1
كنت على موعد مع صديقي لشرب القهوة بعد صلاة العصر . وصلت إلى الفندق وتحديداً إلى قاعة المقهى المكيف الجميل ذي د*كورات خلابة وذلك قبل الموعد بساعة .. دخلت المقهى ولم أكن اعرف أين اجلس أو أنتظر ، إلا أن جمال المكان شدني للتجوال في أنحاءه لرؤية كل زاوية فيه ، وبالفعل تنقلت بين روعة الفن والد*كور والأعمال الخشبية والزجاجية الجميلة حتى
وصلت إلى زاوية في آخر المقهى حيث وضع أثاث جميل وهادئ الألوان..وإضاءة خفيفة جدا ، ولا يرى الإنسان هناك إلا صفحة الوجه.. شدني ذلك الد*كور الرائع .. وتقدمت قليلا وبهدوء شديد إلى الجالس على تلك الأنتيكة ، فقط لكي أهنئه على حسن اختياره لتلك الزاوية.. ولكنني رأيت رجلا في الخمسينيات نحيف الوجه , قد خط فيه الزمن خطوطه..وعيناه غائرتان ومليئتان بدمعتين من الحجم الكبير جدا..وكان يجاهد لكي يمنعها من التحرك على خديه. تقدمت إليه فرأيته غارق في فكرٍ بعيدٍ جداً..يخترق بنظرته ما وراء الفندق والكرة الأرضية كلها.. فقلت له: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فنظر إلي نظرة استغراب لأنه لا يعرفني ولا أعرفه..
وقال: وعليكم السلام .. وسكت.
فقلت له: هل يمكنني الجلوس على الأنتيكة المقابلة ولا هى محجوزة ؟!.
فقال كالمنزعج لانقطاع حبل أفكاره: لا..نعم..تفضلي..تفضلي.
فعرفت من طريقة كلامه بأنه من لبنان..فجلست وأنا ساكتة....فقلت:
عفوا..ولكن لماذا تعذب عينيك وتمنع دمعتيك من التحرك على خدك..لو كنت مكانك لاريحت عيني من تحمل حرارة الدمع الحزينة وحركتهاعلى خدي.. فما إن سمع كلامي حتى تحركت الدموع على خديه وسلكت التقاطيع الكثيرة في وجهه ولكنه لم يمسحها بمنديل..
قلت: لابد انك تذكرت ناس عزيزة عليك
قال: وما يدريك ؟! قلت: أرى معزتهم في عينيك
قال: نعم أعزاء جداً جداً ..
قُلت: ومتى ستلتقيهم؟
قال: والله أتمنى في كل لحظة السفر إليهم ولكن المسافة بعيدة جداً جداً ..
قلت: وأين سكناهم؟
قال: آخر لقائي بها كان في أمريكا قبل ثلاث سنوات ولكننا افترقنا فلم نكن نلتقي إلا في المنام أو الأحلام ..
قلت: أيها العاشق اخبرني بقصة عشقك إن لم يكن في ذلك تدخل شخصي في حياتك..
قال وبابتسامة صغيرة: لا أبداً..ليس هناك بيني وبين حنان أي أسرار بس هى ستكون سعيدة حسب ظني بها لو أنني قصصت عليك قصة حبنا الكبيرة..ولكن دعني أصحح لك معلومة صغيرة وهي إن حنان هي ابنتي التي كانت تبلغ من العمر عشر سنوات.. ففوجئت بالمعلومة. هل تحب أن تسمع قصة حبنا الكبير؟!
قلت متحمسا: نعم وبكل شوق..
قال: عشت في الدمام عشر سنين ورزقت فيها بابنة واحدة أسميتها حنان ، وكان قد ولد لي من قبلها ابن واحد وأسميته احمد وكان يكبرها بثمان سنين وكنت اعمل هنا في مهنة هندسية..فأنا مهندس وحائز على درجة الدكتوراه .. كانت حنان آية من الجمال لها وجه نوراني وملائكي زاهر..ومع بلوغها التسع سنوات رأيتها من تلقاء نفسها تلبس الحجاب وتصلي وتواظب على قراءة القرآن بصورة ملفتة للنظر.. فكانت ما إن تنتهي من أداء واجباتها المدرسية حتى تقوم على الفور وتفترش سجادة صلاتها الصغيرة وتأخذ بقرآنها وهي ترتله ترتيلا طفولياً ساحراً..كنت أقول لها قومي العبي مع صديقاتك
فكانت تقول: صديقي هو قرآني وصديقي هو ربي ونعم الصديق, ثم تواصل قراءة القرآن.. وذات يوم اشتكت من ألم في بطنها عند النوم..فأخذتها إلى المستوصف القريب فأعطاها بعض المسكنات فهدأت آلامها ليومين..ثم تعاودها..وهكذا تكررت الحالة..ولم أعط الأمر حينها أي جدية.
وشاءت الأقدار أن تفتح الشركة التي اعمل بها فرعا ً في الولايات المتحدة الأمريكية , وعرضوا علي منصب المدير العام هناك فوافقت..ولم ينقضي شهر واحد حتى كنا في أحضان أمريكا مع زوجتي واحمد وحنان..ولا أستطيع وصف سعادتنا بتلك الفرصة الذهبية والسفر للعيش في أمريكا هذا البلد العملاق الذي يحلم بالسفر إليه كل إنسان . بعد مضي قرابة الشهرين على وصولنا إلى أمريكا عاودت الآلام حنان فأخذتها إلى دكتور باطني متخصص..فقام بفحصها وقال: ستظهر النتائج بعد أسبوع ولا داعي للقلق. أدخل كلام الطبيب الاطمئنان إلى قلبي..وسرعان ما حجزت لنا مقاعد على اقرب رحلة إلى مدينة الأل**ب (أور لاند) وقضينا وقتا ممتعا مع حنان .بين الأل**ب هنا وهناك .. وبينما نحن في متعة المرح؛ رن صوت هاتفي ..فوقع قلبي..لا أحد في أمريكا ..
يعرف رقمي..عجبا ً أكيد الرقم خطأ..فترددت في الإجابة..وأخيرا ً ضغطت على زر الإجابة..
- الو..من المتحدث ؟؟ - أهلا يا حضرة المهندس..معذرة على الإزعاج فأنا الدكتور ستيفن..طبيب حنان هل يمكنني لقائك في عيادتي غدا ؟
- وهل هناك ما يقلق في النتائج ؟! في الواقع نعم..لذا أود رؤية حنان..وطرح عدد من الأسئلة قبل التشخيص النهائي..
- حسنا سنكون عصر غد عند الخامسة في عيادتك إلى اللقاء..
اختلطت المخاوف والأفكار في رأسي..ولم أدرِ كيف أتصرف فقد بقي في برنامج الرحلة يومان وحنان في قمة السعادة لأنها المرة الأولى التي تخرج فيها للتنزه منذ وصولنا إلى أمريكا.
.وأخيرا أخبرتهم بان الشركة تريد حضوري غدا إلى العمل لطارئ ما..وهي فرصة جيدة لمتابعة تحاليل حنان فوافقوا جميعا على العودة بشرط أن نرجع إلى (أور لاند) في العطلة الصيفية.. وفي العيادة استهل الدكتور ستيفن حديثه لحنان بقوله: - مرحبا يا حنان كيف حالك ؟ - جيدة ولله الحمد..
ولكني أحس بآلام وضعف، لا ادري مم ؟ وبدأ الدكتور يطرح الأسئلة الكثيرة.. وأخيراً طأطأ رأسه وقال لي: - تفضل في الغرفة الأخرى.. وفي الحجرة انزل الدكتور على رأسي صاعقة..تمنيت عندها لو أن الأرض انشقت وبلعتني .
قال الدكتور: - منذ متى حنان تعاني من المرض ؟ قلت: منذ سنة تقريبا وكنا نستعمل المهدئات وتتعافى ..
فقال الطبيب: ولكن مرضها لا يتعافى بالمهدئات..أنها مصابة بسرطان الدم في مراحله الأخيرة جداً..ولم يبق لها من العمر إلا ستة أشهر..وقبل مجيئكم تم عرض التحاليل على أعضاء لجنة مرضى السرطان في المنطقة وقد اقروا جميعاً بذلك من واقع
التحاليل .. فلم أتمالك نفسي وانخرطت في البكاء وقلت: مسكينة..والله مسكينة حنان هذه الوردة الجميلة..كيف ستموت وترحل عن الدنيا وسمعت زوجتي صوت بكائي فدخلت ولما علمت أغمى عليها.. وهنا دخلت حنان وابني أحمد وعندما علم أحمد بالخبر احتضن أخته وقال: مستحيل أن تموت حنان.فقالت حنان ببراءتها : أموت. .يعني ماذا أموت ؟ فتلعثم الجميع من هذا السؤال..فقال الطبيب: يعني سترحلين إلى الله.. فقالت حنان حقا سأرحل إلى الله ؟!.. وهل هو سيئ الرحيل إلى الله ألم تعلماني يا والدي بأن الله أفضل من الوالدين والناس وكل الدنيا..وهل رحيلي إلى الله يجعلك تبكي يا أبي ويجعل أمي يغمى عليها.. فوقع كلامها البريء الشفاف مثل صاعقة أخرى فحنان ترى في الموت رحلة شيقة فيها لقاءٌ مع الحبيب.. عليك الآن أن تبدئي العلاج..فقالت: إذا كان لابد لي من الموت فلماذا العلاج والدواء والمصاريف..
نعم يا حنان.نحن الأصحاء أيضا سنموت فهل يعني ذلك بأن نمتنع عن الأكل والعلاج والسفر والنوم وبناء مستقبل..فلو فعلنا ذلك لتهدمت الحياة ولم يبق على وجه الأرض كائن حي..
الطبيب: تعلمين يا حنان بأن في جسد كل إنسان أجهزة وآلات كثيرة هي كلها أمانات من الله أعطانا إياها لنعتني بها..فأنت مثلا..إذا أعطتك صديقتك لعبة..هل ستقومين بت**يرها أم ستعتنين بها ؟
حنان: بل سأعتني بها وأحافظ عليها..
الطبيب : وكذلك هو الحال لجهازك الهضمي والعصبي والقلب والمعدة والعينين والأذنين ، كلها أجهزة ينبغي عليك الاهتمام بها وصيانتها من التلف..والأدوية والمواد الكيميائية التي سنقوم بإعطائك إياها إنما لها هدفان..الأول تخفيف آلام المرض والثاني المحافظة قدر الإمكان على أجهزتك الداخلية من التلف حتى عندما تلتقين بربك وخالقك تقولين له لقد حافظت على الأمانات التي جعلتني مسؤلة عنها..ها أنا ذا أعيدها لك إلا ما تلف من غير قصد مني.. حنان : إذا كان الأمر كذلك..فأنا مستعدة لأخذ العلاج حتى لا أقف أمام الله كوقوفي أمام صديقتي إذا **رت لعبها وحاجياتها.. مضت الستة أشهر ثقيلة وحزينة بالنسبة كأسرة ستفقد ابنتها المدللة والمحبوبة.. وع** ذلك كان بالنسبة لابنتي حنان فكان كل يوم يمر يزيدها إشراقا ً وجمالا ً وقربا ً من الله تعالى..قامت بحفظ سور من القرآن..وسألناها لماذا تحفظين القرآن ؟ قالت: علمت بان الله يحب القرآن..فأردت أن أقول له يا رب حفظت بعض سور القرآن لأنك تحب من يحفظه..وكانت كثيرة الصلاة وقوفاً.. وأحياناً كثيرة تصلي على سريرها..فسألتها عن ذلك فقالت: سمعت إن رسول الله (ص) يقول: (قرة عيني الصلاة) فأحببت أن تكون لي الصلاة قرة عين..
وحان يوم رحيلها..وأشرق بالأنوار وجهها..وامتلأت شفتاها بابتسامة واسعة.. وأخذت تقرأ سورة (يس) التي حفظتها وكانت تجد مشقة في قراءتها إلى أن ختمت السورة ثم قرأت سورة الحمد وسورة (قل هو الله أحد) ثم آية الكرسي..ثم قالت: الحمد لله العظيم الذي علمني القرآن وحفظني وقوى جسمي للصلاة وساعدني وأنار حياتي بوالدين مؤمنين مسلمين صابرين ، حمداً كثيراً أبدا..واشكره بأنه لم يجعلني كافرة أو عاصية أو تاركة للصلاة..
ثم قالت: تنح يا والدي قليلاً ، فإن سقف الحجرة قد انشق وأرى أناسا مبتسمين لابسين البياض وهم قادمون نحوي ويدعونني لمشاركتهم في التحليق معهم إلى الله تعالى..
وما لبثت أن أغمضت عينيها وهي مبتسمة ورحلت إلى الله رب العالمين .........ثم أجهش الأب بالبكاء وبكى بكاء مريرا جعل كل من في قاعة المقهى في الفندق يلتفتون إلى الزاوية التي نحن فيها فقلت له: هون عليك فهي في رحمة الله وكنفه ورعايته ، فليرحمها الله ويلهم قلوبكم الصبر على فراقها..فقال: رحمة الله عليها فقد كانت ابنة بارة مؤمنة قانتة لم تترك صلاتها ولا قرآنها حتى آخر لحظات عمرها.. تغ*دها الله بواسع رحمته وأسكنها فسيح جناته