الفصل الثاني .
عودة الغائب الجزء التالث من نجع الجن تأليف سماح عياد .
فتحت زوبة باب الشقة و قالت : ايه ده ست الدكتورة عندنا ، يا مرحبا يا مرحبا .
تغير وجه إيمان و قالت : كان في أوراق مهمة محتاجها و كنت بدور عليها .
زوبة : و لقتيهم و لا لسه بتدوري يا ست الدكتورة .
إيمان التي تهم بالخروج : ملقتهمش .
مسكتها زوبة من يدها فنفضت إيمان يد زوبة عنها و قالت بغضب : إيدك النجسة دي لو لمستني تاني هقطعهالك .
ضحكت زوبة و أخذت تتمايل و تحرك يديها بحركات راقصة و تقول : إيدي دي اللي شالتك من الزبالة بعد ما مرات أبويا اللي هي أمك ما رمتك لما أبويا مات و طردتني من البيت بعد ماجابت أخوها اللي هو خالك عمل عليا حفلة و فضحتني في الحته كلها .
إيمان بغضب : خلاص كفاية ، إنتي ايه مابتحسيش .
ضحكت زوبة بخلاعة و قالت : أقطع دراعي إن ما كنتي حنيتي للحب القديم و بتدوري على جوباته .
خرجت إيمان و أغلقت ورائها الباب بقوة حتى كادت أن تكسره .
تركت زوبة وحدها فمنذ أن رحلت إيمان شقيقتها من عدة سنوات و هي تعيش وحدها في هذه الشقة الصغيرة في هذا المبنى المتهالك الذي يقع بالقرب من المقابر .
جلست زوبة التي كسى وجهها الحزن و هي تتذكر كيف كانت تعيش كأي طفلة صغيرة حياة مستقرة هادئة بين أحضان أبيها و أمها حياة بسيطة و لكنها كانت سعيدة حتى جاء اليوم الذي توفيت فيه أمها و تزوج والدها من تلك السيدة التي حولت حياتها لجحيم و التي جعلتها أقل من خادمة في البيت و حرمتها من المدرسة ، و العجيب في الأمر أن والدها بعدما كان يحبها و يغدق عليها بحبه و حنانه تحول لأب قاسي لا يعرف العطف و الحنان لقلبه سبيل و أصبح الضرب هي وسيلة التعامل الوحيدة معها .
كرهت حياتها و تمنت الموت و لكن عندما جائت إيمان شعرت أن إيمان هي دميتها الصغيرة التي ساقها القدر إليها لتعيد لها الفرحة .
أصبحت هي التي ترعى إيمان و كأنها إبنتها هي و ذلك أعاد لها حب أبيها و حنانه ، كما أن أعمال البيت الموكلة إليها قد نقصت للنصف .
فأم إيمان تكره طفلتها و لا تريد حتى أن ترضعها ، و كأن هذه الطفلة قد جائت في وقت خاطئ و خربت كل خططها .
و لذلك أصبحت مهمة زوبة هي رعاية الطفلة و يا لها من مهمة ممتعة بالنسبة لزوبة التي إعتبرت إيمان الطفلة الرضيعة إبنتها هي و دميتها اللي تلعب بها و تشعر معها بالسعادة .
إنشغلت زوبة بإيمان أختها الرضيعة و لم تعد تراقب زوجة أبيها و تمنعها من الخروج كما كان يحدث من قبل ، و لم تعد تهتم إن خرجت زوجة أبيها و قضت اليوم كله بالخارج ، و أيضاً لم تعد تسهر في الليالي التي كان والدها يسافر فيها لعمل بعيد لتحرس زوجة أبيها كما كان يوصيها والدها .
لم تعد تهتم أو تفكر إلا بتلك الدمية الصغيرة إيمان التي تلاعبها و تحممها و تغير لها حفاضاتها و تعد لها رضعتها و تجلس مع النساء لتسأل عن كل أمر يخص الطفلة عن طعامها ، و عن موعد التطعيمات ، و عما يجب أن تفعله عندما تصاب الصغيرة بالإسهال أو المغص أو عندما ترتفع حرارتها .
أصبحت هي أم الطفلة رغم أنها لاتزال طفلة تحتاج لأم لترعاها .
أصبحت إيمان في عامها الثالث و كانت جميلة ذكية و تحب زوبة و تلازمها مثل ظلها .
إستيقظت إيمان في إحدى الليالي و أيقظت زوبة عندما سمعت صوت والدها الذي جاء في منتصف الليل بدلاً من الصباح و عندها إستيقظت زوبة مفزوعة و هي تسمع صوت الصراخ المكتوم لوالدها و هناك شخص لم تتبين شكله جيداً يخنق والدها ، أما زوجة والدها تقف مفزوعة في أحد أركان الصالة و هي تمسك في يدها شيئ تريد أن تضرب به ذلك الشخص .
خافت زوبة و لكن كل ما خافت عليه هو إيمان أختها الصغيرة التي تشاركها حجرتها و تنام في حضنها ، أما والدها فهي لم تخاف عليه لأنه قوي و من المؤكد أنه سيضرب ذلك الشخص و ينتصر عليه .
أغلقت زوبة الباب جيداً و أخذت أختها في حضنها لتحميها من أي أحد قد يحاول أن يؤذيها .
بعد قليل هدأت الأصوات و خرجت زوبة لتطمئن على والدها بعد أن إطمئنت أن أختها نامت .
تسحبت للصالة فوجدت المقاعد قد وقعت على الأرض و هناك بعض الدماء على السجادة التي تحركت من مكانها .
إعتقدت زوبة أن الشخص الذي كان يتشاجر مع والدها هو لص جاء ليسرق البيت و والدها مسكه و أبرحه ضرباً و بعدها أخذه للشرطة .
ذهبت زوبة لحجرة زوجة أبيها لتسألها و لكنها لم تجد أحد في الحجرة أو في البيت كله .
رجعت زوبة للصالة و رتبت المقاعد و أزالت الدماء من على السجادة و أعادة كل شيئ كما كان ثم ذهبت لحجرتها و نامت بجوار أختها .
و في الصباح إستيقظت زوبة و خرجت من حجرتها فوجدت زوجة أبيها تجلس مع أخوها ذلك الشاب سيئ السمعة الذي حرم والدها عليه أن يخطوا عتبة البيت .
عندما رأته زوبة غضبت و حاولت أن تطرده من البيت و لكنه تطاول عليها و تحرش بها و زوجة أبيها تنظر و كأنها توافق على ما يحدث .
بصعوبة إستطاعت زوبة التخلص منه و جرت على حجرتها و أغلقت الباب و هي تتوعد لهم أنها ستخبر والدها بما حدث كله .
كل ما حدث و سيحدث كان تحت أنظار إيمان التي إعتقدوا أنها طفلة صغيرة لن تتذكر شيئ مما يحدث حولها لصغر سنها و لكنها كانت تسجل كل ذلك في ذاكرتها ليأتي الوقت و تفهم كل ما جرى .
بعدما دخلت زوبة حجرتها و بالطبع دخلت خلفها إيمان و هي تبكي و تحتمي بأختها التي تحتاج لحماية ، جلست فايزه أم إيمان مع أخيها جلال و قالت بغضب و إستنكار لما حدث خاصة في وجود طفلتها .
فايزه : أنا مش عارفه عاجبك ايه في البت المفعصة دي .
جلال : بقولك ايه أنا لو ما أخدش البت دي هفضحك و أقول على كل حاجة .
فايزه : بتهددني يا جلال عايز تفضح أختك .
جلال : ليه إنتي عايزه تنبسطي مع حبيب القلب و بعدها تقتلي جوزك و تيجيلي علشان أتويه و دلوقتي خايفه على بنته ، شوفي حد تاني تلعبي عليه .
فايزه : أنا خايفه عليك إنت البت صغيرة و ممكن تجيبلنا مصيبة .
جلال : خافي إنتي على نفسك و ملكيش دعوة بيا ، أنا نازل دلوقتي و بالليل هاجي زي ما إتفقنا .
فايزه : بلاش يا جلال ، البت صغيرة و ممكن تصوت و تفضحنا .
جلال : أنا عايز أفهم حنية القلب دي جاتلك أمتى ، بصي بقى اللي أنا عايزه هيتم الليلادي حتى لو بقى الدم للركب ، و إن كان على الصوات خليها تصوت يمكن تصحي الميتين اللي حوليكم ، أنا مش فاهم جوزك دا كان عقله فين و هو بيبني بيت فريح الترب .
فايزه : كان هربان من أهله و خايف من التار .
جلال : قال خايف من التار ، أديه غار ، ههههههه إتصدقي يا بت يا ففه إنها تنفع أغنية ( خايف من التار و أديه غار ، خايف من التار و أديه غار ) .
فايزه : طيب إبقى هات معاك حاجه تتولها علشان متصوتش و تفضحنا .
جلال : تاني هتقلي تفضحنا ، مين هنا هيسمع صوتها في الحتة المقطوعة دي غير الأموات جيرانكم ، و بعدان يا ففه هي حلاوتها في الصوات و العياط و شوية الأكشن دول ، أصل أخوكي بيحب البت المخربشة و بيموت في العنف ، فوتك بعافية ياختي ، ميعادنا بالليل .
خرج و أغلق الباب خلفه فخرجت زوبة و هي تتوعد لزوجة أبيها فايزة أنها ستفضحها عندما يحضر والدها ، لم تعيرها فايزه أي إهتمام و تركتها و دخلت حجرتها و أغلقت الباب على نفسها و هي تبكي على حظها العاسر الذي جعل زوجها يعود للبيت في منتصف الليل و ليس في الصباح كما قال لها ليضبطها مع عشيقها في بيته و على فراشه .
تلعن نفسها التي جعلتها تمشي في طريق الشيطان و تخون زوجها .
أين كان عقلها عندما إستمعت لكلام أخوها الذي وضع صديقه في طريقها و قربه منها و جعلها تقع في شباكه حتى حدث ما حدث ، و الأن كيف ستتصرف مع أخوها الذي تحول لشيطان و يهددها لتساعده في تدمير تلك الطفلة .
هي أخطأت و معترفة بخطئها و لكنها لن تتحمل تدمير تلك الطفلة البريئة على يد أخوها المجرم .
كيف ستتصرف و خاصة بعدما حدث و أصبحت خائنة و قاتلة لزوجها و ما حدث بعلم أخيها فهو من ساعدهم في دفن الجثة و أخذ سيارة النقل الخاصة بزوجها ليخفيها حتى إذا وجدوا جثته لا يشك بها أحد و يعتقد أن القتل كان بدافع السرقة .
هي زوجة أب و زوجة الأب دائماً هي شريرة القصة ، هي لا تنكر أنها كانت تكره زوبة و تحقد عليها و تستمتع بعذابها و لكن بعد ما أنجبت طفلتها إيمان و رأت حب زوبة و إهتمامها بطفلتها أحبتها و أشفقت عليها و إعتبرتها كأبنتها .
عندما لاحظت نظرات أخوها جلال لزوبة و لمساته الغير بريئة لها طلبت من زوجها أن يمنع جلال من الحضور للبيت لأنها تخاف على زوبة منه و بالفعل نفذ زوجها ما قالت و شعر أن إبنته في أيد أمينة و ذلك حسن علاقته بها و لكن غيابه و سفره المستمر و عمله المرهق و طباعه الصعبة من ناحية ، و من ناحية أخرى ذلك الفراغ الذي تعيش فيه و إهماله لها جعلها تستمع لأخوها الذي كان يحدثها بإستمرار عن إعجاب صديقه بها .
كلما جاء لزيارتها كان يحضر و معه صديقه أو يرسل صديقه لها لتعطيه بعض النقود أو الطعام أو الملابس و هي حجة لصديقه لكي ليراها و بعدها بدأ يسمعها أجمل كلمات الغزل التي جعلتها تنجرف معه في علاقة محرمة ، و قد كان أخوها هو الذي يدبر لهم المواعيد الغراميه في شقته و تحت عينيه و يشجعها على هذه العلاقة ليحصل منها على النقود و يتمكن من إبتزازها .
حتى جاء اليوم الذي طلب منها أخوها جلال زوبة بنت زوجها لتكون ثمن تستره على خيانتها لزوجها ، و هددها أنه سيفضح أمرها إن لم تمكنه من هذه الطفلة .
بالطبع رفضت و هي متأكدة أن أخوها لن ينفذ تهديده لتستمر هي في إعطائه النقود ، و لذلك طلبت من عشيقها أن يأتي لبيتها في الليالي التي يغيب فيها زوجها عن البيت عوضاً عن بيت أخويها .
رغم أنها خائنة إلا أنها كانت في الماضي تدافع عن زوبة و تحميها من جلال ، أما الأن لن تستطيع لأن رقبتها أصبحت في يد جلال أخوها الذي لا يعرف الرحمة .
نامت و كل هذه الفترة التي نامتها كانت كوابيس مرعبة ترى فيها زوجها القتيل يريد أن ينتقم منها و هي تحاول الفرار منه و لكن دون فائدة .
أخيراً إستيقظت على صوت أخوها و زوبة التي تحاول أن تمنعه من الدخول و لكنه بفضل جسده القوي العملاق إستطاع خلع الباب و دخل .
خرجت فايزة و قالت : بس يا بت يا زوبة أسكتي بدل ما أقطلعك لسانك ده .
زوبه بغضب : و الله لقايله لأبويا لما يجي يأدبك إنتي و أخوكي قليل الربايه ده .
جلال : خدي بنتك و أدخلي أوضتك يا فايزه .
................
وصلت إيمان لشقتها التي تعيش فيها مع زوجها و إبنها و أمها فايزه .
دخلت فوجدت أمها كالعادة جالسة تصلي و تستغفر الله و تبكي ندماً على ما فعلته .
لا تدري هل غفر الله لها أم لا و حتى لو غفر الله لها فهي لن تغفر لها و لن تسامحها أبداً حتى لو بكت الدماء بدلاً من الدموع ، لن تسامحها إلا في حالة واحدة و هي عودة زوبة عن الطريق الذي أرغمت غصب عنها أن تسير فيه ، إن حدث ذلك قد تسامحها .
فايزه : مفيش حتى السلام عليكم يا ماما .
نظرة لها إيمان نظرة إحتقار و قالت : أنا أمي ضاعت من زمان .
فايزه التي تعودت على تلك الرودود من إبنتها و خاصة في غياب زوج إبنتها و حفيدها التي تحرص إيمان ألا يعرفوا شيئ عن ماضيها القذر .
فايزه التي تعذر إيمان و تدعوا الله أن يعيد زوبة لطريق الهداية لتسامحها إبنتها .
فايزه : كنتي هناك بتعملي ايه ، بتدوري في دفاترك القديمة ليه .
إيمان : مش شغلك .
نهضت فايزه من على سجادة الصلاة و وقفت أمام إبنتها و قالت : لأ شغلي ، لما ألاقي بنتي هتفتح باب الشيطان يبقى شغلي .
إيمان : باب الشيطان دا إنتي فتحتيه من زمان و كلنا عايشين في نار جهنم بسببك .
فايزه بندم : تبت ، و الله العظيم تبت و عشت عمري كله ندمانه و بكفر عن ذنبي .
إيمان بغضب : عملتي ايه علشان تكفري عن ذنبك ، إنتي فاكره إنك لما تلبسي حجاب و تصلي و تقري قرآن يبقى كده كفرتي عن ذنبك .
فايزه بدموع ندم حقيقية : أنا مستعده أروح للبوليس دلوقتي حالاً و أعترف بكل حاجة .
إيمان : روحي و إعترفي علشان حبل المشنقة يتلف حولين رقبتك و تفضحينا أكتر ما إحنا مفضوحين .
فايزه : طيب قوليلي أعمل ايه يا بنتي .
إيمان : ولا حاجة ، إرجعي صلي و إدعي و لو زوبة رجعت ساعتها هتعرفي إن ربنا غفرلك و يمكن ساعتها أسامحك .
................
صدر تصريح الدفن و حملوا الجثة و توجهوا بها للمقابر و معهم عسكري من الشرطة للإشراف على عملية الدفن و إنهاء الإجرائات .
إنتهت عملية الدفن و رحل الشرطي و لم يبقى سوى التربي الذي جائه أحدهم قبل وصول الجثة و إتفق معه على إخراج الجثة و تسليمها لشخص ما مقابل مبلغ من المال .
جاء الشخص في الموعد المتفق عليه و أحضر سيارة ليحمل فيها الجثة و عندما تم إخراج الجثة من القبر و وضعوها و ذهب الشخص لإحضار السيارة ، و ذهب معه التربي ليأخذ النقود سمعوا صوت صراخ فتلفتوا حولهم و لم يجدوا شيئ فرجعوا للجثة فوجدوها كما هي ، كشف التربي من وجهها فوجدها مفتوحة العينين مبتسمة فرجع للخلف في فزع .
الرجل : مالك يا أخينا فيك ايه .
التربي : أعوز بالله من الشيطان الرجيم ، هي الجته دي ملبوسه و لا ايه .
الرجل بتوتر : إنت بتقول كده ليه .
التربي : إحنا لما كشفنا وشها كانت مغمضة ، هي فتحت ليه .
نظر الرجل للجثة فوجدها مغمضة العينين فقال : إنت شارب حاجه و لا ايه ماهييييييييي يا لهوي إلحقوني دي بتبرش ، الجثة بتغمض عنيها و بتطلع لسانها ، إلحقوووني ، يا لهووووووي .
ثم جرى مسرعاً للسيارة و ركبها و إنطلق بها و هو مرعوب من تلك الجثة .
إبتعد التربي و هو يقرأ أية الكرسي و يتعوز من الشيطان الرجيم و هو يراها تتحرك أمامه و تجلس و تقول : إجرى ياد هات شوية ميه ريقي ناشف .