لطالما تساءلت كيف هو الشعور حين تنهار تماماً.. حين تقع ارضاً بعد عناء صدمات متتالية كادت تودي بك..
كيف تقاوم وانت اضعف مخلوق على وجه الارض.. ولما تقاوم؟. ان لم يكن لد*ك سبب للنهوض من جديد.. فلما ستقاوم؟..
" ينال.. حبيبتي!!! "
حين تنتظر امراً لسنوات.. تأمل وتدعو وتصلي لاجله.. تعيش ايامك في محطة انتظاره.. ويمر الوقت بك فلا هو ياتي ولا انت تصل اليه..
حينها.. وعندما اخيراً يطرق بابك.. يغدو للاسف بلا قيمة.. مُهمش.. لايترك اي اثر داخلي فيك..
وهذا ماشعرت به.. الخواء...
انتظرت وانتظرت تلك الكلمة.. وحين نطق بها.. شعرت بانها سخيفة، بلا قيمة.. لم تحرك اي ساكن بي..
لقد اردت الاحساس بها.. الله يعلم كم اردت.. لكنني وقفت عاجزة لا افعل.. قربه مني.. حضنه الدافئ ذاك.. وحتى قبلته.. لم تفعل فعلها.. لم تترك اي اثر...
ربما لاني اشعر بالفراغ داخلياً.. بانني لاشيء ولا احد.. اشعر بالوحدة والضياع.. فكيف يمكن للدفء او الامان ان يعود فيطرق بابي؟... ان يزهر في ارضي الجوفاء؟!..
كيف!؟..
......
" هل انتِ بخير؟ "
هل انا بخير؟!!..
تساءلت بيني وبين نفسي.. اراه يدخل غرفتي الفارغة وسط شبه الظلام الذي يحيط بي.. ظلام لا يقتله الا ضوء صغير قرب السرير الذي اريح جسدي المنهك عليه..
لقد انهرت.. ولم استطع الا ان اقف لاراقب انهياري بعيون الجميع حولي.. لم اقاوم.. كيف افعل وانا متعبة من الوقوف؟..
" حبيبتي!! "
عاد ليكرر كلمته تلك.. بطريقة حانية رقيقة.. فضممت فمي لا اريد التاثر.. المحه يقترب مني اكثر.. لايزال بالثياب عينها التي رايته بها حال وصولي للمشفى.. بنطال قطني وسترة كحلية.. جبينه مضمد كما ذراعه.. يبدو ضعيفاً مثلي.. لكنه قادر على الوقوف.. قادر على المجابهة اكثر..
اتخذَ حافة السرير بقربي.. فيما اجلس انا في وسطه ويحيط بي الدثار.. ادرك ان شكلي مهمل مضحك.. لا احتاج نظرة عينيه التي طافت بملامحي لادرك ذلك..
" تبدين مريضة جداً!! "
" انا.. بخير "
كم مرة قلتها.. حتى بيني وبين نفسي.. وكذبت بها.. وكذبت.. وكذبت... كم مرة؟.
" اخبريني مابك؟. لما انهرتي هكذا؟ "
" انها مجرد نوبة ربو.. امر طبيعي "
ونظرت في عينيه ليصدمني تاثره وحزنه.. يبدو قلقاً حقاً... ابسببي انا؟!.
" ليست امر طبيعي... لاتكذبي علي.. ينال.. " ودنا مني.. يرفع يده السليمة ليلاطف وجنتي الشاحبة
" ارجوك ملاكي.. اخبريني مابك؟. تبدين باسوء حال "
" وهل يهمك حقاً حالي؟ " ورفعت حاجبي بسخرية مرة.. اسمعه يطلق تنهيدة ثقيلة.. يجترع ل**به بصعوبة امامي قبل ان يخفض نظره للاسفل.. يبدو غير قادر على مواجهتي.. مجيباً بصوت اجش خافت :
" كثيراً.. اقسم كثيراً.. اكثر بكثير مما يهمك حالي "
كاذب!!!..
مجرد كاذب.. فكيف سيهمه حالي اكثر وانا مغرمة به حد الجنون؟... اما هو...
وبللت شفتاي الجافتين.. اسمع تنهيدته ثم اعود فانظر في عينيه لما رفع راسه
" قولي لي.. اخرجي ما بقلبك.. اين كنتي؟. وماذا فعلتي؟. هل للامر علاقة بساروس؟ "
ساروس!!! وعبست مستغربة.. اتراجع قليلاً للخلف بعيداً عنه.. فيما يضيق هو حدقتيه ليدقق بي..
" اعلم بانك التقيتي بساروس.. واعلم بصحة ما اخبرتني به في اخر لقاء لنا.. والان اريد ان اعرف ماذا حصل؟. لما تبدين هكذا؟ "
توقفت للحظات عن التنفس.. انظر في عينيه بلا اية كلمة.. ارف بجفني فقط فيما ينتظرني هو...
**ت.... كان هذا جوابي...
و**ت.... هذا كان رده....
وظللنا هكذا لدقائق طوال.. ننظر في اعين بعضنا البعض فقط...
حتى عاد اخيراً فدنا مني.. يدرك ربما باني لن انطق.. يده لامست من جديد وجنتي.. حافة فكي.. وجانب وجهي.. بطريقة رقيقة سارعت من ض*بات قلبي..
مابه؟!. لما يتصرف بغرابة اليوم؟!. ابسبب الحادث؟. هل اثر على راسه؟.
" ينال... اسمعيني جيداً.. لقد كنت مغفل احمق.. اعترف... لكني تغيرت الان.. كل شيء تغير.. اقسم "
ابتلعت ل**بي بصعوبة لا انطق.. انصت اليه وهو يتابع بصوت اكثر ارتجافاً..
" ينال... انا مغرم بكِ.. اقسم باني مغرم بك.. ومنذ وقت لا ادركه حتى.. ربما قبل ان تتركي المنزل قبل سنوات.. وربما مذ كنت طفلة بعمر التاسعة... لا اعرف كيف.. الهي.. اني لا اعرف متى احببتك.. لكنني احبك.. احبك كثيراً "
حب؟!!!....
جاك.. وحب؟!..
وترددت كلماته السابقة في راسي حين رفض طلب جده بالزواج.. لاتزال تحرقني تلك الذكرى وقد وقفت حائل بين سماعي اية كلمة حب اخرى..
" حب!؟.. عن اي حب تتحدث جاك؟! "
تمتمت له مستغربة.. لا اصدقه ولن افعل..
" حبي لك.. المشاعر القوية الصادقة التي احملها اتجاهك.. اقسم باني ما احببت قبلك بشراً ينال.. ولا اريد ان احب سواكِ "
انه يقسم!!!..
يقسم وكاني ساصدق!..
" الان جاك!؟ الست متاخر؟. لما الان؟ "
" لاني مغفل.. اخبرتك.. مغفل احمق.. ونذل.. كان علي ان اصل الى حافة الموت لادرك.. ان افقدك لاستيقظ.. مغفل و*د انا "
اغرورقت عيناي بالدموع رغماً عني.. اسدل جفني فاخفي نظراتي ال**يرة عنه.. انحي وجهي جانباً لاوقف لمسات اصابعه لبشرتي الباردة..
قلبي.. الذي غرق وغرق في حبه أنّ متاثراً متاملاً.. روحي طافت داخلي معلنة بداية الحلم.. لكن عقلي اوقف كل ذلك.. اعادني لصوابي ومنعني من الوقوع في فخ الحلم والاماني...
جاك لا يحبني.. لم ولن يفعل يوماً..
" ينال... انا لا اطلب شيء.. لا اريد الا ان تسامحي جهلي وتهبيني فرصة لاريكِ حبي.. لاثبت لك صدق مشاعري نحوك.. فرصة فقط "
" فرصة؟!! " سالته بخفوت.. اعيد عيناي نحوه بعبوس.. تبلل دموعي رموش عيناي.. وترتعش شفتاي تاثراً..
" اجل.. فرصة.. فرصة لاثبت حبي.. هبيني فرصة وسامحيني.. اريدك في حياتي ينال.. اريدك ان تكوني حياتي كلها.. اريدك.. زوجه لي "
" هذا يكفي جاك.. بحق الله!! "
هتفت ساخطة... اتململ في جلستي فيقترب مني ليمسك بكتفي.. يثبت جسدي بقربه.. ويسند جبينه الى جبيني لانظر اليه..
انفاسه لاهثة دافئة ونظراته لامعة قلقة.. يبدو حزيناً بشكل واضح.. نادم وخائف ربما...
" اعني ذلك.. ادرك باني اخطات في الماضي و.. "
" لقد رفضتني قبل ايام.. فعن اي زواج تتحدث.. الم ت... "
" لقد اخطات.. فعلت ذلك لاجلك.. لاجلك انت.. لاهبك الحياة الحرة التي طلبتها.. لابعدك عن منزل كنت تكرهينه لسبب لا اعرفه.. اردت لك حياة سعيدة تختارينها انت لا انا... فعلت ذلك لاجلك "
" بل لاجلك انت.. لانك لم ترد.. لم ترد ان... "
" اقسم بحبي لك.. انه كان لاجلك لا لاجلي.. فجل ما اريده هو ان تغدي زوجتي.. بجانبي.. طوال العمر "
" ارجوك جاك.. ارجوك.. انا مرهقة.. لا طاقة لدي لهذا الحديث "
وتململت بقربه ليبتعد.. انفاسه التي تغلغلت الى رئتي كادت تصيبني بالاختناق.. تباً.. اردت ان اضمه.. ان افنى في حضنه وبين ذراعيه.. ان ابكي واشكو له المي.. رباه كم اردت وتمنيت ذلك!!...
" حسناً حبيبتي.. معك حق.. فانت مرهقة.. سنتحدث بهذا الامر في وقت لاحق.. اما الان... " وتراجع يحررني... ينظر في عيني بجدية.. يضم فمه قوياً قبل ان يتابع
" اريد ان اعرف كل شيء.. كل ما تخفينه "
" سبق واخبرتك بما تريد معرفته "
" اتحدث عن المكان الذي كنت به.. لا تدوري في حلقة مفرغة ينال "
" لا افهم عما ت.... " ثرثرت بتوتر.. ابلل شفتي واحاول الا انظر مباشرة في عينيه
" اين كنت؟. ترتدين معطف والطقس في المدينة شبه معتدل!!.. نوبة ربو بسبب البرد الشديد ولابرد هنا او في مدينتك!!.. اين كنتِ؟. قولي "
" انا.... "
" الم تملي؟. الم تتعبي من مشاركة المك مع نفسك فقط؟. الم تقولي بانك تحبيني؟.. "
" انا.. ك.. " **ت امامه.. لاتسعفني كلماتي لابرر فيما يزداد سيل الدموع في مقلتي
" ان كنت تحبيني بحق فاخبريني.. شاركي حبيبك المك وحزنك.. قولي له مابك.. فهو يكاد يموت قلقاً عليك "
اجترعت حسرتي الشائكة.. اقاوم كي لا ازرف الدموع وفشلت.. اضم فمي كي لايرتجف.. ومجدداً فشلت.. شيء ما داخلي تفجر.. اني حقاً بحاجة اخباره.. اطلاعه على كل ما مررت به.. على الالم والاسى الذي لحق بي خلال هذين اليومين..
" ماذا اراد ساروس منك؟ "
سالني بهدوء وكانه يهبني راس الخيط.. فبللت شفتي مجيبة
" اعطاني ملفاً خاص "
" وماذا يوجد به؟ "
وامتدت يده لتبعد خصل الشعر عن عيني في اللحظة التي انسابت بها احدى دمعاتي
" أ... معلومات.. معلومات عن.. والدي.. الحقيقي "
سمعته يسحب انفاسه.. فيما اتامل انا اصابعي المتصلبة في حضني بعيون لا ترى.. اتذكر ذلك اليوم وكل ما تبعه..
" معلومات عن والدك الحقيقي؟!!! لماذا.. ولما الان؟ "
" كان هذا طلب جدي.. ان انت رفضت الزواج بي "
اجبته.. اتنفس باختناق.. اشعر باصابعه تمسح وجنتي..
" وماذا بعد.. هل عرفتي من يكون؟ "
" فعلت.. اجل "
" هل قصدته؟ "
ضاقت حدقتي.. اعود الى ذلك اليوم الماطر.. يوم طرقت باب منزله.. اهز راسي بشرود والدموع تشكل ستارة تغشي عيناي..
" الهي!!!.. افعلتي حقاً؟. بمفردك؟ "
عدت لاومئ براسي فاطلق تنهيدة اليمة واقترب مني اكثر.. يلاطف راسي وشعري مسبباً مزيداً من الاسى بداخلي..
" حبيبتي.. ما الجحيم الذي مررتي به؟. "
" لم يكن بهذا السوء.. ليس تماماً.. فهو.. رجل لطيف.. "
دمعه جديدة انسابت.. لا املك عليها سلطاناً.. ارفع راسي اليه اخيراً لاحادثه بصوت اجش **ير
" انه رجل لطيف بحق.. ووسيم ايضاً.. لقد استقبلني في منزله "
" هل كان يعرف بانك ابنته؟ "
" لا.. والدتي لم تخبره يوماً بان له ابنة "
" ماذا؟!.. لم يكن يعرف بوجودك قبلاً؟!."
**ت لا اجيبه.. انظر اليه لكني شاردة في ذكرى تلك الليلة..
" زوجته ايضاً امراة لطيفة.. جداً.. ولديه عائلة.. وحفيدة.. " واجليت حنجرتي " لديه كل شيء لا املكه انا "
" ملاكي الحبيب!! " همهم متاثراً واقترب ليضمني.. وكم كنت بحاجة ذلك!.
فاغلقت جفناي على ذلك الدفء.. انعم بحضنه وملامسة يديه.. استسلم للامان الذي يخلفه التواجد معه.. حتى لو مؤقتاً..
" وماذا كانت ردة فعله.. حين علم بانك ابنته؟ "
سالني في اذني.. فنظرت لما خلفه.. احدق بالحائط ولا اراه.. اعود فاكرر سؤاله لمرات في راسي.. قبل ان انطق بصوت مرير خافت
" لم.. يعرف "
اختناق ملئ ص*ري.. انين متعب احتل قلبي.. حتى روحي عادت فتفتت داخلي.. فيما ينحيني جاك عنه سريعاً ليدحق بي.. يعبس في وجهي بصدمة هاتفاً
" ماذا قلتي؟. لم يعرف!!.. الم تخبريه؟ "
" لا.. لم افعل "
" لما بحق الله؟.. لما؟ "
" انا.. لم استطع... التقيت بعائلته.. و.. "
" وما معنى ذلك؟. انت ايضاً من عائلته.. رغماً عن الجميع "
" لديه ابنتان.. " تابعت مهمهة لا اكترث لمقاطعته لي.. عيناي مركزتان بكتفه.. نظراتي مشوشة شاردة.. وجسدي بارد متسمر بين ذراعيه..
" اكبرهما بعمر الثانية والعشرون "
" اختان اذاً.. وما الضرر؟! "
" ولديه ابن.. اخي.. انا.. لدي اخ.. " واختنقت باقي كلماتي لثوان، تتلوث بالدموع.. فتأوه جاك مضطرباً متاثراً..
" ينال.. ياروحي!! "
" لديه ابن.. يكبرني باربع سنوات "
اطلقت له الحقيقة المرة.. الحقيقة التي جعلتني اختنق على مائدة طعامهم.. بعد ان قصدت منزلهم لاتعرف بوالدي.. الرجل اللطيف الهادئ الذي استقبلني بابتسامة محببة.. يدعوني للعشاء معهم.. ثم يبدا بتعريفي على افراد عائلته.. فخوراً.. هذا ما بدا عليه حينها.. فخوراً محباً لزوجته..
" اتقصدين.. بانه.. بانك؟!!! "
" نعم.. ثمرة خيانته ايضاً.. لقد خان زوجته مع والدتي.. اقام علاقة مع امي وهو متزوج ولديه طفل "
" يا الهي!!! "
" انا... لم استطع.. حينها لم استطع.. كيف... كيف يمكنني... رباه!!. كيف يمكنني ان ..؟!!! "
تساؤلاتي تحولت الى ثرثرات باكية مبعثرة.. اغلق جفناي بقوة على واقعي ذاك.. لتنساب سيول من الدموع المخبئة..
متعبة انا.. متالمة.. ضائعة.. ووحيدة..
هذا ما كنت عليه الان...
" هششش... لاتبكي.. حبيبتي لاتبكي.. يكفي.. ارجوك "
راح جاك يهمس في اذني وهو يضمني اليه.. اسمع كلماته ولا انفذ.. فبداخلي نار حمى تود الانفجار فقط.. تشتاق للراحة...
" كيف يمكنني.. ان اخبر عائلته.. بخيانته.. تلك المراة.. اللطيفة.. لقد احببتها.. تباً.. لقد احببتها.. لم استطع.. انا لم.. استطع "
وانهرت باكية تماماً.. لايسعني ال**ود اكثر ولا الوقوف.. اعود فاتساءل لما اقاوم وا**د ولا سبب ولا حافز يدفعني..
شهقات وشهقات.. دموع لا حصر لها.. وتن*دات وارتجاف.. كل ذلك تصاعد وتعالى داخلي وانفجر.. بتّ روحاً **يرة جريحة تنزف بلا توقف..
" حبيبتي.. لاتبكي.. لاباس.. لقد فعلتي الصواب.. فعلتي الصواب يا قلبي "
افعلتُ حقاً؟!.
لقد سالت نفسي لمرات هذا السؤال.. وانا اقف امام باب الفندق الذي نزلت به هناك.. بعد ان اوصلني ابن ابي.. بعد ان ساعدني.. من يدعى اخي.. فحملني تلك الليلة بعد العشاء الماساوي الى فندقي.. يتركني هناك وحيدة.. مشتتة.. معذبة...
اقف اسفل سيل من الامطار ولوقت لا ادركه لاتساءل..
هل فعلت الصواب؟!...
......
..........
كانت عمتي جيني تبدو بخير.. على الرغم من الالات التي تحيط بها من كل صوب الا ان نظرة عينيها وابتسامة شفتيها اراحتني جداً.. جلست بقربها قليلاً امسك بيدها واحدثها بصوت خافت كي لا ازعجها.. بدت سعيدة بوجودي بينهم من جديد.. تلقي نظرة مطولة على جاك الواقف خلفي ثم تعود نحوي..
جاك يبدو اليوم اكثر حيوية وراحة.. عاد اللون الى وجهه من جديد وقد استبدل ملابس الامس ببنطال جينز وسترة رياضية بيضاء.. يبدو جذاباً لطيفاً جداً..
انهينا حديثنا بالامس بشكل عابر فقد عرف بما كنت اخبئه وارتاح.. يعود ليهمس لي بعدة كلمات عاشقة قبل ان يطبع قبلة على راسي ويتركني لانام.. وفعلت.. ابعدت كل شيء عن ذهني ونمت لارتاح..
وصباح اليوم التقينا في الممر امام غرفتي.. ارى ابتسامته الواسعة وهو يستقبلني.. فاتساءل.. اكلامه عن الحب حقيقي؟. اكان يقصد ما قاله حقاً؟!..
" كفي عن القلق.. انا بافضل حال "
اومات لعمتي بالايجاب واصابعي تلاطف راحة يدها..
" سعيدة لانكِ هنا.. انت جزء من العائلة يا ابنتي "
" عمتي.. انا.... "
" ستغدو جزء من العائلة وبشكل رسمي ثاني ايضاً "
تحدث جاك بثقة من خلفي.. بصوت جاد سعيد فعبست عمتي جيني مستغربة ناظرة اليه فيما يجف حلقي انتظاراً لا افهم مايقصد
" ايعني هذا ما فهمته؟!.. "
" بالضبط.. انا وينال سنتزوج.. وقريباً جداً "
سحبت انفاسي باختناق.. اشعر بدلو من الماء البارد ينسكب فوق راسي.. فاجلس مسمرة مذهولة.. يده التي توضعت على كتفي لتمسده كانت الامر الوحيد الذي يصلني بواقعي
" احقاً هذا؟. الهي!!.. اخبريني يا ينال.. هل وافقتي على الزواج بجاك؟! "
سالتني بعيون لامعة متاملة فابتلعت ل**بي بجفاف.. لا ادري بما اجيب
" انا..... "
" لقد فعلت يا امي.. انها محرجة فقط.. سنتزوج قريباً جداً وستظل ينال بقربك طوال العمر "
تاوهت عمتي بتأمل كبير.. وشددت من ملامسة يدي تتوسع ابتسامتها الشاحبة وتبدو اسعد من اي وقت مضى
" هذا خبر رائع جداً!!.. الهي.. كم انا سعيدة.. لطالما تمنيت ان تكونا معاً.. سيتحقق دعائي اخيراً "
" المهم الان ان تتحسني وتغدي افضل.. اريد ان اخرجك من المشفى لتنضمي الينا في المنزل "
" اني احاول يا بني.. كم اتمنى ذلك!! "
خرجت برفقة جاك بعد انقضاء مهلة العشر دقائق للزيارة.. اقف امام باب غرف المراقبة بوجه جاد متجهم.. ساعدي معقودين وفمي مضموم بقسوة... اطالعه براس مرفوع متحدي وعيون لامعة نارية.. الاحظ بانه يكبت ابتسامته بصعوبة ويقف مقابلاً لي بتحدي وهدوء..
" لما فعلت ذلك.. ها؟ "
انفجرت به اخيراً.. وازداد عبوسي فالتوت شفتيه بسخرية جذابة
" تبدين غاية في الجمال وانت غاضبة.. زهرة الصنوبر خاصتي "
" انا لست زهرة صنوبر.. ورجاء لا تغير الموضوع.. لقد وضعتني بموقف محرج امام عمتي جيني.. لما فعلت ذلك؟! "
دنا الي.. يقترب براسه حتى لفحت انفاسه وجهي.. يبدو اكثر جاذبية عن قرب.. وا****ة على ذلك.. لقد اوقف انفاسي قبل ان ينطق
" اذكر بانك كنت تحبين لقب زهرة الصنوبر في الصغر "
" في الصغر "
" ثم انا لم اضعك في موقف محرج.. انت من لم ينفي ذلك.. الم تواتكِ الفرصة للرفض والنفي؟. لما لم تفعلي ؟ "
" لانك... لانك.. احرجتني " وض*بت بقدمي الارض اعتراضاً فابتسم
" حبيبتي الغاضبة "
" لست حبيبتك.. ولن اكون زوجتك.. اذكر بانك رفضتني سابقاً وبطريقة مذلة.. ام انك نسيت؟"
" لا.. لم انس.. " واختفت ابتسامته ليغدو جدي.. يتابع وعينيه تحملان بعض الندم
" سبق واخبرتك لما رفضت.. اردت لك الحياة التي تطوقين اليها.. فعلت هذا من اجلك "
" اقنع نفسك بذلك "
نطقت بصوت خرج مرير رغماً عني فاقترب اكثر.. اشعر بيده تضم جسدي ليدنو من جسده
" انت تحبيني.. وانا مغرم بك حد الجنون.. ما المانع ملاكي؟. لما الرفض؟ "
" انت.. لا تحبني.. تقول ذلك لانك... " و**ت اقاومه وابتعد عنه
" لاني ماذا يا دفء قلبي؟ "
شعرت بالتوتر للطريقة التي يتغزل بها بيّ.. لكلماته التي لم اعتدها بعد.. التي تبعث الاحمرار في وجنتي.. والاضطراب في جسدي..
" لانك... لانك.. "
" جاك.. حبيبي "
هذا ما كان ينقصني!!!
تراجعت سريعاً عنه حين قطع صوت حبيبته حديثنا.. تلك ال.. سيلي..
رمقته بنظرة حانقة اعرف بانها تحمل ومرغمة عبرات الغيرة لكن لا قدرة لي على مقاومة شعوري بالغيرة والانزعاج..
" سيلي! " همهم جاك ونظراته لا تتركني.. ثوان قبل ان يحررني ويرتد لينظر اليها.. تقطع الممر الصغير بحذائها العالي وثوبها الوردي القصير.. جداً....
تبدو ق**حة مصطنعة.. ولا تليق به..
وعقدت ساعدي من جديد.. اقف على بعد خطوة لاراقبها تهرع نحوه لتضمه اليها ثم وبكل ق*ف تطبع قبلة وجنته.. يبدو بانها كانت تنوي مكان مختلف لكن كان لجاك راي اخر..
" كيف اصبحت حبي؟. وكيف هي الخالة جيني؟ "
" بخير.. كلنا بخير "
تراجعت عنه.. ثم القت نظرة متاملة نحوي، ترفع حاجبيها بتفكير عميق متمتمة
" مرحباً.. ينال صحيح؟ "
اجل ايتها الوضيعة..
ليتني قادرة على النطق بذلك.. لكنني ضممت فمي ولم اجب حتى.. فقد عادت لتجاهلي وكانها لم تسال لتنظر الى جاك..
" قلقت عليك كثيراً حبيبي "
حبيبي!!!.. تباً لكِ وله..
شتمتهما لمرات في راسي قبل ان اتوقف قليلاً بشرود.. اسحب انفاسي عميقاً واضيق حدقتي عليهما.. فكرة خبيثة لمعت في راسي فكدت ابتسم لها..
لما لا؟. الم يفعل المثل ايضاً؟. حان وقت الرد..
ورفعت يدي لارتب خصل شعري اسمعها تهمس له
" اشتقت اليك جاك "
ليت الجحيم يشتاق لك.. يا.....
" جاك.. عشقي " همهمت مقتربة منه.. امد يدي لالامس ذراعه فاقف بينهما كحائل.. انظر في عينيه متابعة
" هل سنبقى هنا طويلاً؟.. فانا مرهقة "
وبنفس اليد طوقت خصره ودنوت لاغدو في حضنه.. لا ارى اي رفض منه.. بل على الع** فاجئني باستجابته.. فذراعه السليمة احاطت بجسدي لتضمني اليه.. واحنى راسه اقرب مني ليجيب
" لا ياقلبي.. متى اردتي نرحل.. انا مرهق ايضاً "
هل يمازحني؟. امام حبيبته!؟...
" جاك.. أ... "
وقفت المدعوة سيلي خلفي مصدومة.. فادرت وجهي متاملة ملامحها المضحكة جداً.. اكبت ابتسامتي بصعوبة.. فيما اريح جانب راسي الى ص*ر جاك.. متصنعة الراحة..
" ما.. انا.. لا.. " ثرثرت بتلعثم.. فجذبتني ذراع جاك اكثر بطريقة اوقفت انفاسي الثقيلة..
" مابك سيلي؟. تبدين شاحبة.. هل انت بخير؟ "
" أ.. اجل.. لكنني فقط.. اعني... "
" اعتذر.. لكن علي العودة للمنزل.. تحتاج ينال الراحة فهي متعبة وعلي ان اقلها "
" اين هاوي.. لما لا يفعل ذلك؟! "
وتبسمت بحنق تراقب ملامحي وكانها على وشك الانقاض علي.. فيما اسمع جاك يجيبها
" لا اسمح لاي كان ان يوصل خطيبتي بوجودي "
" خط... يبتك...!!! "
ص*رت عني ضحكة عفوية عالية فسارعت لوضع يدي على فمي.. الانظار اتجهت الي وحقد كبير ملئ ملامحه سيلي.. تضم فمها كارهة رافضة فيما يرتجف جسدي بموجه ضحك لا ارادية..
" هيا حبيبي " همهمت حين وجدت شجاعتي للتحدث..
" اسبقيني نحو المصعد.. سالتحق بك "
يريد التحدث اليها.. واضح.. يريد مواساتها.. لكنني لن اسمح له بفعل ذلك.. هو من بدأ وعليه ان يتحمل وزر افعاله
" لما؟. هيا لنمشي سوية.. لا اريد الابتعاد عنك "
ولويت شفتي له بدلال مصطنع فزفر انفاسه
" لاباس جاك.. اذهبا.. سنتحدث لاحقاً.. بمفردنا وبهدوء "
بمفردنا!!.. اتحاول استفزادي.. او ان تخبرني بان علاقتهما خاصة قوية؟..
" حسناً.. اعتذر.. اراك لاحقاً "
" مؤكد " ومنحته ابتسامة ركيكة.. قبل ان تتقابل نظراتنا.. تخبرني بها بانها لن تتراجع.. لكن ذلك اخر همومي.. لا يقف احد في وجهي.. ولا احد يجابهني ويربح.. لا احد..
وقفت معه بانتظار المصعد.. يده لاتزال تحيط بكتفي لكنه صامت شارد.. وحالما احتللنا المصعد معاً بمفردنا انفصلت سريعاً عنه.. اتنحى جانباً لابعد نقطة لاعقد ساعدي واحدق في الباب الحديدي امامي
" ممثلة بارعة! "
" لدي خبير تمثيل "
همهمت مجيبة.. ينتفض قلبي للشعور بالوحدة والبرد.. للفقد.. فقد حضنه ودفئه وقربه..
تباً لضعفي هذا!..
" لما فعلتي ذلك؟ "
" واحدة بواحدة جاك.. هل تالمت لاجل حبيبتك؟ "
" انها ليست حبيبتي.. انا لم اعدها بشيء "
" هممممم.. " والتوت شفتي بسخرية " لاشيء.. لكن لايبدو ذلك عليها.. لقد عرفتها عليّ يوماً باسم حبيبتك.. ام انك نسيت؟! "
" فعلت.. اجل.. لكن بهدف معين لا اكثر.. هي تعرف باننا لسنا حبيبين.. لا شيء يجمعنا "
" هدف معين؟!. "
" اردت ان ارى ردة فعلك.. لا اكثر.. لكننا لسنا حبيبين وانا لم اعدها بشيء "
" لايبدو بانها تفهم ذلك "
" كل منا حر بتصرفاته.. افهم بانك تغارين منها لكنه لم يكن التصرف العاقل يا ينال "
نظرت اليه بطرف عيني.. يؤلمني ان اغار عليه.. لكنني لن انفي.. فهي الحقيقة وهو يعرفها..
الم اخبره بنفسي اني احبه؟!.
دموع من الذل ابت الا ان تملئ مقلتي.. فضممت قبضتي بقسوة كما فمي.. اقف قريبة منه.. صامتة محرجة.. احني راسي فاحدق بالارضية الحديدة
" انظري الي.. مشاعرك ليست امر مخجل.. اتفهمين؟.. مشاعرنا.. " ولم اشعر به الا وقد غدا بقربي.. يمد يده ليلامس ذقني فيرفع راسي عالياً لانظر اليه.. متابعاً
" مشاعرنا.. ليست امر شائن مخجل.. ليست خطأ ولا لهو.. انها مشاعر بشرية حقيقة صادقة.. لن اسمح لك ان تندمي عليها "
" انت لا... انت.. لا... " رحت اتمتم بصوت مرير.. لا تخرج الكلمة تلك من فمي.. الدموع تشتد في عيني وشفتاي ترتعشان بلا توقف.. فقربه ورائحته والشعور به هكذا..
يقتلني.. ثم يحييني.. ثم يعود فيقتلني.. مراراً ومراراً.. بلا رحمة ولا شفقة...
" انا احبك ينال.. احبك.. اقسم بك.. بكل ما اهتم به واحبه.. اني احبك.. ولم احب ولن افعل بعدك.. ابدا.. اتسمعين؟ "
وقفت انظر اليه والى قربه فقط.. لا اجد كلمات لاقولها.. ارى التأثر السافر في عينيه وصدق مشاعره التي غدت جزء من صفحة وجهه
" احبك ينال.. هبيني فرصة لاثبت ذلك.. ارجوك هبيني فرصة.. لنبدا من جديد "
" وماذا لو فشلنا؟.. ماذا لو مللت وتوقفت عن... "
" لن افعل.. اني اخاف ان تتوقفي انت عن حبي.. ان تبعديني عنك.. وهذا سيقتلني فقد غدوتي اهم ما املك.. احبك "
ملامسات رقيقة لاطف بها وجنتي وخصل شعري.. ثم دنا متهملاً ليطبع قبلة دافئة عذبة كما نسمة الصيف على شفتي..
شعرت بها تمتلكني.. بكل ذرة وكل خلية داخلي.. توقظ روحي النائمة التائهة وتجعل من الدماء بركان متفجر يتغلل في عروقي.. عروقي هذه التي تعشقه.. دمي الذي يحمل اسمه.. منذ الازل..
وجدتني ابادله القبلة بشوق مماثل.. رغماً عني.. مبعدة اية تساؤلات او اضطرابات من راسي.. اركز على قربه وقبلته فقط..
اريد ولو لثانية واحدة ان انسى من هو ومن انا.. ماضينا.. ألمنا.. كل القسوة التي مررنا بها.. اردت النسيان.. وصليت لاجله..
باب المصعد فتح علينا.. فتراجعت للخلف سريعاً محرجة.. يحررني جاك بعدم اكتفاء مطلقاً تنهيدة منزعجة.. ثم يمد يده ليلتقط يدي فيتسمك بها مهمهماً
" هيا زهرتي " وخرج بي من المصعد نحو الرواق...
***
(( زهرة الصنوبر ينال ))
دققت بالكلمات المحفورة.. قبل ان ابتسم بوهن واتخذ الارضية الشبة مبللة راحة لجسدي.. النبع مليء بالماء العذب.. وصوت خرير المياه مع حفيف الاوراق ونسمات الهواء بدا كموسيقى هادئة مريحة للاعصاب.. جمعت ساقي بذراعي للاعلى وجلست هناك اسفل شجرة الصنوبر المعمرة لادقق بالسلام المحيط بي..
هنا... حيث احب الاماكن لقلبي..
لقد مر على وجودي في منزل العائلة يومين.. العمة جيني تحسنت وقد تغادر في الغد المشفى.. وجاك يبدو اكثر سعادة وانفتاحاً.. ترى الابتسامة تضيء وجهه معظم الوقت..
يلاحقني كما ظلي من مكان لاخر ويتحين الفرص ليلمسني او يقبلني.. لا اكاد استطيع عد كلمات الحب التي يغدق بها علي كلما رآني.. وبقدر ما يسعدني هذا.. بقدر ما يخيفني..
فقدان حبه.. وقربه ووجوده في حياتي.. بعد كل هذا القرب.. امر يثير الرعب فيّ.. كلما فكرت فيها عدت فنفضت راسي رافضة.. لا اريد الوصول لهذه النقطة.. ليس الان على الاقل..
طيف وحيد مظلم ظل يلاحقني كيفما تحركت.. ماضيّ ذاك.. ذكرياتي السوداء المؤلمة التي تترصدني في هذا المنزل الكبير..
اريد الهرب.. اعترف.. في ليالي الماضية كل ما فكرت به هو مغادرة هذا المكان.. الهروب.. الابتعاد.. وجودي هنا يخنقني.. يذ*حني..
" زهرتي.. ها انت ذا "
صوت جاك المحب قاطع سيل مخاوفي.. فادرت وجهي لادقق به وهو يقترب.. يضع ابتسامه مشعة جذابة على شفتيه.. وعينيه لامعتين مشتاقتين..
يديه تحررتا من جيبي سترته الرمادية وهو يهم بالجلوس بقربي.. يفعل المثل فيحيط ساقيه باحدى ذراعيه.. فيما الاخرى المضمدة يحيط كتفي بها فيقربني منه..
" الجو بارد ملاكي.. ستبردين وتمرضين هنا "
" لا.. ليس بارداً.. ليس تماماً.. احب هذا المكان "
" ظننتك تكرهين هذا المكان!! "
سحبت نفس عميق وعيناي تتاملان النبع العذب بشرود.. ابلل شفتاي قبل ان اجيبه
" اكرهه اجل.. لكنني احب هاهنا.. احب ذكرياتي واوقاتي التي قضيتها هنا "
ادار جاك راسه ليدقق بالحفر على جذع الشجرة وشدد من ضمه لي يتلاصق جسدينا جانبياً ويقترب راسينا من بعض بتناغم عذب
" كنتِ طفلة مشا**ة.. لاتفارق الضحكة وجهك "
" كنت.. " همهمت بصوت مرير..
" كنتِ.. اجل.. ثم تغير كل شيء.. حتى المطر.. بتّي تكرهيه "
" صحيح.. بت اكره المطر.. وكل ما يحمله من ذكريات "
" اذكرك طفلة صغيرة تركض في الشرفة اسفل قطرات المطر لتتبلل.. ضحكتها مجلجلة وصراخها يسابق خطواتها "
" ماتت تلك الطفلة "
همست بأسى.. اشعر بيده تلاطف خصل شعري.. يجذبني اليه لاسند راسي الى كتفه.. ففعلت..
" لم تمت.. هي فقط متعبة من الالم الذي لحق بها.. بحاجة للخروج من جديد فقد ملت السجن والكبت "
" اتظن؟. "
" متاكد.. ستعودين تلك الطفلة يا ملاكي فقط.. لا تفقدي الايمان "
انتشلتني كلماته من **يم معاناتي.. جعلتني اطفو ولو لاجزاء من الثانية.. بعيداً عن الاختناق والغرق.. بعيداً عن ذاك العذاب الذي ما كلّ ملاحقتي في كل يوم...
" حدثيني عن ذلك اليوم ينال "
وصلني سؤاله الهامس المتردد.. ليوقف انفاسي.. ذلك اليوم!؟. اتحدث عن ذلك اليوم؟. كيف؟.. وانا التي لم افعلها قبلاً..
" لايمكنني "
" بل يمكنك.. حدثيني هيا.. اين كنت حينها؟ "
غامت عيناي بالذكريات.. كمّ هائل مفزع منها.. تلاحقني كلعنة ابدية.. راسي لايزال مسترخ على كتفه ونظراتي الواهنة تراقب مياه النبع الصافي..
" كنت... " وسحبت انفاسي بصعوبة " في غرفتي.. لكنني احتجت لوالدتي بشيء ما.. لا اذكر ماهو.. فطرت راكضة اليها في الجناح.. انسى ان اطرق الباب كما علمني ابي.. ثم... "
وماتت الكلمات على شفتي.. دموع مريرة وجدت السبيل الى مقلتي الواسعتين.. لكني لم اعبء بها.. اتابع تذكر تلك الليلة..
" ثم ماذا؟!. "
" سمعتهما... كانا يتجادلان.. والدي اجرى فحص خصوبة عن طريق الخطأ ليدرك بانه.. لاينجب.. ولن يفعل يوماً.. ولو بمعجزة "
" اها " تمتم جاك متفهماً
" اكتشف بان الفتاة التي رباها لتسع سنوات.. ليست ابنته "
" انه شيء مؤلم!! "
" راحا يتجادلان.. لا يلحظا وجودي خلف الباب.. كان يريد ان يعرف اسم الرجل الذي خانته معه.. اصرّ كثيراً لكنها رفضت القول.. معللة بانها مجرد غلطة.. لقد كنت نتاج غلطة "
رميت كلماتي الاخيرة بكثير من الاسى.. اتراجع عنه لاستند بجلستي.. عيناي لاتتركا نقطة محددة من النبع وكانها تجذبني اليها.. المشاهد تتلاحق في ذهني كانها تجري الان.. امام ناظري..
" وبعد ينال؟ "
" رايته يبتعد عنها.. وهي منهارة تبكي.. كانت تتوسله ان يسامحها.. تقسم بحبه الابدي وهو لاينصت.. غاب لثوان فقط من امامي ثم عاد.. و.... وكان... " علقت انفاسي داخل رئتي حين وصلت لتلك اللحظة.. رعشة مذعورة تنتشر على طول جسدي الهش.. عقلي كما كل مافي متوقف عن العمل.. ونظراتي مسمرة دامعة واهنة..
" كان يحمل.. سلاحه.. والدتي تحني راسها وهي تجلس على حافة السرير.. ظهرها له فلا تدرك ما يكاد يفعله.. رايته.. راقبته وهو يدنو منها.. اود لو اصرخ.. لو اوقفه واحذرها.. كدت افعل لكنني كنت خائفة حد الموت ان يطلق النار علي انا.. عرفت بما سيقدم عليه.. لقد عرفت فور رؤية ذاك السلاح "
انطلقت الكلمات **يل جارف من فمي.. مغمسة بالالم والخوف.. اشعر بيد جاك تعود فتضمني بقوة كانه يخشى ابتعادي وضياعي.. ربما لان جسدي راح يرتجف بعنف.. وراسي يهتز برفض حاد
" لم اس... لم استطع.. " وانسابت دمعاتي اخيراً لتحررني من سري المقيت
" لم اقدر.. الهي.. لم اقدر.. رايته و.. وعرفت وسمعت صوت صراخها ورجاءها.. انا... انا لم.. "
" هشششش.. يكفي " وجذبني جاك اليه.. صوته اجش متاثر وشفتيه تطبعان قبلات حانية على راسي
" حبيبة قلبي.. اي جحيم عشتيه وانت طفلة؟! "
" لقد رايتها تموت.. ولم افعل شيء.. اي ابنة هي انا؟ "
" لقد كنت طفلة يا روحي.. طفلة مذعورة "
" لقد قتلها بكل بساطة.. اتهمها بالخيانة وقتلها.. رباه.. كيف يمكنه فعل ذلك؟! "
" لاباس عليك.. كفى حبيبتي.. لاتبكي ارجوك "
" اردت ان اصرخ.. اقسم باني اردت ان اصرخ.. لكني لم اجد صوتي.. حاولت ولم يخرج شيء.. ثم هرعت للخارج هاربة لاصطدم بجدي وهو يدخل.. يبدو بانه سمع الصوت حينها "
توقفت غير قادرة على المتابعة.. جسدي كتلة جليدية باردة تسكن حضن جاك.. دموعي تبلل وجنتي بلا توقف.. وقلبي...
قلبي المريض المعذب ذاك.. ينزف وينزف حد الموت.. جراحه فتحت من جديد.. وكانها قد اغلقت يوماً.. شعرت بها تؤلم.. تقتل.. **كين حادة تطعنني وتطعنني لمرات محدثة خلفها دمار لا يمكن اصلاحه..
" كفى ملاكي.. كل ذاك بات ماضي.. عليك ان تنسيه وتمضي قدماً.. انسيه حبيبتي "
انصت لكلامه غير قادرة على النطق.. اشعر بيده تلاطف خصل شعري.. كتفي وظهري.. ثم تعود فتلامس جبيني ووجنتي.. لتمسح دموع القهر عنها.. هكذا لمرات حتى هدات قليلاً وباتت شهقاتي مجرد انفاس باكية..
" لقد جعلني اقسم على عدم البوح.. منعني واستغل ضعفي وخوفي من والدي.. ظننته سيفعل المثل بي.. لكن ضميره لم يحمل كل ذاك الوزر.. فقتل نفسه.. " واجترعت ل**بي باختناق.. " ولاكن صادقة.. كنت سعيدة بموته.. مرتاحة.. شعرت بان القدر انصفني اخيراً وانصف والدتي "
" اه ياقلبي!! "
" كانت الحقيقة كقيد يطوق عنقي.. منعت عن قول شيء.. رايت جدي يزّور امر وفاة والدتي ويتفق مع الدكتور ليقول بانها ماتت بسقوطها عن السلالم.. رايت كيف كذب وظلم وكرهته.. لوقت طويل انا... كرهته "
" وكيف يمكنك الا تفعلي.. لا اصدق بانه فعل كل هذا!! "
" كله لاجل اسم عائلة موريس.. لم يرد فضيحة كهذه.. بقيت لساعات تلك الليلة اسفل المطر مختبئة.. اصبت بنزلة حادة وعلى اثرها ظهر الربو.. دليل واثبات حي يلازمني طوال حياتي ليذكرني بما عشته وعانيته "
تململت بقربه فضمني اقرب وكانه يخاف هروبي منه.. لكنني لن اهرب.. ليس بعد الان.. بعد ان وجدته واخبرته.. بعد ان بحت بكل ما يعتمل ص*ري.. بعد ان حررت القيد وفككته.. الى اين ساهرب؟!. ولما؟!..
لقد تحررت... ونطقت