الفصل الرابع .
عودة الغائب ( شيطانة ) تأليف سماح عياد .
زوبة : يا تربي أنا بقالي ساعة بخبط على الباب محدش بيرد .
التربي : تكون ماتت تاني .
زوبة : أو يكون مخك إتلحس و بقيت تشوف تهيوأت .
التربي : و غلاوتك يا زوبة كانت واقفة قدامي كده بعد ما طلعت من القبر و بتكلمني زي ما بتكلميني بالظبط .
ضربت زوبة على صدرها و قالت : يا ندامتي يا تربي ، تكونش عفريته .
التربي : يا بت بقولك شيطانة مش عفريته .
زوبة : أنا جتتي إتلبشت ، أنا ماشيه يا تربي .
التربي : طيب واخده الأكل معاكي ليه ، هاتيه أكله أنا ، إن شالله عنها ما إتسممت .
إبتسم التربي و قال لزوبة : بصي وراكي .
إلتفتت زوبة للواقفة خلفها على الباب تفرك عينيها بكسل مغمضة العينين و وجهها يشبه القمر في تمامه ، ملامحها جميلة و طفولية توحي لك بالبرائة .
إبتسمت زوبة و هي تتأمل تلك اللوحة الفنية التي تقف أمامها و قالت : ايه دا يا تربي ، معقوله في جمال كده ، دي عندها كام سنة .
إنتبهت شوشو لصينية الطعام التي أحضرتها زوبة فأخذتها من يد زوبة و جلست مكانها على الأرض و بدأت في إلتهام الطعام و كأنها لم تأكل منذ عام .
التربي : براحه يا بت المفجوعة هتذوري و تموتي .
بالفعل ذورت شوشو و قالت بصعوبة : ميه .
دفعت زوبة التربي و قال : هات مية البت هتموت .
التربي و هو يحضر الماء : هو حد قالكم إني السقا بتاع المنطقة هنا ، كل شويه هات ميه ، هات ميه .
أخذت زوبة الماء و سقت شوشو و جلست بجوارها تطعمها و كأنها إبنتها .
قضت شوشو على الطعام كله و جلست بإسترخاء و هي تتأمل زوبة الجالسة بجوارها .
التربي : يا بت المفجوعة ، أنا هاكل ايه دلوقتي .
شوشو : كل نفسك علشان تتسمم و تموت ، و ننفك منك .
التربي : لمي لسانك يا بنت الأبلسه بدل ما أقصهولك .
شوشو : تعالى وريني هتقصه إزاي .
زوبة : في ايه يا تربي ، مالك و مال البت .
التربي : إنتي مش شايفاها نسفت الأكل كله .
زوبة : و ماله ، مطرح ما يسري يمري .
التربي : مطرح ما يسري يهري .
حضنتها زوبة و قالت : بعد الشر ، قومي يا بت يا شوشو عندي في بيتي بدل الراجل الزفر ده .
دفعتها شوشو و وقفت و قالت : بقولك ايه يا أخه لمي تعبينك بعيد عني ، أنا السكة الشمال دي مليش فيها .
زوبة بإنكسار لأنها بالفعل قد تعبت و تتمنى أن يبعدها الله عن ذلك الطريق الذي تسير فيه و هي مغصوبة : ربنا يبعدنا كلنا عنها ، بالإذن أنا مروحه يا تربي .
ثم تركتهم و مشت مسرعة لبيتها .
التربي بغضب : ليه كده ، ليه تكسفيها .
شوشو : و هما دول بينكسفوا ، دي واحدة شالت برقع الحيا من زمان .
نظر لها التربي بغل و قال : غصب عنها مش بمزاجها .
شوشو : مفيش حاجة إسمها غصب عنها .
التربي بتوعد و هو يجري ليلحق زوبة : هنشوف يا بنت الأبالسه .
ذهب لبيت زوبة التي تركت له الباب مفتوح لأنها تعرف جيداً أنه سيأتي خلفها ، كيف يتركها و هي غاضبة فهي زوبة محور حياته و حبيبته منذ أن كانت طفلة .
دخل التربي فوجدها تجلس في الصالة تشاهد التلفاز فجلس بجوارهاو أخذها في حضنه و قبل رأسها و قال : متزعليش منها يا بت يا زوبة .
زوبة : هي لو كانت وافقت و جيت مع واحدة زي كنت زعلت منها ، البت دي بت جدعة و شكلها متكحرته .
التربي : هي وعدتني هتساعدك .
ضحكت زوبة و قالت : دي عيله يا تربي و زي فلقة القمر ، البت دي لو شافوها مش هيسيبوها يا تربي ، البت دي بالنسبالهم كنز يغنيهم العمر كله ، إنسى يا تربي ، إنسى .
التربي : نرحل يا زوبة ، أرض الله واسعة ، إحنا يعني لنا ايه هنا .
زوبة : ليا إيمان و إبنها ، أنا مستحملة القرف دا كله علشان خاطرها .
إبتعد عنها التربي و قال بغضب : إيمان دي اللي بتستعر منك و فاكراكي السبب في إن إبن الباشا سابها ، فوقي يا زوبة فوقي .
زوبة : مقدرش يا تربي ، إيمان دي بنتي قبل ما تكون أختي .
التربي : و أنا يا زوبة ، التربي حبيبك يا زوبة اللي هيموت عليكي يا بت .
زوبة : قولتلك ميت مرة تعالى و خد اللي إنت عايزه و من غير فلوس إنت اللي مش راضي .
التربي بغضب : أنا بحبك يا زوبة و عمري ما هنام معاكي غير في الحلال و على سنة الله و رسولة و بعد ما أعملك فرح و تلبسي الفستان الأبيض و الطرحة يا زوبة ، غير كده لأ لأ يا زوبة .
ثم تركها و خرج و هو ينوي على بيع تلك الغريبة ليشتري زوبة حبيبته ، و ليرى وقتها إن كانت ستصمد أمامهم أم سيجرفها التيار مثل زوبة و غيرها .
وصل لذلك الملهى الليلي ذو الواجهة البراقة و الصور المغرية لضعاف النفس من مرتادي مثل هذه الأماكن التي تحوي كل ما حرم الله .
دخل التربي بعد أن ألقى التحية على الحارس لأنه معروف لهم فهذا المكان تعمل فيه زوبة .
التربي : فين البس .
الحارس : البس مرة واحدة ، طيب قول شرغش و لا واحد من الصبيان .
التربي : الكلام اللي عندي للبس ذات نفسه ، شرغش و الصبيان ميصدوش في الموضوع اللي أنا جاي علشانه .
الحارس : خدها أخوية مني يا تربي و روح لحال سبيلك يا إما تدخل تقابل شرغش ، البس مش بيقابل لمامه زيك .
التربي : تشكر يا زميل ، بس أنا كلامي مع البس .
الحارس : البس مش هنا .
التربي : لأ يا زميل البس هنا و أنا شفت عربيته في الجراج .
الحارس : هنا و مش فاضي .
التربي : هقعد أستناه .
الحارس : إنت تلقيحه يلا ، بقولك مش فاضي ، إمشي إنجر من هنا .
التربي : يا زميل أنا مش هتحرك من هنا غير لما أقابل البس بذات نفسيته .
ثم شد أحد المقاعد و جلس عليه ، مضت أكثر من ساعة و هو جالس مكانة لم يتحرك و كأنه صنم .
الحارس : ريح نفسك لو قعدت لبكره الصبح مش هيقابلك ، أنا بعت خبر لشرغش و هو جوه لو عايزه أدخل قابله .
التربي : في ايه يا زميل هو أنا قاعد على راسك .
الحارس : يا تربي أنا قلبي عليك ، البس مش هيقابلك فخدها من قصيره و شوف شرغش و لو الموضوع مهم هو هيبلغ البس .
التربي : و أنا قاعد مستني البس لما يحن عليا و يرضى يقابلني .
جلس التربي و طالت جلسته حتى جاء الليل و أخبره الحارس أن البس قد غادر المكان .
رجع التربي لبيت زوبة فوجدها تنتظره و عندما رأته قالت بغضب : كنت فين يا منيل لغاية دلوقتي .
التربي : كنت عند البس .
زوبة : روحتله ليه .
التربي : علشانك .
زوبة : علشاني إزاي يعني .
التربي : زي الناس يا بت .
زوبة بغضب : هات اللي عندك يا تربي مرة واحدة .
التربي : هشوف فاضل كام من الدين و أدفعه .
ضحكت زوبة و قالت : منين يا تربي ما الحال من بعضه .
التربي : أصل أنا عندي قرشين حايشهم على ناحية
قبل أن يكمل كلامه قاطعته هي و قالت بإنفعال : قرشين ايه اللي إنت حايشهم على ناحيه ، دا أنا زوبة اللي عجناك و خبزاك ، جيب الناهيه يا تربي و قول عايز البس في ايه .
إستسلم التربي و قال : هبيعله شيطانة و إنتي تبطلي شغل و نتجوز .
قامت و هي غاضبة و قالت : إنت جرى لمخك حاجة ، شيطانة مين اللي هتبيعها .
التربي : البت حلوة و هتخليهم يسيبوكي في حالك .
زوبة : إطلع بره يا تريي و إوعى توريني خلقتك تاني أبداً .
قامت بدفعه ليخرج من البيت و لكنه رفض الخروج و قال : في ايه يا زوبة ، إنتي مش عاجبك تبطلي شغل و نتلم بقى في الحلال .
زوبة : و ذنبها ايه البت الغلبانة دي تضيعها ، مين هشيل ذنبها في رقبته .
التربي : دي شيطانة ، و بعدان دي ميته و لها شهادة وفاة ، ذنب ايه اللي هنشيله ، شوفي مين اللي عمل فيها كده و هو يشيل كل ذنوبنا معاها ، دي فرصة يا بت بلاش نضيعها .
زوبة : و مين قالك إنهم هيرضوا .
التربي : هيرضوا يا بت ، إنتي عارفه البس كلمته واحدة ، أنا هقابله و أكلمه .
زوبة : لأ يا تربي ، البت صعبانه عليا .
التربي : و نفسك مش صعبانه عليكي و أنا يا زوبه مش صعبان عليكي يا بت .
زوبة : إحنا خلاص إتعودنا على كده ، و اللي إحنا فيه مش جديد .
التربي : أنا قلبي حاسس إن البت دي وراها بلوه و لو البوليس شم خبر إنها لسه عايشه و أنا مبلغتش هروح في داهية ، فخلينا ننفك منها و في نفس الوقت نتلم يا زوبة و نتجوز .
قالت زوبة بعد تفكير : أنا عايزه أتكلم معاها الأول ، أنا ليا نظرة في الناس و لو لقيت البت دي نضيفه تنسى موضوع البس دا نهائي .
التربي : طيب يلا بينا تتكلمي معاها علشان أرجع معاكي أكلم البس ، الموضوع دا لازم ينفض قبل الحكومة ما تشم خبر .
........
بعدما إنصرف التربي دخلت هي للحجرة و حاولت النوم و لكنها لم تستطيع لأنها كلما أغمضت عينيها عادت لها تلك الذكريات الأليمة التي عاشتها في بداية دخولها لذلك المعسكر .
تسمع صوت بكائها و تشعر بطعم الدماء في فمها ، تشم نفس الرائحة النتنة التي كانت تفوح منها لأنها تبولت على نفسها مئات المرات من الرعب و الخوف و كذلك من البرد في تلك الحفرة الموحشة .
تتذكر كيف إستطاعت الصمود و ذلك بفضل تلك الفتاة الطيبة التي كانت تسرق الطعام لتأتي لها به و التي كانت تجلس بجوار الحفرة تغني لها و تواسيها و لم تتركها و كأنها أختها الكبيرة المسؤلة عنها ، و كم تعرضت تلك الفتاة بياتريس للعقاب و للتعذيب بسبب مساعدتها لها .
شعرت بخوف و غضب و كره و حقد و كل هذه الأحاسيس التي تجمعت عليها لتنهشها جعلت تبكي بصوت عالي .
سمعت نفس الصوت يقول : مش بنت الجن اللي تعيط ، قومي و إتحركي و حاربي و إنتصري ، قومي ، قومي إتحركي .
هذا الصوت هو الذي جعلها تصمد حتى الأن فهل سينجح في جعلها تصمد للأبد أم سيأتي وقت و تنهار و تستسلم و تصبح كما يريدون .
مسحت دموعها و خرجت فوجدت المكان يرثى له ، القمامة التي تملأ المكان و الأعشاب الضارة التي جعلت المكان أشبه ببيت الرعب .
أخذت تتجول بين القبور و بعدها قررت أن تشغل نفسها و تنظف المكان و بالفعل بحثت عن أدوات للنظافة و وجدتها و بدأت في العمل .
إنتهت من تنظيف المكان و جمعت القمامة كلها في كومة كبيرة جداً ، و بعدها ذهبت للحجرة و إغتسلت و خرجت تبحث عن ملابس لترتديها فلم تجد غير الكثير من ملابس زوبة التي كانت قد جائت بها مع الطعام الذي أحضرته .
بحثت شوشو عن أي ملابس للتربي فلم تجد و تذكرت أنها جمعت كل ملابسه و أعطتها له .
وقفت تتأمل الملابس و إختارت أكثرها إحتشاماً و إرتدته و توجهت للفراش و نامت على الفور .
............
دخلت زوبة و معها التربي للمقابر و تعجبت من نظافة المكان و قالت للتربي و هي تتلفت حولها : مين اللي نظف المقابر .
التربي الذي يحك في رأسه من الدهشه : مش عارف ، يمكن الميتين هما اللي نضفوها .
زوبة : ههههه ، إتكلم جد ، أخيراً حسيت على دمك يا تربي و نضفت المكان .
التربي : يا بت أنا طول عمري حسيس و نضيف بس الزبالة اللي كانت ماليه المكان كانت بتبعد الواغش .
زوبة : يعني مش إنت اللي نضفته ، معقوله تكون شوشو .
التربي : شوشو ايه اللي هتنضف دا كله ، دا ولا عشر رجاله يقدروا يعملوا الشغل دا .
زوبة : أمال مين اللي نضف الترب .
التربي : تلاقيهم بتوع البلدية أصل الناس إشتكت علشان الترب مش نضيفه و مش بيعرفوا يزوروا قرايبهم الميتين ، و بردوا لما بيكون في
دفنه بيبقوا زعلانين من المنظر .
زوبة : يمكن ، معاك حق ، تعالى بقى نشوف البت أحسن يكون حد عمل فيها حاجة .
دخلوا للحجرة و أضاء التربي النور و وقف ينظر لتلك النائمة على فراشه و التي ترتدي ثوب قصير يكشف عن معظم ساقيها .
تعجبت زوبة من التربي الذي يقف أمامها مثل الصنم و يسد الباب فدفعته و قالت : وسع كده ، هي البت جرالها حاجة ولا ايه .
التربي و هو مفتون بذلك القوام و تلك السيقان البيضاء المشربة بالحمرة الملفوفة التي لم يشاهد مثل جمالها في حياته كلها : دا أنا اللي جرالي ، ايه المهلبيه بالقشطة دي .
شعرت زوبة لأول مرة بالغيرة من تلك الفتاة رائعة الجمال و التي تمتلك قوام رائع لا يمكن لأي رجل أن يقاوم إغرائه حتى لو كان عاشق متيم مثل التربي الذي يحبها قبل حتى أن تعرف ما هو الحب .
جزبته بعيداً و قالت : يا راجل يا ناقص بتبصبص للبت و أنا معاك .
التربي : متأخذنيش يا زوبة أصل المهلبية بالقشطة دي أنا مشفتش زيها من قبل .
زوبة بغضب : ليه و أنا مش عاجباك .
التربي : إنت تعجب الباشا يا قمر ، بس صاحبك محروم و يا تلحقي تتجوزيني يا هصبر نفسي بالمهلبية بالقشطة .
سمعوا صوت شوشو من خلفهم و هي تقول : و المهلبية بالقشطة لو بس فكرت تهوب ناحيتها هتولع فيك و في اللي جابوك .
زوبة بإنفعال : تولعي في مين يا بت ، دا أنا أدفنك مكانك هنا .
ثم إلتفتت للتربي و قالت بحزم : البت دي تغور من هنا يا تربي .
نظرت شوشو في عيني التربي و قالت بضعف : و أروح فين ، يهون عليك يا تربي كلاب السكك تاكلني .
التربي و كأنه منوم مغناطيسياً : لا يا شوشو ميهونش عليا ، إنتي تقعدي براحتك .
أصيبت زوبة بالصدمة مما يحدث أمامها و تسألت في نفسها و قالت هل حقاً فقدت كل شيئ ، هل أصبحت عجوز دميمة دون أن تشعر .
عملها الذي كانت فيه الملكة و التي كان يحلم الجميع بقربها و قضاء ليلة معها ، هي الأن أصبحت مجرد شيئ لا قيمة له و لم يعد أحد يريدها ، كل ذلك لا يهم و هي سعيدة بذلك لأنه قريباً و قريباً جداً سيطردها شرغش من العمل و بذلك تستطيع أن تعود زوبة البنت النظيفة الشريفة و تكون زوجة للتربي الذي يعشقها أكثر من نفسه و الذي إنتظرها كل هذه السنوات لتكون له وحده ،
حياتها لن يكون لها معنى بدونه ، الشيئ الوحيد الذي يشعرها بأدميتها و بأنها إنسانة نظيفة هو التربي ، كيف ستعيش لو فقدته لن يوجد لها قيمة و ستصبح حياتها بلا معنى .
قالت بغضب و كأنها تتمسك بأخر أمل لديها لتأكد لنفسها أنه يبيع الدنيا في سبيلها : لأ البت دي لازم تمشي من هنا .
نظرت شوشو للتربي بعينيها التي تشبه عيني القطط و مسكت زراع التربي و قال : و يهون عليك .
التربي المغيب بسحرها : دا إنتي تقعدي و إحنا كلنا نمشي .
نظرت له زوبة بصدمة و جرت بسرعة قبل أن تنهار باكية أمامهم .
توقعت زوبة أن يمسك يدها و يمنعها أن ترحل و لكنه ظل مكانه مستمتع بقرب تلك الشيطانة اللعينة .