وصل فارس إلى مكتبه جلس على الكرسي ووضع رأسه بين كفيه ، من الصعب تصديق ما حدث ، كيف يقتل عادل صديقه و رئيسه وأستاذه الذي يبذل كل جهده ليجعل منه محققا ناجحا تماما مثله هو ، لم يتمالك نفسه وانهمرت دموعه وهو يتذكر كل شيء وكل لحظة جمعتهما في العمل وغيره، كيف كان يقسو عليه في العمل كلما رأه متهاونا و كيف كان يحنو عليه اذا ما رآه مستاءا ، أحيانا خسارة مفاجئه كهذه تضعف القلب حد الهشاشة . وتجعل من الروح عبئا يثقل أجسادنا ، استسلم فارس لتلك الذكريات التي أخذته بعيدا عن من حوله .
_ فارس انت كويس ؟
_ سبني في حالي الله يرضى عليك .
_ فارس أنا عارف انك زعلان اوي على عادل ، كلنا زعلانين بس واجبنا نعرف مين عمل كده مش وقت حزن خالص .
_ وانا مش نائم يا عصام و الكلب ده هجيبه يعني هجيبه.
........
إستمرت شذى بالركض بين الأشجار في تلك الغابة صحبة ذلك الصغير الذي لم يعد يتحمل التعب والذي بدأ يظهر على وجهه الاستياء .
_ إنا خلاص تعبت مش هاجري تاني ، أجري لوحدك أنا معملتش حاجة .
_ يعني هو أنا الي عملت ؟، استغفر الله يارب ، بص يا ابني الشرطي العسل الي رحنا عنده عشان يحمينا ، عايز يعمل مننا سندوتشات
_ ليه هو جيعان؟
_ الصبر يا رب ، هو راجل مش كويس وبيعرف الي قتلوا بابا وماما فهمت
_ طيب انا هروح أقتله
استدار الطفل مستعدا للعودة كي يواجه عدوه وينتقم لأهله وكأن الأمر بهذه السهولة ، نظرت إليه شذى بحزن وشفقة على حاله ، رغم صغر سنه يريد القصاص لأهله يريد إخماد تلك النار بداخله . أوقفته وجلست على ركبتيها كي تستطيع محادثته وهي تنظر إلى وجهه البريئ وعينيه الزرقاء الجميلة ، أخبرته أنهما لا يملكان وقت للنقاش الان وأنها ستشرح له كل شيء حين يبتعدان عن الخطر. هز رأسه مجددا موافقا على ما قالته بيأس ودموع جاهد بكبرياء حتى يمنعها من الانهمار.
في هذه الأثناء كان الشرطي يدور حول الكوخ بغضب ولم يعرف من أي اتجاه هربا وما الذي سيقوله الان لرئيسه. سلك طريقا بين الأشجار هو الآخر و شرع يصرخ بصوت عال .
_ انتو فين !؟ تعالو أنا عايز أحميكم وبس متخافوش
الحماية درع يوفره لنا البعض ، فنلجؤ لهم بصفتهم أهلا لها ، ثم نخذل فنتعلم أن نحمي أنفسنا بأنفسنا، ونفقد الثقة في الجميع مهما كانت مكانتهم بالنسبة لنا .
.......
وصل ريان إلى المدينة حيث يقيم صديقه ، بل حيث كان يقيم فقد انتقل الى رحمة ربه ولم يعد من سكان هذا المكان الموحش بدونه ، وكله أمل في أن يكون الخبر كاذبا وان يجد صديقه حيا يرزق . ترجل من سيارته ودخل إلى مركز الشرطة سال مباشرة عن مساعد المحقق وتم إدخاله إليه بعد أن أذن فارس بذلك .
_ اتفضل مين حضرتك ؟
_ أنا اقرب صديق لعادل ،جيت هنا عشان أفهم فيه ايه وأزاي اتقتل هو ومراته في نص بيته وانتم لحد دلوقتي معملتوش حاجة .
_ احترم نفسك واعرف انت بتكلم مين ، ثم مين قالك أنه احنا قاعدين مش بنعمل حاجة .
_ أنا عارف كويس أنا بكلم مين ، يوسف فين يا أستاذ فارس .
استغرب فارس من كون هذا الرجل يعرف اسمه وهو للتو دخل ، وما خطبه يطلق شررا من عينيه وغضبه يكاد يحرق المكتب بمن فيه .
_ يوسف اختفى ومحدش عارف هو فين ، احنا سألنا في المدرسة وقالوا أنه وصلوه لحد بيته ودخل وبعدها مشيو .
_ يعني احتمال القاتل يكون خاطفه؟
_ ده وارد جدا . بس الجريمة عدا عليها ثلاث ساعات دلوقتي ومحدش اتصل باي حد من قرايب عادل ولا قرايب الست وداد ربنا يرحمهم .
خرج ريان دون أن يضيف أية كلمة ، وظل فارس مستغربا كيف جعله هذا الشاب يجيب عن الأسئلة بينما هو من يفترض به أن يسأل.
.......
أخرج الشرطي هاتفه من جيبه مجددا واتصل برئيسه وهو في منتصف الغابة ينظر يمينا و شمالا عله يراهما. الارسال ضعيف جدا وبالكاد استطاع اخبار الآخر أنه أضعهما وانقطع الإتصال، عاد الكوخ حيث سيارته ، لم يعد هناك ما يبقيه في هذا المكان ، ويجب أن لا يشعر الآخرون بغيابه في مركز الشرطة،فقد مرت ساعة حتى الآن وعليه أن يجد حجة مقنعة .
كان عصام يتابع عمله مع اثنين من عناصر الشرطة بينما هناك اثنان آخران مختفيان منذ ما يقارب الساعتان ، لحظات مضت بعد سؤال عصام عنهما ،ليدخل الاثنان معا .
_ كنتوا فين لحد دلوقتي، انتم عارفين أنه الدنيا مقلوبة هنا ؟
_ أنا رحت لبيت الاستاذ عادل عشان أودي اكل للحراسة هناك .
_ أنا كنت بحاول أسأل الجيران وأشوف كاميرات المراقبة.
_ هو انتم فاكرين أنها زيطة ؟ كل واحد يلتزم بمكتبه وميتحركش إلا بأمر مني أو من فارس .
.......
انتهى دوام وعد وصديقتها أحلام على الساعة الخامسة مساءا ، فقررتا الذهاب لمنزل شذى فربما شعرت بالمرض فغادرت المكتب دون اخبار أحد ، أخذتا سيارة أجرة وبعد حوالي نصف ساعة كانتا أمام منزلها ، طرقت أحلام الباب لتخرج وجد مبتسمة ظنا منها أن شقيقتها عادت من العمل . تبخرت ابتسامتها عندما رأت صديقاتها ، وشعرت بأن هناك خطبا ما .
_ أهلا وسهلا اتفضلوا
_ وجد حبيبتي ، هي شذى كويسة ، احنا جينا عشان نطمن عليها بس ونمشي .
_ شذى! ليه هي مش كانت معاكم في الشغل من الصبح .
_ قصدك إيه ؟ شذى مش هنا ولا ايه ؟
_ أيوه يا وعد شذى مش جات البيت من لما طلعت الصبح ، انتوا بتهزروا مش كده
أطلت وجد برأسها تبحث عن شذى خلف الفتيات وفي الدرج أيضا ولم تجدها ، بينما كانت أحلام مصدومة وتنظر إلى وجه وعد ال**بس ، وكأنها تريد منها أن تكذب ما يحدث ، أخرجت وعد هاتفها على الفور وبدأت تتصل بشذى لكن هاتفها مغلق ، بينما ركضت وجد للداخل تخبر أمها وأختها بما حدث ، حالة من الفوضى عمت المنزل، دخلت الفتاتان وبدأن في تهدئة السيدة أروى ، التي خطرت في بالها كل الأفكار السوداء ، مر فادي من أمام منزلهم ليدخل إلى منزله ،راى الباب مفتوحا وصوت بكاء ينبعث من الداخل ، دفعته قدماه نحوهم طرق الباب قليلا ثم دخل . ليجد السيدة أروى تجلس أرضا وتبكي بحرقة و فتاتان غريبتان تمسكانها بينما وجد تتصل وتتصل بأحدهم!.
_باسم في إيه ، مالها والدتك بتعيط كده ليه ؟
_ شذى اختفت من حوالي أربع أو خمس ساعات ،
_ ازاي ده ؟ ايه الي حصل
قص باسم ما حكته لهما الفتاتان على فادي ، فكان من الاخر أن عرض عليه إبلاغ الشرطة كي تقوم بالبحث عنها ، رافقت الفتاتان فادي إلى مركز الشرطة ، بينما أخذ باسم والدته للمستشفى وظلت وجد في المنزل تنتظر فربما تعود شذى .
......
تعبت شذى من الركض ويوسف أيضا لم يعد يتحمل ، قررا الجلوس قليلا لكي يستريحا ، كما أنها تدين بشرح لهذا الصغير .
_ بص يا حبيبي ، أنا قلتلك اني هشرحلك بنجري ليه كل شوي صح ؟
_ اه صح
_ انت ذكي طبعا وعارف أول مرة جرينا ليه .
_ اه عشان الي قتلوا بابا وماما ميقتلوناش احنا كمان .
_ صح ، والمرة ديه عشان عمه الشرطي ده سمعته بيكلم واحد وبيقوله هخلص عليهم الي هما احنا .
_ اصلا هو جابنا هنا بعيد عن الناس زي ما بيعملوا في الأفلام وبعدين تشييك
بيدبح المجرم الناس .
كانت تنظر شذى للطفل وهو يتحدث وكأنه رجل عصابات متمكن ، كان بودها أن تضحك لكن موقفهما لا يسمح ، كما أن دموع الطفل التي عادت للانهمار آلمتها .
_ احنا مش هنبطل عياط بقا يا بطل ولا ايه ؟ وبعدين انت مش قلتلي اسمك ايه ؟
_ اسمي يوسف وانت؟
_ يوسف ؟ الله الاسم ده حلووو اوي ، وانا اسمي شذى
_ واسمك كمان حلوو
_ والله ما فيه حد حلوو قدك
ظلت شذى تحاول محادثته في أي شيء آخر بعيدا عما عاشه للتو، فهو في النهاية طفل ولابد أن يخلف كل هذا أثرا نفسيا سيصعب فيما بعد التعامل معه .فجأة تذكرت أهلها فأخرجت هاتفها لتتصل بهم وتطمئنهم عنها فلابد وأنهم قلقون عليها .
الساعة السادسة مساءا وشذى تلعن حظها للمرة المليون فهاتفها مطفي ويبدو أن بطاريته فرغت ، لم تتمكن حتى من طمئنة أهلها ، كان يوسف نائما بين ذراعيها حركة وجهه تدل على كونه يرى كابوسا ما ، بعد كل ما حدث وما سيحدث مستقبلا هي ليست نادمة ،فيكفي أنها أنقذت هذا الصغير. الذي استيقظ مرعوبا بعد لحظات فقط من نومه.
_ بااااااااابا ، هما فين ماما وبابا فين ؟
لم تتفوه شذى بكلمة واحدة ،منعتها تلك الغصة بحلقها من الكلام ، واكتفت بأحتضانه بقوة . بعد دقائق عاد فيها السكون لذلك الطفل ،سألته ما أذا كان يستطيع المشي قليلا بعد كي يخرجا من هذه الغابة ،خاصة وأن الظلام على وشك أن يحل.
_ يوسف حبيبي هو انت تقدر تمشي كمان شوي ؟ لازم نطلع من هنا قبل ما الليل يجي.
_ اه خلاص ارتحت هاقدر أمشي ،بس أنا جعت اوي وكمان عطشت
_ وانا كمان والله ، بس احنا نطلع من هنا وهاخدك عند بيتي .
_ ماشي يلا نروح .
إستمر يوسف في المشي وشذى تمسك يده الصغيرة وطوال الطريق تحدثه عنها وعن طفولتها وتخترع قصصا لم تحدث فقط لإضحاكه ،لكنه لم يبتسم حتى .
توقفت شذى فجأة ،فقد سمعت صوت سيارة ما لابد وأن هناك طريق قريب من هنا ، تبعت مص*ر الصوت ووصلت بالفعل لطريق غير معبدة في الجهة الأخرى لها توجد أشجار أكثر كثافة من التي قطعاها الان . بعد تفكير طويل اختبأت مع الطفل خلف بعض الاشجار كي لا يمر الشرطي فيجدهما، وظلت تنتظر مرور سيارة ما ، بعد قليل مرت واحدة فخرجت مسرعة وبدأت تشير للسائق كي يتوقف لكنه لم يفعل، مرت اخرى و أخرى وأخرى ولم تتوقف أية واحدة ، تساءلت شذى عن السبب ، هل يخالونها سارقة مثلا ،ام ماذا ؟ نظرت إلى يوسف ثم بعده مباشرة الى ملابسها .
_ أكيد هو ده السبب ، محدش هيوقف يا يوسف واحنا كلنا دم كده
تفوهت بتلك الكلمات ثم ندمت بعد أن فطنت لكونها تذكره بما حدث في كل لحظة ودون قصد . **تت وجلست أرضا ، ثم اقترب منها يوسف وجلس أيضا وهو يضع رأسه بين كفيه و يتن*د بين الفينة والأخرى بيأس وملل ، الظلام حل و صوت الكلاب ارتفع في الأرجاء