.
.
.
.
كانت أغارثا مشرقة كعادتها، لكن داخل هذا القصر كان المطر يهطل والصواعق تض*ب رأس لوثر.
هو يتذكر..لقد قال منقذ؟ لقد قال أحد ايام الحرب العالمية الثانية؟ بل أنهُ قال والتر!
هذا اليوم..لوثر يتذكر!
كانوا جميعاً داخل الخنادق، الجيش الكندي والفرنسي والألماني، كل جيش في جهة خاصة بهِ، لقد وصلتهم أوامر بِـأطلاق الكلورين نحو الأعداء، كانوا جميعاً قد أرتدوا أقنعتهم.
تحدث لوثر:
«هاريسون! أحضر لي الذخائر، لقد نفذت مني! »
أجابه صاحبه الأبرص ذو الشعر الأبيض:
«تفضل، لا تهدرها كما سابقتها، انت حقاً سيء »
سحب لوثر الذخائر من يد صديقه ثم رفع رأسه خارج الخندق ونظر بعيداً إن كان هناك أي حمولة تقترب.
كانت الأجواء ملطخة بالدماء، الطقس حار للغاية والشمس تكاد تغرب، أصوات ض*بات الرصاص لا تتوقف، والجميع غارق في عرقه، انها أرض الدمار والدماء؛ أنها الحرب.
نظر لوثر نحو السياج حيث من المفترض أن تصل الحمولة لهم، لكن بدلاً من رؤية الحمولة سقطت عيناه على طفل؟
ضيق لوثر عيناهُ وكان هناك طفل هناك يبكي ويتشبث بالسياج الحديدي، كيف وصل لهنا؟ كيف بقى حياً؟
رمى لوثر بِبندقيته وخاطب هاريسون:
«هناك طفل! »
نظر له هاريسون:
«هاه؟ هذا مستحيل، الشعب قد هرب منذ مدة طويلة!! »
أجابه لوثر في انفعال:
«انا جديّ!، سأذهب له-»
أمسك هاريسون بِذراع صديقه وقال في غضب:
«هل جننت؟ سيتم قتلك إن تركت المعركة وذهبت أياً كان السبب»
«هل يعني هذا أن أترك طفلاً للموت؟ »
«لوثر! »نظر لوثر نحو احد زملائه الذي رمقه في حدة قائلاً:
«ماذا يحدث هنا؟ نحن سنطلق الكلورين الآن، نحتاجك لقتلهم! »
أمسك لوثر بالقناع خاصته بقوة وظبطه ثم قال:
«أطلقوه إذاً، سأقتلهم..لكن من الخارج! »
أنفجرت علب الكلورين فور أن أنهى لوثر حديثه مع تغير أتجاه الرياح نحو خناق الفرنسيين والكنديين حينها أستقام لوثر فوراً وأخذ يركض بين الضباب الأصفر نحو السياج عبر الخريطة التي حفظها في رأسه.
كان في الجهة الأخرى لذا لم تلمسه أي رصاصة وبمجرد أن بلغ السياج كان يسمع صوت بكاء الطفل الذي أحتضنه بِقوة وخلع قناعه وألبسه إياه بينما يضع بِياقته فوق أنفه.
وقف هكذا لدقائق طويلة، كان يشعر بالوهن الشديد والخوف لكنه كان يملك القوة على الأستمرار وإن تطلب هذا الوقوف هكذا لساعات متواصلة.
إنها نهاية الحرب، الكلورين سيُبيد الجيوش والأعداء جميعاً، لا داعي للخوف.
تحول محيطه إلى اللون الرمادي بعد أن أزاحت الرياح هذا الكلورين حينها أبعد ياقة بذلته وأخذ يتنفس بِقوة ويستنشق الهواء لرئتيه.
أبعد القناع عن الطفل الذي يبدو في التاسعة أو العاشرة من عمره ثم ابتسم ابتسامة صادقة وكأنه يعلن عن نصره بتلك الابتسامة وقال:
«انا واثق أنك لن تتمنى يوماً أن تكون جندياً»
لكن الطفل كان يحدق بهِ في صدمة، كان مذعوراً وخائفاً ويده ترتجف حينها ربت لوثر على كتفه مهدئاً إياه وقال:
«لا تخف، انا صديقك، هل تعلم ما هو اسمي؟ ادعى لوثر هوفام، انا جندي الماني، هل تتحدث الألمانية؟»
لكن الطفل لم يجب حينها قال لوثر:
«قد تكون انجليزياً، أنت تشبههم، أتعلم؟ جدي كان انجليزياً ايضاً، لذا في كل الأحوال انا صديقك! »
لكن الطفل لم يُجِب حينها راح لوثر يبحث في جيوب الطفل عن أي هوية لوالديه أو أي شيء قد يساعده وقد تمكن من العثور على شيء واحد، كانت ورقة.
أخرجها لوثر وأخذ يقرأ ما كتب عليها وقد كان:
«ادعى ماثيو، انا والد هذا الطفل وهو يدعى والتر، والتر في العاشرة من عمره وقد تم أخذي انا وزوجتي وطفلي كـآسرى، توفت زوجتي في الزنزانة ووعدتها أني سأحمي ابننا وتمكنتُ اخيراً من العثور على طريقة لجعله يهرب، لكن للأسف لا يمكنني الهرب ايضاً، قد يموت بمجرد خروجه سأدعو الرب ليحميه، لكن إن حدثت معجزة وتمكن أحد من العثور عليه، فانا اتوسل لك وأترجاك بأن تنقذه، يمكنك حتى إرساله لدار أيتام..فقط لا تدعه يموت، هو لايزال طفل!»
أعاد لوثر الورقة لجيب والتر بينما الحزن يعلو وجهه لكنه سرعان ما رمى بتلك الملامح وابتسم في زيف:
«انت والتر إذاً؟ ياله من اسم جميل»
امسك لوثر بيد والتر:
«سأرسلك لمكان حيث لا وجود للحرب، خلف هذا السياج استمر بالركض للأمام مباشرةً وسيعثر عليك احد بالتأكيد، أعطيه تلك الورقة فوراً وستكون في أمان، افعل هذا إن أردت العودة لوالدك ماثيو ووالدتك! »
استقام لوثر وهو يشعر بالندم والأسف لأنه يكذب على هذا الطفل، يشعر بالعار لأنه لن يأخذه من يده للأمان، لكنه سيدعو الرب أيضاً لأنه هو ايضاً هناك والدين يدعوان الرب ليبقيه حياً، لا يمكنه أن يكون متهوراً.
ساعد لوثر والتر في العبور من السياج ثم أخذ يصرخ له بالركض حينها تحرك والتر ركضاً.
لكن هذا ما تذكره لوثر فقط حينها وفجأة وجد نفسه امام هيلينا تمسك بوجهه بين يداها الناعمة والباردة وتقول ناظرة لعينيه:
«لوثر، اهدأ! »
نظر لوثر لعينيها الذهبية وحينها هدأ قليلاً، تلك الذكريات تض*ب رأسه بقوة وكأنها تعيد له مشاعر الحقد ذاتها..هو يتذكر الآن مجدداً.
تحدث الملك:
«اجل! انتَ تتذكر هذا أليس كذلك؟ انت أنقذتَ والتر ومن ثم أتهمك الجميع بكونك عدو البشرية الأكبر لكن حين كبر والتر ونجى من تلك الحرب بسببك وعثر على صورتك بعنوان عدو البشرية الأكبر رفض تصديق هذا تماماً! من المستحيل أن عدو البشرية الأكبر كان الوحيد الذي خالف الأوامر وضحى بحياته لحماية طفل لا يعرفه في خضم الحرب!! »
كانت الكلمات تض*ب كلا من لوثر وهيلينا التي طأطأت رأسها وتخلت عن وجه لوثر وتقلصت في مكانها، لا يمكن أن يكون هذا حقيقي..
هي تتذكر هذا...
في يوم من الأيام قال لها والدها:
«لقد تم قتل والداي، لكن انا ممتن بشدة لهذا الشخص الذي أنقذني حينها، لقد أنقذ حياتي في خضم الحرب، لا يمكنني أن اتخيل أنه ضحى بحياته وخاطر بِالعواقب فقط لإنقاذي حين لم يتحرك أحد من الثلاثة جيوش! لقد كان ملاكاً حقاً»
هيلينا تتذكر أنها كانت ممتنة لهذا الشخص طوال حياتها، لقد أنقذ والدها، لكن سرعان ما نست بأمره مع مرور السنوات لكنها الآن تتذكر..لأن هذا الشخص...يقبع أمامها بِلقب عدو البشرية الأكبر!!
«لوثر..»اهتزت نبرتها بينما ترفع عيناها وتحدق في عيناه الخضراء اللامعة والواسعة.
لمعت عيناها ايضاً،كان الجميع يراقب في تساؤل، لا أحد يعلم ما يدور في عالم هذين الشخصين من المشاعر المختلفة والألم.
كانا يحدقان في بعضهما البعض وكأنه لا وجود لأحد سواهم في هذا العالم، وكأنهما عثرا على طوق نجاة بينما الجميع التزم ال**ت وأخذ يراقبهم في فضول.
تحدثت هيلينا اخيراً:
«ارجوكَ، فلتشعل هذا التسجيل»أستدارت بوجهها للرجل الذي أسرع بتشغيله.
كان والدها يتلو عليهم ما حدث وكيف قابل لوثر هذا اليوم:
«لا اعلم إن كان هذا الجندي قد اخبرني بِأسمه أم لا لكني اتذكر أنه بعد أن كبرت في السن وخرجت من الملجأ عثرت على كتاب عنه فـكتبه منتشرة بشدة وتلك الصورة لهذا الجندي أعادتني عشرات السنوات للخلف، لقد أنقذني..لهذا ارفض أن اعترف أنه عدو البشرية الأكبر، هذا غير مقبول ومستحيل تماماً! لذا في هذا الوقت حين ينهار العالم تذكري هيلينا، إن كان لوثر عدواً لكان جسده فريسة سهلة لهازارد لكن الفشل سيفشل لأنه لا يكرهنا! واتمنى أن تدفعي الجميل لهُ بِـإنقاذه من هذا العالم الذي لا يرحم! »
تساقطت دموع هيلينا، هي تشعر بعبأ كبير للغاية، لكن مشاعرها تكاد تنفجر حزناً وحسرةً، لماذا من بين جميع الأشخاص..لماذا لوثر من أنقذهُ؟
استكمل والتر:
«هناك طريقة واحدة لإنقاذ البشرية؛ بتخطي الحدود! هناك ارض تدعى أغارثا في القطب الشمالي، انها أرض متصلة بالأراضي الممتدة، لكن لا يمكنكم العبور عبرها لأنها لن تكون كافية لهروب البشرية بأسرها، ولأن الأراضي الأخرى منعت الطريق عبر أغارثا بسبب أكتشاف أمريكا لها، لذا ملجأكم الوحيد هو القطب الجنوبي! خلف سور جليدي ضخم يوجد عالم جديد، عالم دافئ ونظيف وجميل أشد جمالاً من أغارثا بِأضعاف، حيث يوجد به ما يمكنه أن يكفي البشرية بأسرها لمئات السنوات! »
عقدت هيلينا حاجبيها، لهذا السبب تم نعت والتر بِالبطل؟ ابنة البطل تختلف كثيراً عن ابنة القاتل..
كان لوثر ينصت في إرهاق؛ لماذا يجب عليه أن ينقذ البشرية بأكملها؟ لقد قال هذا سابقاً..حتى إن أنقذ البشرية بمفرده، فالعالم بأسره لن يجتمع لإنقاذه!
لقد تم نعته بِعدو، إن أرادوا منه أن يكون عدواً فسيكون ويتقبل موقعه في هذا العالم، محاولة إثبات الع** لهم هي محاولة بائسة وستجلب له الكآبة فحسب، هو لا يريد أن يحاول لأن الفشل يخيفه...
قال والتر:
«أملك مئات الأدلة أن الأراضي الممتدة حقيقة! وهي السبب في قيام الحرب العالمية الثانية، فقد كان هتلر مهووساً بِأطلنتس ويؤمن أن هنا اراضي غير مكتشفة، وكأن يؤمن أن العرق الآري هو فقط من يجب عليه العبور لتلك الأراضي وبالفعل بعد أن اكتشف ما خلف الجدار الجليدي قامت الحرب معلنة اسباب آخرى فاشلة، والدليل الأكبر أنه في خضم الحرب أمر هتلر جنوده من الإنسحاب من أرض المعركة والتوجه لمنطقة معينة في المحيط وتلك المنطقة تنتقل الأقوال نظرية سقوط أطلنتس بها! ودعيني أخبركِ أيضاً أن في نهاية الحرب العالمية ذهبت سفن حربية أمريكية للقطب الجنوني وتم منع أي شخص من السفر إلى هناك وجعلوها منطقة عسكرية، من الغريب أن الجيش الأمريكي يظن أن قطعة من الجليد مناسبة للجيش! فقد ذهبوا بقيادة ريتشارد بيرد بمعدات تكفيهم لأشهر لكنهم عادوا بعد أسابيه قليلة! »
كانت تشعر هيلينا أنها تكتسب كم رهيب من المعلومات التي تكاد تكون خيالية، هذا لا يحدث! ماذا إن تمكنوا فعلاً من الذهاب لهذا الجدار الجليدي..ومن ثم اكتشفوا أن تلك مجرد كذبة؟ بل مجرد نظرية غير حقيقية؟
أنصتت لوالدها:
«في إحدى المقابلات اعترف بيرد أن هناك أرض خلف الجدار وأنها ليست باردة ولا ثلج بها، بل كانت دافئة وواسعة للغاية وجميلة وتم نقل رسالة لريتشارد بعد الحرب من أغارثا وأمرونا نحن البشر بالتوقف عن تلك الحروب أو سينهار عالمنا، قد يكون ما سأقوله تالياً طرب من الجنون لكن..هازارد لن يدمر العالم! »
بل إن هذا هو الجنون بعينه!
كانت هيلينا تشعر أن كل شيء تعلمته طوال حياته كذبة، بل أن العالم بنفسه كذبة؟ أراضي ممتدة؟ تسببت في قيام الحرب؟ هتلر كان مهووساً بها؟ لماذا كل شيء جنوني للغاية؟
«هازارد لن يدمر العالم لأنه عاجز..هازارد كان حليف لألمانيا في ذاك الوقت والمانيا النازية خسرت الحرب، من الغريب أن شخص بتلك القوة ليس قادراً على إنقاذ حلفائه، لكن هذا لا يعني أن العالم لن ينهار..بل أنهُ سينهار...هناك نقوش تم العثور عليها في بابل قديماً وتلك النقوش تنبأت بالكثير من الأشياء التي حدثت بالفعل، كالحروب والسفن والطائرات وغيرها وتلك النقوش قالت أن يوماً ما حين تقوم حرب سينتهي العالم لكن ليس بسبب الحرب بل بسبب مجموعة ضخمة من النيازك والنجوم التي ستض*ب الأرض، الغريب في الأمر أنهم حددوا بدقة أين ستسقط تلك النيازك..اجل، في أرضنا! مما يعني أن الأراضي الأخرى لن تصاب بِشيء»
أطلق والتر تنهيدة وسكت لدقيقة كانت دقيقة تمكنت بها هيلينا من إستعادة أنفاسها وصوابها قليلاً، لماذا توجب عليها أن تعيش حياة صعبة كتلك؟ بل حتى والدها وحتى لوثر؟ جميعهم كانوا ضحايا الحرب والكراهية...
استكمل والتر في نبرة محبطة:
«انا اسف للغاية، هيلينا! لا أملك الوقت لمناقشة كل شيء لكِ بالتفاصيل، لكني سأكون ص**حاً معكِ بالفعل، أي شخص يملك أصولاً مختلطة وغير المانية لن يسمح له بعبور الجدار، لأن المانيا النازية تسيطر على الجانب الآخر، خاصةً إن كان شخصاً ذات أصول امريكية وفرنسية وإنجليزية، لكن أظن أن عبور طائفة ضخمة في الوقت ذاته سيشكل ضغطاً على الجانب الآخر، قد يسمحوا لكم بالعبور حينها...أظن أن الموت بين الجميع افضل من الموت أسفل النجوم، القرار يعود لكِ انتِ ولوثر بالنهاية، هل ستنقذوا العالم وإن كان هذا مستحيلاً؟ أم لا؟»قهقه والتر وأكمل في نبرة أكثر بهجة:
«هذا سؤال سخيف، انا واثق أن كلاكما سينقذ العالم، لأننا لم نكن يوماً أعداءاً أو شياطيناً، لطالما كنا بشر! وهذا جزء من إنسانيتنا»
انتهى التسجيل، لقد كان تسجيل جامد للغاية، فهو لم يخبر هيلينا بنسبة حبه لها أو كم هو فخور بها كفاية، لكنه كان مؤلم بشدة بالنسبةِ لها ايضاً؛ هو تحدث في بضعة كلمات عن كم العالم مق*ف وقاسي وكيف وقعوا ضحايا لهُ.
★★★★
1800 كلمة.