الفصل الر

2318 Words
الفصل الرابع فلما أصبح الصباح آثر حارثة أن يتناول سعد إفطاره قبل أن يستأنف حديثه , فأمر الخادم أن يعد الإفطار ثم أيقظ سعد . – صبحك الله بالخير يا سعد . – وصبحك يا أبى . – هيا إلى الإفطار . – لا أميل إلى الطعام , هيا يا أبى نكمل ما بدأناه بالأمس. – هيا يا سعد , إياك وال**ل قم إلى الطعام . – حسنا , سأتناول القليل نزولا على رغبتك . – لن أنبس ببنت شفة حتى تنهى طعامك . – كما تريد يا أبى. فلما أنهى سعد طعامه جلس بين يدى حارثة فأردف حارثة يقول : بث الحارث رجاله فى طلب أخيه والتفتيش عنه , وذهب معهم فلم يجمعوا له خبرا فاغتم هما عظيما ولم يهنأ له بال فعاد بعد أيام طوال إلى قريته فلما دخل داره سأل عن ابن أخيه وكان قد أمره بحمله إلى بيته وأن يضمه إلى عياله , فلما دخل على الطفل هاجت شجونه وطفق يسترجع ذكرياته مع أخيه فلم يتمالك نفسه فأجهش فى البكاء حتى بللت دموعه وجه الطفل فطفق يبكى هو الآخر , فانتبه لبكائه فأخذ يهدئ من روعه ويقبله فلما سكن الطفل وعاد إلى نومه اشتم منه رائحة أخيه , فأخذ على نفسه عهدا أن يقدمه على عياله فربما يجد فيه عوضا وأنسا عن أبيه الذى تاه فى القفار , ولم يدر أنجى أم هلك ؟ وقد ظن بعد انقطاع كل أمل واختفاء كل رجاء للعثور عليه أن يكون قد أكلته السباع أو اختطفه اللصوص , لكن نفسه أبت أن تصدق تلك الوساوس فكيف بمن تهابه السباع قبل الأناس ؟ كيف بسيد الشجعان وفارس القفار أن تخ*فه مجموعة من اللصوص أو تأكله بعض السباع الشاردة ؟ وقد رأى أن يدعوه بحارثة كما كان يعد أبوه دوما أن يطلق على أول غلام يرزق به حارثة , وكانت زوجة عمه الرميساء كأمه تقدمه على أولادها فى العطاء ولم تكن بأقل من زوجها فى الحنوعليه والاعتناء به والعطف عليه , فقد كانت تنافسه فى ذلك فيقع هذا الأمر فى نفس زوجها فتملأه الغبطة وتغمره السعادة من جميل صنع زوجته بابن اخيه , وقد صدق ظنه فى حارثة فقد عوضه عن أخيه وعاد إلى وجه الحارث البشر بعد العبوس والطلاقة بعد الانقباض , وانتعش فى قلبه الأمل وقوى رجاؤه فى عودة أخيه ليرى أن أخاه الحارث كان على قدر الأمانة والمسئولية. – لكنى أريدك أن توضح لى أمرا يا أبى ؟ - هات ما عندك يا سعد . – ألم تقل من قبل أن العائدات والتقاليد تمنع الزواج من خارج القبيلة ؟ - بلى , قلت لك هذا . - فلما إذا أحضر جدى الأشتر جارية إلى القبيلة وتزوجها ؟ - يعجبنى حضور ذهنك يا سعد , فى وقت زواج أبى لم يمنعه شئ لكن عند موت زوجته اعتبروه نذير شؤم , وقد كان فى وقتها عراف لنا يصدقه الكبير قبل الصغير قد حذر من تكرار الأمر , وأن من سيفعلها سيجنى جزاء ذلك موت زوجته فى مخاضها فأخذ عادة ألا يقترف أحد ذلك . - حسنا يا أبى لقد وضح لى الأمر هيا أكمل . وتوالت الأيام والسنون فشب حارثة فى كنف عمه وكان قد جمع بين الحسنيين قوة أبيه وجمال أمه , وقد عنى بتدريبه منذ صغره على ركوب الخيل وحمل السلاح وسائر أعمال الفروسية وتربيته تربية خشنة تعده لتحمل المشاق والتغلب على الصعاب , وطالما كان عمه يقص عليه أخبار أبيه وبطولاته فكان يطرب لذلك ويتحمس له أشد الحماس , حتى إذا بلغ مبلغ الرجال أصبح فارسا كأبيه يطوى القفار غير مبال بالصعاب ولا مكترث للسباع فتميزعن سائر قومه حتى صار أفرس الفرسان وأشدهم بأسا وأقواهم شكيمة. وقد برع فيما كان يجيده قومه فقد أدخله عمه التجارة , فقاد القوافل وطوى القفار بين الشام واليمن يتقدم القوم لا يجرأ من يتعرض لهم ولا يميل عليهم , حتى جاء اليوم المشئوم فبينما نحن جلوس فى حلقات الأنس والسمرإذ ترامى إلى مسامعنا بعض الصراخ والعويل , فأسرعنا إلى منبع الصوت فوجدت مالكا فى بطن الوادى وقد شق قميصه وجعل يصيح : اللطيمة اللطيمة الغوث الغوث أموالكم وتجارتكم نهبها اللصوص , فقلت له اهدأ يا مالك وقص على ما رأيت فقال : رأيت البلايا تحمل المنايا . – وماذا يقصد بقوله رأيت البلايا تحمل المنايا يا أبى ؟ - يقصد أنه رأى الإبل تحمل المقاتلين. وأردف مالك يقول قد كنت مع القافلة أسير بسيرهم وأجنح للراحة بجناحهم حتى غلبت عليا حاجتى , فأردت ان أقضيها فلمحت تلا فمضيت إليه على عجل فلما اجتزت يمينه , وجدت ع***ة من القوم يركبون الخيل والإبل يندفعون نحو القافلة من جهة يساره , فلم يشعربى أحد فقد كنت خلفهم فآثرت السلامة , فلما انفضوا وقد أفنوا الرجال وساقوا الأمتعة والدواب انطلقت إليكم حثيثا وقد كان منى ما رأيتم وسمعت , فلما أنهى مالك حديثه ارتفع عويل النساء على أزواجهن وبكاء الصبية على أبائهم. فقلت فى نفسى لابد أن أعلم عمى بالأمر فربما يكون عنده المخرج من هذه من هذه الفاجعة , فأسرعت إليه فلما سمع منى أمرنى أن أحضر مالكا , فجعل عمى يقول له تكلم ولا تقل إلا حقا فوصف له الأمر بحذافيره , فاستخلص من كلامه أن الشكوك تحوم حول أعدائهم القدامى بنى عجل , فقلت : يا عماه ولما ظننت فيهم هذا الظن ؟ - لأنه ما غدر بنا من قبل أحد غيرهم كما أننى خبرتهم فى القتال قبل أن يعم السلام بيننا , فلم أحدا غيرهم يؤثرون ركوب الإبل على الخيول فى الحرب غيرهم . - لكن ياعماه ألا تظن أن أحدا ربما أراد أن يشعل الف*نة بيننا فساقته خبث نفسه ولئمها أن يخطط للأمر جيدا ويحكمه , فلا محال ستشير أصابع الاتهام إلى بنى عمومتنا فنطير بخيولنا إلى البيد والقفار نحمل لهم الموت الأحمر على ظبا الأسنة وشفار السيوف فلا ينتهى الأمر إلا بمذ*حة عظيمة تفنى القوم لا تقوم لنا ولهم قائمة بعد . - أنصفت يا حارثة لا حرمنى الله صواب رأيك , لا بد من التريث والتثبت سأبث العيون إليهم يتحرون الخبر ويتثبتون منه , حتى نتحقق ونتيقن أنهم هم الفاعلون . فلما تثبت عمى من الخبر وتأكد أنهم من سولت لهم أنفسهم ظلما وعدوانا فارتكبوا هذا الجرم الشنيع , استشاط غضبا من مغبة صنعيهم فأشرت عليه أن نعاقبهم بمثل ما عوقبنا به لا بغى ولا جور , فاستحسن رأيى وقال لى سأترك لك الأمر دبره بنفسك . - ماذا صنعتم يا أبى ؟ سأكمل لك تريث يا سعد . – حسنا يا أبى كلى آذان صاغية. انتظرت على أحر من الجمر أتصيد فرصة سانحة فيتجرعون من نفس الكأس , تراءت لنا الأنباء بعد عدة شهورأن قافلة عظيمة تحوى بضائع ومتاع ودواب كثيرة وضعوا فيها جل أموالهم , تسير إليهم قادمة من اليمن تحمل أصنافا عديدة من الملابس والحلى والطعام , فبادرت بتجهيز الرجال وإعداد العدة فانطلقنا صبيحة اليوم الموعود نطوى البرية حتى تدفقنا عليهم كالسيل الجارف يقتلع كل ما اعترض طريقه , فتعالى الصياح والصراخ حتى خيم ال**ت على المكان وانقشع الغبار على أشلاء القتلى , فلم نبقِ منهم على أحد فهدأ غيظ القلوب وخمدت نار الصدور , وبينما نجمع الغنائم إذ نبهنى أحدهم أن غلاما فر إلى أحد التلال فتتبعته فلما التفت وجدنى وراءه فازداد خوفه فكر راكضا يصعد التل وأنا وراءه. – هل قتلته يا أبى ؟ - ما كنت لأقتل غلاما صغيرا وما كان ذو مروءة ليفعلها وما كانت نفسى لتحدثنى به . – فلما تتبعته إذا ؟ - ماكنت لأتركه يشى بنا وما كنت قاتله . – فما أنت فاعل به إذا ؟ – سأخبرك يا سعد. تابع الغلام ركضه حتى التوى كاحله فسقط يتدحرج من التل فاصطدمت رأسه بصخرة , فحملته وجعلت أطيبه وأنت تعرف بقية القصة . ذهل سعد مما تكاد تسمعه أذناه ففتح فمه مندهشا من حديث حارثة – ما الأمر يا سعد ألا تعقب بشئ ؟ - إذا فلست بولدك ؟ - نعم لست بولدى ولا تمت لى بأى صلة . – آه من الحقيقة المرة . – لكنى والله أحببتك كولدى . – هيهات هيهات تحبنى كولدك وقد قتلت أبى وأمى . – لا لم يكن بالقافلة نساء وما يدريك أنى قد قتلت أباك . – لابد من هذا فكيف يترك عاقل ابنه يرتحل وحده ؟ – معك حق لن يفعلها وخاصة إن كان له ولد مثلك يا سعد . – لا لست بسعد . – لا أعرف لك اسم غيره . – ألست من بنى عجل ؟ ألست تعلم أهلى وتمنعنى عنهم ؟ - نعم لست منهم . – وما يدريك بهذا أم أنك تكذبنى ؟ – والله ما أكذبك يا سعد أنت لست منهم , فقد ابتعثنا العيون فلم يتبينوا عنك شيئا ولم يجمعوا خبرا عن غلام فقد مع من فقد فى القافلة . - ولكن كيف ساقتنى الأقدار إليهم ؟ - لا أدرى , ربما خ*فوك من أهلك وآثروا حملك معهم وبيعك فى سوق الرقيق فهم قوم سوء لا يتورعون عن مثل هذه الأمور , فلم يتوانوا لحظة عن الغدر ببنى عمومتهم ويض*بوا بعهودهم ومواثيقهم عرض الحائط . – وأنتم قد حذوتم حذوهم فى الغدر . - لا يا سعد لم نبغِ عليهم ولم نظلمهم ,هم من ابتدأوا وهذا حقنا ولقد عاقبنا بمثل ما عوقبنا به. – ولإن صبرتم لهو خير للصابرين . – ومن يصبر على الغدر والخيانة يا سعد ! من يصبر على عويل النساء ونحيب الأطفال ! - وما العمل الآن يا ...... ؟ - لا عليك يا سعد قل يا حارثة بدون أبى . – حسنا ما العمل يا حارثة . – عزم عمى الحارث أن يبعدك عن القبيلة , وقد حاولت جاهدا أن أثنيه عن عزمه لكن ذهب كل جهد مع الريح . – وكيف سيبعدنى ؟ - سيبيعك إلى تاجر رقيق يحملك إلى أمصار بعيدة ؟ - أحقا تقول هذا ؟ أترضى لى الذلة والمهانة يا حارثة ؟ أترضى لى أن أباع وأشترى فى أسواق الرقيق ؟ كيف هنت عليك بكل هذه السهولة ؟ وطفق يبكى , فبادله حارثة النحيب – والله ما رضيت به أبدا ولن أرضى . – إذا فلما السكون والدعة ؟ - وما أصنع وما بيدى حيلة وقد توعدنى بال*قاب والحبس إن هممت على أمر على غير هواه . – إذا فقد أسلمت له أمرك ورضيت نفسك الخضوع والذل . – والله ما كنت ذليلا يا سعد وما رضيت أبدا بالذل وما كان يخيل لى أن يسوقنى القدر إلى هذا الموقف , أعملت فيه كل عقلى وأنفذت فيه كل حيلة لى , فما وجدت منه مهربا وما لاح لى منه مخرجا . – أحقا يا حارثة أواثق أنت من كلامك هذا ! – ما أمسيت أثق فى نفسى ولا فى أحد , لقد عشت ليالى تملأها الحسرة والوهن , فبعد موت زوجتى وابنى ضاع كل أمل وفقدت كل رجاء , تبدل حالى كتائه فى القفارينخر برد الليالى عظمه وتشعل حرارة شمس النهار رأسه , وكان حالى كحال رجل تاه فى لجج البحرتلاطمت أمواجه فدمرت قاربه فكان أقرب أمانيه الموت , عشت أياما نهارها كليلها ظلمات فى ظلمات فجلست أنتظر الموت يطرق بابى , فلما طُرق الباب حسبته الخلاص فأسرعت إليه فلما فتحت وجدته الصبر , أنعم الله عليا به فاحتسبت وتوكلت على الله , وظللت سنين طوال على هذا الحال حتى لاح لى شعاع نورمن بين الغمام كضياء الفجر يرخى سدوله , فيقلب الظلام نورا ويبدل السكون حركة ونشاطا , لما بصرتك تبدل حالى من اليأس إلى الأمل ومن الخيبة إلى الرجاء ومن الدعة إلى النشاط ومن الغم إلى البهجة ومن التعاسة غلى السعادة. – إن لم تطلق العجز وتدع عنك والضعف سيخفت شعاع النور إلى الأبد . – والله إن قلبى ليتقطع على رحيلك . - لما يتقطع على ؟ فأنا لست بولدك , إن أنا إلا غلام خ*فته فلم يمكث معك إلا أقل من سنة. – لا أريدك أن تطعننى بسكين بارد يا سعد , والله إن هاتفا فى داخلى يصيح أنك ابنى منذ أن وقعت عيناى عليك من أول وهلة , فلا أدرى كيف هذا فربما أنك تملك جمالا وحسنا كجمال ولدى الذى لم أره قط وعيونك خضراء كعينى زوجتى , ولكنه مات مع أمه فلا أعلم سبيلا لأن تكون ولدى . – أمات ولدك ودفن مع أمه ؟ - نعم يا سعد لقد صدقتك فى قصة زوجتى غير أنى وضعتك فيها بدلا من ابنى. – لقد اختطفنا الحديث يا سعد . – وما الضير فى هذا فلن يجد النوم إلى عيني سبيلا. – وأنا مثلك يا سعد غير أنى لم أنم منذ أيام , فماذا ترى يا سعد فى الأمر ؟ - أراه واقعا لا محالة إلا لم تترك دعتك وسكونك . – ما بيدى حيلة يا سعد لقد تسللت إلى فكرة أن أصحبك حثيثا متخفيا إلى القفار فنسير فى أرض الله فننظر أى بلد تطيب لنا . - وما منعك من إنفاذها يا حارثة ؟ - ألا ترى الحراس ليلا نهارا أمام الدار وإن خرجت يتبعونك أينما ذهبت ؟ - نعم رأيت هذا . – وها قد فشلت خطتى وضاع كل أمل بعدها . - أما من سبيل آخر يا حارثة ؟ - بلى يا سعد , أن تدع نفسك للتاجر يصحبك معه إلى الشام بروح هادئة ثم أجد فى طلبك حتى إذا عرضك فى سوق النخاسة اشتريتك ونمكث فى الشام آمنين حتى يقضى الله أمره . - أرى أنها خطة محكمة لكنى أخشى أن تجرى الأمور على غير هوى منا, فتأتى الرياح بما لم تشتهِ السفن . – لا تخف يا سعد , لا تدرى لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا . – لعل الله يجعل لنا من كل ضيق مخرجا . – إذا فعلى بركة الله يا سعد . – على بركة الله يا حارثة . اصطحب حارثة سعد إلى غرفته للنوم , لكن سعدا وعلى غيرعادته لم يغلبه النوم سريعا بل ناطحه هذه المرة بأفكار وخواطر غاص فيها مدة , لكنه سرعان ما استسلم للنعاس فغلبه , أما حارثة فقد جبل على السهر لم يستطع النوم أن يغلبه **عد , بل كان بينه وبين حارثة حائط من الفكر لا يستطيع النوم أن ينفذ إليه , وإن أخذ ينقبض فى الحائط وصل مع الصباح , فغرق حارثة لعادته فى التأملات واسترسل فى الأفكار حتى نظر غفلة من الحراس خارج داره , فأغتنم الفرصة فأيقظ سعدا وهيئه سريعا وأعد زاده فى لمح البصر وركب دابته وسعد خلفه وانطلق ناحية الصحراء , لا يكاد يصدق نفسه من السعادة واستمر به الحال فى البرية أياما ولياليلا , لكنها مرت مرور الكرام فمعه أنيسه وريحانة قلبه حتى إذا آن الآوان , وجد نفسه على مشارف الشام يطير قلبه أمام جواده فرحا وطربا , حتى استيقظ من نومه على وقع خبطات على الباب وقائل يقول : هيا يا حارثة لقد نفذت المهلة وحان الوقت , فتمنى أنه كان واقعا وليس حلما فأيقظ سعدا وهيئه للخروج , وقبل خروجه ذكره بما اتفقوا عليه وأمره أن يسير مع التاجر طيب النفس هانئ البال .
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD