الفصل الثاني

3436 Words
كان عاصي يشعر أنه على وشك الانفجار فقد هاتف منير قبل الاجتماع وقد أضناه القلق ...أراد أن يطمئن عليها بطريقة ملتوية كالعادة لكنه تفاجأ حين أجابه منير بصوت مهموم يخبره أنه لن يستطيع محادثته لأنه في المشفى، كان يهم منير بإغلاق الخط لكن قلبه الذي انقبض بشدة جعله يلح عليه بشدة ليعلم من المريض ومن شدة إلحاحه انفجر منير يحكي ما حدث بغضب وهو يتوعد ذلك الشخص الذي لو يعرف له طريقا لقتله من شدة القهر هل من يملك فتاة مثل هذه يبتعد عنها خطوة؟ الحقير جرحها وأشعرها بالعجز وتسبب في انهيارها …تن*د عاصي بوقفته أمام غرفة الاجتماعات يحاول مهاتفة منير مجددا لكنه لم يرد حاول أكثر مرة أخرى ليرد عليه بصراخ "عاصي ارحمني ماذا تريد فأنا لا ينقصني إلحاحك " همس عاصي له بقهر كأنه مضطر أن يكشف ما بقلبه لهذا الجلف لعله يشعر به ويرأف بحاله ويطمئنه عليها "كيف حال غفران يا منير أرجوك طمئني عليها فأنا أتمزق هنا ارأف بحالي قليلا …سأموت من قلقي " تعجب منير من كلام عاصي وابتعد عن حورية قليلا وقال "ما هذا الكلام هل أنت واعي لما تقول؟ …. عاصي ماذا يحدث؟" **ت عاصي قليلا يتنفس بحدة وقال كلمة واحدة جعلت منير على وشك قتله "أعشقها " صرخ منير به من بين أسنانه "قسما بالله إن لم تحفظ ل**نك سيكون موتك على يدي هل فقدت عقلك؟ أغلق الخط يا عاصي وأنا سأعتبر نفسي لم أسمع شيئا وهذا لأجل أخوّتنا ولكن إن تكرر هذا الحديث منك ثانية لن أتردد لحظة واحدة قبل أن أقتلك …….." قاطعه عاصي يقول بقهر "أنا لم أخطئ في شيء …. انا أحبها كما لو أنها خلقت لأجلي فسبحان من أوجد حبها في قلبي بلا سبب أرجوك يا منير ساعدني لأتزوجها " همس له منير بغضب "عن أي حب تتكلم؟ أنت لم ترها سوى مرة واحدة... عاصي امسح غفران من ذاكرتك ودعها لمصيرها فما بها يكفيها أرجوك ابتعد عنها لأجلك ولأجلها ولأجل أخوتنا فأختي تتألم بما فيه الكفاية " صرخ به عاصي "مستحيل أن أنساها أنا أموت قبل أن أفعلها أرجوك دعني أطمئن عليها أو دعني أحدثها دعني أخبرها أنني قادم لأجلها أرجوك يا منير " وقف منير يستمع لرجاء عاصي وصوته المختنق بحيرة...يفكر متى حدث كل هذا؟ هل هناك أمر ما فاته؟ لا يمكن أن يكون عاصي غارقا في هواها لمجرد أنه رآها لمرة! كان يهم بالرد عليه عندما رأى عبد الرحمن يقترب منه فأنزل الهاتف بسرعة وهو يغلقه نهائيا يفكر أن هذا الأمر لو وصل لعبد الرحمن سيكون مصير عاصي الموت الحتمي …. وقف عاصي ينظر إلى هاتفه بخيبة والحزن والقلق يمزقانه من الوريد إلى الوريد ازدادت دموعه تجري هاربة من عينيه ب**ت شعر أنه يموت ببطء وهو يفكر أن عليه أن يراها، وبدون تفكير رفع هاتفه وكلم إياد وأخبره أنه يحتاج أن يسافر معه إلى مصر بعد ساعات فإما أن يجد له مكانا على نفس الطيارة وإما أن يعطيه تذكرته لأن هناك أمرا مهما ينتظره في الوطن ولن يستطيع أن يتأخر أكثر من هذا …….. يقف يشاهد السماء من النافذة وهو يشعر أن براح الكون يضيق عليه حتى كادت أنفاسه أن تختنق بداخله ... لم يسأل يوما عن ذنبه فيما حدث في الماضي، لم يفكر يوما لماذا غرق بهواها هي دونا عن فتيات الكون أجمع، لم يلم ولم يعتب على أمه أو أبيه أو جده بل رحل بهدوء تاركا كل شيء خلفه ليجدها أمامه كأنها كانت تنتظره لتأمره بأن يبدأ حربه ناحية أمامه كافة الخيارات سوى الانتصار في معركته ….يومها شعر أن نظرة عينيها سبيله للنصر كما يشعر الآن أن نظرة من عينيها ستكون سبب دماره وهزيمته، فها هو منذ شهر وأكثر لا يستطيع أن يلمحها حتى أو يريح روحه التي يرهقها شوقه إليها رويدا رويدا... تركها وحدها تتعذب بسببه وهو يقف كقليل الحيلة لا يعلم ماذا يفعل بعد ما أخبرته به أسمهان فقد جاءت إليه وأخبرته أن عمها منع سمراء من العمل وسحب منها كافة الصلاحيات وسلمها إلى أسد، كما أنه أهانها أمام الجميع وأخبرها أنها خانت ثقة الجميع بها وأنه سيبدأ بمعاملتها كما تستحق ، أخبرته أن سمراء بكرامتها وكبريائها القوي لم تتحمل ما حدث ووقعت بين أيديهم فاقدة لوعيها، شخص الطبيب حالتها بضعف كلي وانهيار عصبي حاد فأصبحت لا تستيقظ طوال اليوم وتعيش على المهدئات التي جعلتها غير مدركة لما يدور حولها ومع ذلك والدها يشدد الحراسة على غرفتها كأنه يخشى منه أن يخ*فها ويهرب، يا ليته كان يستطيع والله لن يتأخر لحظة لكنه يعلم جيدا أنها عندما تستيقظ وتعلم أنه فعلها ستقتله قبل والدها فليست هي من توافق على جنون سيجعل العار يطول أهلها فسمراؤه أصيلة كأصالة الدماء التي تجري بعروقها ...صعب جدا أن تنقطع عنه أخبارها فيصبح لا يعلم عنها سوى الأخبار التي تخبره بها ماريتا وها هو يحاول أن يراها ولكن لا سبيل لذلك، هل هو لا يستحق أن يرتاح؟ لا يستحق أن يفوز بها؟ رفع يده بقهر يض*ب زجاج النافذة حتى أصبحت الدماء أمام قدميه كبركة صغيرة فيبدو أنه هذه المرة قد قطع عرقا بيده، اندفع فخر اتجاهه يصرخ به "ماذا فعلت يا مجنون؟ لقد اكتفيت حقا من جنونك لم يعد بيدك مكان لجرح جديد ارحم نفسك وارحمني " مد يده يسحب يد ليل الذي أمسكه من ملابسه بشدة وقال له برجاء مزقه " أريد أن أراها أخي لم أعد أحتمل " ها هو أخوه الكبير يخوض نفس الطريق الذي خاضه والده منذ زمن همس بداخله، عليك ا****ة يا فخر إذا فكرت يوما ان تعشق فما يراه الآن يجعله يخاف أن يقع في نفس الفخ، رد على أخيه بهدوء "صدقني يا ليل إذا وجدت فرصة سأبلغك ..لكن هذا مستحيل حاليا ،اضغط على جرحك بشدة وأنا سأنادي على إحدى الممرضات لتأتي وترى يدك أرجوك لا تتهور حتى أعود لك " تحرك فخر خارجا من الغرفة تاركا خلفه ليل يراقبه بهدوء وهو يبتعد ويترك خلفه باب الغرفة مفتوحا ،ظل ليل واقفا ينظر للباب بجنون وبدأ يتحرك ببطء اتجاهه وعقله يأمره بالذهاب إليها، فماذا سيحدث لو فقط لمحها من بعيد لن يحدث شيء سوى أنه سيرتاح قليلا وتهدأ خلاياه التي تحترق، رفع قلنسوة معطفه الجلدي ليخفي معالم وجهه وخرج من غرفته نحو غرفتها لكنه توقف فجأة أمام إحدى النوافذ عندما وجد باب غرفتها يفتح ويخرج منه والدها ووالدتها وأختها وأسد ووالدته ومروا بجواره وقد بدا أنهم راحلون ، انتظر ليل حتى وصلوا لآخر الممر واقترب من باب غرفتها بسرعة الصاروخ ودخل ليجدها تجلس على طرف السرير وتحني رأسها للأسفل وشعرها الأ**د يخفي ملامحها تماما سمع صوتها تقول "أهلا يا أماندا كنت أظن أنك ستتأخرين على الأقل لدقائق لكن يبدو أنك نشيطة وتستمتعين بمراقبتي أذوي " اقترب منها بهدوء وجلس على ركبتيه أمامها مباشرة فوجدها تغمض عينيها بشدة وتأخذ نفسها بقوة ثم قالت بهدوء "ارحل فالممرضة التي كلفها أبي بمراقبتي على وشك الوصول ولا أريدها أن تراك، يكفي ما حدث ولا تعد فلقد تعبت من ترديد هذه الكلمة على مسامعك " لا يصدق أنها أمامه أخيرا ...لا يصدق أنه رآها بعدما مزقته الليالي الطويل بالسهاد، همس لها بشوق جعلها تشدد من غلق عينيها " اشتقت إليك يا سمرائي ...ماذا حدث لك بسبب غبائي؟ صدقيني يا روح ليل أنا أعاقب نفسي كل ليلة وأتجرع من مرار وألم لا ينتهي لأجلك ... يقتلني الشوق وتبعثرني اللهفة وأنا لا أجدك ….يا عذابي معك يا سمراء فلا أجد رحمة في هذا العالم سوى بنظرة عينيك فارحميني " ظلت سمراء ترتجف وتبكي وهي تتذكر كل ما حدث، تتوالى لحظات ذلها إلى عقلها بقوة، ظلت تقاوم وحاولت أن تتماسك لكنها انفجرت بصراخ أرعبه وهي تدفعه للخلف وبدأت بقذفه بكل ما تطوله يدها وتقول له "أنت لعنة أصابتني فأفقدتني قلبي وكرامتي وعائلتي، ماذا تريد الآن وأين كنت حين كنت أنا أذل من أبي أمام الجميع؟ أنا لم أخطئ أنا فقط تورطت فيك و يا سواد ورطتي …. أعتقني لوجه الله ارحل واتركني لعلي أستطيع أن أعود كما كنت.. غبت لسنوات فجأة وعدت الآن فجأة قتلتني بفراقك في السابق وقتلتني بقربك الآن، هل أنا لعبة بين يد*ك؟ إن كنت لا تستطيع مواجهة أبي والعائلة بأكملها ماذا كنت تنتظر مني؟ أن أخون الجميع؟ أنت تحلم ومع ذلك اتهمني والدي بالخيانة بسببك، أصبح يعاملني كأني نكرة أو حشرة ليس لها وجود أو أهمية، ارحل من أمامي " قالت آخر جملة بصراخ أحرق حشا الواقف أمامها، ظل ينظر إليها ويتذكر كل يوم رآها به كانت دوما قوية مرحة غير قابلة لل**ر لكن التي أمامه ما هي إلا فتاة على حافة الانهيار يبدو أنه لعنة كما تقول... التفت لباب الغرفة فوجد مريتا وفخر يدخلان الغرفة فتوجهت مريتا إلى سمراء التي كانت تترنح بشدة، وفخر اقترب منه يهمس له بغضب "ماذا فعلت بنفسك وبها؟ اخرج معي يا ليل قبل أن يرانا أحد " تجاهل ليل كلامه وتقدم منها ليصرخ بها " أتريدين الفكاك مني؟ من لعنتك؟ احلمي يا سمراء... إذا كان العشق وحده لم يقنعك أنك لي فأريد أن أخبرك أن للعشق جنونا وهذا ما كنت أحاول إخفاءه لسنوات لكن اعلمي أن باب جنوني فتح على مصراعيه انتظري وسترين ما لم يخطر على بالك يوما " ثم تركها لتقع بأحضان مريتا وخرج كالمجنون لا يرى أمامه ودماؤه تتساقط بغزارة وخلفه فخر يجري يحاول اللحاق به لكنه لم يستطع، فليل خرج من المشفى وركب دراجته النارية وانطلق دون أن يلتفت له حتى، شعر فخر أن أخاه على حافة الجنون فرفع هاتفه وبدون تفكير همس عندما فتح الخط "أبي "......... دخل جاسم إلى عيادة حذيفة يفكر أنه يجب أن يجد حلا لما يحدث لأنه لم يعد لديه أي وقت لهذه المهاترات، وكلما حاول التصرف منعه عمه جواد بحجة أن حذيفة المسؤول عن حالة بشر لذلك اختصر الطريق وسيذهب لحذيفة مباشرة فهو ضابط وليس مربية لبشر الذي يراقبه كل ليلة وهو يشرب الخمر حتى ينكفئ علي وجهه ويظل ينادي على ابنة خاله الراحلة حتى يفقد وعيه فيأتي هنا دوره بنقله إلى المنزل، حاول كثيرا أن يتملص من هذه المهمة لكن عمه أكد أنه لا يمكنه أن يدع أي أحد من الشباب أن يراه بهذه الحالة وأن طبيبه أمر بعدم اقتراب أي أحد من العائلة منه حتى يأمر بذلك، ولكن صبره قد انتهى وبشر يغوص في ما يفعله ولا يتراجع فهو لم يلاحظ عليه أي تحسن يذكر، كم مر عليه منذ عودته إلى هنا أكثر من خمسة أشهر لا يعرف ماذا حدث له فقد عاد إنسانا مهزوما ضائعا، اقترب جاسم من مكتب موظفة الاستقبال الخاصة بالعيادة فوجد مؤمن يجلس عليه ويلعب بالأوراق والأقلام الموضوعة وهو يقول " عندما رأيته تذكرتك أظن أنه سيكون مناسبا لك فأنت تعش*ين هذا النوع " رد عليه صوت أنثوي يعلمه جيدا ،إنه صوتها تلك الغ*ية التي سيكون موتها على يديه " نعم أعشقه فأنا أنتقيهم بحرص لماذا لا تجرب ستستمتع كثيرا "صرخ بها مؤمن "مستحيل أنا لست من هذا النوع يا آنسة أنا طبيب محترم وابن ناس " خرجت فتون من إحدى الممرات وهي تحمل كوب ماء ترد عليه بحنق "هل أنت ابن ناس وأنا بنت …." **تت فجأة تستوعب هيئة الواقف أمامها ثم قالت بغضب "ماذا تفعل هنا أيها الوقح؟ " رفع مؤمن رأسه باستغراب فوجدها توجه كلامها لجاسم الذي كان ينظر لها بشر كأنه سيقتلها فوقف بسرعة واقترب من جاسم يسأله "جاسم ماذا تفعل هنا؟ هل تعرف فتون " رفع جاسم حاجبه ونظر إليها بازدراء ورد عليه "ومن أين سأعرف هذه الأشكال؟ ثم يجب أن يكون اسمها جنون وليس فتون إنها مجنونة ول**نها يجب قطعه من أين تعرفها أنت؟ " كان مؤمن يهم بالكلام عندما وجد جاسم غارق بكوب الماء الذي كان بيد فتون وسمعها تقول ببرود " هذه تحية بسيطة من هذه الأشكال أيها المختل "هجم عليها جاسم وهي استعدت للمعركة فوقف مؤمن بينهما يحاول تفادي ما سيحدث لكن لم يتراجع أحد منهما فجاسم ظل يقذفها بكلام لاذع وهي بدأت تسدد لكمات أغلبها أصاب مؤمن نفسه الذي صرخ بقهر "اهدئا ما هذا؟ هل أنتما القط والفأر؟ وجهي تورم من الض*ب " صرخ جاسم "أنا لن أهدأ حتى أقتلها وأرتاح وأريح البشرية من شرها "ردت عليه فتون التي مازالت تحاول لتطول وجه جاسم "لماذا تريد قتلي؟ هل لأنني علمت عليك لمرتين على التوالي وأصبحت لا تستطيع رفع عينك بعيني؟ " زمجر جاسم بغضب وصرخ "اخرسي لم يولد بعد من يعلم على جاسم الصالحي هل أنت مجنونة؟ " رفعت فتون حقيبتها سلاح الفتاة الأمثل لأعلى ونزلت بها تهوي لتصيب رأس مؤمن الذي سقط أرضا في اللحظة التي دخل بها حذيفة يسأل بصدمة " ماذا يحدث هنا؟ " التفت له جاسم يتحدث بغضب ويقول "تلك المجنونة ماذا تفعل في عيادة طبيب محترم مثلك وبرفقة طبيب آخر؟ أعتقد أنها كانت تدفعه للرذ*لة منذ قليل وهو كالأبله يحاول التملص لكن يبدو أنها متمرسة " صرخ به حذيفة "سيد جاسم احفظ أدبك فتون تعمل معي ...كما أنها تقريبا تربت مع مؤمن لذلك علاقتهما وثيقة ورغم ...ولا أظن أن هذا هو الموضوع الذي جئت من أجله " همس جاسم بذهول كأن الحقيقة ض*بت رأسه حتى تردد صداها بداخل روحه فقال "مستحيل أنت ف*نة الصغيرة؟ "تجاهلته فتون كليا وهي تساعد مؤمن ليقف فما قاله قد جرحها وبشدة ولكن مؤمن رد عليه بغضب "نعم يا جاسم هي وأنا كنت أحدثها عن مكان رأيته لتعليم فن النحت ، وهذا يعني أنك فهمت كل ما قيل خطأ ومدين لفتون باعتذار " وقفت فتون بجانب مؤمن تحاول أن تسحبه للخارج كأن السنوات لم تمر و قد عادوا أطفالا من جديد، فحين كان يغضبها يدافع عنها مؤمن لكنها كانت دائما تجذبه ليرحل كأنها تقول له اعتذارك لا يعنيني، وكان رد فعله دائما أن يرحل دون أن يعتذر وهذا ما فعله ولكنه رحل إلى غرفة مكتب حذيفة فتبعه حذيفة بعد أن اعتذر لفتون عما فعله جاسم ، أما هي فخرجت برفقة مؤمن وهي تتمنى ألا تراه ثانية . دخل حذيفة ليجد جاسم يجلس بغضب على أحد المقاعد المقابلة لمكتبه فجلس أمامه مباشرة وقال "خير يا سيد جاسم ما سبب هذه الزيارة السعيدة؟ " تكلم جاسم بهدوء " أنا هنا اليوم بسبب بشر العزايزي، فأنا المربية التي أحضرها له عمه جواد لتعيده كل ليلة إلى المنزل وتراقبه طوال الوقت وأنا هنا لأسالك إلى متى سيستمر هذا الوضع ولماذا تأمرهم بال**ت عما يفعله بنفسه؟" عاد حذيفة بظهره إلى الخلف يقول "بشر أقوى من أن يتدخل بحياته أي أحد، لقد أغرق نفسه في هذا الطريق وعليه أن يقف مجددا بمفرده وأنا أعلم أنه سيعود لطبيعته قريبا، لذلك لا أريد أحدا من الشباب أن يراه بهذا الوضع ف*ن**ر صورته أمامهم أريده عندما يعود أن يجد كل شيء كما تركه... فهناك شيء حدث له وهو في القاهرة وهو من جعل حالته تتدهور بهذا الشكل لكنه لم يفصح لي عنه بعد و…….." قاطع حديثه رنين هاتف جاسم الذي وقف بسرعة يقول "حسنا قادم لا تتركه يخرج بمفرده فقط دقائق وسأكون معك "أغلق جاسم هاتفه يقول لحذيفة "ها هو بدأ ليلته مبكرا هيا معي لنلحقه قبل أن يفقد وعيه ونكمل حديثنا بالسيارة ، وافق حذيفة ورافق جاسم وظلا يتبادلان الأحاديث حتى وصلا إلى الملهى............. دخل إلى الملهى كعادته كل ليلة ليبدأ رحلة النسيان اليومية فلم يعد لديه حل سوى هذا ...ماذا بقي له بهذه الحياة يستحق أن يتذكره؟ لقد أصبح وحيدا رغم العائلة ورغم المال والأصدقاء، أصبح يعاني على الدوام ولم يتبقَ منه سوى حطام إنسان ضائع.. مازال يتذكر لحظة دخوله العناية المركزة لجده وهو يشعر أنه في سباق مع الزمن لكنه مجددا انهزم أشد هزيمة ...فعندما وصل وجد الطبيب يخبره أن جده انتقل الى رحمة الله كان العالم يلف به بشدة ... شعر بدقات قلبه تتسارع بطريقة غريبة... شعر برائحتها تملأ المكان من حوله، شعر أنه يسمع حسيس أنفاسها ودقات قلبها كأنها معه تتلقى الخبر تعيش الصدمة ….تنهار … جلس على البار وطلب أول زجاجة وأمسك الكأس كأنه يستعد للعبور لعالم الأطياف كما يحدث كل ليلة، دار بعينيه يراقب النساء من حوله ويبدأ بمقارنتهن بها يبحث عنها يشكلها بشكل عصي وهو يهمس لنفسه "تقريبا كانت توتا بنفس طول هذه لكنها كانت أجمل ،وكانت بنفس هيئة تلك لكنها كانت أكثر براءة ، وكان شعرها نفس لون شعر هذه لكنه كان أنعم وأطول " يمر عليه الليل وهو يقارنها بجميع النساء ولا يجد من تصل إليها أبدا فقد كانت شمسا ساطعة والشمس واحدة لا تتكرر ولا يوجد لها مثيل، عندما وصل إلى مرحلة متأخرة من السكر ظل ينوح بكلمات خاوية من الحياة يحفظها عن ظهر قلب فقد أصبح أديبا مخمورا، كم تغير كيف كان وماذا أصبح وكل هذا لأن فراقها يلعب بعقله الذي يشعر أنه فقده كما فقدها ما زلتُ أطفو في بحار الهوى يـرفـعـني المَـوْجُ وانحطُّ فتارةً يـرفعـني مَـوْجُـهـا وتـارة أهــوى وانـغــطّ حتّى إذا صيَّرني في الـهوى إلى مـكـان مـا لـه شــطّ ناديتُ يا من لم أَبُـح بِاسمـه ولم أَخُـنْـهُ في الهــوى قطّ تقيك نفسي السُّـوء من حاكم ما كان هذا بيننــا شــرط فما كان الفراق بشرط، ما كان الألم بشرط، ما كان بينهما سوى غرام ولد معها فأنبته بداخله ليتضخم حتى قطع أنفاسه ورحلت هي لترتاح وتتركه يعاني، أنهى الكأس الذي بيده وبدأ المرحلة الثانية من النواح فظل ينادي باسمها ويقول "أين أنت يا هالة القمر يا بنة القمر؟ أين أنت يا حب عمري؟ هل غطى التراب وجهك؟ هل تركتك أنا القاسي هناك في الظلام بمفردك يا قلبي؟ ….. تولين " دخل جاسم يبحث بعينيه عن بشر حتى وجده فقال لحذيفة "ها هو مازال بوعيه لنلحقه قبل أن يفقده ونضطر أن نحمله " تقدما منه ولكن كان حذيفة من اقترب أولا وقال لبشر "هيا يا بشر لنعد إلى المنزل يكفي هذا " رفع بشر نظره إلى حذيفة لكنه لم يكن بكامل وعيه فقال بصوت ناعس " إلى أين سنذهب؟ "رد عليه حذيفة بهدوء " سنعود إلى المنزل هيا ساعدني لتقف " استند بشر على حذيفة باستسلام وهو يسأله برجاء "هل هي هناك؟ " رد عليه حذيفة بعدم فهم "من التي ستكون هناك؟ "همس له بأذنه بصوت جعل قلب حذيفة يبكي لأجله "تولين " لم يستطع حذيفة الرد بل هز رأسه بالموافقة وسار به ببطء خلف جاسم حتى وصلوا إلى السيارة وانطلقوا إلى منزل بشر...... كانت كارما تجلس في سيارتها أمام منزل بشر وتحدث صديقتها على الهاتف وتقول "أنا الآن أمام منزله لكنه لم يصل بعد، يجب أن أنهي كل شيء الليلة فالطبيب أكد لي أنها أنسب ليلة لحدوث الحمل، فأنا أواظب على منشطات الإباضة منذ أسابيع ولن أفوت هذه الليلة إلا وأنا أنام على سريره ومؤكد سأحمل طفله " ضحكت صديقتها بصخب وقالت "حقا أحسدك فبشر رجل لا يبدو سهلا بالمرة بل يبدو أنه سيكون بارعا فيما تحتاجين إليه " ضحت كارما بسعادة وقالت " أعلم هذا وأتمنى أن تكون ليلة لا تُنسى ..." **تت قليلا تنظر أمامها بتدقيق ثم قالت لها "سأغلق الهاتف الآن فيبدو أنه وصل " أغلقت الهاتف وظلت تراقب ما يحدث أمامها بحرص وتنتظر اللحظة المناسبة للتحرك....... نزل حذيفة يسند بشر فتقدمهما جاسم ليفتح باب المنزل دخلوا جميعا وبشر يصرخ وينادي على تولين، صعدوا إلى الدور العلوي معا فوضع حذيفة بشر على السرير وخلع حذاءه ثم وضع عليه الغطاء وقال له "سأذهب أنا الآن وسأكون هنا في الصباح لأنك تحتاج للتحدث كثيرا " سأله بشر من بين غياهب الوهم "وتولين أين هي؟ " هز حذيفة رأسه بقلة حيلة وقال له "سأحضرها لك في الصباح" فرد عليه بشر "لن أنام سأنتظرها " لم يرد حذيفة بل أغلق إضاءة الغرفة ثم خرج وجاسم وانطلقا معا إلى منزل جواد ليكملا حديثهما بشأن حالة بشر التي تتدهور، ولم ينسَ حذيفة أن يهاتف أسد ليطلب منه أن يجمع الكل فوضع بشر تعدى مرحلة ال**ت ولم يعد أمامه سوى المواجهة ....... تسللت كارما إلى المنزل وقد فتحت الباب ثم دخلت وخلعت حذاءها، وصعدت على السلم بخفة تخلع ملابسها حتى صارت بقميص أحمر قصير حتى وصلت إليه ودخلت إلى الغرفة لتجده نائما على السرير وهو ينظر إلى السقف، فتقدمت من السرير ورفعت الغطاء وانضمت إليه واقتربت منه بشدة وهي تضع يدها على عنقه فالتفت لها يهمس "تولين هل جئتِ إليّ؟ كنت أنتظرك " ضغطت كارما بأسنانها على شفتها بغضب تحاول أن تكظم غيظها لتنقذ مخططاتها على أكمل وجه، فهمست له بطريقة مغوية "نعم أنا هنا جئت إليك هل تشعر بشوقي ولهفتي إليك؟ " التفت لها في ظلام الغرفة يتحسس وجودها بين يديه وهو يقول "يا قلبي كنت أعلم أنك ستعودين لي يا صغيرتي، اقتربي مني أكثر فأنا أموت بدونك " اقتربت منه وهمست له "املكني يا بشر ولا تطلب أن أرحل " تخيلها أمامه ب*عرها الطويل وضحكتها التي يتلهف سمعه لها، بروحها التي ملكت روحه فقال لها "هل نحن معا حقا؟ أنا وأنت هنا وتطلبين مني امتلاكك؟ "هزت رأسها وهمست له بأذنه بكلمات أيقظت بداخله وحوشا من اشتياق وقهر ورغبة ترجوه "بل أرجوك أن تجعلني لك حالا فكلي ملك يد*ك " كالمحموم يراها تلبس فستان الحفلة وتنظر له برغبة أشعلت نيرانه فقال لها بلوعة "أنت ملكي ولن أتركك ترحلين مجددا لذلك دعيني بكل قهري وحزني أضمك حتى تعبرين إلى داخل أحضاني فتصبح ضلوعي سجنك الذي لن تخرجي منه أبدا، دعيني أرد روحي التي رحلت معك " تمسك بها بجنون بينما هو يطفو على غيمته ومن حوله وحوشه التي انطلقت لتروض قمره وتعلمها خطورة البعد، وهي رحبت بذلك كانت تناديه بلهفة وهو ينادي تولين ولا يريد سوى تولين لكن حقدها أعمى بصرها وبصيرتها فتهيأ لها أن الحب يمكنه أن يُسرق بسهولة ……. كانت تجلس الممرضة أمام الأميرة النائمة كما لقبت في المشفى وهي تحمل بيدها رواية تقرؤها باندماج لعلها تهون عليها ساعات هذه المناوبة الطويلة ...نظرت لتولين بشفقة وفكرت لو كانت هذه الفتاة مستيقظة لصارتا أصدقاء فهي تبدو رقيقة ولطيفة وصغيرة ...كم هي حزينة على نومها هذا لكنه قدر الله ، رفعت الرواية وظلت تقرأ بعمق وتتن*د بحب وتنظر إلى السقف بشرود وكأنه سينشق ويخرج منه بطل الرواية، كانت هائمة لتقف فجأة وصوت إنذار يص*ر من الأجهزة، التفتت لتجد أن دقات قلب المريضة أسرع من اللازم ، فخرجت مسرعة إلى غرفة الأطباء تستدعي الطبيب المختص بحالتها ولكنها تفاجأت عند عودتها والطبيب أن دقات القلب منتظمة، وكل شيء هادئ بل ساكن بشكل كئيب وهناك خط دموع يسيل من عينيها فوقفت مندهشة واقترب الطبيب ليفحص تولين التي كانت ما تزال في غيبوبتها…..
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD