الفصل الثامن

1057 Words
وصلت هزان إلى شقتها..فتحت الباب و دخلت..كانت منهكة و منهارة ..تشعر أن قلبها يتمزق من الحزن..فمن جهة تسببت في وعكة صحية لوالدها و خسرت ثقته إلى الأبد..ذاك الذي خالف العادات و التقاليد لأجلها..ذاك الذي منحها حرية و ثقة لم يجرؤ أحد غيره من سكان ضيعة"سيدرا" أن يمنحه لإبنته..ذاك الذي أحبها و دافع عنها طوال الوقت أمام كبار رجال الضيعة عندما عارضوا ذهابها إلى إسطنبول و العمل هناك..ما يؤلمها أكثر أنه لم يسمعها و لم يسمح لها بالشرح أو التبرير..لطالما تعود أن يسمعها و يعطيها فرصة للتعبير عن رأيها..لكن ما حدث هذه المرة كان قاسيا جدا عليه..قاسيا إلى درجة ستصعب فيها حياته هناك في الضيعة..فالجميع سيتحدث عنه و عن ابنته التي أساءت إليه و إلى سمعة العائلة..الجميع سيلومونه على منحها ثقة لم تكن أهلا لها..الجميع ستلوك ألسنتهم شرفه و عرضه دون أن يستطيع الدفاع عنه..دموع غزيرة انهمرت على خدي هزان..كانت تشهق بصوت عال..و تضع يدها على ص*رها..كانت تختنق و يضيق نفسها مع كل كلمة سمعتها من فم والدها أو نظرة خيبة أمل رأتها في عينيه..ثم يشتعل جسدها غضبا و يحتنق وجهها عندما تتراءى أمامها صورة ذلك الحقير الذي دمر حياتها دون أن يراعي شعورها أو علاقتها بعائلتها..لن تغفر له ما فعله معها..بل ستجعله يدفع ثمن خطيئته التي لا تغتفر..لقد آذاها دون رحمة من أجل صفعة كان يستحقها..أما الآن..فلم يعد لديها ما تخسره..ستذيقه من نفس الكأس الذي سقاها إياه..ففي النهاية هو ممثل مشهور ..لديه سمعة و لديه جمهور يخاف أن يخسرهما..رفعت هزان عينين اتقدتا شررا و قالت" ياغيز إيجمان..أنت من بدأ هذه الحرب..استعد لما هو آت..استعد لدفع ثمن غرورك و وقاحتك و استهتارك ..لن أكون المرأة الضعيفة التي تسمح لك بالتلاعب بها أكثر من ذلك..أردتني أن أكون وحيدة لكي تستمتع بتعذيبي و إيذاءي..و نسيت أنك أيضا وحيد ..دون جمهورك و مسلسلاتك و شهرتك..أنت وحيد تماما" ابتسمت هزان ابتسامة انسان محطم لم يعد لديه ما يخسره..ابتسامة إمرأة استجمعت كل قوتها و كبرياءها و عزة نفسها و قررت الدفاع عن نفسها بكل ما أوتيت من قوة..ابتسامة عزيمة و إصرار على رد الصاع صاعين لرجل لم يرى خطاياه و راح ينتقم منها لأجل خطيئة لا تغتفر بالنسبة إليه..لمجرد أنها دافعت عن نفسها و علمته الأدب..وقفت هزان تحت مياه الدش الدافئة و أخذت تفكر فيما عليها فعله..جالت في فكرها العديد من الأفكار الشيطانية و المؤذية..لكنها كانت في كل مرة تهز رأسها بالرفض..لا تريد أن تشبهه ..أو أن تكون مثله..تريد أن تعلمه الأدب بطريقة مغايرة..في قصره..جلس ياغيز مع بكير و قال و هو يدخن سيجارة" اسمع بكير..هذا الخبر يجب أن ينزل في الغد في الصفحة الأولى مرفوقا بالصورة" بدا التردد واضحا على ملامح بكير و حركاته و التزم الصمت..فبادره ياغيز" بكير ؟ فيم صمتك؟" نظر إليه بكير كأنه يبحث عن بعض الرحمة أو الشفقة أو التعقل في وجهه ثم أجاب" ياغيز باي..ألا ترى أن الأمر صار مبالغا فيه؟ يعني..أن تؤذي فتاة بهذه الطريقة و تسيء إلى سمعتها..فاعذرني..هذا لم يعد مجرد انتقام..هذا أصبح شرا و خطرا" وقف ياغيز و هو ينفخ دخان سيجارته في الهواء ثم قال" اسمع بكير..أنا أعلم ما أفعله جيدا..كان يجب أن تعلم من أنا و ما يمكنني أن أفعله بها قبل أن ترفع يدها في وجهي و تخلف هذا الجرح في كبريائي قبل وجهي..هذه خطيئة لا تغتفر" وقف بكير و قال بعصبية" و ما تفعله أنت بها بدافع الإنتقام..أليس خطيئة لا تغتفر؟ أليس أذى لا يحتمل؟ أليس تجاوزا لكل الحدود؟ لقد جعلتها تخسر عائلتها و .." قاطعه ياغيز" بكير هذا يكفي..نفذ ما طلبته منك فقط..هيا" ابتعد بكير و هو يمرر يده على جبينه بقلة حيلة..جلس ياغيز على كرسيه الهزاز و هو يدخن سيجارته و يحتسي كأسا من النبيذ..في الصباح..استيقظت هزان باكرا و شربت قهوتها ثم ذهبت إلى موقع التصوير ..نزلت من سيارة الأجرة و دخلت إلى الغابة حيث فريق التصوير..وجدت الجميع ينظرون إليها بطريقة غريبة..لم تفهم ما يحدث..اقترب منها أحمد و جذبها من يدها بسرعة..سألت" أحمد ..ماذا حدث؟ لماذا تجرني هكذا؟" وقف أحمد و أجاب" ألم تقرإي جريدة الصباح؟" هزت هزان رأسها و قالت" لا لم أقرأ..ماذا يجري؟" مد لها أحمد الجريدة ففتحتها و تغيرت ملامح وجهها و تسارعت أنفاسها و هي ترى الصورة و الخبر الرئيسي الذي كان بعنوان" حبيبة ياغيز إيجمان منبوذة من أهلها" أما الصورة فكانت عندما قبلها ياغيز أمام المطعم..ضغطت هزان على الجريدة بين أصابعها و هي ترتعد من غضبها..رأت ياغيز يدخل بسيارته البورش إلى موقع ..التصوير..انتظرت أن يدخل إلى كرفانه و لحقت به..فتحت هزان باب الكرفان و دخلت..التفت ياغيز ليجدها تقف أمامه..رمت الصحيفة على الأرض و هي تصيح" هل هناك شيء آخر تريد فعله؟ ألم يكفك ما فعلته إلى الآن؟ ألم تكتفي بعد؟ ألم يندمل جرح كرامتك المزعوم؟ لقد دمرت حياتي و جعلتني أخسر عملي و عائلتي..لقد حولتني إلى مص*ر خجل و عار لأبي..ماذا تريد مني أكثر؟ هيا..قل" جمد ياغيز في مكانه ينظر إليها..يتأمل جسدها المرتعش و المنهك..يرى عينيها اللامعتين بدموع تجاهد لإخفاءها..للمرة الأولى يراها مهزومة و من**رة هكذا..شعور غريب ينتابه الآن و هو يراها هكذا..متألمة ..حزينة..م**ورة..يريد أن يحتوي حزنها و يخفف عنها..نار تكوي جنبيه و ضيق يعتري ص*ره..أنفاسه متثاقلة و قلبه يتألم..لم يفهم ماذا أصابه..هذا ما كان يريده منذ البداية..أن يهزمها و يحطم كبرياءها..أن يراها كما يراها الآن..لكن منظرها هذا لم يسعده كما كان يعتقد..تعود أن يراها شامخة ..متحدية و قوية..و لربما يكون قد أحب تلك القوة فيها دون أن ينتبه..كان يتلذذ بانتقامه منها..يسعده أن يستفزها و أن ترد عليه و أن تتحداه..يرى منها ما لم يره من أحد غيرها منذ أن أصبح مشهورا..تعود أن يأمر فيطاع..تعود أن يسخر دون أن يلقى إجابة..تعود أن يتمنى و أن يحصل على ما يتمناه دون عناء..تعود أن يزمجر و أن يصرخ و أن يهين دون أن يوقفه أحد..إلا عندما ظهرت هي في حياته..وقفت في وجهه و تحدته..و عندما تجاوز حده معها ألزمته إياه بكف يدها..بقي صامتا يحملق فيها..اقتربت منه هزان و أمسكته من ياقة قميصه و هي تقول" حسنا سيد ياغيز..لقد حصلت على ما تريده..أظن أنك شفيت غليلك بانتقامك القاسي و تلذذت به..أليس كذلك؟ تعاقبني لأجل جرح و صفعة كنت أنت السبب فيهما..جعلتني أدفع ثمن خطئي دون أن تنتبه إلى خطاياك التي لا تغتفر..نجوميتك و شهرتك جعلتك تدوس على الناس دون رحمة أو شفقة..لكن تأكد أنك ستدفع ثمن أخطاءك عاجلا أم آجلا..و الآن..أخبرني..كيف يتوقف هذا الإنتقام اللعين؟ أو عفوا..لقد نسيت..الطريقة واضحة" و أبعدت يديها عنه و تراجعت إلى الخلف قليلا ثم تمتمت" لقد قلتها لي سابقا..لن تتوقف إلا عندما أركع أمامك طالبة المغفرة..أليس كذلك؟" بقي ياغيز صامتا فركعت هزان أمامه على ركبتيها و ضمت يديها معا و قالت" حسنا..انظر..هاقد نفذت ما طلبته و ما رغبت فيه منذ البداية..أعذرني على ما فعلته معك و سامحني..لكن أرجوك..أوقف انتقامك و أبعد شرك عني" ..هوت هزان راكعة على الأرض و هوى قلب ياغيز واقعا بجانبها..لم يحتمل أن يراها هكذا..فأسرع نحوها و "وضع يديه تحت ذراعيها و أوقفها و هو يقول" لا..لا تفعلي"
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD