شوارع اليونان امتلأت بأفراد الشعب، مُتراصين حول الطريق الذي حرس أطرافه أفراد الجيش؛ ولي العهد قد عاد!
نعم، فڤيرنون لم يكن في يده حلٌ سوى القبول بعرض دونغهي، والذي ما أن فكر في الأمر وجده أقل الخيارات في سوء عاقبتها.
سيبقى الجبروت بصحبة الأخوين حتى انتهاء مراسم التتويج، ثم يعود بهما الى أرضه؛ لا يثق بتركهما يذهبان وحدهما، وايضًا هو ينوي تذكير اليونان بأنها ليست حرة.
المراكب النفاذة بلونها الفضي وبشرتها الفولاذية قد توقفت عند مُدرجات قصر الامبراطور.
أول مركبة كانت لڤيرنون وش*يقته، قد عجب هو وديلابرا حينما سمح لهما المولى بالظهور قبله في أرض اليونان.
لم يكن في حسبانهما أنه قد فكر بما سيعتقده الشعب عنه، لم يكن يهتم لهما ولا لمن سيظهر أولًا، بل لمن سيُمجد الشعب أكثر!
صحيحٌ أن الشعب قد كره وحقد وغضب من دونغهي وشرِّه لكنهم كبقية الشعوب، سترضى بمصيرها حينما تجد ما يجب توفيره لهم، وهذا ما اعتقده دونغهي.
مهما يكن امبراطورهم طيبًا ونفّاعًا، ستبقى طائفةٌ من الشعب تُفكر بكونه دُميةٌ لا يُحركها سوى مولى الغرب.
وهذه الفكرة في جوهر الأمر صائبة؛ دونغهي قد أوهم الامبراطور بإطلاقه سراحه لكنه في الحقيقة عبدًا له.
تَرجل ڤيرنون أولًا ثم تبعته ديلابرا، انحنى الشعب بحركةٍ واحدة فورما لاحت عيونهم الأخوين، الهتافات مجدت ولي العهد ورثته بوفاة والده ثم اخبرته أن جميع أفرادها معه.
رسموا تعابير الحزن على ملامحه؛ شعبه يحبه حتى وإن تحالف مؤقتًا مع الشيطان؛ ربما لأنهم يثقون بخليفة ابيه؟
عينيّ ديلابرا قد غرقت بقطرات دموعها التي لم تفيض بعد؛ ليس عليها البكاء الآن سيرى الجبروت حزنها فيبتسم!
رفع ڤيرنون يده فأخذ يُحيّ هو الآخر شعبه؛ كم أحزنته نظرات الشعب البائسة والتي كانت في البعض غاضبة.
لاحظ الورود بالوانها المختلفة وهي تتساقط من أيدي الأفراد الأقرب اليهم فتترامى أمام الأخوين، أقتربتا فتاتان صغيرتان تحمل كل منهما باقةً كبيرةً من الورد الأبيض، نُسج شعرهما من ذهبية الشمس فراح يتراقص بعضه في الهواء لهبوب تلك النسمات الخفيفة، احدهما شعرها قصير حتى رقبتها والأخرى طويلٌ حتى نهاية ظهرها.
ترتديان فستانين أبيضين قد كشفا ذراعيهما وساقيهما حتى الركبتين، كانتا باسمتي الثغر أحلى حتى من الورد الذي تحملانه.
وقفتا أمام ڤيرنون الذي ما أن رآئهما حتى أنحنى بطوله إليهما، رفع يده مُداعبًا شعر الأولى ثم مَسح على خد الثانية.
لاحظ خجلهما الطفولي الذي لون خديهما بورديةٍ دفعت شفتي ڤيرنون على الأبتسام اكثر.
" هذهِ لك مولاي "
قدمت الأولى باقة الورد التي بيدها قائلةً ذلك بخجل
اخذها ڤيرنون وهو يبتسم ويقول :
" سأزرعها في حديقتي الخاصة "
اخفضت الطفلة رأسها ببسمةٍ كبيرة وتحركت مُتجهةً نحو ديلابرا واتبعتها الثانية.
جلست ديلابرا على ركبتيها حينما اقتربت الفتاتين منها، كانت باسمةً بسمةً خلقت جمالًا خاصًا بها، مع دموعها التي لاتزال عينيها تُحاربان نزولها، كان وجهها قد تخطى مرحلة أن يوصف بالف*نة.
بلطفٍ لامست يد كل واحدةٍ منهما واحتضنت كفيهما بخاصتيها الناعمتين.
قدمت الثانية باقة وردها ببسمةٍ واسعة وقالت:
" هذه لكِ مولاتي "
شكرتها ديلابرا بهمسٍ بينما تأخذ الورد سعيدةً به، لو شكرتهما بصوتٍ مسموع لعرفتا أنها ستنفجر باكية.
باغتتها الطفلة الأولى حينما نزعت عن رأسها طوق الورد الأحمر الذي كان يُزين ذهبية شعرها ثم وضعته بخفةٍ على شعر ديلابرا الأ**د.
شهقت ديلابرا سعيدةً بتصرفِ الصغيرة فأجتذبتها نحوها مُحتضنةً اياها، وكذلك فعلت مع الطفلة الثانية.
انتبهت الأميرة لذلك ال**ت الذي عم المكان، **تٌ لا يختلف عن خاصة المقابر.
ابتعدت عن الطفلتين واخذت تنظر حولها، ما بالهم ينظرون الى المُقدمة بهذه الطريقة؟
دحرجت نظرها الى ما كانوا ينظرون فأكتشفت أن الجبروت قد نزل من مركبته مع زوجته إيڤانكا.
فستانها الأ**د الذي غطى ذراعيها ونزل يُغطي بقية أجزاء جسدها حتى ساقيها البيضاوتين، كان ضيقًا عند الص*ر والخصر نزولًا الى الأسفل.
تعابير وجهها التي فضحت غرورها الطاغي من بسمةٍ خفيفة ونظراتٍ استصغرت بها من حولها.
جمعت شعرها الأ**د بلونِ الفحم على جانب رقبتها الأيسر.
ثم تُحيط بذراعها الأيمن ذراع زوجها الذي لم يختلف في لون زيه عنها او حتى في نظراتها.
نهضت ديلابرا وأشارت للطفلتين بالركض بعيدًا، اومأتا واخذتا تركضان على عجلٍ فيلاحقهما خلفهما شعرهما الذهبي.
حولت نظرها الى الجبروت وزوجته ثم زفرت مُحاولةً التجهز لحربٍ من النظرات الباردة.
لم يهتم دونغهي بنظرات الشعب الغاضبة منه ومن تبعه من مملكته، اخذ يخطو الى الأمام وكأنه لم يتعرض لعاصفة الإهانة الصامته هذه.
اقترب من الش*يقين فأخذت سيوف النظرات بين الفريقين تتصارع، ابتسم دونغهي بسخرية حينما راقب ملامح ڤيرنون الهادئة، ش*يقته لم تكن اكثر هدوءًا منه.
أعاد نظره الى الأمام فأخذ يصعد الدرجات مُتجهًا الى الداخل.
تبادل الش*يقان نظراتهما وكأنهما يتأكدان من صحةِ بعضهما من زوبعةِ نظرات الجبروت المُتهكمة.
الشعب حولهما كان مُحتارًا؛ لم يفهموا لِمَ ڤيرنون يتقبل ذلك الشيطان في أرضه المُقدسة بينما هم هنا بإمكانهم التضحية بأنفسهم في سبيله؟
كان بعضهم مستاءً من هدوءه والذي ترجمه غيرهم بالضعف!
لم يفكروا أن بألف جُندي من جيش دونغهي قد تُفنى اليونان ب*رف يومٍ واحد، لا يمكنه المُخاطرة بحياة شعبه ابدًا.
---^---
كانت أصناف الطعام المُختلفة قد زينت طاولة العشاء في قاعةٍ لا تخلو من تماثيل الآلهة اليونانية، والتي ترتبت على أطراف القاعة كما لو أنها تقف شامخةَ الرأس تحمي هذه الأرض المُغتصبة.
أرضيةُ القاعة تفاخرت بلمعان رُخامها الأبيض، سقفها زينتها ثُّرَيَّات ضخمة الحجم تتبهى بطولها المُعلق حتى مسافة الثلاثة امتارٍ عن الأرض، تشع كشمسٍ بلونٍ ذهبي طَلى القاعة بهيبة.
على أحد مقدمتي الطاولة جلس ڤيرنون وعلى يمينه ديلابرا وتتابع بعدها اربعُ شخصياتٍ مُهمةٍ في البلاد، تمثلت بأمرأةٍ جلست قرب ديلابرا وثلاثة اتخذوا موقعًا بجانب السيدة.
على المقدمة الاخرى جلس دونغهي وعلى يمينه إيڤانكا، بجانبها جلس الكولونيل آرثر ثم جونغهيون وأخيرًا رجلين تبعا دونغهي من مملكته، كانا بمنزلةٍ ادنى مرتبةً من الكولونيل آرثر لكنهما ذوي سلطةٍ واسعة في المملكة الغربية.
المكان تعجه أصوات تلامس السكاكين بأرضية الصحون مُقطعةً شرائح اللحم، ثم صوتٌ خفيفٌ صادِرٌ عن غرس الأشواك بقطع اللحم الصغيرة.
صوت أنفاس الفريقين كانت خافتة لا تُسمع، عن ماذا سيتحدثون والأوضاع بينهم متوترة؟
عينيّ دونغهي مصوبةٌ نحو صحنه، يكتفي بتناول الطعام بهدوء بالغ، تساءلت زوجته إن كان هدوءه هذا داخلي ايضًا أم أنه خارجي فقط ككل مرة؟
ڤيرنون كان يُقطع من صِنف اللحم البعيد تقريبًا عن ش*يقته وينقله اليها؛ يعرف جيدًا أنها تُحب هذا الصنف لكنها تستحي الأخذ منه، كونه يُقابل أحد رجال دونغهي المُهمين.
ديلابرا كانت تبتسم في كل مرةٍ يفعل ذلك ڤيرنون لها؛ هي ممتنة جدًا كونه امبراطور بلدها القادم؛ سيفعل مع شعبها المثل.
إيڤانكا لاحظت ذلك الجو اللطيف بين الأخوين، نال الانزعاج اطراف عينيها وملأت الغيرة قلبها؛ لِمَ لا يفعل دونغهي ذلك ايضًا؟
رفعت حاجبها الأيمن ومطت شفتيها حينما تذكرت هوية زوجها، سرًا سخرت من نفسها وفضلت عدم التفكير في الأمر أكثر.
حولت إيڤانكا نظرها لزوجها فوجدت بسمةً صغيرة أخذت من مساحة وجهه القليل، رفع نظره إليها وأمال رأسه جانبًا، كان كما لو أنه يسخر منها.
أمال بجذعه إليها وهمس :
" لم نتزوج لأجل هذا، صحيح؟ "
رمشت بعينيها عدة مراتٍ؛ تذكرت توًا أن زوجها يستمع لأفكار من حوله!
لحظة، هل كان هادئا للدرجة التي كان يتنصت بها للقابعين حول الطاولة؟
ابتسمت وأعادت نظرها الى صحنها تأكل.
ابتعد عنها دونغهي والسخرية لا تكف عن المكوث في تفاصيل وجهه.
مضغت إيڤانكا قطعة اللحم بينما كانت متضايقةً مما حدث، هل عليها أن تُفسد ربيع الأخوين لتستريح؟
ملامح دونغهي قد زارها الترقب برفقة الهدوء بينما يستمع لأفكارها، ما الذي تنوي فعله؟
من الطبيعي أن يهتم الأخ بش*يقته الأصغر، ليسا زوجين لتكره لُطف الأخوين لبعضهما!
أخذت نفسًا عميقًا وقالت باسمة بينما تقطع طعامها دون النظر لأحد :
" اتساءل أين سيجعلنا ولي العهد نمكث؟ "
توقف ڤيرنون عن تقطيع طعامه ورفع نظره لإيڤانكا مُتسائلًا في دواخله عن مقصدها، بالتأكيد ستمكث في القصر! هل هي سطحية التفكير لتتساءل حول الأمر؟
بسمة خفيفة طرقت شفتي دونغهي دون أن يرفع نظره عن صحنه حينما استمع لأفكار ڤيرنون عن زوجته، الأخيرة تعرف جيدًا كيف تطرح اسئلتها، بسؤالها ذاك رغبت فقط جذب انتباه الأخوين اليها ثم تُفسد هدوئهما على مهلٍ.
لم يُفكر بإيقافها على الرغم من معرفته بما تنوي قوله؛ رَغبَ بمراقبة ما سيقوله الأخوين وما سيختارانه.
" بالتأكيد في أعظم وأفضل أماكن القصر مولاتي "
اجابها آرثر بنبرته الهادئة العميقة
" واين هو ذلك المكان حضرة الكولونيل؟ "
تساءلت دون أن تنظر إليه
ضيق دونغهي قطري عينيه قليلًا حينما شعر أن حوارهما هذا كان يبدو كما لو أنه مُتفقٌ عليه، بالتأكيد لم يفعلا ذلك لكن الكولونيل يعرف جيدًا أفكار زوجة إلهه مُحللًا إياها لما يُناسب الموقف.
" لِنفكر "
ترك آرثر سكينه جانبًا وعقد حاجبيه مُمعنًا النظر في اجابةٍ صحيحة تُرضي مولاته
" ما الذي تنوين قوله سيدة إيڤانكا؟ "
تساءل ڤيرنون وهو يشعر كما لو أنها تنوي دس السُم في مسامعه وش*يقته
راقبت ديلابرا الكولونيل وإيڤانكا مُترقبةً القادم، لن تسأل زوجة دونغهي أي سؤالٍ دون هدفٍ ومغزى
" بالتأكيد لن يمكث الإله وحَرمه في أي جناحٍ أو غرفة "
قال آرثر ذلك ناظرًا الى صحنه، أكمل موجهًا حديثه لڤيرنون بعدما دحرج عينيه إليه ببسمةٍ خفيفة :
" سيكون تبجيلًا وتعظيمًا لهما إن سمحَ لهما ولي العهد بالمكوث في جناح الأمبراطور "
عقد الأخوين حاجبيهما مُنزعجين من طلب آرثر الوقح هذا؛ يسمحان لعدوهما بالمكوث في جناح والدهما؟
انفاسهما شابها الغضب وسيطر عليها.
دحرج ڤيرنون نظره نحو دونغهي، كان الأخير قد وضع شوكته وسكينه جانبًا ثم حَمل منديلًا ابيضًا كان على حجره ومسح به شفتيه.
نظر ولي العهد لش*يقته مُفكرًا، وجدها تنظر إليه هي الأخرى بحيرةٍ.
إن رفض ڤيرنون ذلك، بكل بساطة لن يحدث ما يريده وسيعرض نفسه ومملكته لجنون دونغهي، ولي العهد يعلم جيدًا أن الجبروت يُقدس نفسه كثيرًا.
وإن وافق سيكون عرضةً لسخرية شعبه ومحط كرههم ومقتهم.
رفع دونغهي حاجبه الأيمن وكانت الحدة قد تسلقت ملامحه وخيمت في قمتها؛ في البداية كان ينوي سماع رد الاخوين لكن بعضًا من كلمات آرثر عنه قد ازعجته كثيرًا.
تحدث بصرامةٍ اختلط معها الهدوء :
" الأماكن التي اخطو فيها لا يمكن أن توصف سوى بالمقدسة حضرة الكولونيل "
حول آرثر نظره لدونغهي وباعد بين شفتيه بملامحٍ فضحت توتره؛ قصد توضيح وجهة نظره لمولاه، لكن الأخير رفع كفه مُشيرًا له بالسكوت، وأكمل واضعًا المنديل جانبًا دون النظر إليه :
" لا احتاج لطلب الإذن من أحد؛ أفعل ما يحلو لي وقتما أشاء أينما أرغب "
سكت لثوانٍ قليلة، حرك ل**نه داخل جوفه مُبعدًا بقايا الطعام الصغيرة من بين اسنانه، ثم أكمل :
" لا أملك أي ضغينةٍ ضد اليونان وحاكمها؛ أكرمونا وأستضافونا في قصرهم ثم سيجعلوننا نحضر حفل تتويج امبراطورهم، يتبعون أوامرنا دون أن يتسببوا بأذية لأحد.. "
توقف عن الحديث حينما رفع نظره الى زوجته والكولونيل مُكملًا :
" لِمَ قد ننوي جرح مشاعرهم إن كانوا بكل هذا الكرم والاخلاق؟ "
إيڤانكا والكولونيل قد صوبا أنظارهما نحو طاولة الطعام ولم ينبسا بكلمة، على الرغم من استيائهما لرد مولاهما هذا ووقوفه مع ولي العهد وش*يقته الا انهم لم يرفعا عينيهما حتى لمُعاتبه بنظراتهما.
امتعضت ملامح زوجته كثيرًا الا انها حاولت البقاء على قيد الحياة من خلال عدم مُجادلتها زوجها.
أكمل بعدما ابعد نظره عنهما وصوبه نحو الطاولة :
" على الآلهة أن تُلبي مطالب عبادها حتى إن لم يتحدثوا عنها "
ساد صَمتٌ طويلٌ كانت فيه مشاعر الأخوين قد تضاربتا؛ هل دونغهي من تحدث بهذا؟
تعابير وجهيهما قد راقبت بدهشةٍ تعابيره الهادئة؛ هل هو بخير؟
مطت إيڤانكا شفتيها منزعجةً لأسلوب زوجها معها، على الأقل كان بإمكانه الرفض بأسلوبٍ أخف وقعًا على نفسها من هذا.
تحدث جونغهيون :
" سأتفق مع كبير الخدم لترتيب جناحٍ يليق بحضرتك مولاي "
اومأ دونغهي بنعم فنهض جونغهيون بعدما انحنى برأسه وتحرك على عجلٍ خارجًا من القاعة.
لحظاتٌ حتى نهض دونغهي برويةٍ.
نهض على عجلٍ من كان يتبعونه، أوقفهم دونغهي حينما أشار لهم بالجلوس :
" أكملوا عشائكم لو سمحتم "
حول نظره للأخوين فوجدهما ينظران إليه، ابتسامةٍ صغيرة لاحت شفتيه ثم التفت مُقابلًا ظهره لهما، كان كما لو أنه يشكرهما، نظر الأخوين لبعضهما بدهشةٍ أكبر؛ ما باله هذا المساء؟
قطع مسافةً صغيرةً ثم توقف مُناديًا بأسم زوجته دون الالتفات نحوها :
" إيڤانكا.. "
التفتت بوجهها نحوه، كانت لم تجلس بعد لا هي ولا من جاء معه؛ كانوا ينتظرون خروجه ليستريحوا.
" سيسعدني مُشاركتكِ إياي هذهِ الجولة "
أكمل حديثه، في الواقع كانت نبرته أقرب لأن تكون أمرًا من طلبٍ.
رفعت منديلها ومسحت به شفتيها على عجلٍ ولحقت به، ما أن استمع لخطواتِ حذائها خلفه حتى أكمل سيره بهدوء.
جلس رجاله بعد خروجه من القاعة وواصلوا تناول طعامهم.
كان ڤيرنون يُراقب الزوجين وهما يبتعدان عن القاعة، كانت إيڤانكا تتحدث كما لو أنها تُبرر لزوجها ما قالته، دونغهي يستمع إليها فقط دون أن يتحدث، لم يبدو راضيًا عنها تمامًا.
سمع ولي العهد تنهيدة ش*يقته فألتفت إليها، وجدها عابسةُ الوجه حائرةُ النظرات، همس :
" ما بالكِ؟ "
" ألا يُحيرك أمره؟ "
همست
" وما شأني؟ "
أجابها بهمس
" يبدو كما لو أنه يُعاني من إنفصامٍ في شخصيته! "
" لا تُشغلي نفسك به؛ أنه لعين، رُبما ما فعله الآن جزء من خطةٍ بائسة بدأ بالشروع فيها "
همس قبل أن تهبط قطعة اللحم في جوفه فيمضغها بهدوء
أخذت نفسًا عميقًا وحولت نظرها نحو الكولونيل، وجدته يرمقها وش*يقها بمقتٍ حاول جاهدًا أن يخلطه بنظراته الساخرة.
رمقته بنظرةٍ ثابتة غير آبهةٍ برتبته في مملكةِ الغرب، رُبما قد تكون اليونان جزءًا من الدول التي يحميها بسلطته، ومُحتملٌ أن يكون الكولونيل أهم منها في أولوية البقاء لدى دونغهي، لكنها لم تكن تهابه.
نظراتها تحدت خاصته فجعلته يبتسم مُتهكمًا بشجاعتها.
آرثر رمى بمنديله جانبًا ونهض مُغادرًا القاعة، لن يسمح بأن يُهان بهذه الطريقة أمام الأخوين لذا قرر المغادرة وترك المكان..
فَكر أن يرد الصاع صاعين لِمن أهانه لكنه لن يستطيع؛ لا يمكنه منافسة مولى الغرب في خبثه!
لا بأس عليه أن يتعلم في المرة المقبلة ألا يتفوه بكلمةٍ تُنقص ولو قليلًا من قدر مولاه.. وهذا كان سبب اهانة دونغهي له.
---^---
" ألم يخبرك المولى عن سبب مجيئنا الى هنا؟ "
تساءل تايهيونغ واقفًا بجانب جوزيف
كانا يقفان على شرفةٍ خارجية تطل على الباحة الأمامية لقصر بيكهيون في منطقة الحدود التي تفصله عن مملكة الغرب.
اخذ جوزيف نفسًا عميقًا وتحدث بنبرةٍ لم تختلف عن هدوء مُحيطه :
" لم يفعل "
" يخفي عننا أمرًا جللًا، أوليس؟ "
تحدث تايهيونغ حتى تساءل رامقًا رفيقه بنظرةٍ جانبية رفع بها حاجبه الأيمن بخفة
" لا جدل في هذا "
اجابه الآخر وعيناه تتفحصان ما حوله من رِداء الظلمة التي ارتدته السماء في الأعلى متزينةً بتاجها الابيض ألا وهو القمر، حركة اوراق الأشجار الخفيفة وصوت حفيفها قد تراقص تحت إنارة أعمدة القصر الضخمة.
طريقٌ واسعٌ تلون برمادية التُربة تنام بجانبه مروجٌ خضراء ازدهرت في قمتها زهور الفل والتي أ**بت حيز القصر رقةً اختتمت رُقي ت**يمه.
الحراس منتشرون في جهات القصر بنظامٍ دبرهُ الكولونيل؛ منطقةٌ ريفيةٌ تقبع قرب الحاجز لهي خطر للإله وحاشيته إن لم يتم إتخاذ الاحتياطات الأمنية الصحيحة.
حلقت عينيّ جوزيف مُختتمًا جولة نظراته حيث السماء، عقد حاجبيه بخفةٍ وتحدث :
" حتى النجوم أختبأت "
التفت تايهيونغ نحوه وعلامات العجب زارت موطن ملامحه، تساءل :
" ومن اختبأ قبلها؟ "
" الرياح! "
اجابه ناظرًا إليه
" الرياح؟! "
" انظر هناك، انظر كيف تختبئ بين اغصان الأشجار وتأبى زيارة القصر "
رفع جوزيف يده مُشيرًا الى الاشجار خارج سور القصر
تابع تايهيونغ ما يشير اليه رفيقه ثم التفت إليه بملامحٍ اوحت بعدم فهمه المقصد من كلمات نائب المولى، تحدث جوزيف بنبرةٍ هادئة بوتيرةٍ مُنخفضة :
" في الأساطير الأغريقية القديمة، كان هناك أعتقادٌ أن الرياح هي هبةٌ من الإله الأعظم، إن غيرت الرياح مسراها بشكلٍ غريب عن مكانٍ ما فإن الأهوال ستصيبه "
تغيرت ملامح تايهيونغ تدريجيًا من التساؤل والفضول الى السخرية والتهكم، قال هازئا :
" لا تتحدث بجدية، صحيح؟! "
أخفض جوزيف يده وقال مُشيحًا بنظره عن تايهيونغ الى السماء :
" انها اسطورة قديمة، قد تكون اكذوبة "
" انها اكذوبة بالفعل! كُف عن التفكير بهذا الأمر ودَعْ الصباح يشرق علينا بأخبارٍ سارة، حسنًا؟ "
قال تايهيونغ بإنفعالٍ طفيف في بداية رده ثم وضع يده على كتف جوزيف خاتمًا حديثه
مط جوزيف شفتيه بإنزعاجٍ تزامنًا مع انعقاد حاجبيه الشديد ثم اومأ بنعم وهو يعمل على مسايرةِ الأخر دون أن يلجأ للخوض في نقاشٍ أكثر عُمقًا.
حرك تايهيونغ رأسه يمينًا ويسارً مُتهكمًا اكثر بحركته تلك على ما قاله جوزيف، ثم استدار ليُغادر الشرفة.
اجتاز مَمرًا أُنيرَ بمصابيح صفراء صغيرة ثم نَزلَ درجًا لولبيًا حتى باحة القصر.
سار بخطواتٍ أقرب للبطءِ منها عن السرعة وبوتيرةٍ ثابتة، عيناه تتفحصانِ كل تفصيلٍ تهبط نظراته عليه.
تتابعت نظراته رويدًا رويدا حتى سبقته الى مَمرٍ يربط الجهة اليُمنى من القصر بالباحة الأمامية، لاحظ انطفاء واشتعال مصباحين يُقابلان مَمرًا آخر.
انطفأ المصباحان في تلك اللحظات وتوقف الكولونيل عاقدًا حاجبيه مُراقبًا تلك المنطقة، هل يشعر بأحدهم ينظر ناحيته؟ لِمَ سيطر عليه ذلك الشعور؟
توسعت مُقلتي تايهيونغ وتوقفت انفاسه بضيقٍ ما أن أنار المصباحين تلك المنطقة، أشار بيده اليها ثم هتف صارِخًا :
" دخلاء! اوقفوهم! "
حول الحرس أنظارهم تزامنًا مع صوت تايهيونغ العالي مذعورين، ما أن حطت عيونهم على مجموعةٍ من الأشخاص الذين أقتبسوا من ظلام السماء ردائهم مغطين وجوههم بلثامٍ ورؤوسهم بقلنسوة، حتى ركضوا بسرعةٍ خلف الكولونيل متجهين نحو تلك المجموعة.
بنظرةٍ سريعة حسب الكولونيل عددهم، كانوا خمسة.. أثنين منهما يحملان نقالةً يتمددُ عليها شخصٌ ما وثلاثة حولهم.
هل يقومون بتهريب مسجونٍ ما؟
رفع تايهيونغ أصبعه السبابة حتى أذنه اليُسرى ضاغطًا على سماعةٍ تحتوي على لاقطٍ للصوتِ تصله بمجموعته الخاصة، تحدث لاهثًا على عجل :
" قابلوني عند البوابة الشرقية! "
لم يكن يملك الثقة بكفاءة حُراس القصر، فأتصل بفريق فرسانه
خطواته تبعت الدخلاء حتى الباحة الشرقية للقصر وهناك بَدأ القتال!
ثلاثةُ دخلاءٍ إضافيين قد تبعوا الخمسة، كانوا قد التفتوا الى جهة الكولونيل وبدؤا بإطلاق نبضات كهربائية بلونٍ أبيض باطنه الزراق وصوتها قريب من خاصة العيارات النارية لكن أكثر عمقًا وأخف وطأة، بحركتهم تلك قد أسقطوا أربعةً من الحرس الذين تبعوا تايهيونغ، أختبأ الأخير على عجلٍ خلف أحد التماثيل الخزفية الكبيرة والتي كانت تُزين مسلك تلك الباحة.
أخرج الكولونيل مسدسه وأخذ يطلق رصاصاته نحوهم، كانوا أسرع منه، لم يسمحوا له بأصابتهم البتة!
فورما أبتعدوا عن تايهيونغ ببعض الأمتار هو خرج فتبعه المزيد من الحرس، وصل حينما امتطى الدخلاء خيولهم وتحركوا مُجتازين البوابة الشرقية.
في تلك الاثناء وصل فرسان تايهيونغ، أشار الاخير لمجموعةٍ منهم بإتباع الدخلاء ثم امتطى تارتاروس وشد على لجامه بقسوةٍ قائلًا بغضب :
" لندفن تلك الاجساد المُتعفنة! "
انطلق فرسه بسرعةٍ وتبعته المجموعة التي بقيت معه
صوت طلقات الرصاص الخاصة بفريق تايهيونغ قد أرشدت الاخير الى مسلكهم، هل يسلكون طريق الحاجز؟
شجع الكولونيل فرسه بقسوةٍ ليُسرع في خطواته، تارتاروس أصبح مُعتادً على خشونةِ سيده.
وصل تايهيونغ الى مجموعته الأولى وتخطاهم متقدمًا أياهم، باتوا ثمانيةَ فُرسان على ميمنه وثمانيةُ على يساره، شكلوا بذلك سهمًا يزعمه الكولونيل.
تشابك الأشجار وكُثرتها ووعورةَ الطريق قد سَهل على الدخلاء في انقاص عددهم من خلال تفرقهم الى ثلاثة مجموعاتٍ سلكت طُرقًا مختلفة.
هتف تايهيونغ :
" ستةٌ على اليسار وستةٌ على اليمين، البقية خلفي! "
نفذ فرسانه أمره بسرعةٍ فتفرقوا، راقب تايهيونغ خيول مجموعة الدخلاء التي تتقدمه، اين السجين؟!
" هيا تارتاروس هيا! "
صرخ تايهيونغ غاصبًا حينما أدرك أن المجموعة التي اخذت السجين لم تكن أمامه، أراد فقط إسقاط أحد الدخلاء أرضًا فيستجوبه لاحقًا إن لم يفلح في إيقاف المجموعة بأكملها.
أخرج تايهيونغ مُسدسهُ بيمينه وباليسرى حاول السيطرة على لجام فرسه، حاول تصويب أقرب دخيل إليه لكنه فشل؛ مُنحنيات الطريق وأغصان الأشجار تمنعه من إنجاز مهتمه.
عقد حاجبيه مُندهشًا وجود شرخٍ عميقٍ وواسع على بعد عدة أمتار في الأرض أمامه ثم جسرٌ خشبي بأحبالٍ عتيقة تربط الجانبين، مهلًا! متى حدث ذلك الشرخ؟!
بدأ الدخلاء بالعبور خلال ذلك الجسر ثم اجتمعت المجموعتين اللتين انشقتا في البداية عنهم فأجتازوا هم ايضًا الجسر.
لاحظ تايهيونغ انتظار مُلثمٍ ما لا يختلف في زيهِ عن مجموعته قرب الجسر، شد نظره بريق قطعةً مستطيلة الشكل طويلُ القامة يحملها بيده، ذلك الشيء لم يكن سوا سيفًا، كان يبدو كما لو أنه ينتظرهم فيقطع الحبلين الذين يشكلان عمودًا اساسيًا لبقاء الجسر.
شد الكولونيل على لجام فرسهِ بقسوةٍ أكبر جعلت من تارتاروس يصرخ مُتألمًا فيزيد من سرعته أكثر؛ رغب بأجتياز الجسر قبل أن يُقطع!
صوت نقرات أرجل الأحصنة على ذلك الجسر قد زاد من توتر الكولونيل.
شهق بقوةٍ حينما أدرك أن سرعته ستجعله يهوي في قاع ذلك الشرخ الأرضي العميق؛ قد تَدلى الجسر ساقطًا فورما وصل الدخلاء الى الجانب الآخر بعدما برق سيف من ينتظرهم بوهجٍ أكبر أمام نظر تايهيونغ وفراسه، صوت سيفه تزامن مع هبوب رياحٍ سريعةٍ حركت الجسر بخفةٍ لأخر مرة.
شد بأكبر ما يملك من قوةٍ على لجام تارتاروس مُتمنيًا أن يتوقف في اللحظة المناسبة وهو يرى أحد فرسان فريقه يحوي في القاع؛ يبدو أن الأخير لم يستطع ايقاف فرسه في الوقت المناسب.
توقف تارتاروس بأعجوبة وهو يتنفس سريعًا ويشكي ألمه سرًا؛ تايهيونغ لم يرأف به هذه المرة!
عدد قليل من قطع الحجر الصغيرة سقطت في الظلام أسفل القاع دفعها تارتاروس من على الحافةِ نتيجة توقفه المفاجئ.
راقب تايهيونغ بضيقٍ تلك المجموعة وهي تختفي بين الاشجار، بقي حامِل السيفِ ذاك يُراقب الكولونيل دون أن يتحرك.
لم يتمكن تايهيونغ من رؤيةِ تفاصيل وجهه؛ ضياء القمر هذه الليلة لم يساعده كثيرًا.
فجأة انطلق سهم من خلف الأشجار القابعة وراء ذلك المُلثم قد هبط على مقربةٍ من تارتاروس والكولونيل، تلك الحركة أفزعت فرس تايهيونغ فربت الأخير بخفةٍ هامسًا :
" اهدأ يا فتى اهدأ! "
انعقدت حواجب فرسان تايهيونغ وهم يتساءلون عمّا تفعله تلك المجموعة الغريبة.
نزل تايهيونغ عن جواده واقترب من ذلك السهم، لاحظ وجود قطعةٍ قماشيةٍ ما في نهاية مقدمة السهم.
انتزعه من مكانه وحمل القطعة بيده، أمعن فيه قليلًا ثم أبتسم عاضًا على شفته السُفلى كابتًا غيظه.
رفع نظره نحو المُلثم وتمتم :
" آوه سيهوثلاثة ن، سرقت أملاكي ايها المزارع الوضيع "
ما كان بيد تايهيونغ هو منديله الذي اعطاه سابقًا لجونغكوك وسيهون في يوم ذكرى التحرير.
رفع المُلثم رأسه قليلًا مُراقبًا تايهيونغ بفخرٍ امتزج بالتهكم، زفر فرسه عميقًا حينما شد عليه ليلتفت راحلًا.
بحركته تلك كان كما لو أنه يُخبر الكولونيل أنه قد استعاد ما يملكه هو، لا الع**!
--نهاية الفصل--