الفصل الأول
الفصل الأول
فى إحدى ليالى الصيف الهادئة , والقمر مكتمل ينثر نوره فيضئ البرية كلها إلا من بضع خيام , قد نفذ إلى داخل إحداها شعاع خافت , فبان منه غلام دون الثامنة تبدو عليه آثار الإعياء والإرهاق , كان حاله كالمغشى عليه , وفجأة أفاق الغلام من غيبوبته واستيقظ من نومه على وقع ألم شديد فى رأسه بالقرب منه حفنة من الرجال الغرباء , لا يدرى ما حدث لا يذكر شيئا ، رأسه بها ع***ة كأنها كانت تنزف دما , فلم يتمالك نفسه ولم يدرِ بحاله فهزمه الألم وأعياه الوجع , فلم يشعر بنفسه إلا وقد غلبه النعاس ، فغرق فى النوم وذهب فى سبات عميق مسترسلا فيه يغط فيه غطا , واستمر هذا الأمر ساعات حتى استرد وعيه وانتبه عقله فأفاق من نومه , ولكن هذه المرة كان أكثر انتباها وأشد تركيزا من قبل , فنظر للرجال حوله فوجدهم لا يأبهون به يتسامرون فيما بينهم , فأخذ يفكر فى حاله وفى أمره مع دوام ألم رأسه فطفق يسأل نفسه : من أنا؟ وما الذى أتى بى هنا؟ ومن أهلى؟ ولما لا أذكر شيئا؟
وأخذ يتساءل كثيرا فلم يلقَ جوابا , كأنه ولد فى اللحظة وكأن عمره الذى مضى قد ضاع فى غمضة , فكاد أن يفقد صوابه ويجن عقله .
وأراد أن يقوم من مكانه , فانتبه إليه أحد الغرباء الذين لا يعرف أحدا منهم , وذهب إليه وقال له : على رسلك , فرد عليه الغلام : ما الذى أتى بى هنا ؟ ومن أنتم ؟ وماذا حدث لى ؟
كان يسأل محاولا الاعتدال يبذل ما فى وسعه جاهدا ألا يغلبه التعب فلا يستطيع القعود , كان الرجل ينظر وعلى وجهه ذهولا مستغربا مما تكاد تسمعه أذناه من كلمات الغلام ومما يتلقفه عقله منه, والغلام يسأل والرجل ينظر إليه كأنه يفكر فى شئ , فسكت الغلام وأخذ ينظر للرجل بدوره مستغربا هو الآخر , فلم تمض لحظات حتى تهلل وجهه وابتسم ابتسامة خفيفة تحمل بين طياتها بعض المكر والخديعة , فلم يمهله الفتى حتى قال له :ألا تجيبنى أيها الغريب ؟ أخبرنى ولو بالقليل ؟ قل لى من أنا ؟ بالله عليك حدثنى من أصابنى فى رأسى ؟ أليس فى قلبك رحمة ؟ ألا تشفق علىِ ؟ لماذا تبتسم ؟ أتشمت بى أم تستهزأ بى ؟
فقاطعه الرجل : أسكن روعك يا سعد لا يستحق الأمر كل هذا التعب ولا هذه المشقة , ارتح قليلا هدئ نفسك لا تجهدها فأنت مصاب تحتاج إلى الراحة , فأنت لم تسترجع بعد كامل رشدك ولم تستجمع كل قوتك , فدنا منه وقال له لا تخف وسأقص عليك فيما بعد كل شئ , فقاطعه الغلام : سعد سعد !
هل دعوتنى بسعد ؟
– نعم أنت سعد وأنا أبوك حارثة.
- لكنى لا أذكرك ولا أعرفك.
- فكيف تكون أبى ؟
- أنا حقا أبوك.
والتفت برأسه وأشار بعينيه للجالسين خلفه وأردف يقول : وهؤلاء هم قومك وقوم أبيك.
- لكن ...
- قلت لك اهدأ أنت تفتقر إلى الراحة .
- حسنا لكن رأسى تؤلمنى وجسمى يوجعنى.
- لا عليك هذا من أثر السقوط من على الفرس ، دعنى أفحص الجرح مرة آخرى.
- كم مر من الوقت وأنا فى هذه الحالة ؟
- مر يومان.
- لذا أنا أتضور جوعا.
- أجل سأتفحص الجرح وأبدل لك الضمادة وسآتيك بالطعام.
- حسنا.
- الحمد لله أوشك الجرح على الالتئام وسأنظفه سريعا.
- آه آه إنه حقا موجع.
- لا عليك أوشكت على الانتهاء.
- حسنا أين الطعام ؟ بطنى خاوية.
- حسنا انتهيت سأحضر لك بعض اللحم الطازج والمرق الدافئ.
- إنى منتظر.
- ها هو الطعام والشراب.
أخذ سعد يأكل اللحم ويحتسى المرق ويشرب من الماء حتى ارتوى.
تركه حارثة يتناول طعامه وانسحب من أمامه بخفة , فلم يحس به الفتى ولم يلق له بالا فقد انشغل بطعامه, تهامس حارثة مع أقرانه طويلا , وكان يخاطبهم وعيناه على الغلام , فلما فرغ سعد من الطعام قام إليه وقد أنهى حديثه معهم واتفقوا على ما اتفقوا عليه.
- الحمد لله انتهيت من الطعام.
قال سعد
رفع حارثة الأطباق الخاوية من أمامه وسلمها لأحد معاونيه
– هل تريد الذهاب إلى الخلاء؟
– نعم.
- حسنا سأحملك إلى خارج الخيمة.
حمله حارثة إلى الخارج حتى فرغ سعد وأعاده حارثة إلى فراشه.
- الآن تستكمل نومك وتسترجع طاقتك ونكمل فى الصباح إن شاء الله.
– وستحكى لى كل شئ.
- نعم سأحكى لك كل شئ.
– حسنا.
اضطجع الغلام على فراشه ووضع رأسه على الوسادة , ثم استغرق يفكر قليلا ولم يشعربنفسه إلا وهو فى سبات عميق , تركه حارثة وسار إلى أتباعه وكان زعيم هذه الع***ة , فقسمهم دوريات للحراسة حتى الصباح.
لما أصبح اليوم التالى فتح سعد عينيه على وقع أحد يحاول إيقاظه برقة ولين , فإذا هو رجل الأمس الذى يدعى أنه والده : «هيا يا سعد لقد تأخرنا» ثم سانده حارثة فاستطاع سعد أن يترجل ولكن ببطئ فلما صارا خارج الخيمة تأمل سعد حوله , فوجد فرسانا يمتطون خيولهم ودوابا تحمل الأمتعة والخيام ولم يبق إلا الخيمة التى مكث فيها أياما ، فلما التفت خلفه وجد القوم قد هدموها وهموا بوضعها على إحدى تلك الدواب , وهم حارثة بركوب فرسه ثم حمله أحد أتباعه وأجلسه خلفه.
هم القوم بالرحيل وهنا عاجل حارثة سعد وقطع عليه حبل خواطره :« سأخبرك يا سعد وأريح بالك وأسكن قلبك , أنا حارثة بن الأشتر وأنا سيد هؤلاء القوم وكبيرهم ذهبنا إلى الشام من أجل التجارة , وها نحن قفلنا عائدين إلى ديارنا , وأنت ابنى سعد فلذة كبدى وريحانة قلبى , وهذه المرة الأولى التى أصحبك معى للتجارة ويا ليتنى ما فعلت , فقد كادت روحى أن تنتزع من جسدى وأوشك قلبى أن ينخلع من ص*رى لما ألم بك هذا المصاب , وسعد يحتضنه من ظهره وينصت فى **ت .
فأنا مولع بالصيد لا أكاد أرى سرب من الظباء أو بعض الأرانب البرية حتى أنفتل عن القافلة وأذهب فى آثرها ولا أعود حتى أصيب منها شيئا , وطالما نصحنى أتباعى وأصحابى ألا أفعل هذا الأمر وحدى لما فيه من خطر فأسلم لهم بصواب رأيهم وبعد نظرهم , ولكن ما ألبث أن أعود سريعا كلما لمحت عيناى صيدا , وإنك قد ورثتها فلما رأيت أحدها صحت بى ونبهتنى , فانطلقت فى أثره وأنت خلفى على الفرس , ولكن تعثر الفرس ببعض الصخور فوقع على الأرض وارتطمت رأسك فى صخرة **اء , وأصيب جسدك ببعض الجراح الخفيفة , فحملتك وانطلقت طائر اللب شارد الذهن لا أدرى ما أصنع , لكنى تحسست نبضات قلبك فهدأت قليلا , لكن رأسك كان يسيل منها الدم فكتمته بقطعة من ملابسى ثم أنهضت الفرس وحملتك أمامى حتى أدركت القافلة , فتوقفوا عن المسير وداويت الجرح وطيبته , ثم نصبوا لك الخيمة وتبعتها بقية الخيام , فأوضعتك فى إحداها وكنت أسهر بجانبك ليلا نهارا أتحسس نبضات قلبك بين الحين والآخر, حتى استفقت من غيبوبتك وقد حدث ما حدث وكنت غائبا عن الوعى كل ذلك الوقت , فلما صحوت من نومك أول مرة طار قلبى فرحا أن عدت إلى سالما وقد هدأت لهفتى وسكن بعض روعى وقلت بعض هواجسى , فلما عدت فى الثانية وسمعت صوتك حمدت الله على نعمه وعلى سلامتك , أما ما بك فربما يكون من أثر مما خلفته الصدمة وقد تزول مع الوقت , وإن بقيت فلا بأس أنت صغير وذكرياتك ليست كثيرة وأنا معك يا بنى أطلعك على ما تهفو إليه نفسك , وأعلمك بما تريد , وأخبرك بأى شئ قد فاتك».
- حسنا يا أبى ...
– الحمد لله أنى سمعتها منك مرة آخرى .
– ألم تسمعها منى قبلا ؟
– بلى , سمعتها مرات عديدة لكنى لما بصرتك على تلك الحالة خفت ألا أسمعها منك ثانية .
– الحمد لله على كل حال يا أبى .
– أخبرنى هل كنت ش*يا فيما مضى ؟
– كنت مرح الروح جميل الهيئة عذب ا****ن تتخللك بعض شقاوة الغلمان , لكنها كانت كالهواء العليل والنسمات الخفيفة التى تملؤك أملا ونشاطا وحيوية فتقرعينى وتسر فؤادى ، هيا نجد فى السير فقد تخلفنا عن موعدنا يومين كاملين .
– أجل يا أبى أنا من تسببت التباطؤ.
– لا تثريب عليك يا بنى ، قد وقع ما لم يكن فى الحسبان , ولو مكثت سنة أطيبك ما مللت المكوث ولا يئست شفاءك , فلو خيرت بمالى ومنصبى وأهلى بك لأخترتك غير متأنٍ ولا متريث .
– بارك الله فيك يا أبى , ولعلك تجد منى ما يثلج ص*رك وتتهلل به أساريرك .
– ما شاء الله سيكون , سنقترب الآن من بئر مياهها عذبة باردة .
– لا تنسَ حظى منها يا أبى.
فترجل حارثة من على فرسه وغرف لسعد من البئر فارتشف رشفة .
- صدقت يا أبى إنه لبارد حلو المذاق.
– حسنا يابنى ستكمل الرحلة اليوم فى الهودج , فقد حميت الشمس وتوهجت أشعتها وجرحك لا زال حديثا , وأخشى عليك أن يصيبك لهيب الشمس فيقع ما لا يحمد عقباه.
– حسنا يا أبى إلى الهودج.
امتطى حارثة فرسه وأكمل الطريق فلما جن عليه الليل أمرهم بحط الرحال , فلما لقى سعد حضنه وقبله وصارا يتبادلان الحديث جزءا من الليل حتى آوى كل منهما إلى مضجعه , ولكن هذه المرة كان فراش سعد بجانب أبيه حارثة وهكذا كل يوم وليلة حتى لاحت لهم أطراف قريتهم.
نزل سعد القرية مع القافلة واصطحبه والده إلى بيته , وقد كان فسيحا ذا وجاهة يتوسطه صحن واسع مع بعض أشجار النخيل , فعرَف حارثة الخادم على سعد ثم تركه للخادم يعرفه بالبيت وبغرفة نومه , وتركهم حارثة وانصرف إلى مجالس القوم ثم عاد مع الليل فباتا ليلتهما بسعادة وراحة بال , وفى الصباح اصطحبه حارثة كى يقدمه إلى عمه وأبناء عمومته وبقية أهله.
أما القرية شاء الله لها أن تكون بين جبلين عظيمين , أحدهما فى المشرق والآخر فى المغرب , وأما الشمس فكان حالها البزوغ من خلف جبل المشرق ثم تصعد رويدا رويدا إلى منتصف السماء , حتى إذا انتصف اليوم عادت للنزول متأنية مهلا مهلا ناحية الجبل الغربى حتى تأفل خلفه , وأما الغلمان الصغار فكانوا يعجبون من هذا ويرونه بطريقتهم ويعللونه بمخيلاتهم البسيطة الممزوجة بالسذاجة , فقد تسرب إلى عقولهم أن الشمس تأفل خلف الجبل الغربى فتستتر عن عيون الناس ف*نال قسطا من الراحة , فإذا هدأت القرية وآوى الناس إلى مضاجعهم ولم يسمع إلا نباح الكلاب أسرت الليل حثيثة متخفية , حتى إذا انتهت إلى الجبل الشرقى انتظرت صياح الد*كة ثم تطير مرة آخرى فى السماء ف*نير لهم القرية وتسهل عليهم معاشهم وأمورهم , حتى إذا بلغت الجبل الغربى هبطت من السماء وتصنع ما تصنعه كل ليلة وهكذا دواليك , وأما سعد فكان ينفجر فى الضحك حتى يبدى نواجذه كلما سمع بهذه الرواية من أحدهم.
كان سعد خٌلقه كخَلقه , كان حسن المعاملة يحسن لبقية رفقائه , ما فى يده لغيره لا يمنع ولا ينهر أحد , كانت نفسه طيبة روحه نقية , كان صادقا فى جده ومزاحه فقد كان حارثة لا يدخر جهدا فى هذا الأمر ، فقد كان دائما يوصيه بالصدق دوما وينفره من الكذب , فيقول له الكذب داء والصدق دواء , والصدق يبرز فى المحافل عاريا والكذب لا يكفيه ألف ستار, وكان يقول له لا تقطع وعدا لا تستطيع الوفاء به ولا تكثر فى وعيد لا يجد ما يدعمه فى قدرتك , كان دائما ينصحه «يا بنى لا تحنث بوعدك ولا تنكث عهدك فمكانة الرجل بين قومه كلمة إذا لم يكن على قدرها خسفت مكانته وحقر شأنه بينهم » أما أنه كان يضحك على أصحاب قصة الشمس فكان يلتمس لهم بعض العذر فعقولهم لم تكتمل بعد وفكرهم لم ينضج , كما أن جلهم لم تعرف قدماه إلا قريتهم ولم ترعيونهم غيرها , بل كان بعضهم يظن أن الجبلين هما نهاية العالم وما خلفهم فضاء فسيح , لكنه كان لا يقدر على كبح جماح نفسه ، فيغرق فى الضحك عندما يستمع إلى روايتهم.
عاش سعد فى القرية فى أمن وسلام , وكان والده يرعاه رعاية بالغة ولا يألو جهدا فى ترفيه معيشته وإدخال السرور عليه بكل ما يملك من وسائل التسلية والترفيه , ولكنه كان يجد بعض النظرات والغمزات من بعض سكان القرية ولا يقنعهم قول حارثة عن ابنه سعد , فالغلام كانت تظهر عليه سيماء الملك وكان مليح الوجه حسن الصورة , كأنه من أبناء الملوك والأمراء فتسرب إليهم الشك من رواية حارثة عنه.
وقد أخبرهم حارثة أنه عشق امرأة حسناء من الشام وقد تزوجها وكان دائم التردد عليها بين الحين والآخر , حتى أنجب منها سعد وأنه كان يذهب إليهما مرتين فى العام أو ثلاث حسب ما تسمح به ظروفه وسعة وقته , حتى أصاب المرأة مرض عضال لم يفلح معه دواء , فأوصت المرأة حارثة بابنها وحملته الغلام أمانة فى عنقه وأن يحفظه فى عينيه , فلما ماتت أمه حمله حارثة معه حتى أصيب معه فى سفره إلى أن وصلا إلى القرية.
امتاز سعد بخفة الروح وتوقد الذهن وعزة النفس وجمال الصورة والهيئة , وكان حارثة دائم المزاح معه فتارة يداعبه وتارة يلاعبه ولا ينفك يمل منه صباحا ومساءا , فيعاود الكرة فيعبث معه وينازله بالسيف الخشبى , ثم لا يلبث أن ينهزم أمامه فيستسلم ويعلن له الخضوع وينزل على شروطه وأوامره , فيأمره أن يبتاع له ما يشتهى فيسرع حارثة فى تلبية طلبه , وإذا مضى شطر من اليوم بعيدا عن سعد يقضى حاجة له اشتاق لسعد وإن غاب عنه يوما أو يومين فاء إليه يعانقه ويضمه ويقبله وكان لا يصبر على بعده أكثر من يومين ، فترك الترحال بين الصحارى والبلدان وانصرف عن السفر للتجارة , واستقر فى القرية يباشر تجارته منها ويرسل من يثق فيه ليقود تجارته ويحمى ماله.
وكان عمه الحارث يشاركه فى دلال سعد وترفيهه , فكان يحنو عليه ويلطف به ولا يدخر جهدا فى إرضائه وتلبية حاجاته وطلباته , فابتاع له جوادا صغيرا أ**دا جميلا ، فسر به سعد وتهلل وجهه وانتابته ال
***ة والغبطة , وكان سعد محافظا على نظافة الجواد يمتطيه باستمرار لا يكاد يمر يوما وإلا ويلاعبه ويدربه , وكثيرا ما كان يمتطيه ويغدو مع أبيه إلى الصيد فيتجهز لهذا اليوم فكان يجهز خوذته الفولاذية وقوسه وسهامه من أجل رمى الفريسة بالنبل واصطيادها , وكان حارثة يحرص كل الحرص على الخوذة ، فيكفيه ما حدث من قبل من سقوط سعد برأسه على صخرة ولا يريد له تكرارا , ولا يعودون إلا بصيد ثمين يكون جائزة للعشاء , وقد حدث أن حارثة كان صارما مع سعد فى ركوب الجواد , فلا يسمح له بالابتعاد عن القرية إلا معه وما حمله على ذلك إلا حبه له والخشية التى انتابته غير مرة من أن يبتعد بالجواد فيصيبه بعض اللصوص , فأى فريسة أسهل من ذلك غلام وسيم يمتطى جواد مليح.
وفى إحدى المرات وهما عائدان من رحلة صيد وقد غنما فريسة عظيمة ظبى ضخم ملئ باللحم , بصر حارثة من بعيد كوخا كان فى طريقهما إلى القرية فعرض على سعد أن يميلا إليه , فسأله سعد :
- وما حاجتنا إليه يا أبى؟
- إنه كوخ لأحد المنجمين ذائعى الصيت.
– وماذا يصنع هذا المنجم ذائع الصيت؟
- ينظر فى الطالع ويخبر الناس بالأمور العظيمة التى قد تلاقيهم فى الغد.
– يعرف الغيب ويتنبأ بالمستقبل تقصد؟
- قريب من هذا .
– ولكن لا يعلم الغيب إلا الله.
– نعم أعلم يا بنى , ولكنها بقايا من بعض العلوم القديمة التى تناقلت مع مرور الزمن حتى وصلت إلى صاحبنا المنجم.
– ولكنى سمعت معلمى الحسن يقول :«هؤلاء أى المنجمون ليسوا إلا دجالين يدعون معرفة الغيب بما حازوا من الفطنة والبراعة فى تبين أحوال الناس ومن يستفتيهم , وعلى قدر هذه الفطنة والبراعة قد يوفقون إلى إصابة الحقيقة فى تنبؤاتهم وتخرصاتهم».
– ربما يكون رأى معلمك الحسن فيهم صائبا , ولكنى أرى أن الصواب قد جانب كلامه فأرى أن التنجيم علم له كتبه ومعلموه ودارسوه , وربما يكون قد ضاع بعضه مع الزمن ولكن تظل بعض النبوءات تتحقق بدقة عالية.
– تقصد أن الأمر لا يفلح دائما ؟
– نعم , لا يفلح دائما , تلك التنبؤات والتخرصات قد تصيب وقد تخطئ.
– فلما تسعى إليه يا أبى إذا؟
– قد يبشرنا بنبوءة تصيب هوى فى قلبى.
– حسنا يا أبى هيا نجرب ولعلنا نصيب بما يقرأعيننا.
- ها قد وصلنا , هل الجالس هو ذاك العراف ؟
- لا , لابد أنه خادمه.
– السلام عليكم.
– وعليكم السلام.
- كيف حالك؟
– الحمد لله , هل لك من حاجة أقضيها لك سيدى ؟
– أين العراف صاحب الكوخ؟
– سيدى فاء إلى الفيافى فإذا فاء الفى أفا.
– ماذا يقول يا أبى ؟سأل سعد مستغربا.
– يقصد أن سيده ذهب إلى الصحراء وسيعود بعد حلول الظلام.
– لماذا كلامه ثقيل هكذا يا أبى ؟
- ذاك المنجم هو فارسى الأصل وعاش بها جل عمره وكان لا يتقن العربية , فلما استقر به الحال هنا بحث عن خادم طلق ا****ن حسن البيان بليغ الكلام فصيح يميز جيد الكلام من رديئه كى يعلمه كلام أهل البادية.
- أرى أنه قد أحسن الاختيار.
- وها قد أوشك الظلام على الهبوط , وربما يكون هو ذلك القادم من بعيد.
– ألا تريدون الدخول ف*نتظرون سيدى ؟
– لا عليك , يبدو أن سيدك قد لاح من بعيد وأشرف على الوصول.
– «كيف الحال أخا العرب هل لك من حاجة؟». قال المنجم
– أريدك أن تقرأ طالع هذا الغلام.
– حسنا هيا إلى الداخل , أفلا نباشر بحق الضيافة ثم نرى حاجتكم ؟
– لا داعى يا سيدى فقد أرخى الليل سدوله ونحن فى عجلة من أمرنا.
– حسنا ما الحاجة.
– أريدك أن تقرأ طالع ولدى سعد.
– حسنا أبسط إلى كفك يا سعد.
فنظر إلى كفه قليلا ثم قام إلى بعض كتبه فأحضرها بجانبه فأخذ يفحص فيها برهة من الزمن , ثم نظرة ثانية فى كف سعد ثم عاد لكتبه ثم نظرة ثالثة ثم عاد حتى خاطبه حارثة: - أهكذا الأمر شاق وصعب؟
- إن طالعه ينبأ بأمور عديدة فأتحقق منها حتى أصيب عين الحقيقة.
– وها قد انتهيت.
– يا ليتها تكون مبشرة لا منفرة.
– سأنبئك بما عندى , ابنك هذا سيلاقى أمور عظيمة تبدأ بالفراق وتنتهى بالملك وما بينهما نكبات عظيمة.
– ماذا فراق ثم ملك؟
- لا تنس ما بينها كما قلت لك تبدأ بالفراق وتنتهى بالملك وما بينهما نكبات عظيمة.
فالتفت المنجم إلى سعد وهو يقول أبشر يا سعد ستكون حاكما على هذه البلاد والأمصار , ولكن لا تنس جائزتى وقتها إن كنت حيا.
– تقصد يكون أميرا على الجزيرة.
– بل أقصد خليفة على المسلمين.
– فتهلل وجه حارثة فطفق يقول والله لقد تنبأت بهذا منذ شهور وها قد تحققت نبوءتى.
– لم تتحقق بعد يا هذا.
– ستتحقق بعد عقود من الزمن.
– حسنا خذ الصيد الثمين جائزة على ما بشرتنا.
– جزاك الله خيرا يا سيدى.
– هيا يا سعد السلام عليكم.
أكمل سعد معه الطريق صامتا فقطع **ته مخاطبا أبيه
– هل تظن أن كلام المنجم على صواب.
– لا أعرف يا سعد ولكن بعض كلامه حقق ظنى بك وأصاب رأيى فيك.
– أى فراق يقصد يا أبى؟ وأى نكبات عظيمة يقصدها؟
– لا أعلم يا سعد, سيشغلنا كلام المنجم ليتنى أحيا لأراك حاكما تحكم بين الناس بالعدل , ارم كلامه خلف ظهرك ودع الأيام تفعل ما تشاء وطب نفسا إذا حكم القضاء , وهيا لنكمل طريقنا إلى البيت فقد تأخر الوقت كثيرا هيا نجد فى السير ونركز فى طريقنا.
– صدقت يا أبى ما هو إلا كلام لا يقدم ولا يؤخر.
عاش حارثة الألفة والأنس مع سعد ولكن هذا لم يدم طويلا , إذ ما لبث أن نغص عليه عيشه وكدر صفوه وانتابه القلق والضيق بسبب ما سمعه من المنجم عن الفراق والنكبات , وما قصده بلم الشمل والملك أيقصد به اجتماعه مع سعد بعد الفراق أم التئام سعد مع عائلته الأصلية بعد تشتته عنهم ؟ أجل سعد ليس بابنه ولا يمت له بصلة من قريب أو بعيد ولكن ساقته الأقدارأن يكون بين يدى حارثة , فلم يدخر وقتا ولم يتوان لحظة فى أن يضمه حارثة لما أحس فيه من شبه ومثيل لابنه الراحل من جمال ووسامة , ولما هفا قلبه لابنه لما بصرسعد من أول وهلة فأحس معه بالأنس بعد الوحشة والوصل بعد القطيعة والألفة بعد الوحدة , فآثر على نفسه أن يغتنم الفرصة وأن يتخذ الغلام بديلا لابنه سعد وقد دعاه بسعد على اسم ولده , ومع مرور الوقت زادت الصلة بينهما وازداد تعلقا به ولهفة لما أبصر به من خفة روحه وتوقد ذهنه وسرعة فهمه ونباهة عقله.
كان ذاك هو حاله كل ليلة بعد ذلك اليوم المشئوم ,إذا آوى إلى فراشه تسللت إلى عقله الهواجس وولجت إليه الهموم كقطع الليل المظلم يسترسل فيها شطرا من الليل حتى يغلبه النعاس , كان يشغل باله نهارا ويتعب جسده ليلا , فعاش بين حلاوة الوصال ومرارة الفراق.