قرّر جدي اليوم زواجي من ابن عمي الذي لا أعرفه ولم أرَه في حياتي؛ فقد تربّى مع عمي وزوجته في القاهرة ولمْ يأتِ لزيارتنا يومًا في قريتنا القريبة من محافظة المنصورة؛ وذلك لأن جدي قاطع عمي (عادل) عندما خالف رغبته بالزواج من ابنة عمه وتزوّج من زميلته القاهرية التي أحبها بالجامعة.
بينما تزوج أبي من ابنة عمه تلك ليمحو آثار ما فعله عمي وينال رضا جدي.
عاش أبي وأمي حياةً سعيدةً يسودها الاحترام والتفاهُم رغم الزواج التقليديّ، لكن.. مات أبي في حادث وأنا طفلة لم أتجاوز العاشرة، فضمّني جدي لبيته أنا وأمي لنكون تحت رعايته، ثم وبموقفٍ سيءٍ توفيت والدتي بمرض السرطان قبل حصولي على الثانوية العامة بشهورٍ معدودةٍ، فغمرني جدي بحبّه وخصَّني بتدليله دونًا عن بقية فتيات العائلة.
ظلّ جدي يدللني حتى اكتشف قصة حبي بزميل لي بالجامعة يُدعى (تامر) عندما وشَت بي إحدى فتيات القرية معي بالجامعة وأخبرت جدي بقصة حبي أنا وتامر بسبب غيرتها مني وتفضيل تامر لي عليها لجمالي بالطبع.
فثارت ثائرة جدي وتحوَّل لشخصٍ آخر لا أعرفه، منعني من الذهاب للجامعة وأخذ مني هاتفي المحمول ومنعني من لقاء صديقاتي حتى، سمح لي فقط بالذهاب للجامعة لأداء الاختبارات النهائية بها، بل وكان يرسل معي حارسًا يذهب ويأتي بي كرقيبٍ على أفعالي.
لكنني بآخر أيام الاختبارات استطعتُ لقاء إحدى زميلاتي بدورة المياه بالجامعة، وهناك أخذتُ هاتفها المحمول واتصلتُ بحبيبي تامر وأخبرتُه بما حدث لي، ولكنه صدمني بردّه أنه ليس بقادرٍ على مواجهة أحد من عائلتي وأنهى الاتصال بيننا دون أن يسمح لي بالحديث حتى.
حينها أُصِبتُ بنوبة بكاء حادةٍ، وحاولت زميلتي تهدئتي حتى خرجتُ بعدها عائدةً للحارس بعدما أصبح يناديني بسبب تأخيري، فعدتُ معه للمنزل وقررتُ بيني وبين نفسي أن جدي محقٌ بقوله أنني أستحق رجلًا متميزًا وليس شابًا طائشًا مثل تامر.
وعند عودتي للبيت وجدتُ جدي قد تحدّث مع عمي عادل يأمره بأن يزوّجني ابنه حتى ينال رضاه مجددًا، فحضر عمي وزوجته مسرعين في اليوم التالي، ومعهما ابنهما الطبيب (وليد)، ذلك الطبيب المغرور والمتجهِّم دائمًا.
وعندما رأيتُ وليد وجدتُه متكبرًا في حديثه متعاليًا في نظراته حتى أنه لم يُظهر إعجابه بي وبجمالي كعادة الرجال عند رؤيتي.
حينها قررتُ الزواج به لأ**ر غروره هذا وأجعله يركع تحت قدمي يطلب مسامحتي على غطرسته معي، وأن أفيض عليه من حبي وسأرفض بالطبع، وإن لم يفعل سأُنغّص عليه حياته ولن أدعه حتى يطلّقني، عندها سأنال حريتي وسأظهر المظلومة أمام جدي وسيعود معي كما كان سابقًا.
كنتُ غارقةً في تفاصيل خطتي حتى دخلت الخادمة وأخبرتني أن جدي يريد تقديمي لعمي وعائلته، حينها علمتُ أنه يريد تدبير لقاءٍ لي مع وليد زوجي المستقبليّ المزعوم، ارتديتُ فستانًا قديمًا ولففتُ حجابي بشكلٍ سيءٍ ونزلتُ للقائه في غرفة الضيوف، فتركنا الجميع بمفردنا نتعارف كما يقولون.
ساد ال**ت بيني وبين وليد، كان هادئًا ينظر لي فقط حتى أثار هذا الأمر استفزازي، حينها تحدثتُ وأخبرتُه أنني مجبرةٌ على هذا الزواج وأنني لا أريده ولكنّ جدي أراد إعادة لم شمل العائلة باستغلالي، فضحك وليد باستهزاءٍ وأخبرني أنه ليس دائبًا بجمالي، وإنما هو الآخر مجبرٌ على الزواج مني كصفقةٍ بيني وبين جدي الذي وعده بمساعدته في تحقيق حلمه إن تزوّج بي.
استفزّني حديثه كثيرًا وقبل أن أجيبه كانت عمتي وابنتها إيمان قد دخلتا لتهنئتنا، ابنة عمتي إيمان تشعر بالغيرة الدائمة مني، فحاولت التقرب من وليد أمامي، حينها شعرتُ بالغيرة والغضب على نفسي وليس وليد، وحاولتُ الرد عليها، أثرتُ استفزازها فأخبرت وليد عن علاقتي بتامر وقصة حبي له معللةً أنها تريد مصلحته ولا تريده أن ينخدع بي.
رأيتُ نظرات وليد الغريبة لي بعد ما سمعه، وقبل أن يُظهر أي رد فعلٍ دخل جدي وأخذنا للخارج ليتحدث مع وليد ووالده في تفاصيل الزفاف.
مرّت الأيام وأنا مشغولة بالإعداد لزفافي، وعمتي لا تفارقني أبدًا. أمّا ابنتها إيمان التي كانت تشتعل الغيرة بقلبها حتى كادت تلتهمها، كانت تخترع الأسباب حتى لا تأتي معنا.
يومي كله كان مشغولًا، بينما ليلي كانت الأفكار تشغله وتمنع عني النوم، ففكرتُ لمَ لا أتفق مع وليد على أن يكون زواجنا على الورق فقط لفترة ثم ننفصل بعدها بهدوءٍ دون علم أحدٍ؟
أعجبتني الفكرة فاتصلتُ بوليد ولم أدرك أن الساعة كانت قد تجاوزت منتصف الليل، فأجابني بصوت نائم وأخبرتُه بقراري ثم سألته عن رأيي ليجيبني باستهزاءٍ:
«رأيي أنكِ تافهة ورأسكِ فارغ، هل تعتقدين أن جدي سيوافق على طلاقنا السريع بهذه السهولة؟ استمعي لي.. أنا أتعب طوال النهار وأحتاج للراحة الآن ولستُ قادرًا على سماع هذه التُراهات منكِ.»
«أنا لا أسمح لك أن تتحدث معي بهذا الشكل.»
«لا يهمني إن سمحتِ أم لا، أنا أتكلم كيفما أحب، ولتعلمي.. لتقبلي الزواج كاملًا كما هو أو لترفضيه كاملًا أيضًا، وفي كلتا الحالتين الأمر لن يُحدِث فرقًا معي.»
أغلق الهاتف وتركني أستشيط غضبًا، كم هو مغرور وقاسي القلب لا يبالي لأحدٍ بحديثه! كيف سأكون زوجة لرجلٍ مثله؟ كيف سأتحمله؟ هل سيكون زوجًا لي لبقية عمري؟ لا.. هذا مستحيل. سأتحدث مع جدي وأخبره أنني لا أريده وأرفض هذا الزواج.
وفي الصباح ذهبتُ لجدي وتحدثتُ معه عن الأمر، ولكنه رفض رفضًا قاطعًا وتركني دون كلمةٍ أخرى، فدخلتُ غرفتي وبكيتُ كما لمْ أبكي من قبل، وشعرتُ بحاجةٍ لوالدتي. لو كانت على قيد الحياة لكانت واقفةً في صفي الآن.
كم حلمتُ بزوجٍ يحبني وأحبه! يسود بيننا التفاهم والاحترام والانسجام في كل شيءٍ. فكيف سأعيش مع هذا القاسي المغرور فاقد الإحساس؟ لقد حكم علي جدي بالإعدام لا بالزواج.
كام عليّ أن أجلس في المساء بكامل زينتي مع نساء العائلة والأقارب، فقررتُ أنني لن أسمح لواحدةٍ منهن بالشماتة أو السخرية مني وسأُظهِر للجميع سعادتي حتى لو كانت زائفةً.
انتهتُ الليلة وصعدتُ لغرفتي وبدأتُ في إعداد حقيبتي للسفر لمنزل زوجي بالقاهرة وترك منزل جدي، تركتُ قميص نومي الأبيض الذب اشترته لي عمتي خصيصًا لليلة الزفاف التي أصرَّ جدي على أن أقضيها في منزله دون أن أعلم السبب. تُرى كيف ستكون تلك الليلة؟ وكيف سيعاملني وليد بها؟
شعرتُ بخوفٍ شديدٍ وأنا أفكّر في هذه الليلة وما قد يفعله وليد بي ودعوتُ الله أن تمرّ على خير حتى جاء اليوم الموعود، يوم زفافي الذي جعله جدي أكبر زفاف بالقرية مميزًا بحضور القرية بأكملها، وكنتُ أنا ووليد محلّ حسد القرية بأكملها بعدما ظن الجميع أننا غارقين في السعادة وأن جدي اختارنا لأنه وجدنا مناسبين لبعضنا.
انتهى الحفل بعد منتصف الليل وصعدتُ لغرفتي، بدلتُ ملابسس بسرعة لذلك القميص الأبيض وارتديتُ رداءً واسعًا فوقه بينما بقي وليد مع جدي يتحدثان، تصنعتُ النوم على سريري حينما شعرتُ بدخول وليد للغرفة، أغمضتُ عينيّ وشعرتُ به يتجوّل بالغرفة مبدّلًا ثيابه وازدادت دقات قلبي خوفًا مما سيفعله.
حتى مضت عدة دقائق سمعتُ بعدها صوت شخير خفيف، فنظرتُ خلفي بحذرٍ لأجد وليد قد نام على كرسي مكتبي ورفع ساقيه على المكتب، لقد تعمّد عدم النوم بجواري ليُظهِر لي مدى تجاهله لي وعدم رغبته بي، رغم خوفي مما سيفعله إلّا أنني شعرتُ بالحزن الشديد لما فعله وبكيتُ كثيرًا بعدما تدمّرت كل أحلامي بتجاهله وغروره.
بكيتُ حتى غرقتُ بالنوم واستيقظتُ مع ضوء النهار لأفزع حينما لم أجد وليد بالغرفة، تُرى أين ذهب؟ ستكون فضيحتي في القرية بأكملها عندما يعلمون أن زوجي قد تركني في الصباح الباكر مع شروق الشمس، فشهقتُ خوفًا حينما ظننتُ أنه من الممكن أنه قد عاد للقاهرة وتركني أواجه مصيري وحدي.
ولكنني تفاجأتُ بباب الغرفة يُفتَح وقد دخل وليد منه غاضبًا جدًا يرمقني وكأنني قتلتُ أقرب الناس لقلبه، أغلق الباب بعنفٍ وأمرني بالنهوض، وحينما سألتُه لماذا جذبني عن السرير بعنفٍ وأخذ الملاء عن السرير، ثم أخذ دبوسًا صغيرًا وجرح إصبعه بي وضغط على الجرح ليُسقِط منه بعض الدماء على الملاءة، ثم أمرني بتصفيف شعري وتبديل ملابسي ووضع القليل من الزينة.
كنتُ خائفةً منه ونفذتُ أمره حتى رأيتُ جدي يدخل لغرف*نا، فأراه وليد الدماء علة الملاءة ليقترب مني جدي ويقبّل رأسي بسعادةٍ قائلّا أنني قد رفعتُ رأسه.
وفور خروج جدي نظرتُ لوليد أسأله عن الأمر، فأجابني باستهزاء رغم تجهُّم ملامحه وغضبه الواضح:
«ألم تفهمي بعد؟»
«لا.»
«لقد أراد جدي أن يتأكد أن زواجنا قد تم البارحة بالفعل، فغضبتُ وأخبرتُه أن هذا يخصُّني أنا وأنتِ فقط. ولكنه أراد أن يطمئن أنكِ عذراء حتى يكتمل الزواج وتتم صفقتي معه.»
«وهل جرحت نفسك حتى تُثبِت له هذا؟ فلتفترض فعلًا أنني لستُ عذراءً. ماذا ستفعل؟»
كنتُ أحاول استفزازه بسؤالي، فاقترب مني ممسكًا ذراعي بعنفٍ يبتسم لي ابتسامةً أرعبتني ليجيبني:
«هذا الشيء يخصُّني وحدي، وحينها إن لم تكوني عذراء بالفعل يا (علياء) سأجعل حياتكِ كالجحيم، سأنتقم منكِ بطريقتي وأجعلكِ تموتين بالبطئ.»
«حقًا؟ ألا تعلم أنني من الممكن أن أذهب لجدي وأخبره بكل شيء عن فعلتك الآن وأجعله يجبرك على تطليقي؟»
«إن كانت لد*كِ الجرأة فلتتحركي خطوةً خارج هذا الباب أو انطقي بكلمةٍ واحدةٍ حتى، أنا لستُ جدكِ ولن أتحمّل دلالكِ هذا يا علياء. أنتِ زوجتي الآن وأنا لا أحب أن تخرج أسراري خارج بيتي، لأن الأمر يخصُّنا الآن فقط. اذهبي الآن وتجهّزي للسفر للغردقة، لقد أصرّ جدكِ أن نقضي شهر عسلنا هناك.»
أومأتُ له رغم غضبي من طريقة حديثه، فتركني لأتجهّز وخرج من الغرفة، حينها بدأتُ بتجهيز حقيبتي والتفكير يأخذني بحياتي القادمة مع هذا الشخص.
نزلتُ لتناول الإفطار مع العائلة وكنتُ سأجلس بجوار جدي، ولكنه أمرني بالجلوس جوار زوجي وأن هذا مكاني من اليوم، أوصاني جدي بزوجي وأوصاه بي.
فارتميتُ بأحضان جدي أودّعه وخرجتُ بعد بكاء أودّع العائلة بأكملها لشهر سأقضيه وحدي مع زوجي، شهرٌ سيكون بداية حياتي الأبديّة مع وليد.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .