الفصل 4
ها هي فرصة أخرى هناك ضوء آت من بعيد يبدو أنها سيارة !، وقفت شذى في منتصف الطريق وهي تحمل يوسف وبدأت تلوح بيدها.توقفت الشاحنة على بعد أمتار قليلة منها ، أطل رجل عجوز من النافذة .
_ تعالي يا بنتي ، اركبي
بسرعة البرق كانت شذى قد وصلت إلى الشاحنة وصعدت لتجلس وهي ممسكة الطفل في حجرها.
_ بجد تسلم يا عمه من الصبح وانا بشاور للناس مفيش حد وقف .
_ بس أنا مش ناس
_ أمال انت ايه ؟ والنبي متقولش عفريت عشان أنا ممكن اموت فيها .
_ هههههههه ، يا بنتي هو في عفريت فاضي يسوق في الظلمة ديه ؟
_ بعد الي انا عشته النهارده توقعة أي حاجة في الدنيا ديه.
التفت العجوز إليها بعد جملتها تلك ،ثم أعاد نظره للطريق ، وقد لاحظ الدماء على ملابسها وملابس الصبي أيضا ، تملكه الفضول لمعرفة ما حدث لكنه رأى دموعا محبوسة في أعين كلاهما ، فكتم أسئلته بداخله .
_ أوصلك فين يا بنتي ؟
_ الطريق ديه بتودي لفين؟
كان هذا السؤال كفيلا بجعله يسأل ، فلابد وأن هناك أمر خطيرا خلف هذه الفتاة .
_ في ايه يا بنتي ؟ ايه الي حصل معاكي وبتعملي ايه في غابة زي ديه؟
_ مش هقدر اقولك أي حاجة أنا اسفة .
_ بس أنا كده مش هاقدر اساعدك ، انت مش عارفة نفسك رايحة فين وهدومك كلها دم ، اي حد مكاني هينزلك ويسيبك هنا .
_ لا يا جدو ارجوك متنزلناش ، الكلاب هتاكلنا وكمان عمه الشرطي الوحش هيلاقينا .
أقفلت شذى فم يوسف بيدها ، وحاولت أن تضحك وتدعي أن ما يقوله ليس سوى خيال اطفال .
_ ههههه العيال بقا ، خياله واسع اوي.
.......
كان ريان جالسا في غرفة فندق ويبحث في هاتفه عن صورة ليوسف ، وجد واحدة تجمعه به ، كان يوم ميلاده وقد اشترى له بيانو صغير الحجم يناسب عمره ، يعلم جيدا ما يحبه ويكرهه هذا الشقي .
_ فينك يا يوسف ؟ مقدرتش احافظ على الأمانة يا اخويا ، أنا مش قد أمانتك يا عادل .
اقفل هاتفه وتمدد على السرير ويداه اسفل رأسه ، نظره مصوب على سقف الغرفة ،وكل تفكيره كيف يستطيع حل لغز مقتل صديقه ومن هي هذه العصابة التي كان يطاردها ؟ لابد وأنهم من أمر بقتله ، لكن كيف وعادل معروف بحذره وذكائه ، كيف وقع في فخهم وقتل في منزله أيضا ، هؤلاء الذين قتلوا صديقه وزوجته ما دافعهم لا****ف يوسف ؟، كانت هذه الأسئلة تشعل تفكيره .
رن هاتفه برقم يعرفه جيدا ، أجاب على الفور واستغرقت المكالمة ثوان معدودة.
_ أنت خلصت الي قلتلك عليه .... مش عايز أي مخلوق يعرف بده ....
........
إستمرت شذى في اختلاق الأكاذيب طوال الطريق و نسيت أن تحدد لذلك الرجل المسن وجهتها ، بينما هو كان يستمع ويحلل كلامها وفقا لخبرته في الحياة .توقف عن طرح الأسئلة ، وعرض ما هي بحاجة إليه الآن ، المساعدة .
_ بصي يا بنتي مش هسألك على حاجة تاني ، بس هساعدك ،واضح انك مش عندك مكان تروحيله في الليل ده .
_ بصراحة اه ، أنا مش عارفة أنا فين حتى .
_ انا عايش مع مراتي وبنتي مسافرة ، هاخدك تباتي عندنا الليلة ديه انت والولد القمر ده
_ كثر خيرك والله ، بس هو انت مش خايف مننا ليه ؟
_ عشان بخاف من ربنا وحده يا بنتي .
وصل العجوز إلى بيته والذي يقع في قرية صغيرة بعيدة عن المدينة ببضع كيلومترات ، ترجل من شاحنته وأخذ الطفل النائم من يدي شذى ،لتنزل هي الأخرى ، تشعر ببعض الاطمئنان هنا رغم أن الرجل غريب عنها إلا أنها تريد أن تثق به ، هي في حاجة لهذه الثقة الان ، في حاجة لقسط من الراحة و بعض الطعام أيضا.
طرق المسن الباب وفتحت زوجته وهي تبتسم وترحب به بحفاوة ، لكنها تفاجئت بوجود ضيوف معه ، والدماء كان الشئ المرعب الذي دفعها لإطلاق صرخة كتمتها بسرعة بكلتا يديها.
_ فيه ايه يا مجدي ، هو انت خبطت البنت ديه ولا ايه؟
_ ايوه يا مفيدة ، لو فيه أكل حطي على طول ، الطريق كله وانا بسمع موسيقى .
خجلت شذى من ما قاله السيد مجدي ونظرته لها وهو يقول كلامه هذا ، فقد كانت معدتها ومعدة يوسف أيضا تطربانه بزقزقت عصافير الجوع . ابتسم لها ذلك المسن وطلب منها الجلوس على أحد الكراسي في صالة المنزل بينما جلس هو على اخر وعلى ص*ره ينام يوسف بهدوء ، وضعت السيدة مفيدة الطعام على الطاولة و طلبت منهم غسل أيديهم لتناول العشاء ، أيقظ السيد مجدي يوسف من نومه وأخذه ليغسل يداه وخلفهما شذى .
.........
كانت السيدة أروى نائمة بعد أن تم حقنها بمهدئ ، يجلس بجوارها باسم وفي إحدى زوايا الغرفة تجلس وجد تطل من النافذة نحو الخارج وكأنها تنتظر وصول شذى ، كيف إنقلبت طمأنينتهم وسعادتهم حزنا وخوفا هكذا فجأة ، من الصعب توقع الآتي لتوخي الحذر منه . دخل فادي وهو يحمل أكياسا بها طعام لهما قدم كيسا لباسم ثم لوجد واحدا اخر ، لا أحد يملك شهية لتناول الطعام لكنه أرغمهما على ذلك .
_ أنا وصحابات شذى قدمنا بلاغ عن اختفاءها بس هما مش هيتحركوا غير بعد ٤٨ساعة .
_ ٤٨ زفت إيه ، الدنيا بدأت تليل هما هيستنوا لحد ما تموت ولا يجرالها حاجة .
_ وجد تكلمي بهدوء ماما هتصحى تاني ، يعني انت مش عارفة القوانين مش ليها في العواطف .
_ كلام باسم صح ، بس احنا نقدر ندور عليها ، يلا يا باسم ، وجد هتبقى هنا واحنا هنلف المنطقة كلها ونسأل يمكن حد شافها.
رحب باسم بالفكرة وخرج رفقة فادي ، ركب معه دراجته النارية و بدأت رحلة البحث ، في كل شارع وفي كل حديقة ، في كل مستشفى وفي كل مكان دون جدوى لم يتعرف أحد على صورتها التي توجد بهاتف أخيها .تمكن منه اليأس وطلب من فادي أن يعيده المستشفى .
........
نامت شذى أخيرا وهي تحتضن يوسف في غرفة ابنة السيدة مجدي و على سريرها ، بعد أن قدمت لها السيدة مفيدة ملابس من خزانة حفصة ، وللصغير معطف السيد مجدي ، أحاطته به شذى واقفلت سحابه ، في الخارج كانت السيدة مفيدة تستجوب زوجها وكأن أمامها متهما ، لم يعترف بعد بجريمته.
_ دول مين يا مجدي و ايه حكاية الدم الي على هدومهم ده ؟
_ مش عارف يا مفيدة بكره كله يبان .
_ انت مستريح اوي كده ليه ، مدخل ناس غرباء لبيتك وكمان مش معروف هما هببوا ايه.
_ ده شكل حد هبب حاجة يا مفيدة ؟ البنت ديه هتعمل ايه ولا الولد ، تلاقيها هربانة من جوزها.
استمرت أسئلة السيدة مفيدة، التي كانت أمرا طبيعيا فلا يمكن لشخص عاقل أن يقبل مساعدة أحد بهذا المنظر ، الدماء ت**وا ملابسه و يرفض الكلام أو تفسير شيء ، لكن الله دائما ما يضع في طريقنا من يمد يد العون حين نكون في أمس الحاجة لذلك.
........
في منتصف الليل ذهب ريان لمنزل صديقه عادل ، ليجد شرطيان أما باب المنزل يحتسيان القهوة ، تسلل عبر الحديقة ودخل من نافذة المنزل الخلفية ، وجدها مفتوحة فقفز منها ثم بحذر شديد بدأ بالبحث في زوايا المنزل عن أي شيء من شأنه أن يساعده على فهم ما حدث ، كان يضيء مصباحه اليدوي فقط عند الضرورة القصوى كي لا يكتشف أمره ، أنه يحفظ منزل صديقه ويستطيع السير في الظلام دون إحداث فوضى . دخل إلى صالة المنزل أضاء المصباح ليجد أمامه رسما يحدد كيف كانت الجثث ممدة على الأرض التقط صورة رغم أنها ليست واضحة جدا . ثم دخل لمكتب صديقه، اقفل الباب وأشعل النور فالمكتب ليس به نوافذ ولا يمكن لأحد أن يرا الضوء من الخارج . بحث في كل الأدراج ولم يجد شيئا سوى ملفات قضايا منتهية ، بحث بين كتب المكتبة ولم يجد شيئا أيضا، مهلا هناك حاسوب صغير بين الكتب ، أخرجه بسرعة وفتحه لكي يلقي نظرة لكنه لم يعرف كلمة السر . أخذ الحاسوب معه وصعد لغرف النوم بحث فيها أيضا دون جدوى .فغادر المكان بسرعة .
.........
أشرقت الشمس و استيقظت شذى وهي تشعر بألم وخدر في قدميها ، نظرت حولها للوهلة الأولى استغربت الغرفة ،واستغربت تواجدها بها ، لكنها تذكرت على الفور ما حدث بالأمس نظرت للسرير تبحث عن يوسف لكنها لم تجده ، انتفضت من مكانها وهرعت للخارج .
_ يوسف ، يوسف
نظرات السيدة مفيدة و السيد مجدي المصدومة أرعبتها أكثر فباتت تصرخ أكثر فأكثر .
_ هو فين ؟ انطقوا يوسف فين ، أنا مكانش لازم اثق فيكم ، مكانش لازم اثق في حد .
قبل أن يتفوه أحدهما بكلمة خرج يوسف من المرحاض وهو يرتدي ملابسه ، كانت نظيفة من أثر الدماء فقد غسلتها جيدا السيدة مفيدة ليلة أمس . تنفست شذى الصعداء وركضت إلى ذلك الطفل تحتضنه وتقبله وكأنه ابنها ، هي تشعر أنها مسؤولة عنه ، هي أمانه الان والشخص الوحيد المتبقي له .
_ بنتي احنا كده لازم نتكلم ، اظن أنه من حقي اعرف الحقيقة ،انتم مين ؟
لم يكن أمام شذى سوى الإسراع باختراع كذبة ما ، لأن الحقيقة لن تروق لهذين للمسنين ، كما أنه ليس في صالحهما معرفة الكثير، الكثير من ماذا هي أيضا لا تعلم شيئا بعد . جلست على أحد الكراسي وأجلست يوسف على ركبتيها وهي تحيطه بذارعيها ، كان هو يصوب نظره نحو النافذة هناك حصان بني ربط إلى عمود خشبي أمام المنزل .
_ انا هقولكم كل حاجة حصلت ، أنا اتخانقت مع جوزي واخذت ابني وجريت .
_ وايه حكاية الدم لو كلامك ده صح .
_ اسكتي انت يا مفيدة خليها تكمل كلامها ، كملي يا بنتي .
_ أنا بعد ما هربت عديت من الغابة وفضلت ماشية مش عارفة هتوصلني لفين ،بس أنا وقعت و ذراعي انجرحت وجابت دم كثير .
_ ماشي يا بنتي ، طيب مش لازم نشوف الجرح عامل ايه ،اكيد مكنش في دكتور في الغابة يعني .
لم يرق للسيد مجدي أسلوب زوجته في الكلام ، هي طيبة القلب لكنها عندما تشعر بالخطر تصبح أشر من الح*****ت المفترسة،أسكتها مرة أخرى فتركتهم وذهبت للمطبخ مستاءة مما يحدث .
_ يا بنتي كلامك ده ميصدقوش العقل ، واضح جدا أنكم خايفين من حاجة والدم الي عليكم مش بتاع حد فيكم .
طأطات شذى رأسها خجلا لم تكن يوما مضطرة للكذب هكذا ولكن ليس بوسعها أخباره الحقيقة .
_ أنا عارفة أنه من حقك تعرف احنا مين ، وليه كانت حالتنا بالشكل ده ، بما انك استضف*نا عندك ، بس بجد مقدرش اقولك أي حاجة بس احنا هنمشي من هنا .
_ يا بنتي انا مش بسألك عشان تمشي بس لازم اعرف أنا بساعد مين .
غيرت شذى مجرى الحديث بأن طلبت اجراء مكالمة من هاتفه ، فهاتفها مطفي ولا تحمل شاحنا معاها. تن*د ذلك الرجل وقدم لها الهاتف ثم خرج حتى تتحدث على راحتها . اتصلت شذى برقم هاتف امها ولم يجبها أحد ،اعادت الاتصال دون جدوى ، للاسف كان هذا هو الرقم الوحيد الذي تحفظه. جلست على الأرض محبطة ولم تلحظ خروج يوسف الذي تبع السيد مجدي ، كان الرجل يطعم حصانه فاقترب منه ذلك الطفل وامسك بسرواله وحركه كي يلفت انتباهه ، استدار إليه الرجل وابتسم حين رأه ، حمله بين يده وسأله ما الذي يفعل خارجا .رد الولد بسؤال آخر .
_ هو الحصان بتاعك معندوش جناحين زي الي في الكرتون ؟
_ لا معندوش يا ابني .
عبست ملامح الطفل مجددا بعدما كان متلهفا لإجابة أخرى ، لاحظ السيد مجدي ذلك فسأله عن سبب سؤاله هذا .ليجيبه الطفل ببراءة أنه يرغب في امتطائه والصعود للسماء حتى يتسنى له رؤية أبيه وأمه، سأله العجوز مجددا ليتأكد مما سمعه.
_ ليه هو بابا وماما في السماء ؟
_ ايوه هما راحوا هناك مبارح وانا وطنط شذى هربنا .
يبدو أن الوضع أكثر تعقيدا مما يظنه هو ، أخذ الصغير معه ودخل للمنزل وهو ينادي زوجته لتطعم يوسف بينما هو اتجه إلى حيث تجلس شذى التي غابت عن العالم وانشغلت بالهاتف تتصل وتتصل دون جدوى، ناداها باسمها فانتفضت مفزوعة .
_ انت ..انت عرفت اسمي منين ؟
_ تعالي ورايا مينفعش نكلم هنا .
ذهبت شذى خلف السيد مجدي إلى خارج المنزل ، أنه المنزل الوحيد هنا وتحيط به أراض شاسعة ، هناك اسطبل أيضا ، يبدو وكأنها مزرعة.
_ أنا عايز اعرف كل حاجة ، انت مين ؟ وايه علاقتك بالولد ده ؟ متكذبيش عشان هو سبقك وقال الحقيقة .
لم تجد شذى مهربا من الحقيقه ، لن تكذب مجددا فقد كشف ذلك الصغير الثرثار كل شيء.
_ أنا هحكيلك كل حاجة بس اتمنى من حضرتك متقولش لحد أي حاجة وانا ويوسف هنمشي اول لما اخلص كلامي .
_ اتفضلي
_ أنا مش من قرايب يوسف ولا اعرفه أساسا ، أنا كنت في شغلي ويومي كان ماشي عادي جدا زي كل يوم ، وفجأة جالي اتصال من رقم غريب ، مردتش بس اتصل تاني ، رديت وكان طفل صغير بيعط وكلامه مش مفهوم ،افتكرت حد بيهزر قفلت الخط واتصل تاني ، رديت لقيته نفس الولد ولسه بيعيط وعايز يكلم راجل معرفوش .
سكتت قليلا فتذكر ما حدث يشعرها بالخوف ، كانت تجاهد لمنع دموعها من الأنهار ، هدوء حياتها انقلب عاصفة لم يحن هدوؤها بعد .
_ وحصل ايه بعد كده .
_أنا صدقته ،مكانش ينفع اسيبه بعد ما قالي أنه أبوه وأمه غرقانين دم ، بس مقدرتش اقول للبوليس برضو وانا مش متاكده مئة في المئة أنه مش حد بيشتغلني وخلاص ، لما وصلت عنده لقيت كلامه صح ،اخدته وجريت خفت الي قتلوا أهله يرجعوله ويسوحونا أنا وهو.
_ ومروحتيش للبوليس ساعتها ليه ؟
_ مين قال اني مروحتش ، رحت ومعايا الولد وكلنا دم هو كان بيصحي أهله وانا حضنته أما شفته مرعوب من المنظر ، لما وصلنا المركز كان فاضي تقريبا وجيه شرطي عندنا كان لوحده والله اعلم خدنا وطلعنا على طول واحنا مش فاهمين حاجة
_ طلعكم من ؟
_ اه هو الي خدنا لكوخ كده في الغابة ، قال ايه خايف علينا والموضوع خطير ومعرفش ايه ، بس سمعته بيكلم واحد تاني وعايزين يقتلونا .
_ خلاص يا بنتي باقي القصة واضح ، اهدي بس مفيش داعي للعياط.