.
.
.
لقد مرّت سنوات كثيرة لا اتذكر عددها بوضوح، من المؤكد أن عقلي لم يعد صافياً ويقظاً بعد ما رأيتهُ في طفولتي، الحياة لم تكُن عادلة بعد هذا اليوم، بل ربما لم تكُن عادلة منذ البداية وقد كنتُ انا الجاهلة.
ما اعرفه أني اتممتُ عامي التاسع عشر مُؤخراً، وقد كان عاماً كئيباً كـسابقيه.
كان الظلام دامس في القرية وإزدادت هدوءاً كما المعتاد، وهذا الهدوء كان كئيباً وجميلاً خاصةً بِالقراءة في مكتبة ابي؛ وكأن قلبي يعيش في تلك المكتبة، لازلتُ أتذكر طفولتي في كل ركن هنا لدرجة أنه لم يعد بِـاستطاعتي القراءة دون أن اشرد بِـذهني في تفاصيل ذكرياتي الجميلة لكنها بالأغلب كئيبة.
أغلقتُ الكتاب بين يداي حين سمعتُ جرس الباب يُفتح واستدرت بِـوجهي للزائر التي كانت صوفيا وأخيها لوكاس.
ارتسمت ابتسامة فوق ثغري، كم انا ممتنة لكوني أمتلكهُم على الأقل.
رحبت صوفيا بي وقالت:
«مساء جميل! من غير المعتاد بقائكِ في المكتبة حتى منتصف الليل»
من الواضح أني شردت كثيراً اليوم، وهذا ما يحدث في فترات مختلفة قليلاً، اجبتُها:
«من الجميل زيارتكم لي»
قهقه لوكاس وإصطحب كرسياً واضعاً به في الجانب الآخر من الطاولة مردفاً:
«ابي يخبركِ بالقدوم وتناول العشاء معنا الليلة، لقد اشتقنا لوجودكِ معنا في المنزل! »
انا ايضاً اشتقت لتناول العشاء معهم، فـبعد انتحار والدتي أخذني السيد أندرسون لمنزله مع لوكاس وصوفيا لأن سكان القرية هددوني بالقتل، لكن تلك الشعلة خمدت بمرور السنوات لذا عدت لمنزلي الكئيب العام الماضي.
اجبتُ لوكاس:
«لقد تخطى الوقت منتصف الليل، فليُكن غداً»
«نحن نعلم أنكِ تسهرين، لا افهم لماذا تعملين بِـهذا الجهد، لا احد في تلك القرية يقرأ على كل حال؛ الجهل يسكن القرية! »
وافقت صوفيا جالسة وقد كان شعرها الأشقر المشابه لشعر أخيها إزداد طولاً:
«يمكنكِ البحث عن وظيفة الآن! لقد تخرجتِ بالفعل! بالنسبةِ لي مازال امامي عام»
هي مُحقة لكن أظن أن قلبي لن يتخلى عن تلك المكتبة بسهولة، وإن كانت تصيبني بالكآبة فسأحب كآبة ذكريات ابي!
تحدث لوكاس بينما يحدق في شاشة هاتفه:
«هل ستقوم الحرب؟ لماذا مواقع التواصل الإجتماعي في اضطراب؟ »
قطبتُ حاجباي محدقة في الكتاب بين يداي، ذاك الكتاب عن لوثر هوفام..الجندي الذي سيستعمل هازارد جسده حين يُبعث مجدداً، وهل اقترب الوقت؟
اطلقتُ تنهيدة واستقمتُ لينظر كلاهما نحوي فـقُلتُ:
«سأعود للمنزل، ليلة سعيدة لكما»
كنت اعلم أن التحدث عن أي شيء يمد لِهازارد بِـصلة دون أن اتحمس مريباً بالنسبةِ لهما، لكن حماس طفولتي تبخر حول تلك القصة، لقد نضجتُ وعلمتُ أن الدماء ليست شيئاً يدفع للحماس.
ودعتهُما وأغلقتُ المكتبة لكني لم أنسى إصطحاب ذاك الكتاب عن هازارد معي؛ ربما لست متحمسة لكن الفضول لايزال يحيط بي.
كنتُ اسير في ارجاء القرية وحيدة، بالكاد يوجد انسان، لا وجود لضوء لولا القمر والنجوم، وقد كنتُ غارقة في حب النجوم وكارهة لمنظر القرية الجميل، بوجود انواع الزهور المختلفة واشجار كثيرة والشوارع تخطيها بتلات الزهور والمنازل بسيطة الت**يم ودافئة إلا أن ذاكرتي الوحيدة الراسخة عنها هي مقتل ابي، لم يعد بها جمال بعد أن سالت دماء ابي فوق أراضيها.
دخلت لمنزلي الكئيب، والذي إزداد كآبة حين عبرتُ من الغرفة التي انتحرت بها والدتيّ، التي لا ارغب حتى في قول والدتي عنها، لقد كانت سيدة ضعيفة وهشة؛ لا يمكنني أن اغفر لها تركي وحيدة في خضم هذا الظلم!
لم أتمكن من النوم تلك الليلة، ما قاله لوكاس لازال يض*ب رأسي ض*باً، انا لست من متصفحين الانترنت لكن التلفاز كان في حالة فوضى مؤخراً ايضاً، هناك بعض المؤشرات عن قيام الحرب وهل سيعود هازارد؟ هل سيُبعث في جسد لوثر؟
حدقت من النافذة على النجوم التي توجت هذا المعبد حيث تم دفن لوثر وهازارد، فقد كان هازارد حليفاً لألمانيا النازية.
لقد قالوا أن هازارد اختار لوثر كونه يحمل حقداً كبيراً للبشرية، حقداً لا مثيل لهُ؛ على نحو ما اشعر وكأني اتفهمهُ.
لطالما كرهتهُ فقد كان عدواً، لكن لماذا لم افكر يوماً عن لماذا يكرهنا؟ انا ايضاً اكره سكان القرية، بل أبغضهم وإن سنحت الفرصة سأقتلهم جميعاً بِـأقسى طريقة! هل اشبه لوثر الآن؟ لماذا يا لوثر تكرهنا؟ وهل تم ظلمكَ؟
تناولت الكتاب من الطاولة قربي وفتحت صفحة حيث صورة لوثر هوفام، مجرد جندي في الجيش النازي، ذو شعر أشقر يبلغ كتفيه وأعين خضراء لامعة لكن لمعان ذابل وكئيب.
لمحت من طرف عيني ضوء من الخارج لأنظر عبر النافذة على المعبد فوق التل بعيداً وقد كان..يحترق؟
ضيقتُ عيناي لأبصر اشخاصاً وسيارة تحيط بالمعبد.
هل بدأت الحرب بالفعل؟ هل يُبعث هازارد؟
استقمتُ من مجلسي وعدتُ للخلف خطوة واحدة، هذا واضح..إن عاد هازارد فـقريتنا ستكون ضحيته الأولى..سكان القرية بما ضمنهم انا سيتم قتلنا...
لاحظت أن زاوية شفتاي مرتفعة، في مكان ما في اعماقي كانت سعادتي بِـمقتلهم اكبر من خوفي لموتي شخصياً.
سمعتُ فجأةً صوت صراخ سيّدة ثم توالت الصرخات وتعالت الأصوات المختلفة، اختلطت اصوات السيدات بالرجال والأطفال.
شعرت بالتخدر في جسدي، لقد كان هذا اقرب مما توقعتُ، سؤالاً طرح عقلي..هل سأقابل هازارد؟
جمعتُ قوتي وأخذت اتحرك بِـخطوات سريعة نحو الطابق السفلي ثم لِـخارج المنزل وبمجرد أن فتحت الباب حتى رحبت بي ألسنة لهب!
استيقظت القرية في خضم هذا الحريق المجهول، كنت في ساحة من الجحيم حيث النيران تحيط بنا والنساء يصرخون ويبكون والرجال يتجمعون لإخماد الحريق بكل وسيلة مُمكنة.
لم تلمس النيران منزلي بعد وبالرغم من هذا وقفتُ كـالصنم أراقب وفي قلبي اضطراب شديد، هل تلك هي النهاية؟ لماذا أشعر أن الزمن قد توقف؟
كانت اصواتهم تزيدني خوفاً وذعراً:
«هازارد سيعود! »
«انها النهاية! »
«ابني لازال بالداخل! »
«المعبد يحترق! اسطورة هازارد صحيحة»
ض*بت أذناي بِـيداي كي أُسكت تلك الأصوات، لا يمكن لأعصابي أن تتحمل ما يحدث، ذكرياتي القديمة تض*ب رأسي؛ دماء، جثث، اسلحة، لا اريد رؤية هذا!! حتى وإن كان الموت سيصيب سكان القرية فـالموت نفسه لازال يُخيفني، لقد تبخرت سعادتي بمجرد رؤية كم هذا مخيف مجدداً.
شهقتُ حين نكز أحدهم كتفي لأسمع لوكاس يقول:
«عودي للداخل! نحن الرجال سنخمد النيران! »
صوفيا كانت تلهث بينما تقول:
«ابحث عن مخرج! النيران وصلت للغابات، إن لم نخمدها سنحترق جميعاً!»
زادت كلمات صوفيا من ذعري! هي مُحقة! لقد كنتُ سعيدة لأن السكان سيموتون لماذا الذعر يختالني الآن؟
سحبتني صوفيا حين لم أتزحزح ليوقفنا صوت رجل:
«إلى أين؟ »
استدار كلانا نحو بضعة رجال حوالي خمسة يرمقوننا بِنظرة إتهام ليجيبهم لوكاس:
«ماذا تريدون؟ »
اجابهُ أحدهم:
«منزل هيلينا لم يحترق! المعبد يحترق هُناك وهيلينا كانت آخر من عاد لمنزله! ألم يكن والدها قاتلاً؟ أليس هذا واضحاً؟»
استرسل الرجل بِـصوتٍ اعلى:
«جميعكم! من الواضح أن هيلينا تعاونت مع بعض الإرهابيين لحرق القرية! من غيرها يحمل حقداً كبيراً نحونا ويتمنى موتنا؟ »
نجح الرجل في جذب إنتباه بعض السكان ونظرات الجميع نحوي جعلتني أتقلص في موقعي، اريد أن اتبخر، اريد أن اموت قبل مواجهتهم.
صاح احدهم:
«ابنة القاتلة! يجب قتلها! »
صرخ لوكاس:
«هل جننتم؟ كيف لفتاة أن تفعل هذا الخراب؟ من الواضح أن خوفكم يُعمي بصيرتكم، لا تتخذوا القرار الأسهل! جميعنا نعلم أن هيلينا قليلة الحيلة! »
عدتُ خطوة للخلف قائلة:
«يارفاق..هذا لا يحدث، لقد كنتُ في المكتبة! ارجوكم هناك اشخاصاً يموتون الآن»
«وهذا بالكامل بِسببكِ!»
صرخت صوفيا في حنق:
«جميعكم مختلون! إن كنتم تهتمون للموتى اتركوا هيلينا للآن وأنقذوا الضحايا! »
اجابها ذات الرجل:
«هناك من ينقذهم! لا تحاولون الهرب! »
ذهب لوكاس دافعاً الرجل بكلتا يداه:
«اللّعنة عليكَ! لقد كنا مع هيلينا ولم تفعل شيئاً! »
«إذاً فـأنتم شركائها! »
حدقت في وجوههم؛ جميعهم في حالة ذعر وخوف شديد مما يمنعهم من التفكير جيداً وقد كنت انا الضحية مجدداً...
سحبني الرجل من مع**ي لأصرخ وأبعد يدي عنه في خوف عميق حينها قفز لوكاس لاكماً الرجل ليندفع رجالاً آخرين للفصل بينهما حينها سحبني الرجل مجدداً لتسحبني صوفيا أمامه صارخة:
«اتركوها! لقد فقدتم صوابكم!! »
لكن الرجل كان أقوى، كان يضغط بقوة على مع**ي حتى شعرت بهِ يقتلع حينها كنتُ اقاوم لكن مقاومتي لم تحتسب شيئاً،كنت واهنة للغايّة.
تم تقيدي بينما لوكاس كان يقف بيني وبينه جداراً من الرجال وصوفيا كان تم تقيدها ايضاً حينها لم أتمالك ذاتي وأجهشتُ باكية.
انا ضعيفة وهشة ولدتُ في عالم لا يرحم، الموت يحيط بي وكأن حياتي كتب لها الدماء، اين انتَ يا ابي؟ كل شيء بدأ في هذا اليوم المشؤوم! اكاد افقد صوابي ودموعي لا تتوقف!!
تم إصطحاب ثلاثتنا بين النيران والجثث نحو المعبد فقد قال أحد الرجال أنهم سيستعملوننا رهائن للتصالح مع الإرهابيين في المعبد، حينها فقط سؤالاً ض*ب رأسي..اين رجال الشرطة؟ لماذا كانوا هنا فقط لقتل ابي ولم يكونوا هنا لإنقاذنا؟
كنت اسير بين الجثث ودموعي تقل، ال**ت يعم، لوكاس وصوفيا خضعا، لقد تورطا بسببي وهذا يطرح سؤالاً آخر..اين السيد اندرسون؟
كنا نقترب للمعبد واصوات طلقات الرصاص تتعالى، هناك معركة بالفعل داخل هذا المعبد، لم أكن لأقتلهم وربما لم تكن النيران ايضاً لتقتل هؤلاء الرجال، لكني واثقة أن هؤلاء الإرهابيون سيفعلون وسيتم إبادتنا جميعاً.
لماذا أشعر أني في عالم موازي أو حلم؟ لا يمكن لهذا الهلاك أن يكون حقيقي، هذا كابوس واقعي فحسب واتوسل الرب أن يجعلني أستيقظ الآن لكن من الواضح أن توسلاتي لم تبلغ السماء.
حين وصلنا للمعبد لم اتجرأ على رفع عيني لرؤية الأسلحة وحين وقعت عيني ارضاً على جثث أغمضتها، اتوسل إليكَ يارب..انقذني من هذا الكابوس، لم أعد اتحمل رؤية تلك الدماء والجثث.
تم دفعي ارضاً لأجثو على ركبتاي واشعر بِدماء في ساقي مما هز قلبي وجعل دموعي تعاود التحرر.
تحدث رجل من رجال القرية:
«لقد جئنا لنطالبكم بِـ-»قاطع حديثه صوت طلقات رصاص متتالية لأدرك حينها ما يحدث واصرخ صرخة خوف وتندفع دموعي، كنت اتوسل من الرب، اتوسل له وأترجاه أن يبعدني من هنا فقط حتى إن عنى هذا موتي، فقط اريد الرحيل من هنا!!
شعرت بالدماء في وجهي وبشرتي وتحتي، لقد كنت في ارض من الدماء وكنت أتمنى وإن كانت دمائي، لا أظن أن بمقدوري مواجهة هذا الدمار اكثر.
هل لازلتُ على قيد الحياة حتّى..؟
«هل انتِ ابنة السيد والتر؟ هيلينا؟ »القى احدهم سؤالاً.
مهلاً لحظة..كيف يعرف؟
رفعت عيني لمن يترأسهم وقد كان يغطي وجهه بِـوشاح ويمسك ببندقية ويحدق بيّ، لم اعلم إن كان من الصواب أن اخبره بالحقيقة أم لا لكن حتى إن اردت التحدث فـقوتي لا تسمح..
سمعتُ صوت طلقات رصاص لأغمض عيني بِـقوة، لا ارغب في رؤية هذا، لماذا لا يتوقف لدقيقة واحدة فقط؟
عم ال**ت بعد عدة طلقات لأسمع صوت عميق يقول:
«هيلينا؟ »
فتحتُ عينايّ وإزدردتُ ريقي، بتتُ أبغض اسمي..لكني رفعت وجهي في تردد نحو المتحدث لتسقط عينايّ على شعر أشقر طويل وأعين خضراء لامعة وذابلة..
لوثر؟..أم يجب أن اقول..هازارد!
★★★★★★
دخول لوثر الرايق سبب حرايق *حرفياً* ???
1600 كلمة.