|٣٦| قصة (ابن عمي).

2349 Words
كانت تتمنى الحب ولم تعلم أنه يلاحقها منذ صِغرها. نهى جلال، فتاة بالثانية والعشرين من عمرها بالسنة الرابعة والأخيرة من الجامعة قسم الفنون الجميلة، تعيش بمحافظة الإسكندرية بأحد أحيائها الراقية مع والدها الحاج جلال وش*يقتها الكُبرى ندى بعد وفاة والدتها أثناء ولادتها مباشرةً. وُلِدت نهى تحمل جمال والدتها الخلّاق، كانت جميلة جدًا، بيضاء البشرة بوجه دائري وعينين زرقاوين كالبحر، طويلة بجسد متناسق مثالي وشعر أ**د طويل، إلّا أن جمالها هذا كان عاملًا كبيرًا في غرورها. أصابها غرور كبير منذ صِغرها، ومع ثراء والدها زاد تسلُّطها على الناس ومعاملتها لهم بالسوء خاصةً الأدنى مكانةً بها، كما أنها كانت تفضِّل العيش بعالمها الخاص بعيدًا عن والدها وش*يقتها، فلم تكن تتقرَّب من والدها كما ش*يقتها الكُبرى التي أصبحت مفضّلة والدها. كان الأسبوع الأول من سنتها الأخيرة بالجامعة قد انتهى، وبدأت هي بأسبوعها الثاني، دخلت من بوابة الجامعة تتلقّى النظرات السامّة من الفتيات، كانت شبه مكروهة لدى الجميع بسبب غرورها، ولكنها وببساطة تجاهلت الكل وتقدّمت تقترب من حبيبها (مازن). كان زميلها بنفس القسم ونفس السنة، تعرّفت عليه بعد انتقاله لهذه الجامعة العام الماضي وصادقته، حتى تحوّلت صداقتهما هذه لحب. بعدما وجدته من نفس مستواها الاجتماعيّ مع وسامته وأناقته كان كتوأم روحها المثاليّ. عانقته ما إن وصلت له، فبادلها العناق وجلسا يتحدثان قليلًا ثم ذهبا لمقهى الجامعة ليتناولا الفطور قبل بداية محاضرتهما الأولى، وهناك بدأت نهى حديثها المتكرر مع مازن قائلةً: «أفكر بإخبار والدي عن علاقتنا.» «ماذا؟ لمَ أنتِ متعجّلة هكذا؟» «لستُ متعجّلةً، كلانا نحب بعضنا، فلمَ التأخير إذًا؟ صراحةً.. الفتيات هنا بالجامعة لديهم غيرة كبيرة مني، وأنا أريد إغاظتهم أكثر بكشف علاقتنا للكل وتقدمك لخطبتي.» «ولمَ لا حبيبتي؟ ولكن.. اصبري قليلًا فقط.» «إلى متى تريدني أن أصبر يا مازن؟» «قريبًا.. وقريبًا جدًا أيضًا حبيبتي.» أجابها مازن وتحمحم بتوترٍ، ثم ابتسم بجانبيةٍ دون أن تلاحظه نهى، وكأنه كان يخطط لما هو أكبر من هذا. وبعد انتهاء يومهما الجامعيّ ذهبت نهى لأحد المراكز التجارية للتسوق قبل عودتها لمنزلها، وهناك اصطدمت بشاب بقوة حتى كادت تسقط، فالتفتت تريد الصراخ به ولكنها تفاجأت به ابن عمها (معاذ)، فسلّمت عليه بتوتر وأرادت الابتعاد عنه بأسرع وقت، فلطالما كانت تخاف ابن عمها هذا بسبب قسوته وشدته في التعامل ونظراته المخيفة أيضًا عندما يغضب من أحدهم. كان معاذ طبيب جراحة عامة بالسابعة والعشرين من عمره، ماهر جدًا في عمله ومتخصص بمجاله رغم صِغر سنه، ولكنه اكتسب خبرة كبيرة وهذا يعود لذكائه وسرعة استيعابه، كان رجلًا بكل ما للكلمة من معنى، بجسد رجولي وهالة رجولية ووسامة هادئة تليق بشخصه، إلّا أن البارز في حكايته أنه كان يحب نهى. لطالما أحب معاذ ابنة عمه نهى منذ صِغرها، عشقها حتى خافها من نفسه وسافر لخارج مصر يريد الابتعاد عنها فلربما يستطيع نسيانها، أكمل دراسته الجامعية بالخارج ولكنه لم يتحمّل الغياب عنها كثيرًا وعاد لمصر سريعًا، كان يعلم مدى غرورها وعشقها لذاتها دونًا عن الناس، ولكنه أحبها، اختارها قلبه وقد رضي بالأمر. كان يرى رهبتها من شخصيته بعينيها، وكم أعجبه هذا الأمر كثيرًا، يجد استمتاعًا في رؤيتها تحترمه وتخاف غضبه، والآن بعد رؤيته لها بالمركز التجاري أراد أن يجعلها زوجة له في هذه اللحظة، كان يؤجّل أمر الذهاب لعمه وطلب يدها للزواج منه، ولكن بعد رؤيته لها الآن بعد هذا الغياب الطويل عنها دقّ قلبه بعنف وكأنه سيخرج من أضلاعه. أنهت هي حديثها معه سريعًا وعادت لمنزلها، كانت تتوتر من التواجد بقربه وتشعر ببعض المشاعر الغريبة والمختلَطة. أمضت نهى شهرها التالي بعيدة عن ابن عمها معاذ تتجنب لقاءه في أي مكان، وتتقرّب أكثر من حبيبها مازن، حتى كانت جالسة في غرفتها بيوم في الصباح الباكر تتحدث بالهاتف مع مازن حبيبها. فمرّ والدها من أمام غرفتها متجهًا لدورة المياه، ولكنه توقّف حينما سمعها تقول لأحد ما بالهاتف: «حسنًا حبيبي، نحن على موعدنا مساءً. سأكون ملكك الليلة.» تفاجأ والدها مما سمعه، وارتجف جسده حتى سقط أرضًا فاقدًا وعيه، كان يعلم مسبقًا أن ابنته نهى متحرّرة ومغرورة، والآن فقط ندم لأنه تركها تصل لهذه الحالة دون رقابته أو سيطرته على أخلاقها حتى. سمعت نهى صوت سقوط شيء خارج غرفتها، فنهضت لتجده والدها، ارتبكت كثيرًا وحاولت إعادته لوعيه، ولكن لم تجد نتيجة فاتصلت بسيارة إسعاف أتت سريعًا لنقل والدها للمشفى. وهناك بالمشفى أخبرها الطبيب أن والدها عانى أزمة قلبية مفاجئة وبعد اتخاذهم للإجراءات الصحية استطاعوا إخراجه منها سالمًا ووضعوه بغرفة العناية المركزة ليطمئنوا على صحته أكثر. كانت نهى تقف خارج غرفة العناية المركزة قلِقةً ومحتارةً لا تعرف ماذا تفعل، كانت تقارن بين والدها وحبيبها مازن، أيهما ستختار؟ هل تبقى بجوار والدها خاصةً بعد أن اطمئنت على حالته الصحية أم تذهب لمازن حيث موعدهما الذي ستثبت فيه مدى حبها له كما أراد أن يختبرها؟ لمحت الطبيب يخرج من غرفة العناية، فركضت تجاهه ثانية تسأله عن صحة والدها، أخبرها أنه بخير ولكنه يرتاح، فطلبت رؤيته ولكنه أخبرها أن الزيارة م***عة، وبعد رحيل الطبيب رنّ هاتفها. كان مازن يتصل بها، فأجابت تخبره أنها تريد إلغاء موعدهما بسبب مرض والدها المفاجئ، ولكنه ردّها بعصبيةٍ قائلًا أنها إن لم تأتي فكل شيء بينهما سينتهي، ستنتهي علاقتهما عند هذا الحد. فتوترت نهى وأخبرته أنها قادمة، اطمأنت على حالة والدها من خلف زجاج نافذة باب غرفة العناية المركزة، ثم التفتت تسير في ممر المشفى متجهةً للدرَج، ولكنها تفاجأت بابن عمها معاذ يظهر أمامها فجأةً. ارتبكت ناظرة لمعطفه الطبي، فعلمت أنه يعمل بهذه المشفى، وقبل أن تتحدث بادرها معاذ بسؤاله رافعًا حاجبه يتعجّب من توترها واصفرار وجهها هذا: «لمَ أنتِ هنا يا نهى؟ هل كل شيء بخير؟» «والدي مرض فجأة وأحضرته للمشفى.» «ماذا أصابه؟ هل عمي بخير؟» «ومنذ متى يهمك أمره؟» «تحدّثي معي بأسلوب أفضل من هذا يا نهى، إنه عمي وبالطبع سأقلق عليه، لا زلتِ كما أنتِ لم تتغيري مع الأسف.» «لا يهم، إنه بخير الآن والطبيب طمأنني على حاله.» «الحمد لله.» «أستأذنك، سأذهب الآن.» «إلى أين ووالدكِ بالمشفى مريض؟» «وما شأنك أنت؟» أجابته نهى بتسلط ولكنها تمنت لو لم تفعلها بسبب نظراته الغاضبة، فاقترب منها بحذر يسألها ثانيةً حتى أجابته كاذبةً أنها ستذهب للمنزل، فبالطبع لن تخبر ابن عمها أنها ذاهبة لمقابلة حبيبها في منزله بموعد مسائي، ولكنها تفاجأت بمعاذ يجبرها أن يوصّلها بنفسه للمنزل، حينها اضطرت للذهاب معه مضطربةً من قرار مازن بالانفصال عنها إن لم تذهب. وبالفعل حدث ما كانت تخشاه، هاتفها مازن بعد وصولها فردت بقلقٍ قائلةً: «مرحبًا حبيبي، أنا آسفة لا أستطيع المجئ اليوم، فلنؤجل موعدنا للغد.» «حقًا؟ إذًا لن يكون اليوم ولا الغد، أنتِ الخاسرة يا نهى وهناك الكثيرات غيركِ يا حُلوة.» «ماذا تعني؟ ألا تحبني يا مازن؟» «أي حب هذا يا نهى؟ استيقظي عزيزتي وانظري لنفسكِ وللفرق بيني وبينكِ، مستواي الاجتماعي أكبر من خاصتكِ، لا تصدّقي أن فتاة مثلكِ قد توقعني بحبها.» «ماذا تقول يا مازن؟» «أقول الحقيقة، أشعر بالق*ف منكِ ومن غروركِ، اضطررتُ لتحمُّلكِ فقط لأنني أردت بعض التسلية ووجدتُكِ لعبة سهلة لهذا، وصراحة.. لقد مللت ولم يعد هناك فرق عندي إن أتيتِ أم لا.» أنهى مازن اتصاله تاركًا نهى في عالم جديد من الحزن والكآبة لم يسبق لها تجربته، كم تمنّت أن تكون ش*يقتها الكبرى معها الآن في هذه اللحظة بدلًا من سفرها لمحافظة أخرى لزيارة عمتهما فيها لمدة أسبوع، شعرت ب*عور الان**ار لأول مرة، علمت كم كانت رخيصة غ*ية ساذجة يستطيع أيًا كان خداعها بسهولةٍ. وعلى جانب آخر كان معاذ ابن عمها جالسًا مع والدها جلال في المشفى، بعد إفاقته وراحته قليلًا ذهب معاذ لرؤيته، وهناك شعر جلال بان**ار قلبه وأراد أن يشكو لأحدهم، فأخبر معاذ بكل ما حدث مع ابنته نهى وكم أنه كان سببًا في ضياعها. غضب معاذ من تصرُّفها كثيرًا وشعر بالغيرة الشديدة لمجرد تخيله لها مع مازن هذا، ولكنه ربّت على كتف عمه الباكي قائلًا أنه يريد الزواج من نهى. تفاجأ عمه في البداية رغم علمه أن معاذ يُكِنُّ مشاعر الحب لابنته نهى منذ فترة طويلة، ولكن الوقت لم يكن مناسبًا لطلب كهذا أبدًا، إلّا أن معاذ كان لديه رأي آخر، أراد الزواج من نهى وامتلاك قلبها كما امتلكت قلبه من صِغره، أراد أن يربّيها بعد زواجهما ويكون لها الأب الذي احتاجته قبل أن تكتسب صفاتها السيئة هذه. ومع إصرار معاذ وافق والد نهى على زواجه من ابنته، وذهب معاذ لإحضار نهى من منزلها صباح اليوم التالي للمشفى، رآها تبكي واآلمه قلبه كثيرًا.. فعلم حينها أن حقيقة ذلك المدعو مازن قد انكشفت لها. وهذا ما جعله مصرًّا على الزواج منها ليكون عونًا لها في هذا الوقت. ذهبت نهى للمشفى واطمأنت على والدها، ولكنه صدمها بطلب معاذ للزواج منها، ودون تفكير رفضت الأمر قائلةً أن معاذ قاسي القلب وهي تخافه كثيرًا، فكيف ستكون زوجةً له؟ لم يرغب والدها بالضغط عليها في هذا الوقت، ولكنه أخبرها أنه على علم بعلاقتها مع أحدهم، أخبرها بما سمعه وكان هذا هو السبب في مرضه المفاجئ. شعرت نهى بالذنب أكثر، أصابت والدها بأزمة قلبية بسبب شخص خدعها واستغلها طوال هذه المدة، فاستغرقها التفكير في عرض معاذ للزواج أسبوعًا آخر. كان والدها قد عاد للمنزل وعادت ش*يقتها كذلك، وبعد تفكيرها الطويل رأت أن معاذ هو الرجل المناسب لها رغم قسوته ولكنه حنون يحبها كما أخبرها والدها، وهذا ما كانت تلاحظه كثيرًا في معاذ طوال الوقت. وافقت نهى على الخطبة أولًا، وقضت بقية سنتها الجامعية خطيبةً لمعاذ، تعرّفت على شخصيته أكثر فأكثر، وبدأ الحب ينمو بقلبها تجاهه، وفور تخرُّجها من الجامعة تزوجت منه بعد إصراره على هذا الزواج السريع. عاشت معه تتفادى إثارة غضبه، ولكنها وجدت فيه الزوج الصالح والتقيّ، وجدت فيه الحبيب الحنون والعاشق، وجدت فيه الأمن والأمان والراحة، وجدت فيه ملجأها بعد صدمتها بمازن. والآن فقط علمت أنها أخذت أكثر مما تستحقه بالحياة بزواجها من معاذ، حتى أنجبت منه فتاة وصبيًا توأم واكتملت سعادتها بعائلتها الصغيرة هذه متناسيةً تمامًا تجربتها السيئة مع مازن. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD