كان سرًا كبيرًا بحياتي، سرًا سار معي لسنين طويلةٍ لمْ ينكشف ولمْ أستطع البوح به أو إخراجه من داخلي لأحدٍ، خمس سنوات أحارب ضميري ونفسي لأُخفيه؛ لأنه إن انكشف ستتدمر حياتي الزوجية، بل وحياة ابني أيضًا. ابني الذي كان هو السر بنفسه.
أنا هند، مُراهقة تحوّلتُ لزوجة وربًة منزل وأم لطفلٍ وأنا بالتاسعة عشرة من عمري فقط.
تزوّجتُ من محمود زواجًا عاديًا، كنتُ بأسرة شبه فقيرة وأختٌ لسبعة آخرين، أربع فتيانٍ وثلاث فتياتٍ كنتُ أنا رابعتهنّ وأكبرهنّ أيضًا.
رآني محمود ذات أيوم أعمل في سوق الخضراوات مع والدي، أحبّني من النظرة الأولى مثلما قال لي، وأصبح يأتي للسوق كل يوم ليراني بشكلٍ خاصٍ، ولكنه لمْ يستطع الصبر أكثر وجاء طالبًا الزواج مني، وبعد تفكير من والدي وافق عليه لأنني كنتُ قد أنهيتُ دراستي بالثانوية التجارية وجلستُ بالمنزل أساعد والدي بعمله وأخدم إخوتي ووالدتي المريضة، ولمْ أذهب لجامعة ولمْ أكمل دراستي رغم أنه كان حلمي. ولكن ليست جميع أحلامنا تتحقّق.
تزوجتُ من محمود خلال ستة أشهرٍ، كان يكبُرني بسبع سنوات، ولكنه كان شابًا في كامل لياقته البدنية وكامل صحته، أحببتُه خلال فترة خطبتنا وقررتُ أن أبدأ معه حياةً جديدةً، كان لديه شركة صغيرة مع شريكه وصديق عمره إياد، شركة مقاولات بدأوها برأس مالٍ صغير جمعوه طوال عمرهما، وبعد زواجنا وافق محمود وصديقه إياد على صفقة مع شركة سياحية لبناء جميع وحدات مشروع لهذه الشركة. ورغم أن التحدي كان صعبًا على شركتهما الصغيرة التي كانت ببداية ظهورها، ولكنهما استطاعا القيام بذلك. وبعد هذه الصفقة كبُرَت شركتهما وأصبحتْ ذات سيط تأتيها الكثير من الصفقات، وأصبحت من أشهر شركات المقاولات في مصر خلال ثلاث سنوات فقط.
عشتُ مع محمود أسانده طوال هذه الفترة، كنتُ زوجةً داعمةً لأقصى الحدود، وهذا جعله يحبني أكثر، بل وعشقني كأنني كنتُ أو**چينه الذي يتنفسه، وكنتُ سعيدةً بهذا لأنني أحببتُه كثيرًا.
اكتملت حياتنا وسعادتنا بعد حملي بأول أطفالنا، بعد ثلاث سنوات من زواجنا وُلِد أسامة، الذي أصرّ محمود على تسميته بهذا الاسم نسبةً لوالده رحمه الله، لمْ أكن أحب هذا الاسم لأنه قديم، ولكنني رضيتُ به بالنهاية كي لا يحزن محمود.
كبُر أسامة وأصبح عمره سنتين، ومعه كبُرَت الشركة وأصبحنا أغنياء للدرجة التي كان يتمناها محمود بل وأكثر من ذلك. كان محمود هو مدير الشركة ومالكها الأصليّ لأن نسبته برأس مالها الأوليّ كانت ثلاث أضعاف نسبة إياد صديقه، ولكن بسبب الصداقة بينهما لمْ يضع محمود فرقًا في نسبة أرباحهما، بل كان يتقاسمها بالتساوي مع إياد.
ذات يومٍ دخل محمود للڤيلا التي اشتراها لنا بمكانٍ راقٍ بالقاهرة وكنتُ ألعب مع أسامة حينها. فاجأني محمود بهديةٍ جميلة، كانت سيارة اشتراها لي حتى أستطيع التحرك بسهولة أكتر في غيابه عن المنزل وأقضي حاجياتي وحاجيات المنزل بها. وكمْ سعدتُ بهذه الهدية منه.
وفي نفس الوقت في ڤيلا إياد التي كانت أصغر من خاصتنا بقليلٍ، دخل إياد غرفة نومه حيث كانت زوجته سارة جالسةً بها. سارة كانت صديقتي الوحيدة منذ زواجها من إياد بحكم الصداقة بين زوجي وزوجها. جلس إياد بجانبها وسألها بشكل مريب:
«لمَ لمْ تعودي تذهبي لهند أو تأتيكِ هي؟ قلت مقابلاتكما كثيرًا منذ فترةٍ.. فما السبب؟»
«لا أعلم ماذا أقول لك إياد، لكن هند تغيّرت معي منذ فترة، أشعر أنها أصبحت تتهرّب مني أو لا تريد صداقتي. تغيرت كثيرًا لم تعد هند صديقتنا وزوجة محمود التي نعرفها منذ خمس سنوات. أشعر أنها أصبحت شخصًا آخر تمامًا.»
«غريب جدًا، ولكن لمَ تغيرت؟»
«لا أعلم، أنا مثلك تمامًا لا أعلم.»
«حسنًا.. حاولي التحدث معها، ربما تكون بمشكلة ولا تجد أحدًا ليساعدها.»
«أقول لك أنها تتهرّب مني، أنا لا أحب أن أفرض نفسي على أحد. طالما أنها ابتعدت عني ولا تريد الحديث فلديها من تتحدث معه. أو ربما تستطيع حل مشاكلها بنفسها وليست بحاجة لمساعدة من أحد.»
بعد ما قالته سارة قرر إياد ال**ت وعدم مجادلتها أو إطالة الحديث معها بهذا الأمر، وبعد فترة كان محمود جالسًا بغرفة الطعام يتناول غداءه، وكنتُ إلى جواره أحمل صغيرنا أسامة أحاول إطعامه، ولكنه كان رافضًا لأي طعام وهذا ما لاحظتُه به بالفترة الأخيرة، لاحظتُ أن حالته الصحية ليست مستقرة، شعرتُ بالقلق عليه وأخبرتُ محمود بهذا. فقال أنه سيحجز لنا موعدًا لدى أفضل أطباء الأطفال لنطمئن على ابننا.
لكن موعد الطبيب جاء في وقتٍ لمْ يكن محمود متفرغًا به. كان لديه اجتماع مهم ولم يستطع المجئ معنا، اعتذر مني كثيرًا ولكنني عذرتُه وذهبتُ بمفردي مع صغيري.
قام الطبيب بفحص أسامة وكان صامتًا أثناء الفحص بشكل مريب، أحسستُ بعدم الراحة وبدأ القلق يتسلّل لي خوفًا على صغيري، فأخبرني الطبيب أن أقوم بعمل أشعة مقطعية لابني بأسرع وقت لنتأكد من سلامة صحته، أخبرني أن هناك عيادة للأشعة أسفل عيادته هذه، كانت لش*يقه طبيب أشعة نصحني بالذهاب لديه أو الذهاب لأي أحد أثق به.
ولكن بسبب خوفي وقلقي على صغيري لمْ أفكّر بطبيب آخر، ونزلتُ سريعًا لتلك العيادة. دخلتُها وكانت مليئة بالمرضى، كان الحجز بها مزدحمًا بعض الشيء، فقمتُ أنا أيضًا بالحجز وجلستُ أعانق صغيري والقلق يزداد بداخلي. حينها رأيتُ طبيب الأشعة ذاك يدخل من باب العيادة مبتسمًا للناس. كان لا زال قادمًا لعيادته تقريبًا. علمتُ حينها أن اسمه هشام.
مرّ الطبيب هشام أمامي، فنظر لي وابتسم ابتسامةً غريبةً ثم دخل غرفته الخاصة بعمل الأشعة، وبدأ باستقبال المرضى وأنا جالسة بمكاني أشعر بالقلق الشديد. حتى أتتني مساعدة الطبيب هشام تناديني قائلةً بأنه دوري للدخول.
تعجبتُ كثيرًا من قولها لأنه لمْ يكن دوري، دوري كان بالنهاية ودخلتُ قبل أناسٍ كثيرين ظلوا يرمقونني بغرابةٍ أيضًا، لكنني حمدتُ الله أنني سأطمئن على صغيري بأسرع وقتٍ، فدخلتُ للطبيب هشام وبدأ بعمل الأشعة لجسده وأخذ العينات من دمه ليقوم ببعض التحاليل المختلفة له.
لاحظتُ أن الطبيب هشام كان ينظر لجسدي بنظراتٍ متفحصة، امتلأت عيناه بإعجاب غريب ولمْ أكن مرتاحةً لهذا أبدًا، نظرتُ له بغضبٍ وعندما لاحظ ضيقي أبعد نظره عني وبدأ بإكمال عمله مع ابني، ولكن بطريقة غريبة طلب مني أن أحمل صغيري وأضع رأسه على كتفي بحيث تكون يده الصغيرة ممدودة خلف ظهري حتى يستطيع أخذ إحدى عينات الدم منه، تعجبتُ كثيرًا من طلبه هذا لكنني فعلتُ ذلك سريعًا من أجل صغيري، فوقف الطبيب هشام خلفي مباشرةً يستغل هذه الوضعية ملصقًا جسده بجسدي، وعندما بدأتُ أتحرّك حذّرني من ذلك وإلا سيتأذى أسامة، فاستقررتُ بمكاني لأجل طفلي فقط، وما إن أنهى الطبيب هشام عمله حتى التفتتُ وصفعتُ وجهه بقوةٍ.
نظر لي بغضبٍ صارخًا بأنني قد جننتُ لأصفعه، فصرختُ به بالمقابل وهددتُه أنني سأبلغ الشرطة وأمنعه من مزاولة مهنته للأبد، حينها شعر بالخوف من تهديدي وتراجع عن صراخه معتذرًا.
بعدها تركتُ رقمي لديه ليبلغني بنتائج التحاليل والأشعة ما إن تنتهي وعدتُ للمنزل، ولكن بمجرد خروجي من عيادته أخذ رقم هاتفي وبدأ بالبحث عني حتى علم اسمي منه، فاتصل بأحد أصدقائه وطلب منه أن يجمع المعلومات عني مقابل مبلغ من المال.
وبمررو يوم واحد فقط كان صديقه هذا قد جمع المعلومات المطلوبة عني وعن زوجي محمود وأرسلها للطبيب هشام، كان حينها جالسًا بعيادته، فتح حاسوبه المحمول وبدأ بالإطلاع على معلوماتي بنظرات خبيثة، إلى أن حُبِسَت أنفاسه واتسعت عيناه عندما رأى معلومةً عني أدهشته، ثم عاد للنظر لتحاليل صغيري أسامة بين يديه.
وخلال ثوان احتلت السعادة ملامحه وارتسمت أكبر ابتسامة على شفتيه يهمس لنفسه:
«وقعتِ بين يديّ بسهولة يا سيدة هند، أنا محظوظ جدًا لاكتشافي هذه المعلومة بهذه السرعة.»
وبعينين تلمعان بالفرحة أمسك الطبيب هشام هاتفه المحمول واتصل بي في الثالثة فجرًا، استيقظتُ من نومي وزوجي يتقلّب بجانبي منزعجًا من صوت رنين هاتفي، فأجبتُ ذلك الاتصال من رقم مجهول، وحينما وجدتُه يخبرني أنه الطبيب هشام كنتُ سأسبُّه، لكنني صُدِمتُ وبدأ جسدي بالارتجاف رعبًا حينما أخبرني أن نتائج التحاليل قد ظهرت وأن ابني مصاب بمرض نادر يتطلب نقل دم وصفائح د**ية بأسرع وقتٍ.
بكيتُ بصوت مكتوم كي لا يستيقظ زوجي محمود الذي عاد من عمله مرهقًا يحتاج للراحة هذا اليوم، وسألتُ الطبيب هشام عن الحل، فردّ قائلًا:
«كوني واثقةً ومؤمنةً بالله سيدة هند، عليكِ المجئ لي غدًا صباحًا بالعيادة أنتِ ووالد الطفل لنأخذ منه عينة من دمه لفحصها حتى نعلم إن كانت زمرة دمه تتناسب مع زمرة دم طفلكِ لأن زمرة دمكِ غير متطابقة، ولكن لا تُحضري السيد محمود معكِ لأن زمرة دمه هو الآخر غير متطابقة، أحضري والد الطفل الحقيقي.»
وقهقه بعد حديثه هذا عاليًا، ضحك ضحكةً أوقعت قلبي بمعدتي من الرعب والصدمة، فسقطتُ حينها فاقدةً وعيي واقعةً عن السرير.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .