاد به هو وأسرته. أومأ له باستيعاب ليواصل الشيخ سرده بل**ن أحمد ابن مسكين وهو يقول: كان لي زوجة وطفل صغير. ، وجاء يوم شديد الحرارة .وقد هلكنا الجوع حتي تمنيت لو كنا فئران .فنقرض الخشب كي نشبع !. وكان جوع الصبي. يزيد في أمه ألما في جوعها. ، وكنت بهما كالجائع بثلاثة بطون خاوية. متألما لأجلهما.. . . . فقلت في نفسي : إذا لم نأكل الخشب والحجارة،. على الأقل نأكل بثمنها،. وعزمت على بيع الدار،. وإن كان خروجي من داري كالخروج من جلدي.. فلا يسمى هذا إلا سلخا وموتا،. ثم بت ليلتي مهموما أتسائل. من يشتري بيت هالك گ هذا؟. خرجت لصلاة الصبح. ولما قضيت الصلاة .رفع الناس أكفهم يدعون الله تعالى !. فجرى ل**ني بهذا الدعاء. :” اللهم بك أعوذ أن يكون فقري في ديني .، أسالك النفع الذي يصلحني بطاعتك. ، وأسالك بركة الرضى بقضائك. ، وأسالك القوة على الطاعة والرضا. ، يا أرحم الرحمين !”. ثم جلست أتأمل في شأني. ، وأطلت الجلوس في المسجد ادعوا وألح بالدعاء. ، ثم خرجت لأبيع داري. ، مشيت ولا أدري. اين أذهب وماذا أفعل، .حتى لقيني ( أبو نصر الصياد ). وكنت أعرفه قديما ،. فقلت يا أبا نصر !. أنا أريد بيع داري ، فقد ساءت بي الأحوال. أقرضني شيئا اسد به جوع زوجتي وأبني. حتى أبيع الدار وأوفيك دينك . وكانت تنتظره قصة عجيبة. فيما قاله له أبو نصر الصياد.. انتبه الجميع. واللهفة اقتاتت على تعابير وجوههم. لمعرف القصة العجيبة. التي انبثقت من قصة أحمد ابن مسكين،. ليواصل الشيخ بركات سرده. بعد تجرع بعض الماء: فأعطاه أبو نصر الصياد. منديل به شيء وقال: خذ هذه الرقاقتين هما فيهما بركة الشيخ.. تعجب احمد ابن مسكين وسأله: ماذا تقصد ببركة الشيخ؟ . قال: أنا بالأمس كنت علي نفس حالتك يا ابن مسكين. ، ما عندي شيء أسد به جوعي. ، واتقطع بي الرزق. وأنا صائد سمك .ومضى أسبوع لم أصطاد سمكة واحدة! . فجئت أصلي صلاة الجمعة. ووقفت على باب هذا المسجد مهموما .وقد انصرف الناس من الصلاة. ، فرآني "أبو نصر بشر الحافي" . وقال لي : مالي أراك في هذا الوقت. ولما أنت مهموم ؟ قلت له : ما في البيت دقيق .، ولا خبز .، ولا درهم ،. ولا شيء يباع . فقال بشر الحافي : الله المستعان . أحمل شبكتك وتعال إلى الخندق .(أي المكان الذي يتم فيه الصيد) . فحملتها وذهبت معه .، فلما وصلنا قال لي : توضأ وصل ركعتين. فعلت : فقال : سم الله تعالى وألق الشبكة .، سميت وألقيتها ،. فوقع فيها شيء ثقيل جدا ، روحت أجره فشقَّ علي جذبه ، فقلت لبشر الحافي : ساعدني! .فإني أخاف أن تنقطع الشبكة من ثقل ما تحمله .، جاء وجرها معي. ، فخرجت سمكة عظيمة .لم أر مثلها دهنا وعظما ولحما .، فقال : خذها وبعها ،. واشتر بثمنها ما يصلح عيالك ، ذهبت فرحا فقابلني رجل ثري اشتراها علي الفور بثمن كبير. دون أن يجادلني بثمنها .فابتعت لأهلي رقاقتين. إحداهما لحم والأخرى حلوى ( أي فطيرتان) . ، فلما أكلت وأكلوا. ذكرت الشيخ فقلت : أهدي له شيئا! .فأخذت ما تبقى من هاتين الرقاقتين. ، وأتيت إليه ،. طرقت الباب. ، فقال : من ؟. قلت : أنا أبو نصر ! .قال : أفتح وضع ما معك خارج البيت وادخل . فدخلت وحدثته بما صنعت .، فقال : الحمد لله على ذلك . فقلت : إني ابتعت لأهل بيتي شيئ .، وقد أكلوا وأكلت معهم. ومعي باقي رقاقتان فيهما حلوى ولحم. أنت أولى بهما . قال لي جملة. عجيبة: يا أبا نصر !. لو أطعمنا أنفسنا هذا. ما خرجت السمكة! ( أي ما فعلت الخير ودعوت لك. كي أخذ عنه مقابلا.. دعائي كان خالصا لوجه الله) إذهب كله أنت وعيالك..وأنا سأبحث لك عن من يشتري بيتك .أو يقرضك شيء قال أحمد بن مسكين : أخذت الرقاقتين ومضيت أمعن التفكير فيما حدث .وحكمة الله وفضل الدعاء له بتضرع.. فإن أخلصنا الدعاء والنية .وجدنا الرزق والفرج.. لهذا أحسست أن في هاتين الرقاقتين. سر الشيخ وبركته،. فهمت الآن يا ابن مسكين؟ .هيا خذهم وأطعم أهل دارك، فقلت : على بركة الله يا ابا نصر !. ومضيت إلى داري ،. فلما كنت في الطريق لقيتني امرأة معها صبي .، نظرت إلى المنديل. وقالت : يا سيدي ،.هذا طفل يتيم جائع ، ولا صبر له على الجوع .، فأطعمه شيئا يرحمك الله !. ونظر إلى الطفل نظرة لت أنساها ،. حسبت فيها خشوع ألف عابد يعبدون الله تعالى. منقطعين عن الدنيا. ، بل ما أظن ألف عابد يستطيعون. أن يروا نظرة واحدة. كالتي في عين صبي يتيم جائع. يسال الرحمة.. قال أحمد بن مسكين : وخيل إلي حينئذ. ، أن الجنة نزلت إلى الأرض تعرض نفسها .علي من يشبع هذا الطفل وأمه. تذكرت حينها زوجتي وابني الجائعان منذ أمس،. ثم نظرت لهذه المرأة المحتاجة .ونظرة طفلها الجائع ،. فلم يتحمل قلبي جوعهما ،. وقلت في نفسي .لو أطعمت زوجتي وابني. فلي أجرهما.. أما لو أطعمت تلك المرأة وطفلها،. لي أجرهما وأجر صبري .وصبر زوجتي وصبر ابني،. ودفعت ما في يدي للمرأة وقلت لها: خذي الرقاقتين وأطعمي ابنك. فدمعت عيناها .وأشرق وجه الصبي وابتسم بسعادة،. مشيت وأنا من**ر مهموم،. من يشتري بيتي؟. من يسد جوع أسرتي؟ .وكأني نسيت كلمة الشيخ. ( لو أطعمنا أنفسنا هذا ، ما خرجت السمكة ) .أشغلت نفسي بتدبر كلمة الشيخ. ، وقلت لو أني أشبعت زوجتي وابني،. لحرمت خمس فضائل .وهذه الدنيا محتاجةإلى الفضيلة، وهذه الفضيلة لا تأتي إلا بمثل هذا الإثار.. جلست إلى حائط أفكر. في بيع الدار ومن يبتاعها .، فإذا بأبو نصر الصياد. يصيح مناديا وفرحا: أين أنت يا أبن مسكين،. أين أنت يا أبا محمد .، أنت هنا وأنا أبحث عنك،. جالس هنا وفي دارك الخير والغنى ؟ تعجبت و قلت : سبحان الله !. من أين خرجت السمكة يا أبا نصر ؟ .أي من أين أتى هذا الخير ؟. فأخبرني الرجل بقصة ثالثة. وكانت الأعجب. هنا توقف الشيخ بركات ليتذمر الجالسون ويصيح أحدهم بلهفة: كمل يا عم الشيخ الله لا يسيئك. ايه هي القصة التالتة .ومنين جه الخير. اللي في بيت أحمد ابن مسكين؟ ليدعمه صياح أخر. مشتعل بفضوله: أيوة يا شيخ بركات متعذبناش. كمل زي ما بيقولك الكنفاني.. حصل ايه بعد كده؟ ابتسم بمشا**ة. وهو يتلذذ بفضولهم ثم استطرد: قال أبو نصر الصياد لابن مسكين : وأنا في الطريق إلى منزلك. أبحث لك عن من يشتريه،. إذا رجل يسأل الناس على أبيك "مسكين البصري". أو أحد من أهله،. ومعه أثقال وأحمال فوق ظهور النوق. لا تعد ولا تحصى ، .فقلت له : أنا أدلك على أبنه أحمد ابن مسكين،. ومشيت معه أسأله عن أمر شأنه عند أبيك.. فقال لي إنه تاجر من البصرة. ، وقد كان أبوك أودعه مالا من ثلاثين سنة ،. فأفلس وان**ر المال . ثم ترك البصرة إلى خراسان .، فانصلح أمر تجارته هناك ،. أراد أن يعود بعدها ويعطى أبيك مسكين البصري حقه .فلم يستطع المجيء لبعد المسافة بينهما.. فراح يتاجر بنصيبه ويدخره له .حتي صار قافلة نوق كبيرة .محملة بالذهب والفضة والقماش .والطعام وكل الخيرات. فصاح أحمد بن مسكين بفرح : سبحان الله.. لما أعطيت المرأة وطفلها الطعام .وفضلتهما علي نفسي وأسرتي .، عوضني الله بالخير الوفير.. فقال ابا نصر بتدبر : صدق الشيخ : ” لو أطعمنا أنفسنا هذا ما خرجت السمكة ! ”. وصلت لبيتي لأجد زوجتي وابني. يرتديان أفضل الثياب ويتصدقان علي الناس..فبحثت عن المرأة المحتاجة وابنها فكفيتهما من فضل ما رزقني الله .، ثم تاجرت في المال من جه،. ومن جه أخرى اتصدق علي الفقراء بسخاء. . . . وكأني أعجبتني نفسي ، وسرني أن قد ضاعفت حسناتي،. ورجوت أن أكون قد كتبت عند الله في الصالحين ،. فنمت ذات ليلة. فرأيتني في يوم القيامة والخلق يموج بعضهم في بعض ، والهول هول الكون الأعظم على الإنسان الضعيف. ورأيت الناس يحملون أوزارهم .على ظهورهم مخلوقة مجسمة. وضعت الموازين ،. وجيء دوري لوزن أعمالي. فجُعلت سيئاتي في كفة ،.و حسناتي في الأخرى التي بدت عالية گ الجبال،. لكن للعجيب رجحت كفة سيئاتي كأنها جبل صخري ،. بينما جبال حسناتي .كأنها تزن لفافة من القطن ليس أكثر..!ثم راحوا يلقون الحسنة بعد الحسنة. مما كنت أصنعه .، فإذا تحت كل حسنة. شهوة خفية من شهوات النفس تخفف وزنها، كالرياء والغرور ،. وحب المحمدة عند الناس وغيرها ،. فلم يثقل ميزان حسناتي شيء مما صنعته .وكأنه فارغ من أعمال الخير. . . . وسمعت الصوت ينادي: ألم يبق له شيء ؟. فقيل : بقي هذا . فنظرت لأرى ما هذا الذي بقي ؟ . فإذا بالرقاقتان اللتان أحسنت بهما على المرأة وابنها.. وضعت الرقاقتان وسمعت القائل : لقد طار نصف ثوابهما. في ميزان أبا نصر الصياد ، . فانخذلت انخذالا شديدا ، .حتى لو **رت نصفين لكان أخف علي وأهون ! .فرايت كفة الحسنات قد نزلت ورجحت قليلا.. ثم سمعت الصوت ينادي ثانيا: ألم يبق له شيء ؟ فقيل : بقي هذا .. نظرت ما هذا الذي بقي لأنجوا به؟. فإذا بجوع امرأتي وولدي في ذلك اليوم ،. وضع في الميزان وإذا به ينزل بكفة الحسنات ويرتفع بالأخرى ، حتى كادا يتعادلا في الحمل. لكن كفة السيئات مازالت تثقل بقليل ،. فكنت بين الهلاك والنجاة.. فقال المنادي: ألم يبق له شيء ؟ فقيل: بقي هذا. نظرت لاتبين ماذا بقى ثانيا لأنجو تلك المرة .فإذا بدموع تلك المرأة المسكينة .، حين بكت من أثر المعروف في نفسها. ومن إيثاري إياها وابنها على أهلي. حين أعطيتهما الرقاقتان ،. لكني قلت في نفسي .ماذا ستفعل الدمعة الصغيرة في ميزاني؟. إني هالك.. وأمام عيني وضعت دمعة عين المرأة في الميزان .، ففارت تلك الدمعة وكبرت وثقلت وصارت تكبر وتثقل وتكبر وتثقل . وأضحت بحر .وإذا بسمكة هائلة قد خرجت من هذا البحر. ورجحت كفة حسناتي،. حتى سمعت الصوت يصرخ و يقول: لقد نجا لقد نجا. واستيقظت حينها من نومي. وأنا أصيح و أحمد الله و أقول: من أين خرجت السمكة؟!..من أين خرجت السمكة؟!. ثم تذكرت كلمة الشيخ العجيبة: . . . ” لو أطعمنا أنفسنا هذا ما خرجت السمكة" **ت مهيب سيطر على المصلين. والدموع تغرق محياهم من رحمة الله وقيمة الصدقة والمعروف الذي نجى أحمد ابن مسكين رغم صغرها.. فطيرتان أطعم بها سيدة وطفلها .جعلتها تبكي من معروفه.. فكان وزن دمعتها هذه .يساوي بحرا أخرج سمكة ضخمة. رجحت كفة حسنات أحمد أبن مسكين. يا الله ما أرحمك.. ما أكرمك.. ما أعدلك. " أتمنى يا أحبابي تكونوا استفدتم من قصة السمكة وعلمتكم فضل الصدقة الخالصة لوجه الله .وصنائع المعروف.. كما علمتم أيضا .كيف يمكن أن تفسد حسانتكم. بالرياء والغرور والمَن على الغيرْ. . .
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD