الفصل 1
استيقظت شذى متأخرة اليوم و نظرت بتكاسل للساعة المعلقة على الحائط أمامها مباشرة لتجدها تشير إلى السابعة و خمسة وأربعين دقيقة ، قفزت من سريرها وكأنها صعقت بتيار كهربائي وبدأت تركض هنا وهناك ، في فمها فرشاة أسنانها و تبحث عن مشطها تارة وتارة أخرى تخرج ملابسا لترتديها ، لم يسبق أن تاخرت عن العمل لكنها هذه المرة وبسبب أخويها ستتأخر ولأول مرة .لقد سهرت الليل بطوله وهي تشاهد أفلام الرعب واحد تلو الآخر معهما ، وذلك بعد أن تذمرا من انشغالها الدائم و نومها باكرا أيضا فلا يتسنى لهم قضاء الوقت مع بعضهم البعض
دقائق وكانت قد تجهزت و خرجت وهي تركض ، الجميع نيام رغم الفوضى التي أحدثتها بعجلتها ، وليكتمل حظها العاثر اصتدمت بعلب من الكرتون كانت موضوعة على بعد خطوة من باب منزلها ،كادت تقع لكنها تداركت الموقف في أخر لحظة .
_ ياربي مين الغ*ي الي حط الكراتين دول هنا ! ده الي كان ناقص في اليوم الي مش معدي ده .
أطل شاب من باب الشقة المقابلة لشقتها وهو يحمل صندوقا كالذي اصتدمت به
_ الغ*ي ده أنا ، أسف ملحقتش أدخل كل حاجة قبل ما الناس تصحى.
احمر وجه شذى خجلا وركضت في حال سبيلها دون أن تستدير خلفها حتى ، وصلت إلى عملها وهي تنفث النيران من فمها غضبا، جلست في مكتبها ودخل رئيسها مستفسرا عن سبب هذا التأخير غير المعتاد ، وعن ما إذا كان هناك خطب ما ، أجابته أن لاشئ حدث وأنها على ما يرام ،كل ما في الأمر أنها علقت في زحمة السير!.
....
دخل عادل إلى مكتبه وأخرج ملفا من الدرج ، فتحه وتمعن في تلك الوثائق أمامه ثم أعاده إلى حيث كان وأقفل الدرج ، أمسك قلمه وبدأ ينقر به على مكتبه وهو يفكر في شيئ ما . قطع تفكيره دخول مساعده وهو يحمل شريطا مسجل بين يديه .
_ التسجيل الي طلبته حضرتك وصل يا فندم .
وقف عادل و أخذ الشريط منه على عجلة ثم طلب أن يتركه بمفرده ، غادر مساعده وعلامات الاستفهام تلف حول رأسه لفا . فعادل منذ أيام لايعرف الراحة و أغلب وقته يمضيه في العمل وأمام حاسوبه وبين الحين والآخر يخرج دون أن يعلم أحد وجهته.
كان فارس يقف شاردا في حال عادل الذي لا يبشر بخير ، إلى أن قطع شروده شرطي يحمل كوب قهوة ويريد إدخاله للمحقق ، أوقفه فارس وأخذ القهوة منه ، ارتشف منها قليلا.
_ سيب القهوة ليا ، عادل مش فاضي دلوقتي ومش عايز حد معاه جوا .
_ ليه كده ، في قضية جديدة ولا حاجة ؟
_ القضية الجديدة كلفني بيها وقالي إنها فرصتي عشان اثبت نفسي بس هي سهلة جدا قضية سرقة،حليتها خلاص وقدمت كل الدلائل للنيابة .
في هذه الأثناء كان عادل قد حول المعلومات الموجودة على ذلك الشريط إلى USB
صغير الحجم وخرج مسرعا دون أخبارهم مجددا .
إتصل بزوجته واخبارها أنه سيمر لإحضار طفله من المدرسة بنفس اليوم وأنه قد ينزهه قليلا قبل العودة للمنزل لانه سيكون مشغولا طوال الليل ولن يتسنى له رؤية إبنه . وافقته على ذلك وجلست لتساعد الخادمة في إعداد طعام الغذاء في انتظار عودتهما .
......
طرق باب شقة أسرة شذى ففتحت والدتها الباب ، وجدته شابا غريبا لم يسبق وان رأته في العمارة ، كان محرجا جدا ويتلعثم في كلامه ، بين يديه علبة يبدو أن بها طعاما .
_ أنا أسف يا طنط على الازعاج ، أنا فادي جاركم الجديد سكنت في الشقة الي قدامكم ديه .
_ اهلا وسهلا يا ابني ، ربنا يجعلها مب**كة عليك .
_ معلش ..هو ممكن حضرتك تسخنيلي الاكل ده أصل مجبتش معدات المطبخ لسه.
_ من عنيا يا ابني ، اتفضل ادخل على ما سخنهولك.
_ لا لا مفيش داعي أنا هستنى هنا
لم يقبل ذلك الشاب الدخول لمنزل شذى ، فقد اعتقد انها بمفردها وليس من الادب دخوله . نادت السيدة أروى على إبنها باسم كي يدخله وترفع عنه الحرج ، وكان ذلك بالفعل ، جلس في غرفة استقبال الضيوف ، وقدمت له السيدة أروى عصيرا ثم ذهبت لتسخين طعامه .
_ مالك م**وف زي البنات يا جدع ، انت بقيت جارنا و الجيران لبعضهم.
_ ربنا يخليك .
_ طيب انت مقولتليش اسمك ايه وبتشتغل ايه و اهلك فين وكده ، خلينا ندردش على ما امي ترجع .
_ أنا فادي بشتغل محاسب،اهلي اتوفوا في حادث عشان كده عايش لوحدي .
اعتذر باسم عن كونه فتح جروح قديمة وعرف نفسه بدوره .
_ أنا بقا باسم طالب كلية حقوق وعايش هنا مع امي الي انت اتعرفت عليها من شوي مدام أروى هانم ، واختي الكبيرة شذى مش موجودة راحت الشغل بدري ، واختي الصغيرة وجد عندها بكالوريا السنة ديه .
_ طيب والدك فين ؟
_ اتوفى من سنتين .
استمر حديثهما لنصف ساعة كانت قد جهزت فيها السيدة أروى بعض العصير والسلطة أضافتهما إلى طعام فادي الذي سخنته . شكرها على كرمها وغادر إلى عائدا لشقته.
.....
في استراحة الغداء وبينما كانت شذى تنتظر صديقاتها في مطعم قريب من مكان عملها ، لفت انتباهها وجود شاب يجلس في طاولة أبعد منها بقليل ونظره مصوب نحوها وحال ما تنظر إليه يخفض نظره ، أو يدعي النظر هاتفه. وصلت صديقاتها أخيرا وطلبن الغداء.
_ يا بنات في واحد من الصبح وهو بيبصي وكإني قتلتله كل عيلته.
_ هههههه يا بنتي تلاقيه أعجب بجمالك وشياكتك.
_ هههه أحلام معاها حق يا بنت ، أفكارك سودة كده ليه ؟
_ بنت يا وعد أنا أفكار حلوة وزي الفل بس الولد الي قاعد هناك ده زودها اوي ونقوم أشوف ماله ده .
قامت شذى بعد أن سئمت من ذلك الشاب ونظراته الغريبة ،لكنه قام مسرعا بعد أن رأسها تتجه نحوه وغادر المطعم على عجلة من أمره ، وفي الخارج أجرى إتصالات بأحدهم .
_ هي في المطعم يا فندم بس شكلها حست إني براقبها.
_ عشان انت غ*ي ومتعرفش تعمل حاجة صح ، فورا تختفي من عندك والأيام ديه مش تراقبها خالص ، أنا هابقى اتصرف بعدين .
تناولت شذى غداءها وتفكيرها منشغل بهوية ذلك الشاب الذي فر هاربا من أمامها ، وهذه ليست المرة الأولى التي تراه فيها ، بل كثيرا ما لاحظت وجوده في أماكن ذهبت إليها .كانت صديقتاها تأكلان ب**ت وصدمة أيضا فهي قد حكت لهما ما حدث وبعد هذا الموقف اليوم يبدوا أن الأمر مريب فعلا .
.......
مر المحقق عادل إلى مدرسة ابنه يوسف البالغ من العمر ثمان سنوات ، أخذه معه إلى المنتزه واشترى له بعض الحلوى وأل**به المفضلة أيضا كمحاولة إرضاء له فقد كان حزينا بسبب انشغال والده عنه.
_ حبيبي يوسف تحب نعمل إيه ثاني ؟
_ أنا عايز نورح الملاهي شوي قبل ما نروح
_ بس يا حبيبي الملاهي بعيدة عن هنا ، خليها المرة الجاية وهنجيب ماما معانا كمان إيه رأيك ؟
_ لو كده ماشي ، خلينا نروح ماما وحشتني اوي .
عاد الاب وابنه لمنزلهما وكان الاب بين الفينة والأخرى ينظر لمرآة سيارته !، لاحظ الطفل ذلك فاستدار للخلف كي يرا ما الذي ينظر إليه والده لكنه لم يرى سوى سيارة سوداء زجاجها غامق اللون لايظهر من بداخلها .
_ بابا هو انت بتبص في المراية كثير ليه ؟
_ مفيش يا حبيب اتعودت أعمل كده مش أكثر .
وصل عادل إلى منزله وجلس صحبة زوجته بينما الخادمة كانت تضع الطعام على الطاولة ويوسف يجرب أل**به الجديدة .
_ مالك يا حبيبي بالك على طول مشغول اليومين دول؟
_ مفيش يا وداد ،انت عارفة الشغل بتاعي مفيهوش راحة
_ إوعى تكون لسه بدور ورا العصابة
سكت عادل قليلا ثم أخبرها أنه بالفعل لم يترك التحقيق في هذه القضية وأنه قد اقترب كثيرا من إيجاد عضو مهم من هذه العصابة وكشف العملية القادمة لها ، كانت الصدمة بادية على وجه وداد فقد وعدها أن يترك هذه القضة نهائيا ،فكل من قاموا بالبحث فيها قتلوا ، ناهيك عن أنها عصابة بلا رحمة تخ*ف وتقتل وتسرق وتنهب ، عصابة أثارت الذعر في كل كبير وصغير في البلاد برمتها ، وهو الآن بكل بساطة يغامر بسلامته وسلامة أهله .
_ انت بتهزر يا عادل ،الناس ديه مش بتلعب ولا بتعرف حاجة اسمها رحمة .
_ وانا ده شغلي يا وداد و اكيد هكشفهم وخلص الناس من شرهم .
.....
انتهى دوام شذى وعادت لمنزلها وهي تحمل بعض المشتريات التي اتصلت والدتها وطلبت منها إحضارها ، إستخدمت المصعد اليوم رغم أنها لا تطيقه خاصة وأن شقتها في الطابق الثاني وصعود الدرج ليس متعبا ، كان معاها بداخل المصعد جارها الجديد فادي ، تذكر ما حدث صباحا وكادت تفقد الوعي من شدة الحرج .
_ أحم ، أنا اسفة
_ نعم! قلتي حاجة يا آنسة؟
_ لا ، قصدي أه ، أنا اسفة على الكلام الي قلته الصبح.
_ انت كان معاك حق من الغباء إني احط الكراتين قدام بيتكم متحطيش في بالك .
توقف المصعد وخرجت شذى ، طرقت باب شقتها وفتح لها باسم ليستقبل الاكياس بسعادة و يغيظ أخته التي ظلت واقفة أمام الباب ، كان فادي لايزال واقفا أمام باب شقته أيضا ويستمع لصراخ شذى وهي تركض خلف أخيها الذي يحب جعلها تشتعل غضبا فهي تبدوا كالاطفال حينها . علت ابتسامة عريضة وجه فادي بعد أن سمع باسم وهو يصرخ وينادي وجد كي تنقذه .
لابد أنه يفتقد هذا الجو الأسري!، دخل أخيرا قبل أن يخرج أحدهم ويجده واقفا أمام الباب ، أخرج كيسا به بعض الطعام تناوله بسرعة ثم أجرى بعض الاتصالات الخاصة بالعمل ونام .
بينما لازالت شذى وأسرتها مستيقظين يتناولون عشاءهم و يتبادلون أطراف الحديث حول امتحانات وجد و باسم و حول طبخ والدتهم الشهي .
_ بصوا يا ولاد أنا هقوم أنام ومن النهارده أي حد منكم هيقولي نسهر ولا يقولي افلام رعب ، أنا هحول حياته لفيلم رعب بجد ، وقد زعتر من بعثر بقا
_ إهدي يا بنت انت ، ولمي الزعتر بتاعك ده ، أنا راجل البيت ده فاهمين
استمر باسم في استعراض عضلاته بطريقة مضحكة وهو يحاول اقناع شذى أن عليها الخوف منه وأنه ليس جبانا ابدا ،وما إن اقتربت منه حتى ركض ليختبئ خلف وجد الأصغر منه ، لترتفع ضحكة والدتهم عاليا على منظرهم وكأن الوقت لم يمضي هم لم يكبروا بعد .
دخلت شذى غرفتها أخيرا بعد حلقة جديدة من المصارعة مع باسم، لازالت تضحك على تصرفاته تعلم أنه قوي البنية فعلا لكنه دائما ما يتركها ترحبه هي واختهما وجد أيضا . أخذت حمامها واستلقت على سريرها ،ليقفز إلى ذهنها صورة ذلك الشاب الذي يتعقبها حيث ذهبت منذ فترة ، هي لم ترا ملامحه جيدا فهو يضع نظارات سوداء ويرتدي قبعة تخفي بظلها وجهه ، كما أنه يحافظ دائما على مسافة لاباس بها بينهما.
.........
أصبحت الساعة الواحدة بعد منتصف الليل ولا يزال عادل في مكتبه يشاهد تسجيلات بعض كاميرات المراقبة في شوارع محددة و المحلات ، كوب القهوة بجانبه يرتشف منه بين الفينة والأخرى .جحظت عيناه فجأة ، أعاد الشريط للخلف وظل يشاهد مشهدا من تلك التسجيلات ويدقق النظر مرارا وتكرارا ثم ابتسم بغرابة ، لقد تأكد من تلك الشكوك التي كانت تراوده ولم يعد أمامه سوى نصب الفخ الان للإيقاع بهم سينتهي الذعر الذي زرعته هذه العصابة ، أخرج من جيبه ذلك USB الصغير واضاف تلك التسجيلات إلى ما به من دلائل ومعلومات ، ثم حزم أمره على أن يقوم بخطته بمفرده يوم غد.
وصل عادل إلى منزله ،أوقف سيارته وظل ينظر لنوافذ غرفة ابنه ثم لغرفته هو وزوجته ، يبدو أنها نائمة فالغرف مظلمة .صعد إلى غرفة ابنه أولا قبله ونام إلى جواره .
كانت زوجته مستيقظة ،سمعت خطواته تعلم أنه ذهب لرؤية إبنه ، هي منزعجة منه فقد اخلف بوعده لها وها هو يخاطر بحياتهم جميعا .
أشرقت الشمس وأستيقظ يوسف باكر ليجد والده نائما بجواره ، فرح كثيرا وأيقظ والده بقبلة ، قام عادل واحتضن صغيرا و ملأ رئتاه برائحته الزكية .
_ يوسف يا حبيب بابا مش انت أشطر واحد في المدرسة ؟
_ طبعا يا بابي والمدرسة دائما بتقولي برافو .
_ طيب انا عايزك تحفظ معايا رقم تلفون ماشي
_ اه ماشي ، بس ليه !؟
_ ده امتحان يا حبيبي عشان اعرف انت شاطر ولا لا .
_ ماشي هنحفظ رقم مين ؟
_ رقم عمه ريان ،عشان هو بيحبك وانت كمان صح؟
جلس يوسف في حضن أبيه وبدأ يحفظ الرقم معه ، مرة تلو الأخرى إلى أن بات يحفظه عن ظهر قلب باستثناء العدد الاخير فهو يخلط بين العدد ستة و العدد تسعة
_ لا يا يوسف مش ستة في الاخر تسعة يا ابني ركز كويس مش معايا وقت كثير .
استغرب الطفل من غضب والده وحزن لأنه صرخ في وجهه فرفض أن يحفظ أي شي ثم ركض خارجا من الغرفة .
.........
تجهزت شذى وخرجت من المنزل باكرا كي تذهب لعملها ، كانت تحمل حقيبة يد صغيرة بها هاتفها و محفظتها ، وبينما كانت تنتظر سيارة أجرة أسفل العمارة مر شاب وانتزع منها حقيبتها وفر هاربا ، بدأت في الصراخ ومناداة الناس لإنقاذها وهي تركض خلف ذلك اللص ، لكن دون جدوى فلا أحد مستيقظ بعد ، ولحسن حظها خرج فادي في اللحظة ذاتها من العمارة وركب دراجته النارية ، يبدو أن صراخها وصل إلى مسامعه ، امسك اللص وأعاد لها حقيبتها ثم اتصل بالشرطة ووصل بعد دقائق اثنين من عناصر الشرطة وأخذا ذلك اللص .
_ بجد شكرا ، لولا حضرتك كان خد الشنطة الكلب ده
_ ولا يهمك ، بس المفروض تاخدي بالك من نفسك أكثر من كده، الدنيا مش امان
_ عمر الموقف ده محصل معايا هنا ، كنت فاكرة أنه مفيش النوعية ديه في الشارع بتاعنا .
_ هما في كل حتة ، تعالي هوصلك الشغل ، لو مش بتخافي تركبي موتوسيكل.
_ أنا ؟ لا أبدا مش بخاف من حاجة خالص
_ هههه هنشوف يلا اركبي.
ركبت شذى الدراجة النارية مع فادي وامسكت بطرفي قميصه بخجل ويداها كانتا ترتعشان خوفا ، فهي لم يسبق لها أن ركبت الدراجة كما أنها تخاف ركوبها فعلا ، ولم ترد أن تظهر ضعيفة أمامه لا تدري لما لكن غرورها دفعها للهاوية، لحظات فقط من انطلاقه كانت كفيلة بفضح خوفها بل رعبها، تعالت صرخاتها وهي مغمضة العينين ،كما احطت بيديها خصره وأحكمت قبضتها خوفا من أن تنفلت يداها فتسقط . كان هو يكتم ضحكته كي لا يحرجها ، وعندما توقف أمام الشركة التي تعمل بها ، ارتاحت أخيرا وتنفست الصعداء لكن وجهها احمر خجلا ، ف كانت تدعي القوة بكل حماقة.
_ أحم ، شكرا عشان وصلتني ، أنا همشي
_ على فكرة الخوف حاجة طبيعية ،كلنا بنخاف من حاجات معينة ، مفيش داعي تخبي خوفك بالع** واجهيه.
أنهى كلامه وانطلق عائدا لمنزله ، بينما هي ظلت تراقبه حتى اختفى أثره من أمامها ، شاب ظريف ووسيم أيضا وذو جسد رياضي وبنية قوية ، وبكل هذه اللباقة أيضا ،كل هذه الصفات مجتمعة في شخص واحد أمر نادر حقا.
صعدت شذى إلى مكتبها وهي تبتسم ، هناك شعور غريب يداهمها كلما رأت هذا الشاب ، أوقفتها صديقتها أحلام وهي تضع يدها على خصرها .
_ مين العسل الي وصلك يا بنت ، أنا شفت كل حاجة على فكرة
_ شفتي ايه يا فالحة ؟
_ شفت الراجل الي وصلك ده وقاعدة بتكلميه وانت م**وفة، لا وطالعة والإبتسامة من الودن للودن ، اعترفي
_ هههههههه خضيتيني يا هبلة، ده جارنا لسه ناقل من كم يوم وهو وصلني عشان كان في حرامي حاول ي**ق شنطتي .
_ هوووبا وهو انفذك ووصلك كمان ، الله ، ياربي ليه المشاهد ديه مليش فيها نصيب ليه بس ليه.
جاءت وعد هي الأخرى وتحمل بين يديها بعض الملفات، ض*بت بها رأس احلام وتخطتها لتطمئن على شذى.
_ طيب انت كويسة يا بنتي ؟ الحرامي ده اتمسك وايه بالضبط احكيلي.
دخلت الفتيات للغرفة حيث توجد مكاتبهن ،فهن يعملن في نفس القسم منذ ثلاث سنوات وهو ما قوى علاقتهن ببعبضهن البعض ،بعد أن كن زميلات في نفس التخصص في الجامعة . حكت شذى ما حدث بالتفصيل لصديقتيها ولاحظن أنها بالغت في مدح ذلك الشاب ما جعل احلام ترسم قلوب في الفراغ وتتمتم بكلمات معسولة حتى تغيظ شذى .
_ والله أنا الهبلة قاعدة احكيلكم ، كل وحدة تبص في شغلها بسرعة يلاه متنسوش اني الرئيسة هنا .
وعد واحلام بصوت واحد : علم وينفذ يا فندم.
.......
اتصل عادل بصديقه ريان ليخبره أنه قد توصل إلى معلومات خطيرة حول العصابة التي هزت أمن البلاد بأكملها ، بل ويملك ما يكفي من الدلائل لإثبات ما توصل إليه، لكن صديقه لم يجب على هاتفه . أعاد الاتصال مرات ومرات دون جدوى ، يبدو أن عليه الاعتماد على نفسه وسينفذ خطته بنفسه دون مساعدة أحد . مر عادل إلى مدرسة صغيره أولا لكي يعتذر له على ما بدر منه صباحا وأخذ معه هدية صغيرة ، أخرجت المدرسة يوسف من الفصل لرؤية والده ، فرح الطفل بهذه الزيارة المفاجئة .
_ بابا حبيبي ، انت جيت تاخدني ؟
_ لا حبيبي مش هاخدك دلوقتي انت هتيجي في الاتوبيس بتاع المدرسة و طنط دعاء هتستناك برا لحد ما تدخل البيت ماشي.
هو الطفل رأسه بالايجاب والحزن باد على ملامحه البريئة ، ادخل عادل يده في جيبه وأخرج قلادة على شكل قيثارة بحجم الإصبع ألبسها لصغيره الذي يكاد يطير فرحا فهو يحب كثيرا الآلات الموسيقية ولديه مجموعة كبيرة منها .
_ هااا خلاص اتصالحنا ولا ايه
_ ايوه خلاص اتصالحنا
تعانق الاب وابنه وعاد الطفل لفصله الدراسي بينما ذهب عادل لمنزله كي يستعد لتنفيذ خطته الليلة ، أخرج مسدسه حال وصوله للمنزل من درج مكتبه فقد نسيه صباحا . خرج من المكتب ليجد زوجته أمامه و جماعة من الرجال يرتدون ملابس سوداء ووجوههم مغطاة صوب مسدسه نحوهم كي يدافع عن زوجته التي تجمدت مكانها أطلق الرصاص في لحظات وعم السكون المكان بعدها . وانتشرت الدماء في كل مكان أصبحت صالة المنزل عبارة عن بركة دماء .
في اللحظة ذاتها وصل باص المدرسة إلى أمام منزل يوسف ،ترجل منه ذلك الطفل الصغير وهو يجر حقيبته المدرسية جرا ويركض ججنحو باب المنزل ، وجده مفتوحا فدخل وهو يلوح للسيدة دعاء مرافقة الاطفال في الباص ، انطلق الباص مجددا لوجهته الأخرى ، ودخل الطفل إلى منتصف المنزل. سقطت الحقيبة من يده، وركض نحو والديه الواقعين أرضا و دماؤهما تملأ المكان ،ظل يهزهما و يحاول أن يجعلهما يحدثانه ،دموعه تنهمر و الخوف تملكه لم يعلم ما الذي عليه فعله ، فجأة تذكر أن والده جعله يحفظ رقم العم ريان صباحا ، ركض نحو الهاتف الأرضي بسرعة و اتصل بالرقم الذي حفظه .
......
كانت شذى تراجع حسابات الشركة بتمعن بينما احلام و ووعد كانتا قد خرجتا قبلها اليوم لحجز طاولة في المطعم المعتاد ريثما تنهي هي عملها فتلحق بهما . رن هاتفها نظرت إليه وجدته رقما غريبا فتجاهلته، ثم رن مرة اخرى فأجابت أخيرا ليأتيها صوت طفل صغير يبكي بحرقة وكلامه بالكاد تستطيع فهم جزء بسيط منه .
_ يا حبيبي انت مين ؟ وبتعيط اوي كده ليه ؟ أنا مش فاهمة منك حاجة
_ بابا ...ماما ..دم ...
_ طيب بطل عياط كده وقولي فيه ايه بالضبط .
حكى الطفل لشذى ما حدث لوالديه ،لم تصدقه فهو طفل صغير لابد وأن خياله واسع ، او انه شاهد فلم رعب واتى الان ليزعج احدهم به بعد ان جعل منه حكاية مشوقة وصدقه ايضا ، فبكاؤه يبدوا حقيقيا وليس تمثيلا. أقفلت الخط في وجهه ،لكنه أعاد الاتصال
_. يووووه فاضل بس العيال الصغيرة عشان تكمل معايا ، يعني ضغط الشغل مش كفاية .
اتصل ذلك الطفل مجددا فاجابته وأصر على أن تدعه يحدثه عمه ريان فالأمر جاد وهو لا يمزح . شيء ما بداخل شذى يصدق هذا الفتى فصوت بكائه ألمها وبشدة .