الفصل الرابع

3454 Words
تلك الغرفة التي اجتمع داخلها جمعٌ من سياسي المملكة، والمعنيين بتسيير أمن وأنظمة نواحيها.. هذا الجمع يناقش مشاريع المملكة وأحوالها ويوصل مطالب شعبها الى المولى؛ فبيكهيون أمر بانعقاد اجتماعاتٍ مُماثلة لتوفير حياة أفضل لشعبه المناضِل. الأجواء في غرفة الاجتماعات الفخمة كان صحوًا مُشرقًا، المولى بيكهيون ينصت ويتفحص الملفات التي تحوي ما يتحدث به أولياء النواحي ومسؤوليها، المملكة تشهد تقدُمًا ملحوظًا، كما إن الاقتصاد مُرتفع والأموال وفيرة. انهى بيكهيون الاجتماع بابتسامة وزفيرٍ يعبر عن سكينة دواخله. شيئا فشيئا هدأت القاعة ولم يتحدث أحدٌ بشيء، كما لم يخرجوا لعدم سماح سيدهم لهم بذلك، بات الرؤساء يتسامرون الحديث بهدوء وبعضهم يراقب بيكهيون المبتهج مشرق الطلَّة، ومستشاره الروحي جوزيف. جوزيف هو ملك الفطنة والحنكة الدبلوماسية، في الكثير من المواقف وضَّح ولاءه لبيكهيون وسموّ الرابطة بينهما بات أعظم، هو وتايهيونغ كيانٌ واحد مع إلههما.. أقرب رجلين له وأكثرهم خبرةً وحنكة من أي رجلٍ يقطن مملكته. "أراك مُبتهجًا مولاي، فما سبب هذه البهجة؟" جوزيف تحدث بعد ارتشافه الماء من الكأس الموضوع على الطاولة المصنوعة من خشب البلوط الفاخر. "أتجهل عظمة هذا اليوم جوزيف، وأنتَ أول من علم بشأن حدثه الرئيسي؟" أجابه بيكهيون متكئا على ظهر الكرسي الفاخر خلفه. ابتسامته نافست اشراقة الشمس ذهبية الطلة، في حين عيناه الهلالية منحتاه هيئة ملائكية.. تكاد تشك بكونه بشريًا مع ردائه الأبيض ذاك، مُتيمٌ هو بالأبيض ويسعى لصفاء روحه ونقائها.. "هل تعتقد بأن تايهيونغ سيعود بالبُشرى؟!" تساءل جوزيف ناطقًا كلماته بصوتٍ معتدل اثناء ذلك نهض بيكهيون متجهًا نحو النافذة الواسعة التي تشغل ساحة جدارٍ كامل، تأمل اطلالتها على الحديقة التي تحيط القصر الملكي، قضم شفتيه وزفر بهدوء لكنها ظهرت كتنهيدة، لن ينفي القلق الذي يعتم جوفه؛ فخ** تايهيونغ ليس بالسهل. "بالطبع! ضع في الحسبان أن اليونان تتعرض لانتكاسةٍ شديدة ووضعٍ صعب؛ فوضعها الاقتصادي متراجع كما وأن ثقة البلاد شبه مضمحلة.. جيشها ليس بتلك القوة، وأيضًا هي غافلة تمامًا عَما يتربص بها، خطواتنا تمت بشكلٍ حذر وتم تدقيقها بشكل جيد، سلمية جيش مملكتنا يعطينا التميز ولن يتم انتقادنا بلذاعة. ونهايةً بمقطوعة الملكة ڤيولا، مقطوعة التجميد تلك بداعة موسيقية لا يجوز الاستهانة بها" تحدث المولى عن مزايا جيشه ونقاط ضعف خ**ه، هذه المواضع التي أشار اليها تمكنه من ضم اليونان الى حيز مملكته وتضمينها بين أملاكه؛ يرغب بأعلانها عا**ةً له ولمملكته العريقة. لطالما كانت اليونان رمزًا للفنون والعمران، كما انها حوت أعظم أساطير الكون وأسماها. الموسيقى والفن اختلطا بعناصر نشأتها، هذا تمامًا ما يليق بأن يكون مُلكًا له وعا**ةً لمملكته. بسريةٍ أرسل جيش مملكته بقيادة تايهيونغ نحوها وهاهو ذا ينتظر بشرى بسط سلطته عليها. جيشه يبتدع عزف الكمان والناي ولم يتعلم الرماية والتسديد، دروعهم وأسلحتهم م**مة بحرفية كي تظهر كما لو إنها أسلحة نارية، إلا أن ما تضمره داخلها ليس سوى أوتار لدنة وثقوب الهواء؛ كي تصدح المقطوعة التي تجمد سامعها على وضعيته، فلا ترى جفنًا يرف له. لم يحبذ قتل جيش اليونان وشعبها لو تصدى لجيشه وقاوم.. ينادي بالحرية والانسانية، ليس من اللائق والمنطق أن يفعل ما ينافي مبادئه، أثر هذا أسلحته تتحكم بأذهان ضالتها فورما تدركها، أشبه بأجهزة اختراقٍ عقلي او تنويمٍ مغناطيسي.. الشعور بعد زوال تأثيرها والصحوة من السبات المؤقت يكون مُحببًا ادمانيًا.. وهذا هو سلاح جيشه الذي يجابه نضيره على حدود اليونان. هدوءٌ شتته تايهيونغ حين فتح الأبواب بغتةً وولج غرفة الاجتماعات بهندامه المبعثر وملامحه الممتعضة.. " اليونان.. سقطت بيد الطاغوت! " كلماتٌ حاول تايهيونغ جاهدًا اخراجها من جوفه بانتظام وبنبرةٍ مسموعة، بصوته المبحوح المتصدع ونفسه المنقطع. رف بيكيهيون جفنيه مرات عديدة سريعة مُحاولًا أن يفهم ما قد قاله الكولونيل تايهيونغ؛ حتمًا هو لم يتوقع يومًا أن يسمع أخبارًا سيئة من رجله القوي ذاك.. " دونغهي استولى على اليونان واخترق أجهزة المملكة باثًا هذا التسجيل لنا " تفوه بكلامه ذي الوقع غير السار سريعًا، وقام بتشغيل شاشة العرض الالكترونية في القاعة على مضض. أثر حديثه بيكهيون جفت أطرافه من سوائلها وخُطِفَ لونه محدقًا بالشاشة بملامحٍ ساكنة. الشاشة السوداء الضخمة والتي شغلت الحائط بأكمله أخذت تبث التسجيل داخل الغرفة، تزامنًا مع باقي شاشات المملكة؛ ليرى ويسمع سكانها ذلك المحتوى.. الحاكم الأعظم والإله المُبجل للمملكة المُعادية يظهر رافعًا ثغرهُ الايمن بأبتسامةٍ جعلت من بيكيهيون يعقد حاجبيه مُغتاظًا من صاحبها.. دونغهي جالسٌ على عرشه الأ**د مُتكئا بظهرهِ اليه، مرفقاه قد استندا على مسنديّ العرش، أنامله الناصعة المُتشابكة أمام ص*رهِ، وجهه -بلونه المُشابه للون حبة الحُنطة- ذو الابتسامة الساخرة على شفتيهِ الزهرية.. هذهِ الألوان الثلاثة الوحيدة التي **رت سواده الحالك من ثيابٍ وعرش سرق من الليل عتمته.. باعد شفتيهِ لينطق بصوتهِ الذي لطالما كرهه بيكهيون :- " صباحُك سعيد ايها الإله المنبوذ، آوه! نسيت إنني قد قمت بتبخير سعادتك العظيمة قبل فترة قليلة.. هل رغبت بتقديم اليونان الحبيبة الى أبناء شعبك كهدية ذكرى تأسيس مملكتك؟ بحقك! ما ذنب اليونان أن يكون شعبها تحت سطوتك بحجة إرضاء رغباتك؟ يا رجل! اليونان العريقة! تريدها أن تُفسَد بين يد*ك؟! تأكدتُ توًا أنك أنانيٌّ بحق.. تُرى هل يعلم شعبك بما كنت ستقترفهُ باليونان؟ لا؟! لا بأس كل فردٌ في أرضك قد اصبح على درايةٍ بذلك، أسديتُ إليكَ خدمةً أوليس؟ في الحقيقة.. لم أكن انوي أن أضم البلاد اليونانية إلي لكنني أشفقتُ على ساكنيها؛ فهي بلاد عريقة ومن المُعيب أن تخسر تاريخها بإنضمامها الى أراضيك. وددت سؤالك بخصوص جيشك، بحق عظمتي.. أتود أن يكون أضحوكة كما أنت؟ ما هذهِ الأسلحة الهُزْأَة التي يحملها؟ عليك أن تفهم أن الجيوش وضِعَت لتكون القوة الضاربة التي تحمي وتنفذ أوامر قائدها، لا أن تجعل عدوها يهزمها بربع ساعة! بالمناسبة.. أرجو أن يكون صديقي الجالس معك في هذهِ اللحظة قد رضي بخطة إنقاذ ذلك البلد المسكين، آوه ألا تدري أن لي صديق يُخبرني بكل ما تخطط له؟ قد عرفت بذلك الآن؟ يبدو بأنني أكثرت عليك الأنباء السيئة.. أراك في وقتٍ لاحق.. إله المنفى! " عم السواد تلك الشاشة التي عرضت تسجيل الجبروت، لتنع** خلالها ملامح القادةِ وبيكهيون الذي وصل بهِ الحد أن يشعر أنفاسه كلهيب الجحيم؛ يا لهذهِ الإهانة الكبيرة التي وُجهت إليهِ الآن أمام شعبه وقادته! هزلية تعابير وجه عدوه أوقدت نيرانًا في سريرة بيكهيون، كبحها بتضييق قبضته على مسند الكرسي العظيم حيث يجلس. المولى المُهان بات يضغط فكيه ضد بعضهما أثر صوت دونغهي البغيظ الذي استمر بالتكرار.. لأول مرة بيكهيون حرر شيطانه أمام احدٍ غير تايهيونغ وجوزيف، استقام من على كرسيه الضخم وبقوةٍ لم يكُ يدرك من أين واتته، قام بحمله وصفعه بالشاشة، تناثر حطامها أرضًا وعلت معه شهقات وزراء وقادة بيكهيون مخطوفي اللون.. شعروا بتوقف السائل القاني في عروقهم عن السير فيها منعشًا اياها حين عاينهم بيكهيون اللاهث بنظراته الحادة، ضاقت أطراف عينيه الناعسة فأصبح مخيفًا، لا يمكنك حزر كمية الغيظ والغضب التي تتقلب داخله في تلك اللحظة.. ازدردوا ريقهم واحدًا تلو الآخر حين تمر عليهم نظرات بيكهيون المتمحصة.. يناظرهم كأنه يبحث عن ذلك الصديق الخائن، جميعهم علموا في تلك اللحظة بأن نهاية الرجل المقصود ستكون عبرة لمن لا يعتبر. اشتاط بيكهيون غضبًا حين لم يتوقف صوت دونغهي البغيظ على الرغم من تحطيمه الشاشة،عندها تذكر حديث تايهيونغ عن اختراق دونغهي انظمة المملكة وبث هذا التسجيل، غريزيًا بدأ دماغه في تصوير هيئات شعبه المنتفضة المستغربة أثر أقوال الملك المعادي.. فوضى عارمة! "اوقفوا هذا الهراء حالًا!!" بيكهيون شعر بأنه بدأ يخسر ذاته ويحرر رباط جأشه، الخيبات توالت عليه مغدقة شخصه وروحه.. أثقلت دواخله وقلت حيلته، شعر بالعجز لأولِ مرةٍ ورافق هذا الشعور رذاذًا من الخزي والعار.. لطالما كان حصن المملكة الرصين وربها العظيم، المسيطر الذي لا يتخاذل ولا يسمح للفشل بالتأثير عليه او ادراك أرضه.. أص*ر أمره ذاك بصراخ مدوي لم يتوقع أحد الحاضرين بأن ربهم المبجل سيحرره بهذه النبرة يومًا، هو هادئُ معطاء والرُقي رافق أنفاسه وجيناته فيبات دومًا كاظمًا غيظه وغضبه، عَّل تحريره إياه مصيبةً عظمى لا نهاية لها.. نيرانٌ مستعرة اشتعلت في دواخل بيكهيون لن يسلم منها أحد، وخيبةٌ عظمى لن يسلم منها شخصه بسهولة. امتثل كل من تايهيونغ وجوزيف لأوامره بسرعة البرق؛ فرؤيتهم ملكهم المبجل بهذه الحالة لا يزيدهم سوى حقدًا وبغضًا لنظيره المتبجح. تايهيونغ احتدت ملامحه واشتدت نبرة غلظةً وهو يتحدث بأوامره للقادة والرؤوساء بالخروج من القاعة، الغضب رافق خطواته السريعة خارجًا كي يقوم بايجاد حلًا للهراء الذي قصد بيكهيون؛ فهذا التسجيل يُبَث خارجًا لعامة الشعب من خلال شاشات العرض التجاري والاجهزة الالكترونية.. أي مبرمجٍ يمتلكه دونغهي كي يقوم بتحطيم الجدار الناري الحامي لجميع اتصالات ومعلومات المملكة الذي **م خصيصًا لها؟ قطع تايهيونغ نصف المسافة في الممر كي يخرج من مقر الاجتماعات وبيده اليمنى يجري اتصالاته بالمقر الرئيسي للاتصالات والمعلوماتية الالكترونية، كاد يأمرهم بقطع التيار عن الوحدة الرئيسية للاشارة، ولكن حادثه الرئيس المعني بذلك القسم فجأة أثناء قيامه بمحاولة فصل التيار.. أخبره بمعلوماتٍ تفيد بأن اختراق دونغهي قد تم الغاؤه وعاد المركز متحكمًا بجميع اشارات المملكة. تن*د تايهيونغ متوقفًا عند نهاية الممر الطويل أثر ذلك الخبر، وأمر بفصل التيار لحين اجرائهم التعديلات اللازمة على الجدار الناري.. لم ينسى تذكيرهم بمصير رؤوسهم المقطوعة إن لم يتم تجديد النظام قبل مغيب الشمس، لن يقبل الخطأ ولن يرضى بالتقصير؛ فبيكهيون يعمل جاهدًا كي يوفر لهم أفضل الوسائل ليقابلونه بهذا الفشل الذريع والخيانة المخزية؟ زفر بحنقٍ وهو يعود بخطاه الى مقر الاجتماعات حيث بيكهيون متصلب الاطراف وجوزيف الذي يقضم شفتيه بمحاولةٍ لأيجاد الحلول.. عينا جوزيف لم تفارق هيئة بيكهيون شبه المنهارة ولو لثوانٍ معدودة؛ أول مرة يشهد ردة فعلٍ عنيفة كهذه منه.. اطراف بيكهيون ترتجف أثر الغيظ والغضب وقد تمكن جوزيف من ملاحظتها رغم محاولة بيكهيون اخفاءها عن طريق ضم يديه لبعضهما.. بيكهيون هوى على أحد الكراسي وانحنى بجذعه مسندًا مرفقيه على فخذيه، في حين كفيه تخفيان وجهه وملمحه المتخاذل الحزين.. اليونان كانت حلمه، وما اهدر عليه سنوات يعمل على توفير ظروفٍ تمكنه من ضمها لملكوته، سقوطها بهذه الطريقة الهازئة هز كيانه واردى كبريائه.. أثر هذه الأهانة وعظمة الفشل بيكهيون شعر بتحرر قطراتٍ ملحية أسفل كفيه، زفر وقام بمسح دموعه القليلة تلك حين استشعر دخول تايهيونغ للقاعة المليئة بالحطام، المحمومة بغضب وغيظ وخذلان بيكهيون. "هل سيطرت على الاختراق؟" استفهم جوزيف عن سبب عودة تايهيونغ بصيغة أخرى؛ فهو عالمٌ عن سبب ولوجهِ خارجًا. "لقد قام ببث ما يريده ثم سحب سيطرته عن اجهزتنا، أمرتهم بأيقاف البث وإعادة تنظيم الاجهزة" أجابه تايهيونغ بايجاز. "ماذا عن الخائن مولاي؟" بصوتٍ خافت تحدث جوزيف متقدمًا نحو بيكهيون المتسمر على وضعيته المتخاذلة، وبيده اليمنى مسح على كتفه مواسيًا مولاه. "ماذا عنه؟ لستُ ادري ما أفعل الآن" بعدما تأكد من ازالة ما يدل على تحريره قطرات الحزن المالحة، رفع بيكهيون رأسه مجيبًا اياه بسؤال؛ يشعر بالفتور وقلة الحيلة.. الضياع هو ما ينازع بيكهيون في خضمه، خسارة اليونان لهو احباطٌ عظيم يصعب تخطيه، وجوزيف الذي اخفض رأسه حزينًا لقول مولاه يؤكد على هذا. "اعدك مولاي، سأجده وأضع رأسه عند مداس قدميك!!" كلمات محمومة لفظها تايهيونغ خارجه؛ فهي باتت تحرق دواخله مستفزة إياه. "افعلا ما تريانه مناسبًا" نهض بيكهيون بملامحٍ هادئة ولا تظهر أي ردة فعل، عاينهما ب**تٍ ثم سلك طريقه خارجًا بخطى بطيئة.. لا يرى شيئا أمامه ولا يبتغي في هذه اللحظة سوى ادراكه ڤيولا واحضانها؛ فهو لا يقوى على استيعاب الكم الهائل من المشاعر التي تدمر وتؤلم جوفه. ---*--- ،توقفا عندما انتهت خطوات طويل القامة عسكري الزي قرب درجات العرش الأ**د بزخارفه الذهبية، لمن يعطيهم ظهره واضعًا يديه في جيبي بنطاله مُقابلًا مستشاره مُحدثًا إياه بهمس.. " السيد ڤيرنون والآنسة ديلابرا مولاي " تحدث الطويل التفت إليهم بهدوءٍ والبرود يكاد لا يطلق سراح إمارات وجهه، التي باتت كالصقيع المختلط برذاذ الثقة، ابتسامة صغيرة سكنت زاوية شفته العُليا ليقول : " بإمكانك المُغادرة آرثر " انحنى من سُميَّ بآرثر والتفت مغادرًا تاركًا الاثنين مع سيده.. برويةٍ تراجع عدة خطوات الى الخلف وجلس على عرشه دون أن يُحرك ناظره عنهما.. شابٌ حاد الملامح عاقد الحاجبين مُهيب الطلة يرمقه بكره واضح، شابة بأعين واسعة تدقق ت**يم عرشه بعينين واسعتين وحوافٍ ضيقة أثر وقع الموقف لم تفقد هدوء ملامحها الصقيلة، راقية المظهر والمنحوتة كما لو انها قطعة من روح الجميلة ڤينوس، أنوثتها الطاغية مع رجولة ش*يقها الصارخة فرضت على من يتأملهما القول : " فهمتُ الآن لِمَ ملك المنفى سعى جاهدًا لتملك بلادكما، لو كان جميع رجالكم ونسائكم بهذه الطلة فما بال باقي تفاصيل اليونان؟" " لم تُبقينا على قيد الحياة لتسمعنا حديثك المسموم " تحدث ڤيرنون بصرامة رفع دونغهي حاجبه الأيمن مُستغربًا شجاعته، الطاغوت نسي متى اخر مرة تحدث رجلٌ إليه بهذه الطريقة.. " أتدرك مع من تتحدث؟ " " كما تدرك أنني احدثك هكذا " امال دونغهي رأسه الى جانبه الايسر بحاجبين مُنعقدين ليتساءل : " هل تُسمي هذا شجاعة أم تهور؟ " " ما تفضل تسمية نفسك به " تلك النظرات القوية التي تناسب رجلًا كڤيرنون كانت تُبارز جبروت الآخر، ابتسم دونغهي بخفة لينهض سائرًا نحوهما بهدوء " سأتجاهل وقاحتك ايها الشاب كون والدك قد فارق الحياة اليوم، أنّى لك شخصية كهذه إن مات والدك مُنتحرًا ؟ " " والدي فضل أن يُنهي حياته على أن يرى بلاده بلا حول ولا قوة تسقط بيد الطاغوت " " جبان، لم يستطع مواجهة فشله " " طاهر، لم يشأ أن يُدنس روحه بلقياك " " لمَ لم تُطهر روحك إذن؟ " " لأستعيد كرامة ابناء شعبي " " لا كرامة لمن يُساق كالبهائم " قال دونغهي عندما وقف على مقربةٍ منهما مُقابلًا إياهما، خاتمًا حديثه بنظرةٍ تَقَصَّد أن يشعرهما من خلالها بالاستحقار " اقتلنا إذن " تحدثت ديلابرا أخيرًا بنبرةٍ هادئة جعلت من ش*يقها يومئ بالموافقة " كنتُ سأفعل لولا معرفتي بفائدتكما " " لن تخرج بفائدةٍ منا، كن واثقًا بذلك " قال ڤيرنون بأبتسامة ساخرة قهقه دونغهي مُلتفتًا الى مستشاره وكأنه يطلب منه أن يستمع إلى ما قاله ڤيرنون، فوجده يبتسم بتهكم.. أعاد نظره الى ضيفه بعدما تأمله لثوانٍ حتى قال : " عليك أن تنال قسطًا من الراحة حتى لقائنا المقبل، أتفهم خسارتك والدك وعرشك.. لكن عليك أن تستفيق الآن وتعي واقعك " لم يجبه ڤيرنون وأنما رمقه بكرهٍ اكبر، مكورًا يديه لدرجة إحمرارهما. لم يكن بحياته غاضبًا لهذه الدرجة، لم يتلفظ بوقاحةٍ ولم يجرح احدًا، لكن فكرة تدنيس أرضه بحكم هذا الطاغوت قد اجبرته على التصرف بهذه الطريقة، واجبرت ش*يقته على الهدوء خوفًا منه، ش*يقها الأكبر بدا بأكثر المظاهر رُعبًا منذ أن ابصرت عيناها إياه. صوت دونغهي قد سُمِع بنبرةٍ آمرة عندما قال: " جونغهيون، قدهما الى الجناح الشمالي وأحرص على أن يشعرا بالراحة التامة " تحدث مُنهيًا ذلك اللقاء بعدما تقدم جونغهيون إليهما بابتسامة صغيرة، مُشيرًا الى الجانب المُعا** لهما.. استمر جونغهيون بسيره ليتبعه ڤيرنون ضاربًا قدميه الأرض بغيظ، اتبعته ش*يقته بخطواتٍ بطيئة مُراقبةً من وصفته بالكريه كأعظم شتيمة عرفتها؛ فهي لم تختلط يومًا بمن يطلق ل**نه الألفاظ النابية أو من يتصفون بصفات تُشابه دونغهي.. كيف من الممكن للأنسانِ أن يصنع من نفسه إلهًا؟ هل للبشرية تلك القابلية التي تخولهم بعصيان انسانيتهم فيتجردوا منها؟ لِمَ على دونغهي أن يتلذذ بألمها وش*يقها؟ هل يحسب أن فقدان الوطن بهذهِ السهولة؟ باتت تتساءل عن كونه بشرًا بحق أم إنه مُجرد شيء ما اخترعه الغرور كلعبة الماريونيت، فيُحركها الطغيان كما يشاء. جلس على عرشه مُجددًا دون أن يعيد نظره إلى الش*يقين، لكنه رفع عينيه إليها فجأة ليطرد كل ما في بالها عنه، نبيهٌ ويقظٌ كأنه إله يعلم ما يحيط به، للدرجة التي شعر بعينيها المصوبتين نحوه.. انتفض جسدها بخفة فور أن عصفت نظراته الحادة عينيها، تسارعت خطواتها مهابة منه والتفتت تكمل طريقها خلف ش*يقها.. جلسته وطريقة حديثه ونبرةِ صوته وتفكيره.. ليسو إلا دليلًا على أن ابليس قد تنحى عن عرش الشر للمُسمى بـ دونغهي.  فمهما فعل ذلك المخلوق -بنظرها- لن يوازي ما فعله هذا الجبروت بحياته. ---*--- في تلك الساعات التي تبردُ فيها النسائم وتخلدُ الطيور أعشاشها طلبًا للراحة، حينما ترقد الشمس في مخبأها ويسكن البشر منازلهم بعد ساعات النهار الطويلة.. يحين وقت اوراق الاشجار أن تص*ر حفيفها بصوت مرتفع، وأن يتجلى القمر كبد السماء متوسطًا نجومه، حول ضياءه تحوم الغيوم لتُكمل بهاء محيطه.. شعب المملكة الغربية غط بنوم عميق في هذا الوقت؛ ليستأنفوا اعمالهم المُعتادة صباح الغد، عدا حُراسها الذين كانوا يُراقبون حدودها وشوارعها بلا كللٍ او ملل.. داخل ذلك القصر ذو الت**يم الهندسي الحديث وبلاطه الفاخر.. قد خلد كلُ من فيه إلى النوم أيضًا، عدا الحسناء ديلابرا التي اخذت تجوب اروقته بعدما هرب منها نعاسها، وكما يبدو انها كانت خائفة -سرًا- أن تغمض لها عين داخل معقل الجبروت. تركت خلفها ش*يقها نائم بعد نوبات من الغضب والصراخ التي اطلقها حينما كانا وحدهما، وريث العرش كان غاضبًا لما حصل في هذا اليوم المشؤوم.. ابتعدت عن غرفتها بعدما تخطت ثلاث ممرات، رغم كرهها لهذا المكان إلا ان ضخامته وإتقان ت**يمه البسيط قد اعجبها، للحد الذي لم تترك فيه زاوية إلا وتمعنتها.. شبابيك كبيرة مستطيلة الشكل تمتد من اعلى السقف حتى نهاية الحائط، وتبتعد عن بعضها بمسافاتٍ تم حسابها بدقة. يطل الجانب الأيسر من الممرات على دواخل القصر من حدائق وساحاتٍ كبيرة، الجانب الأيمن كان يُقابل أحد افخر شوارع المدينة واعظمها.. ألا وهو شارع الإله الذي يقضي فيه وقته من مختبراتٍ ومكاتب ومراكز علمية، والتي تُقابل جميعًا نصب المُثلثين الذين يرمزان لهذهِ المملكة. أرضيةٌ بيضاءٌ لامعة وسقف أ**د نُقش عليه رمز المملكة بأُطر ذهبية، رائحةُ الأوركيد تطوف في ثنايا المكان، وصوتُ خرير ماء بات يقترب من مسامعها. حاولت تتبع صوت الماء بنظراتها باحثة عنه، حتى سقطت عيناها على نافورةٍ ضخمة في نهاية الممر، والتي بدت كما لو أنها ملتقى لباقي ممرات القصر. تسارعت ديلابرا بخطواتها إليها منبهرة بجمال تلك القطرات النقية التي تراقصت تحت ضوء القمر، حيث كان يراقبها الأخير بلهفة مُغرمًا بصوتها العذب وشكلها الجذاب.. دهشة ديلابرا ازدادت عندما لاحظت السماء فوقها، شهقة عميقة صُدرت من جوفها فورما لاحظت أن القمر كان كبيرًا واضحًا، والنجوم تتلألأ كما لو انها مصابيح كبيرة. عيناها الواسعتان تغزلتا بما حولها وابتسامتها الواسعة اغرمت بكل شيءٍ.. " لا أكادُ اصــدق ما آراه! " بصوت متقطع همست بعجبٍ عندما لاحظت شهاب قد قطع سقف الغرفة من يمينها حتى يسارها، لم ترى شيئا مماثلًا في حياتها كهذا الجمال. ارتعد جسدها ليلتفت رأسها على عجلٍ باحثة عن صاحب ذلك الصوت الذي سُمع حولها : " السقف عبارة عن عدسة لامة ضخمة، تبرز تفاصيل السماء أكثر " لمحت بريق كأسٍ زجاجي يحوي بداخلهِ سائل بلون قرمزي قد لمع بفضل ضوء القمر، اخيرًا رأت رجلًا ضخم الهيئة يجلسُ واضعًا ساقهُ اليُسرى على اليُمنى، ويسند بذراعه اليمنى على ساقه اليُسرى فوقها الذراع الأخرى التي كانت تُمسك بالكأس.. عيناه كانتا فارغتانِ من اي تعبير، رسمهما كان مُبهمًا غامضًا لا يُفهم، لم ترى في عينيه انعكاس البحيرة او حتى بريق ضوء القمر.. يا لذلك الظلام الساكنُ فيه! لم يلتفت اليها.. اكتفى بمراقبة الماء فقط : " لا شيء مُستحيل في هذا العالم " كيف سمح لها غبائها ألا تنتبه لوجوده؟ لقد لاحت عيناها المكان اكثر من مرة كيف لم تنتبه له؟ ازدردت رمقها بصعوبةٍ وحاولت أن تبقي الهدوء مُسيطرًا عليها..   " شابة شجاعة تطمح لأستكشاف ما حولها " قال بنبرةٍ عميقة وحاجبين مُنعقدين، كأنه يحاول ايجاد عذر ما يمنعه من نفيها خارج مملكته أو تعريضها لأحدى غُرف الت***ب الخاصة به، صدقًا اي سبب يدفعك الى التجول في ملكوت الشيطان؟! جزءٌ من شجاعتها تصارع معها طالبًا الافراج عنه فيفر هاربًا مما قد يفعله هذا الطاغية في ساعات الظلام هذه.. تمسك كل ما فيها بأكمام شجاعتها وبقيت مكانها تناظره بهدوءٍ ع** دواخلها. " روحٌ مغامرة قوية " بملامح باردة اخذ يحاول تفسير سبب بقائها وعدم هروبها هلعًا من نبرته، ربما عليه أن ينظر إليها فيجعلها تهابه اكثر؟ كان لا يزال ينظر الى النافورة حتى حلق نظره ليهبط عليها بابتسامة جانبية صغيرة : " أرواحنا متشابهة " رفع الكأس الزجاجي الذي كان بيده مُرتشفًا ما فيه على عجلٍ حتى ابعده عن شفتيه بعدما امتعضت ملامحه للذوعة شرابه.. " من العار أن تشابه روح ابنة الأمبراطور اوستيوس الثاني مخلوقًا كأنت " كلماته التي اثارت غضبها جمعت حروفها لتطلقها بصوت مُتزن ونظرات وازت غضبها، التفتت مغادرة المكان عندما لمحت نظراته الحادة التي اثقبت شجاعتها وكما يبدو أنها حاولت الفرار بطريقة مُغلفة بالشجاعة باطنها الخوف. صوت استقرار كأسه على ارضية صلبة سُمع تزامنًا مع خطواتها المُتسارعة، نهض برويةٍ سائرًا نحو حافة نافورته ليقول بنبرة هادئة ومعالم خبيثة : " انتِ وڤيرنون.. تتصرفان بطريقة تظنان انها تسري عليّ، تدعيان الشجاعة بينما انتما أجبن من أن تواجها أرنبًا صغيرًا، بأمكاني الشعور بخوفكما " توقفت بطريقها عاقدة حاجبيها مزفرة بعمقٍ؛ تحاول حل النزاع ما بين خوفها وغضبها الذي صرخ عاليًا أن تستعيد شجاعتها اليونانية لتحارب عدوها هذا.. استجمعت جأشها بعدما صرعت رهابها ارضا، لتلتفتُ اليه قائلة بنبرةٍ ثابتة وعينين استقرتا عليه : " أستمحيك عذرًا ايها الإله، لكن الاستخفاف بأعدائك لأمرٌ مضر بجبروتك " قهقه بخفةٍ بعدما وضع يدهُ اليمنى في جيب بنطاله البُني، واليُسرى ابعد عن رقبته ياقة قميصه الأ**د بأنزعاج طفيف ليقول مضيقًا قطري عينيه : " جبروتي كما هو منذ مئتي سنة مضت، انا كما انا منذ زمن بعيد ولم يجرؤ أحد على زعزتي؛ لذا احفظي كرامتكِ واخيكِ ولا تّدّعون القوة أمامي، لا شماتة فيمن يظهرون خوفهم.. فهم اصدق منكما على أي حال " سيحين اليوم الذي ستركع فيه ذليلًا خائبًا " " قالت ذلك بوعيدٍ ونظرات حادة امتزجت مع هدوء ملامحها. رغبت بمغادرة المكان؛ فالتواجد معه كغرفةٍ لا هواء فيها؛ حديثه ونغمات صوته وابتساماته الساخرة باتت كالسم لعينيها الكحيلتين واذنيها المُقدستين. " قبل ذلك اليوم يا آنسة.. ستكونان تحت طوعي وأمرتي كما فعل غيركما " حاجبه الايمن ارتفع، ونظراته تماشت مع نبرته الشديدة والزاوية اليُمنى لشفتيه المُتهكمة. " سنرى ذلك " عدوى السُخرية تناقلت إليها، لتدفع بحروفها تلك الى مسامعه وعيناها فضحتا تهكمها إياه. اومأ بنعم ماسحًا على زاوية شفته السفلى بتفكير، وكأنه يتفحص كلماتها أن يوافق على عرضٍ لتحدٍ يستمتع فيه لسويعاتٍ قليلة. تمشى نحوها ونظراته سكنت الأرض حتى اقترب مارًا بجانبها مُشيرًا بأصبعه السبابة إليها بنبرةٍ هادئة ونظرة صلبة : " وضعتكما نصب عينيّ " بعدما مضى بجانبها وابتعد عنها سالكًا الطريق المُعا** لها، ازدردت ريقها بتوجسٍ مما قد يفعله، كل ما تفكر فيه هو الحفاظ على كرامةِ شعبها وكبرياء ش*يقها، لم تشأ اعلان حرب باردة مع دونغهي.. لكن اسلوبه ومحاولته **رها وفرض شروطه الخاصة عليها واخيها، لم تتقبل ذلك بسهولة! وكيف ذلك وهي ابنة الامبراطور التي هُذبت منذ نعومة اظفارها على حماية شعبها وتقديس وريث العرش والامبراطور المُقبل لليونان.. ڤيرنون. صوته العميق دوى مُترددًا خلفها : " بأمكانكِ استكمال جولتكِ، لا ضير في ذلك " خطواته ابتعدت عن مسامعها واقتربت منها الأفكار السوداوية جميعًا، الخوف طرق أبواب قلبها والهواجس ملأت عقلها.. هل ستسمحُ فتاة اليونان أن تكون هي، ش*يقها وشعبها فرائس سهلة لهذا الإله اللعين؟ -- نهاية الفصل --
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD