بحنان استقبلته أمه حين عاد إلى منزله مهمومًا ، فاقتربت منه و جلست جواره على الأريكة قائلة : علي ، بني ، لما تأخرت اليوم ؟
فرد عليها علي في ضيق قائلًا : لقد وقفت حتى اتحدث قليلًا مع أصدقائي في الحي .
نظرت له أمه بترقب قائلة : هل وجدت عمل اليوم ؟
تن*د علي كمدًا و قال لها : لا ، لم أجد ، قطاع السياحة متضرر بشكل كبير و لا توجد وظائف متوفرة ، ثم **ت لبرهة و أكمل قائلًا : لقد أخبرت عماد أن يطلب من رئيس عملي القديم عودتي إلى عملي ، و إن عُدت بإذن الله سأبقي به حتى أجد الأفضل ، و أرجو من الله التيسير .
ربتت أمه على كتفه بحنان قائلة : فليريح الله قلبك يا بني ، و يرزقك من حيث لا تحتسب أو تعلم ، ثم أطرقت برأسها في ألم و أكملت قائلة : أعلم أننا أثقلنا عليك كثيرًا يا بني ، فمنذ أن توفى أبيك و أنت تحمل أعباءنا و مسؤليتنا ، و معاش أبيك لا يكفي شئ لا لطعام و لا حتي تعليم أخوتك .
فرد عليها علي نافيًا و قال : كيف تفكري بهذا الشكل ! الله يرزقني دائمًا من أجلكم ، و لم أحمل أبدًا عبءً لذلك .
نظرت له أمه بعمق و قالت له بقلق : إذًا ما الذى يضايقك إلى هذا الحد ؟ **ت علي و أطرق برأسه فأكملت أمه قائلة : ليلى ؟ هل هي ما تُشغل عقلك ؟
رد عليها علي و غصة ألم تمزق حلقه قائلًا : لقد أنهت اختباراتها اليوم ، و انتهت معها دراستها الجامعية ، لن يكون لها حُجة بعد اليوم لرفض الزواج ، و أنا لست جاهز لطلب يدها .
تن*دت أمه مهمومة و قالت له مواسية : أتركها لله يا بني فهو القادر على تدبيرها ، و من الذي يعلم أين النصيب ؟ ، أنا على يقين بأن الله سيُجبرك لأنك تستحق .
رفع علي عينيه إلى أعلى يأمم على دعائها ، فربتت أمه على كتفه ثم نهضت قائلة : سأعد لك الطعام .
فنهض علي قائلًا برفض : لا أريد يا أمي ، سأتحمم أولًا ثم أتفرغ كي أبحث على وظائف شاغرة من التي أعلن عنها على الأنترنت .
ثم تركها و دلف علي غرفته و خرج بعد قليل يحمل ملابسه و دخل إلى الحمام لكي يتحمم ، و فى تلك الأثناء عادت رغدة أخته من الخارج تقول لأمها مُتعجلة : أمي ، أنا جائعة جدًا ، أين الطعام ؟
ردت عليها أمها بعدم اكتراث قائلة : إن كنتي جائعة قومي بإعداد الطعام بنفسك ، لقد أرهقت طوال اليوم وحدي في الأعمال المنزلية و أنتِ و أختكِ بالخارج .
جلست رغدة على الأريكة لتستريح و هى تقول لها : أكملي جميلكِ و أعديه هو الأخر ، ثم تلفتت حولها و هي تسأل بفضول : هل جاء علي من الخارج أم سننتظره ؟
نظرت لها امها بغيظ و قالت : لقد جاء علي و دلف إلى الحمام كي يتحمم .
فنهضت رغدة قائلة : هذا خبرًا جيد ، لقد كنت أريد أن أطلب منه بعض النقود لشراء بعض الملازم دراسية .
نظرت لها أمها بحنق قائلة : إياكِ أن تطلبين منه شيء ، من أين سيأتي بكل تلك النقود ليلبي كل هذا ، اتركيه يكفيه ما به .
قطبت رغدة جبينها قائلة بنزق : لما تنهرينِ بهذا الشكل ؟ بماذا أخطئت ؟ و كيف سأذاكر دروسى إن لم أشترى المَلازم ؟
خرج علي على صوت عراكهم قائلًا باستغراب : أمي ، رغدة ، ماذا بكما ؟
فردت عليه أمه بعدم اكتراث قائلة : دعك منها و من تدللها زائد .
أقترب علي من رغدة بحنان قائلًا : ماذا حدث يا رغدة ؟
فردت عليه رغدة بضيق قائلة : فقط طلبت منها نقود لشراء ملازم دراسية ، فقامت بتوبيخي بهذا الشكل .
ردت عليه أمها بضيق لتقاطعها قائلة : دعك منها و من تدللها، ثم نظرت لها بغيظ قائلة : يمكنكِ أن تقترضيها من صديقتكِ أو تطبعين مثيلتها .
ضحك علي و نظر الى رغدة قائلًا : هذا فقط ما يغضبكِ ، ثم داعب وجنتيها قائلًا بحنان : سأعطيكِ ما تريدين ، هيا ابتسمي .
فقاطعته أمه قائلة : لا تعطيها شيء قبل أن تعود الى عملك .
فقال لها علي بتساهل : دعيها لله و هو سيدبرها ، ثم تركهم و التف عائدًا الى غرفته و هو يشير إلى رغدة ان تتبعه ، فحدجتها امها بغيظ متوعدة .
كانت ليلى مستغرقة في نوم عميق لم يوقظها منه إلا رنين هاتفها الذى تجاهلته ، فعاد الهاتف إلى الرنين من جديد ، لترد ليلى عليه في ضجر قائلة : أنكِ حقًا مزعجة ؟
ردت عليها صديقتها علياء من الطرف الأخر قائلة : تتركيني أحترق تحت أشعة الشمس ، و تغضبين حين أيقظتك من النوم !
ض*بت ليلى جبهتها بطرف كفها قائلة : معذرة يا علياء ، لقد نسيت موعدنا تمامًا ، لقد كنت مرهقة و متعبة جدًا .
فردت عليها علياء متجاوزة الأمر و قالت : لا يهم ، أخبريني هل وفقتي في الاختبار ؟
فردت عليها ليلى و هى تتثاءب قائلة : أظن ذلك .
ضحكت علياء و قالت لها مداعبة : خبيثة أنتِ ، و غدًا تظهر النتائج سوف تحصلين على أعلى تقدير .
قالت لها ليلى بتكاسل و هى ترغب في إنهاء الحديث قائلة : أتمنى ذلك ، لكن الأن هيا دعيني أكمل نومي ، ألن أراكِ غدًا ؟
أنهت علياء معها الحديث قائلة بمرح : أذهبي أيتها ال**ولة ، و لن أتى لكِ غدًا .
ضحكت ليلى و هى تغلق الاتصال قائلة : هذا ما تقولينه بكل مرة قبل أن نستيقظ على ازعاجكِ صباحًا .
هرب النعاس من عيون ليلى بعدما أنهت محادثة صديقتها ، فنهضت من الفراش و دلفت إلى الحمام حتى تتوضأ و بعدما أدت الصلوات الفائتة أغلقت باب غرفتها جيدًا ، ثم وقفت وراء نافذتها تختلس النظرات يمينًا و يسارًا ، و حين وقعت عينها عليه أنار وجهها عشقًا و ولعًا ، فظلت للحظات تتأمله و كأنها تشاهد لوحة فنية خطت خطوطها بدقة ، و عادت بخيالها تتذكر كم من المرات التي وقفت فيها وراء هذه النافذة تراقبه و تمنت وقتها أن يتلاشى هذا الحاجز الذى يفصل بينهم و يتوقف الزمان و يتوحد المكان فيجمعهم سويًا ، فلطالما عشقته هي منذ أن خلقوا و لهوا صغارًا سويًا في هذا الحي .
انتبهت ليلى من شرودها فالتقطت هاتفها تتصل بيه ، و ما إن سمعت صوته عبر الهاتف حتى ارتجف جسدها رجفة البدن المحموم ، و احتقنت وجنتيها و هو يقول لها بشوق : ليلى ، لقد اشتقت لكِ كثيرًا .
فقالت له ليلى بصوت مرتعش : و أنا أيضًا أشتاق لك كثيرًا يا علي ،
تن*د علي و قال لها بشوق لم يستطيع أن يخفيه : حقًا اشتقت لكِ كثيرًا ، لما لا تطلين من النافذة حتى أراكِ الأن .
ابتسمت ليلى و قالت له بمرح : لأنني أنا أقف وراء النافذة بالفعل الأن و أراك .
يتبع : -