الفصل الثالث
- ما الأمر يا أبى ألم تنم ؟
- نعم , لم أذق للنوم طعما .
– ولما يا أبى ؟ ما يشغل بالك ؟
- انتابنى بعض الخواطر فتوالت كأمواج البحر فما
زلت أغرق فيها حتى أصبح الصباح.
– لا عليك يا أبى ألم تسمع قول القائل :
ولا تجزع لحادثة الليالى فما لحوادث الدنيا بقاء.
– أحسنت يا سعد , ولكنى والله لفى بلية لوعرفت
مداها لما لمتنى على الجذع منها .
– ما الأمر يا أبى يبدو أنه أمر جلل ؟
- أجل يا سعد , أمر تنوء به الجبال وتفيض البحار من
همه .
- أفلا تشاركنى إياه ؟
- لا تعجل يا سعد , سأطلعك عليه فى حينه .
– حسنا يا أبى , عسى أن يقضى الله أمرا كان مفعولا .
– لكنى أراك وقد لبق كلامك وحسن بيانك .
– الفضل لمعلمى بعد الله عز وجل .
– أرى أن ذهابك إلى الحسن قد أصاب هدفه.
– لا تعجل يا أبى ما يزال الطريق طويلا .
– حسنا يا بنى ,هيا نستعد للصلاة ثم تقصد شيخك .
تبدل حال حارثة فتهاوى من سيئ إلى أسوأ فكان
يبكى حينا ويغيب فى فكره حينا آخر , فكاد أن يجن
من الخواطر المتصارعة فى عقله , وكان إذا أقبل عليه الليل انطلق إلى أحد النوادى وأسرف فى شرب الخمر وعربد وتكلم كلمات غير مفهومة , حتى إذا أثقل رأسه السكر وغلبه الخمار انصرع فى مكانه فلا يدرى بحاله
إلا حين يوقظه النادل وقد حان موعد الإغلاق , فيهيم على وجهه فى الحوارى والأزقة لا تكاد تحمله قدماه وجعل يكلم نفسه : أنا الوحيد الطريد أنا التعس
الشقى ذهب أبى بعد ما ماتت أمى , وماتت زوجتى
وابنى الرضيع فتركت وحيدا وها أنا أفقد بهجة فؤادى وأنيس وحدتى وما بيدى حيلة أن أمنع الأمر ,
يزعمون أنى فارس مقدام وقائد لا يشق له غبار ولا
أملك لنفسى شيئا فلا أقوى أن أحول دون ذلك , فمن فى ضعفى وعجزى ؟ وهكذا أمضى حارثة لياليه
السود فى شوارع القرية حتى يصل باب بيته فيطرقه
فيفتح له خادمه مشفقا على حاله آسفا على هيئته
الرثة , فيكمل سبيله فى البيت مترنحا فإذا وصل إلى فراشه وقد أنهكه السهر والخمر, فينكب على سريره منصرعا حتى الصباح.
لم يخفَ على سعد تبدل حال أبيه , فلم يعد يراه
كما فى السابق بل ربما مر عليه يوم أو يومان لا يرى
أباه , فقد أضاع ليله بين النوادى ونهاره يصيد فى
الصحارى , وتوالت الأيام حتى قدم بعض التجارمن
الشام فبعث الحارث فى طلب سعد , وكان فى حيرة
من أمره فكيف يقنع الغلام بما هو قادم على صنعه , فإنه يستبيح ما لم يقره ضميره ولم تسوغه له مروءته , فأى عذر سيبرر فعله وأى منطق سيقره فلما خلا به :
- لا أدرى يا سعد كيف أسوق لك الأمر .
– ما الأمر يا عماه ؟
- الأمر أن وجودك بين ظهرانينا لا يفضى إلى خير .
– وكيف هذا يا عماه ؟
- هل وجدت من خصالى يا يريبك ومن أفعالى ما
يسوءك ؟
- حاشا لله يا سعد لقد كنت كنسمة من هواء عليل
يلاطف الوجه فى الحر الشديد , وكنت دواءا يشفى به من كل داء .
- إذا هل أحدثت شيئا على غيرقصد منى بدل ظنك بى ؟
- لا والله لم أرَ منك إلا خيرا , ولكنها الأقدار وتقلبات
الدهر ما سلم منها أحد , وقد أطلت الف*نة برأسها
ولن يخمدها إلا رحيلك عن عشيرتنا .
– ولكن كيف هذا يا عماه ! , أفلا أفصحت لى وأوضحت ؟
- والله لقد تلعثم ل**نى وبله عقلى ومنعنى قلبى أن أحدثك بالأمر .
– ولكن كيف يا عماه تقصينى وأبى من غير سبب ولا
علة ؟.
– ستذهب وحدك يا سعد .
– وحدى ! ماذا تقصد بوحدى ؟ ألن يذهب معى أبى
حارثة ؟
- لا , لن يذهب .
– هذا بغى يا عماه , كيف تقول هذا ؟ وكيف يطاوعك قلبك ؟
- لقد طال بنا الحديث وأرى أنه لن يفضى إلى شئ ,
لقد قضى الأمر يا سعد .
فأردف يكمل حديث إلى أتباعه ويأمرهم أن
يجهزوا الغلام لتسليمه للتاجر, ثم ذهب مبتعدا
عنهم جريح القلب معاتبا نفسه , لكنه يبرر ذلك
بموازين المنافع والمفاسد فتلك بعض مساوئ
الإمارة يقدم على أمور تؤرق مضجعه وتضنى قلبه
, فلما سمعت أذناه صيحات سعد أثقل عليه الأمر , فأطلق لنفسه العنان وجعل يبكى ويخوض فى البكاء
حتى هدأت نفسه ومسح وجهه وهندم ملابسه , ثم
عاد إلى أصحابه يأمرهم أن يبتعثوا أحدهم فى طلب حارثة .
كان سعد يض*ب بكلتا يديه من يلمسه , ويركل
برجليه كل من يقترب منه , ولا ينفك يبكى ويزداد فى البكاء ويستمر فى الصراخ والعويل , حتى أرسلوا
لحارثة من يتقصى خبره ويقتفى أثره فعثر عليه فى
أحد أندية الحى , فوجده الرسول رث الثياب غائب عن
الوعى لا يكاد يفيق منغمس فى شراب الخمر , فطفق يحدثه لكنه ما وجد منه إلا الهذيان , فأعمل النظر
حوله حتى وجد دلوا به ماء فكبه على رأسه , فلما
أفاق وعاد إليه وعيه صاح فيه :
- يا حارثة ألا تدرى ما الأمر ؟
- فسأله ما الأمر يا سليم ؟
- أمر جلل يا حارثة , فإن كنت تدرى فتلك مصيبة وإن كنت لا تدرى فإن المصيبة أعظم , وأرى من تبدل
حالك أنك تدرى .
– أدرى بماذا ؟ أأصاب سعد مكروه ؟
- بل سيصيبه أعظم من ذلك ؟ إنه الرق يا حارثة , أنجد ولدك وادفع عنه البغى والقهر.
– البغى والقهر ! لقد اختلط الأمر على يا سليم ؟ أفلا
أخرجت ما فى جعبيتك لقد غمرتنى الظنون .
- اركب معى وسأقص عليه الخبر برمته فى الطريق .
فلما ركب معه حارثة أبلغه أن عمه الحارث أخذ
سعدا بالقوة , وأمر رجاله أن يحملوه ويسلموه لتاجر
الرقيق رغم أنفه , والغلام مافتئ يبكى أحر البكاء ,
وكلما دنا منه أحد ض*به وركله وما برح يذكر اسمك
ويصيح : «أريد أبى حارثة أيها اللصوص المجرمون لن
أهدأ حتى يحضر أبى فأخبره بما تريدون صنعه بى , لن يرحمكم أبى ولن يترك أحدا منكم , سيصب جام
غضبه عليكم » .
ولا يزال يسبهم ويلعنهم حتى ضاق عمك الحارث
به ذرعا , فقال لمن حوله من الجالسين وكنت أحدهم : « لن يقدر عليه سوى حارثة ابن أخى , لن يهدأ روعه غيره ولن يسكن روحه إلا هو , فليذهب أحدكم مسرعا يبحث عنه ويعثر عليه , وكنت أشفق على الغلام فرق
له قلبى , وتحركت له جوارحى وكنت أرأف بحاله ,
فهدانى قلبى وأرشدنى عقلى أن أجبر خاطره وأخلصه وأغيثه مما ألم به , فقمت أتطوع لهذا الأمر وقلت
لعمك أنا أكفيكم بمؤونة ذلك , فقال لى أسرع ,
فانسللت من بين القوم وهممت فى طلبك , فبحثت
عنك وتحريت خبرك وسألت عنك الناس حتى اهتديت إليك فى هذا الموضع , ومازال الغلام على حاله التى
أطلعتك عليها حتى قدمت إليك , وكان حارثة ينصت
له فى **ت غير معقب بشطر كلمة حتى وصلا إلى
عمه.
لما دخل حارثة على عمه كان عابس الوجه كأن
عينيه جذوتان من نار , وقال لعمه : « والله يا عماه لو كان غيرك فعل هذا بولدى لشطرته نصفين » لم
يقاطعه عمه ولم يجيبه لما قال ولكنه اكتفى
بال**ت والنظر إلى حارثة مذهولا من قولة ابن أخيه , أما سعد لما بصر أباه حارثة قادما هدئ روعه
وسكنت روحه وأمسك دموعه وتوقف عن النواح
والصياح , واتجه إلى حارثة فحضنه بحرارة , فبادره
حارثة بحمله وكفكف دموعه ومسح على رأسه
متفوها بكلمات « لا تخف يا سعد , لن يقوى أحد
ولن يجرأ غيره أن يمس منك شعرة وأنا حى » وهم
بالرحيل حاملا سعد فأوقفه عمه يخاطبه أتريد أن
أعلمه الحقيقة وأصدع له بالأمر , أما آن الأوان يا حارثة أن يعلم الغلام كيف آل به المآل إلى هنا , فجمد
حارثة فى مكانه وتسمرت قداه وما كادت تحمله ,
وسكت برهة وتيقن فى نفسه أن السر لامحالة
سيفتش , وأن ما جاهد من أجل إخفائه سيكشف ,
وأن بيت الحب والوفاق الذى بناه لاريب سيهدم , ثم
التفت إلى عمه والدمع يفيض من عينيه مطاطأ رأسه :
- أجل يا عماه آن الأوان ولكن ارفق بحالى وحال
الغلام فإن مصيبتى فادحة وفاجعتى عظيمة , فلا
أطيق فراق سعد ولا أقوى على بعده , فهلا تلطفت
بنا ومنحتنى الوقت لأخبره كل شئ وأطلعه على
حقيقة الأمر بدون زيادة أونقصان .
- لك ما شئت يا حارثة ولكن لا تزد على يومين , فلن
أمهلك أبعد من ذلك واعلم أنى ما كرهت لك خيرا
وما استكثرت عليك نعمة , فإنى والله ما فرقت بينك وبين أبنائى وما فضلت أحدا منهم عليك , وأن سعدا
رغبته حفيدا لى وما كانت تتطلع نفسى لأحسن من
هذا , ولكن للضرورة أحكام وإن وجود سعد بين
ظهرانينا خطرعلى كل القبيلة , فأثرت السلامة لك
وللغلام وللقبيلة فلربما تجرأ بعض الجبناء أن
يتخلصوا منك ومن الغلام خوفا من إذاعة خبره
وإفشاء سره بين الناس فنتكبد ويلات ذلك , وإنك
لذوعقل ومنطق تفقه حجتى وتستوعب قولى والله
على ما أقول شهيد .
ترجل حارثة من عند عمه بخطوات فاترة متباطئة
حاملا سعد على كتفه الأيمن , وفى عقله خواطر
متصارعة وأفكار متضاربة وموقف لا يحسد عليه ,
وأخذ يجهد عقله ويدفع نفسه لعله يهتدى إلى حجة واضحة وذريعة بائنة كى يقنع سعد بحقيقة الحال ,
وكان يسأل نفسه :
كيف يعلل لسعد ويوضح له هذه الامور المتشابكة ؟
وكيف يقنعه بخيار الفراق ؟
وكيف يوضح له حججه ويكشف له علله ؟
وهل يكشف له الحقيقة بمرارتها أم يجملها ببعض
الكذب ؟
وبأى وجه سيرى منه سعد وهو يصارحه بكل هذا ؟
دار فى خاطره عشرات الأسئلة لعله يجد لها ردودا
وأجوبة حتى وصل عتبة بيته , فشعر بالغلام وقد غلبه النعاس وذهب فى سبات عميق , فدخل بيته وقصد
غرفته ووضعه على فراشه وقبله من رأسه ودثره
بغطائه , وطفق ينظر إلى سعد ويتأمل هذا الحمل
الوديع ذا الوجه المشرق والفطرة السليمة والقلب
النقى , ثم أطفأ المصباح وآثر أن يقضى ليلته فى
فراش سعد لتبدأ معركة بدون سلاح معركة دائما ما
انتصرت فيها الخواطر ودوما ما كان النوم يطير من
عينيه بسببها , ولكنه الليلة آثر الغرق فى النوم بدلا
من الغرق فى بحر من الهموم.
فلما أصبح الصباح لم يذهب سعد كعادته إلى
شيخه ولكن الأمر تبدل , فلم يبق لحارثة إلا يومان
يقنع فيهما سعد بأن يعدل عن عصيانه وأن يخمد
ثورته وألا يشق عصا الطاعة.
– صبحك الله بالخير يا أبى , أرأيت ما كاد يقبل عمك
الحارث على صنعه ؟
- نعم يا سعد رأيت.
– وبماذا أنت بفاعل يا أبى ؟
- لن تجرى الأمور إلا بمقادير الله يا سعد , فنحن
نهرب من قدر الله إلى قدر الله.
– ما الأمر يا أبى ؟ لقد أصابتنى الريبة وتوهمت الشر .
– سأحكى لك الأمر برمته فاترك لى مسامعك .
– كلى آذان صاغية يا أبى.
بدأ الأمر منذ عقود بعداوة قديمة بين قبيلتنا وقبيلة عجل , فقد دارت بيننا حروب طاحنة جرت فيها الدماء
أنهارا وترملت النساء وتيتم الأبناء وثكلت الأمهات , وأتت على الأخضر واليابس ف**دت التجارة وهلكت
الزروع وتفشى الفقر واشتد البؤس وشاع الضيق
والعوز , فكانوا لا يتورعون فى الإغارة على قوافل
وعير الخ** وإتلاف وإهلاك زروعه وثماره , وكما هو الحال دوما يولد الأبطال والشجعان من رحم الحروب والشدائد , فبزغ نجم الأشتر بن عون وكان فارس قومه لا يشق له غبار أسدا جسورا لا يثبت أمامه مبارز ولا
ينجى من سيفه أحد , فقد ذاع صيته وشاع بأسه وقوته فكان يشتر مبارزيه نصفين لذا دعى بالأشتر , ولما
أجهدت الحرب الفريقين وكادت أن تفنى القبيلتين
تدخل عقلاء القوم ورؤساء القبائل , فأدوا الدية
وعرضوا الصلح فلقى هوى فى قلوب الفريقين
فجنحوا إلى الصلح وعم السلم والأمان فتفرغ القوم
لتجارتهم وزروعهم , فراجت التجارة بعد **ادها
واخضرت الزروع وتلألأت بعد يبسها وغزر حليب
الأنعام بعد انقطاعه وجفافه.
تفرغ الأشتر للتجارة فربت تجارته وعظم ماله , وفى
إحدى رحلاته للتجارة إلى الشام آثر أن يتمشى ويتنزه فى أحد أسواق مدينة دمشق , فحملته قدماه حتى
وصل سوق الرقيق فأخذ يترجل حتى لمح امرأة فى
ريعان شبابها , فقد رأى منها جمالا أجمل من بلوغ
الأمانى تجلس خلف منصة بيع العبيد ترتقب دورها
, فجعل يتأملها تأملا دقيقا حتى أصاب قلبه سهم من سهام الهيام , فخفق وازدادت دقاته فعقد عزمه على اقتنائها , وقد رأى أن يصرف بصره عنها حتى لا يصرف تركيز الدلال عنه فلا يزايد فى ثمنها مما قد يراه من
شغفه بها , فأشاح بوجهه عنها إلى بعض الجوارى
الجالسات تجاهها , لكنه كان يختلس النظر إليها
فلا يدرى علة شغفه بها من أول وهلة , فلما هم أن
ينزل الدلال إحدى الجوارى ويصعد غيرها على
المنصة خفق قلبه أن يكون دورها قد حان , لكن
الدلال اختار غيرها وأكمل تباعا حتى وصل إليها , فقد آثر الدلال أن يأخرها لما لها من جمال ودلال ولكى
يحافظ على زبائنه إلى آخر المزاد , فأشار إليها
فتقدمت تعرض نفسها على استحياء , فاستفتح
الدلال وأشاد أشد الإشادة بجمالها ومحاسنها فجعل يقول:
يا قطرة من الندى يا فلقة من القمر
يا نسمة من الشذى تنفست وقت السحر
حاملة فى ردنها أطيب أنفاس الزهر
ف*نافس الحاضرون واشتعل المزاد وتزايد الثمن
حتى وصل خمسمائة دينار , فزادهم الأشتر خمسين
دينار جملة واحدة كى يقطع على منافسة أن تحدثه
نفسه بأى زيادة , وتعالت دقات قلبه أن يناطحه
منافسه فلا يقوى أن يستمر فى المنافسة , وظل
يفكر وتجول فى عقله هذه الخواطر حتى قاطعه
الدلال : «هنيئا لك يا سيدى إنها لك بارك الله لك
فيها » فتسارعت أنفاسه وامتلأ قلبه فرحا وغبطة
فلم يكد يصدق أنه له , فانتزع كيس النقود من
ملابسه وأعطى الدلال خمسمائة وخمسين دينارا وهو مبلغ يفوق السحاب وانصرف بها إلى حيث أقام قومه , فلما رأوها خيم عليهم ال**ت وابتاع بضاعة بما
تبقى من المال , وانطلق بها يقطع القفار حتى وصل
قريته حيث ينتظره أخوه الحارث على أحر من الجمر ,
فقد كان يميل إليه كل الميل ويرى فيه كل أهله
ويوقره ويعظمه ويحب حبا جما , ولكن انتابته
الدهشة والحيرة مما رمقه بصره فلمح بضاعة ومتاعا لا تكاد أن تبلغ نصف ما كان متفق عليه أن تحمله
القافلة إليهم , فما الأمر أيكون قد سرق اللصوص
بعض المال فابتاع بالباقى بضاعة ؟ أم أغار عليهم
بعض قطاع الطرق فساقوا معهم نصف ما كان فى
القافلة ؟ ولكن كيف يجرأ أحد أو تسول له نفسه أى
يفعل أى من الأمرين مع الأشتر وهو من هو فى بأسه وشدته , فلما تقابلا تعانقا فسأله الحارث عن حاله
ورحلته وتجارته لكن الأشتر عاجله فقدم إليه درة وقال له هذه سبب حيرتك قد أنفقت عليها شطر المال
وسأتخذها زوجة لى , فلم يمتعض ولم يحنق عليه
أخوه بل هنأه وبارك له ودعى لهما بالخير والبركة
والذرية الصالحة .
اشتغل الأشتر بمحبوبته وانقطع عن تجارته فلم
يستطع ان يصبر عليها , فكان يزلزله الشوق إليها
وتدركه هواجس الحب فيغارعليها , وتوالت الأيام
وازداد إقبالا عليها وإعراضا عن التجارة , وكان كلما
نصحته بالعودة إلى تجارته يقول لها أنها تجارته
ودنياه ومعاشه , ودوما ما كان أخوه ينصحه بذلك فلا
يلقى منه جوابا مقنعا , وقد أثمر هذا الحب فحملت
جمانة حتى إذا آن الآن , جعلت تتلوى من ألم المخاض وهو واقف أمامها يحس بألمها بين ضلوعه وأن كل صرخة منها سكين لكنه لا يملك لها شيئا , فلم يصبرعلى ذلك فخرج مسرعا فوجد أخاه يصبره ويدعو لها
بالعافية والسلامة حتى انقطع الصوت وخيم ال**ت على المكان, فلم يصدق نفسه فانكب مسرعا إليها
فوجدها جثة هامدة , فانهار فى لحظته لكن أخاه
أعمل عقله فأمر المرأة التى تساعدها أن تبقر بطنها
ففعلت , وأخرجت الغلام وقد كادت أنفاسه أن تنقطع وأوشك قلبه أن يتوقف فالتقط الغلام أنفاسه وطفق يبكى , وتلفت الحارث يمينا وشمالا فلم يجد أخاه
فخرج يسأل عنه فأخبره رهط من القوم أنه قد خرج
واجما مذهولا, فامتطى جواده وانطلق يهيم فى
الصحراء فانطلق مسرعا خلفه فلم يجد له أثرا , وقد
جاب القفار يبحث عنه فلم يوفق فى مسعاه ولم يعثر إلا على اليأس والإحباط ورجع يجر أذيال الخيبة
والندامة .
- حسنا لقد فرغت يا سعد .
– ألن تكمل يا أبى .
– بلى , ولكن غدا إن شاء الله , هيا يا سعد إنه وقت
النوم .
- لكنى أريدك أن تستمر يا أبى .
– قلت لك سأكمل غدا , هيا إلى غرفتك , سأبيت معك الليلة .
أطفئ حارثة المصباح وضم سعد بين ذراعيه ,
فغلب سعد النعاس وأما حارثة فسبح فى بعض
خواطره حتى أثقلته الكآبة فغرق فى النوم وأكمل
أفكاره فى منامه .