الفصل الأول ❤️
كان الطقس حار و الهواء معبئ بعادم السيارات و الأتربة التي تكمم الأنفاس ، و هناك عند جموع البشر المتراصة وقفت ليلى تنتظر العربة و قد بدا على وجهها التأفف و الضيق كلما تنظر في ساعتها بين الفينة و الأخرى .
و أخيرًا جاءت عربة متلكئة و وقفت أمام الميدان ، فاندفعت إليها تلك الجموع تتدافع و تزج بعضها البعض في تنافر ، و بالكاد استطاعت ليلى أن تتخذ لها مكانًا قبل أن تكتمل تلك العربة و تتحرك مخلفة وراءها غيمة من الغبار ، سرعان ما تبددت حين بدأت العربة تتخذ طريقها .
لكن عادت جلبة أخرى تتجدد بداخل العربة حين بدأ السائق في جمع الأجرة ، و بعد مرور وقت من شد وجذب وصياح سكن كل من في العربة و مد السائق يده حتى يضغط على زر المذياع ، فتعالت منه أصوات الست و نغماتها تآسر الأذان و القلوب .
عادت ليلى بظهرها إلى الوراء تحاول تنفس بعض الهواء النقي و نيل بعض الاسترخاء ، و حين تسللت النغمات و الكلمات تداعب أوتار قلبها شردت عيناها خلال النافذة و كأنها تحملها الى هناك ، حيث تقف وراء نافذتها و هي تتعبد في محراب حبه ، إنه علي ، انه هو من ملك قلبها و آسره ، جار القمر و حبيبها ، الذي بمجرد ذكر اسمه أو مروره على خاطرها بمقدوره أن يزيد ض*بات قلبها بقوة ، و أن يرفع درجة حرارة جسدها حد الغليان ، إنه هو من تحلم به و بيوم يجمعهما سويًا بعد كل تلك السنوات .
جذبها صوت السائق من شرودها معلنًا الوصول ، فغادرت العربة سريعًا و اتجهت يسارًا نحو شارع جانبي يقطن به بيتها .
و كان يقف على قارعة الطريق مجموعة من الشباب ، و من بينهم شاب يافع طويل البنية ، له عينان بنيتان و بشرة خمرية ، من رآه و نظر إلى ليلى التي علت على وجنتيها حمرة الخجل سيتيقن إن هو علي حبيبها .
مرت ليلى من جوارهم و هى تختلس له النظرات حتى وصلت الى بيتها ، كان البيت قديم متهالك يُخيل الى الناظر إليه إنه يتكأ مستندًا على عود ثقاب ، و حين رفعت قدميها تضعها على أولى درجات السُلم تفاجئت بيد تقبض على يدها فصرخت بفزع ، و ما إن التفت حتى رأت علي يقف ورائها ضاحكًا .
حاولت ليلى أن تُهدأ روعها بعض الشيء ، و عادت الابتسامة ترتسم على وجهها قائلة بعتاب : علي ، لقد أفزعتني .
ابتسم علي لها ثم قطب جبينه متصنعًا و قال لها مرحًا : أنا غاضب منكِ .
تعجبت ليلى و اقتربت منه في جزع قائلة : غاضب ؟! و مني أنا ؟ .
أقترب علي منها أكثر قائلًا بشوق : ليلى ، لقد اشتقت لكِ كثيرًا ، لم أراكِ منذ أيام ولم تفتحين حتى نافذتكِ .
نظرت له ليلى بعشق ثم تن*دت قائلة : علي ، تعلم كم اشتقت لك أنا أيضًا ، و تعلم أيضًا إن الأيام الماضية كانت اختباراتي و اليوم كان أخرها .
كان علي يستمع لها و عينه تتأملها بعشق هائمًا ، و عندما انتهت قال لها بصدق نابع من قلبه : أُحبك يا ليلى .
احتقنت وجنتي ليلى بحمرة خجل و أطرقت رأسها إلى أسفل ، فرفع وجهها له بطرف سبابته و أكمل قائلا لها بشوق : حقًا يا ليلى ، لقد اشتقت لكِ كثيرًا ، لقد كدت أجن طوال تلك الأيام الماضية و مكثت بجوار النافذة طوال الوقت لعلكِ تطلين منها أو تنظرين ، أقسم لك إني فكرت للحظات أن أتى لكِ و أطرق بابكم و ليحدث ما سيحدث بعدها .
ضحكت ليلى ، و التقت عيناهم العاشقة للحظات حالمة مرت عليهم كلأزمان ، و لم يقطعهما منها سوى صوت جلبة يأتي من أعلى السلم ، فركضت ليلى بارتباك حتى وصلت شقتها ، بينما كان يقف علي بمكانه يتابعها بعينه حتى اختفت عن نظره .
طرقت ليلى الباب فجاءت أمها حتى تفتحه قائلة بقلق : ليلى ، لما تأخرتِ كل هذا الوقت ؟
فردت عليها ليلى و هى تخلع حذائها بإجهاد قائلة : غدًا عطلة نهاية الأسبوع ، و الطرقات تكون مزدحمة للغاية .
ابتسمت لها أمها بحنان قائلة : لا يهم ، حمدًا لله على سلامتكِ ، طمئنيني عنكِ ، ماذا فعلتِ باختبار اليوم ؟
جلست ليلى على المقعد بإرهاق قائلة : لا تشغلين بالكِ، لقد كان جيد .
بدأت أمها تتجه نحو المطبخ و هى تحدثها قائلة : سأحضر الطعام حتى نأكل سويًا ، لقد كنت أنتظركِ حتى تأتين ، فكما تعلمين أني لا أحب الأكل بمفردي .
تعجبت ليلى و قالت لها باستغراب : و أين كان سامح ؟
فردت أمها عليها بقلة حيلة قائلة : لقد نهض من نومه متأخرًا كعادته ، و بعثر محتويات الغرفة كي يعثر على قميصه ، ثم تشاجر معي حتى أخذ النقود و مضى. ، ثم أكملت بخنوع قائلة. : فليهديه الله يا ابنتي .
تأففت ليلى و قالت لها باستنكار : الدعاء بهدايته ليس كافي ، أنتِ و أبى رحمه الله من أفسدتموه بتدليلكم المبالغ له ، كل شيء كان مباح له و لأخيه فقط لأنهم صبية ، أخي الكبير تخرج و تزوج ثم سافر و لا يتذكرنا سوى باتصال كل مدة ، و الأخر أصبح تافه ، مدلل لا يتحمل مسؤولية ، حتى جامعته لم يتجاوزها حتى الأن ، و لا يفكر حتى بالعمل كي يساعدك .
تن*دت أمها مهمومة ثم قالت لها : لا داعى الى هذا الحديث يا ابنتي ، أخيكِ طيب القلب و فتى صالح لولا أصدقائه السيئين .
قطبت ليلى جبينها بضيق و قالت لها : انك تبذلين دومًا الجهد كي تجدى مبررات لكل أخطائه ، و لكنكِ حتما ستتحملين مسؤولية هذا لاحقًا .
أنهت ليلى حديثها ثم نهضت تتجه نحو غرفتها بغيظ ، فاستوقفتها أمها قائلة : ألن تأكلين معي ؟
فردت عليها ليلى باقتضاب : لا ، لن أّكل ، أنني احتاج إلى النوم أكثر .
دلفت ليلى إلى غرفتها و قد ضاق ص*رها عندها لاحت لها الذكريات ، فبرغم حنان أمها و أبيها رحمه الله عليهما ، ألا أنهم فرقوا في المعاملة بين الأخوة ، فكانت هي و أختها زينب دائمًا لا يلبي لهم أي رغبات كانت ، و بالأخص حينما وصلتا سن البلوغ ، و لولا الاصرار الذى تملكه هي ، لأصبحت مثل أختها زينب التي لم تكمل تعليمها الجامعي ، و مع ذلك كانت ترفض الزواج من أي شخص تحت مسمي السترة و الزواج فقط ، فلاقت من الاضطهاد ما جعلها ترضخ و توافق على من يرتضوه لها زوجًا ، و على النقيض الأخر كان للأخ الأكبر خالد الذى تزوج رغمًا عن الجميع من ابنة جارتهم بالحي ، و المشهود لها بالتدليل المفرط و سوء الخُلق ، و بررا ذلك بأنه رجل مسؤول عن تصرفاته و اختياراته ، و من بعد زواجه منها و سفرهما لم يتوقف أبويها عن مدحه و مرضاته هو و زوجته الرقطاء المتعجرفة .
تن*دت ليلى بهم حتى تطرد الهموم عن قلبها و بدلت ملابسها سريعًا ، ثم استلقت على فراشها و ذهبت في سبات عميق .
يتبع