الحلقة الأولى
شعرت بالإختناق وهي ترتدي ملابس العمل، أصبح الوضع لا يطاق، فمنذ مجيء بسام وهو لا يتوقف عن السخرية منها والحط من قيمتها، تن*دت بعجز ثم جالت بعينيها في المكان، هنا شعرت بالراحة والأمان ولكن الآن أصبح أمانها مهدد بسببه، هذا المقهى أصبح منزلها الثاني فمقهى الزنبقة السوداء يمتاز بالطابع الأسري والبساطة، مميز بتقديم أجود أنواع القهوة وواجبات الإفطار المميزة ومن خلال الشبابيك يستطيع الزبائن رؤية البحر ومياه الصافية الممتدة إلي ما لا نهاية، منظر يدعو الي السلام والهدوء الداخلي، نظرة زهرة إلى الخارج تتأمل البحر وامواجه المتلاطمة التي تنبئ السكان بأن النوة في ذروتها، حاولت استعادة هدوئها، أخذت نفس عميق تحاول قدر المستطاع استنشاق رائحة البحر المميزة هذه الرائحة الشافية الآتيه عبر نسمات الهواء ثم نظرت إلى ساعتها وجدتها الساعة الثامنة، فقد حان موعد فتح المقهى، نظرت حولها فلم ترى كابوسها بسام وسماح فقد تأخرا كالمعتاد.
زهرة... يازهرة... نادت عليها شهيرة مالكة المكان فهي سيدة عجوز أرملة طيبة القلب تعامل زهرة جيدا، هي الوحيدة التي جعلتها تعمل لديها بعد شهور من عذاب البحث عن وظيفة، لم تطلب منها مؤهل عالي كباقي الوظائف فهي لا تملك سوى شهادة الثانوية العامة.
ردت زهرة :
- نعم يامدام شهيرة
-الكافية متحطتش عليه يافطة مفتوح لحد دلوقتي ليه.
أجابتها بتردد:
- أصل بسام ودعاء لسه مجوش يامدام
ردت عليها بحدة:
- لما يجي بسام ودعاء خليهم يدخلولي المكتب علطول، الكافية هنا ليه مواعيد ثابته مش تكيه سايبه ملهاش حاكم.
ظلت واقفة في مكانها صامته، لا تعرف ماذا تقول أو تفعل وعندما رأت بدايه احمرار وجهها أردفت مهدئة بلاش أنفعال عشان صحتك، أنا هروح دلوقتي أحط اليافطة بنفسي.
تكلمت شهيرة بغضب:
-أومال أنا مشغلاه ليه، أنا مش عارفة مستحملاه ليه لحد دلوقتي وهو والزفتة اللي ما تتسمى.
ردت عليها بهدوء بهدوء:
- عشان قلبك الطيب
_ما هو قلبي الطيب ده هيضيع مني الكافية الديون اتركمت عليه والقرض إللي قدمت عليه اترفض.
_أن شاء الله هتتحل من عنده.
وضعت شهيرة يديها على رأسها مرة واحدة ثم أخرجت أنين متألم
سألتها زهرة بقلق:
-مالك يامادام.
ردت عليها وهي تحرك رأسها:
-الصداع جالي تاني
قالت زهرة مترجية:
-متسكتيش على نفسك أكتر من كده وروحي أكشفي، الصداع بقا بيجيلك باستمرار.
_هبقا اروح أكشف
_ما هو كل مرة تقوليلي كده وتطنشي ومش بتروحي
شهيرة بحدة بسيطة: خلاص يازهرة بقولك بعدين
لم ترد الألحاح عليها فقالت بهدوء :
-خلاص إللي يريحك، روحي على مكتبك استريحي شوية وأنا هجبلك كوبايه مية وحاجة للصداع
قبل أن تتركها قالت:
-متزعليش مني يازهرة لو انفعلت عليكي
إبتسمت لها زهرة إبتسامة حقيقية نابعة من القلب: وأنا عمري ماهزعل منك مداك.
بمجرد ذهاب شهيرة، أتجهت لكي تضع يافطة مفتوح على باب المقهى، ثم ذهبت بعدها مباشرة لكي تعد كوب من القهوة للسيدة شهيرة، عندما خرجت من مكتبها سمعت صوت إغلاق باب المقهى مصاحبًا لدخول كلا من بسام وسماح مسرعين.
سماح سألت وهي تتنفس بحدة:
- إيه الأخبار؟
أجابتها مترددة:
- المدام سألت عليكم أنتم الأتنين
بسام سألها بغلظة:
- وردك كان إيه يابومة
بلهجة يشوبها الغضب:
-أسمي زهرة لو سمحت وقولت ليها على فكرة إنكم لسه مجتوش وعايزكم عندها في المكتب
ضحك بسخرية ونظر لها بق*ف:
- البومة طلعلها صوت وفين الزهرة دي أنا مش شايف قصادي أيتوها زهرة، كل إللي شايفه بومه ب*عر أ**د أكرت.
شاركته سماح الضحك :
-خلاص بقا يابسام مش كل يوم كده هتسمعها نفس الكلمتين، المرة الجاية غير موشح التريقة.
أجابها بضحكة عالية:
-خلاص هقولها من يوم ورايح يازمل.
لمعت عيناها بالدموع:
-حرام عليكم بلاش تريقة
قال بسام بسخرية:
- الأخ طلع بيحس ياسماح وأنا إللي كنت بحسبه جبلة معندهوش دم
في محاولة بائسة منها للمقاومة وبلهجة تحاول جعلها ثابتة:
-أنا اسمي زهرة
بسام قال باستهزاء:
- نعم يأخ زهرة
سماح بسخرية:
-كفاية يابسام النهاردة ورانا شغل ويدوب نلحق نغير هدومنا قبل مالمدام تسأل علينا تاني
رد عليها بسام بابتسامة :
- أعمل إيه بس ياسوسو ما هو شكلها إللي بيستفزني
ردت عليه سماح بدلع :
-هنتأخر كده على الشغل وكفاية لحد كده تأخير بدل مالمدام تخ** لينا من المرتب
بسام بابتسامة:
-عندك حق ياسوسو يلا بينا
أنصرف كلاهما تاركين زهرة في بؤسها تحاول كبت دموعها والسيطرة على تماسك اعصابها
وبعد ارتداء كل من بسام وسماح الزي الخاص بالمقهى، توجه كلاهما إلى مكتب السيدة شهيرة
فتح باب المقهى نبئ بقدوم زبائن جدد، هندمت زهرة ملابسها وثبتت نظارتها ومررت أصابع يديها على شعرها في محاولة يائسة لإرجاع الخصل الشاردة لمكانها الطبيعي ثم تنفست بعمق وأخرجت الزفير ببطء وهي تقوم بالعد واحد... اثنين... ثلاثة
مدت أصابع يديها فوق الطاولة لالتقاط قائمة المقهى وخرجت من مكانها متوجهة للخارج لتخدم الزبائن، تسمرت في مكانها تتأمل القادم،فهي لم تعتاد على رؤية هذا النوع من البشر، هذا النوع الذي تراه على أغلفة مجلات الموضة أو أغلفة أحد الروايات الرومانسية يكون البطل فيها شديد الوسامة لدرجة إنك تكلم نفسك قائلا هل هو شخص من لحم ودم موجود في الحقيقة، هل سيأتي اليوم وترى هذا النوع من البشر، لم تصدق زهرة عينيها فقامت بمسح زجاج نظارتها ونظرت لهم مرة أخرى تتأمل كل تفصيلة، مظهرهم يدل على انتمائهم لوسط الاغنياء من طريقة مشيتهم الارستقراطية، من ملابسهم فهما يرتديان بدل سوداء شكلها يدل على إنها من أجود وأغلى الأنواع، أحد الرجلين يرتدي نظارة شمسية، يبدو أصغر من الراجل الآخر ببعض سنوات
الراجل الأصغر قال بضيق:
-الواحد كده هيتأخر، ودي هتكون أول مرة أتأخر على ميعاد صفقة طول حياتى، وض*ب بكف يده على الطاولة بعنف
الراجل الأخر قال بنبرة هادئة :
-اتحكم في غضبك ياأكنان، إحنا في مكان عام، والتأخير شئ غصب عنك وعني، الجو والعاصفة إللي في الشارع أجبرونا على التأخير، الهوا كان هو إللي بيحرك العربية، غير الشجرة إللي وقعت في نص الطريق وسدت الشارع.
رد عليه بغضب :
-مش أنا إللي حاجة تقف قصادي وتعطلني عن حاجة عايزه.
أجابه بهدوء:
- إلا الطبيعة دي الحاجة الوحيدة إللي بعيد عن سيطرة أي بنأدم
لم يرد عليه والتزم ال**ت، لايريد الجدال معاه، فهو صديقه المقرب وحارسه الشخصي، وبمثابة الأخ الأكبر الذي لم يحظى بيه، زاهر بالنسبة له الحامي والأب الحنون بالرغم من عدم وجود فارق سني كبير بينهم، لم يعرف سواه صديق منذ طفولته، أسرة زاهر كنت تعمل لدى عائلة نجم، فهو شب على وجود زاهر بجواره دائما والدفاع عنه في كل الأوقات، مر بطفولة قاسية، كان طفل هذ*ل الجسد يتعرض للتنمر من عائلته، من زملائه، كان الأغنى بين جميع الأطفال في المدرسة وكان هذا أحد اسباب تنمرهم بالإضافة إلى بنيته الضعيفة، زاهر لم يتركه وعلمه فنون الدفاع عن النفس وممارسة الرياضة منذ أن كان طفل حتى أمتلك بنيه جسدية ضخمة يحسدها عليه العديد من الرجال، حتى أصبح اليوم الملقب بالقاسي في وسط رجال الأعمال، لا يعرف الرحمة أبدًا مع منافسه.
سأل زاهر مقاطعا **ت أكنان:
- هتطلب فطار وقهوة ولا قهوة بس.
نظر أكنان بق*ف للمكان هامسا بغضب مكتوم :
- أنا قاسي جاه الوقت واقعد في مكان بيئة زي ده.
أرتسمت على وجهه شبح ابتسامة:
-بالع** المكان بسيط وشيك.
قال أكنان بضيق :
-مش عايز حاجة ثم أمسك هاتفه وقام بالإتصال بسكرتيرته الخاصة.
أقتربت منهم زهرة قائلة بهدوء:
-طلبات حضراتكم، ثم أعطت زاهر قائمة المقهى، أكملت بلهجة عملية، في عندنا القهوة بجميع أنواعها، وكمان أشهى وأطيب أصناف الفطار.
زاهر وضع القائمة على الطاولة دون النظر فيها:
- عايز أتنين أسبريسو
ردت زهرة بابتسامة :
-حاضر يافندم، دقايق والطلب يكون جاهز عندك، الكافيه هنا بيقدم أحسن قهوة أسبريسو، هنا بنعمل البن طازة
أكتفى زاهر بابتسامة مع هزة رأس، لتنصرف بعدها مباشرة متجهة ناحية ماكينة أعداد البن، لتقوم بطحن حبوب البن تحت أنظار زاهر متتبع طريقة أعدادها مشروبهم الخاص.
أنتهت من أعداد القهوة ووضعتهم في الفناجين المخصصة للزبائن المميزين، ثم أتجهت الى الطاولة
قالت بابتسامة : الاسبريسو أنا متأكده أنه هينول رضاكم، لو في أي ملاحظة بخصوص الاسبريسو، أتمنى من حضرتك تقول عشان نتلافها في المستقبل.
كان أكنان منمدج في المكالمة لم يبالي بالرد تاركًا إيه على زاهر.
أجابها زاهر باختصار:
-تمام.
لتنصرف زهرة محدثة نفسها، أيه كمية التلج دي، كل اللى هان عليه يقولي تمام مش عارف يقول جملة مفيدة، والتاني مهنش يرفع راسه، هما الناس الأغنية باين عليهم بخله حتى في الكلام.
غزت رائحة مميزة مركز الشم لديه، رائحة أدمانه، نعم أدمانه، القهوة الاسبريسو كالإدمان بالنسبة له، بدون فنجان قهوته يكون خارج السيطرة وشديد الانفعال، أنهى مكالمته بدون مقدمات، ليري فنجان قهوة أمامه مباشره وأيضا فنجان آخر أمام زاهر، الذي تجاهل نظراته الغاضبة له لعدم تنفيذه أوامره، يعرف أكنان جيدآ فهو يبغض من يتجاهل كلامه يجعل أيامه جحيم مع الجميع إلا هو، أرتشف زاهر عدة رشفات من قهوته قائلا بتلذذ:مش هتندم لو شربت من القهوة، جرب وعلى ضمانتي.
قال بضيق:
- ماشي يازاهر، لولا غلاوتك عندي مكنتش عديت الموقف ده أبدا.
رد زاهر عليه بابتسامة:
-عارف جرب القهوة مش هتندم.
أمسك أكنان الفنجان فرائحته الذكيه اجتذبت حواسه، ارتشف رشفة واحدة وأخذ يحركها داخل فمه ببطء شديد، ليعلن مركز التذوق داخل فمه احساسه بالمتعة.
زاهر سألها بفضول:
-ايه رأيك عاجبك صح
رد بلامبلاة :
-مش بطال، هو يتكلم نظر إلى الخارج، ليقول مباشرة يلا بينا الجو شكله اتحسن.
غادر كلاهما بعد ترك فلوس الفاتورة وبقشيش خيالي
بعد خروجهم اقتربت زهرة من الطاولة ووجدت عليها الف جنيه، نظرت إلى المبلغ بصدمة، ألف جنيه مرة واحدة، هذا المبلغ كفيل بتغطية مصاريف البيت لأكثر من اسبوع، أخذت البقشيش ووضعته داخل جيبها، فهي ترتدي دائما ملابس واسعة تسهل عليها التحرك براحة وسرعة، ولابد من احتوائها على جيوب واسعة لتضع فيها اشيائها الخاصة، لأنها تكره حمل الشنط، بسبب تجربة مريرة مرت بيها إصابتها بعقدة نفسية من حملها، فاستبدلت الشنطة بالجيوب الموجودة في ملابسها.
بعد الانتهاء من ترتيب الطاولة وأخذ الفناجين الفارغة، نظرت حولها للبحث عن سماح لم تراها، فالمفروض أنها تقوم بمساعدتها، فهناك طاولة أخرى عليها زبائن لم يتم أخذ طلباتهم حتى الآن، ذهبت إليهم زهرة وهي تشعر بالضيق من إهمال سماح لوظيفتها وتحمليها أعباء الخدمة بمفردها وبعد أخذها الطلبات وإحضار ما تم طلبه، ذهبت للبحث عنها، لم تجدها في أي مكان ولكن عندما مرت بغرفة تغيير الملابس، سمعت تأوهات خافتة تص*ر من الداخل، وضعت أذنها على الباب في محاولة منها لفهم مايحدث، تسرب الشك إلى قلبها فقامت بفتح الباب مرة واحدة، لترى سماح بين أحضان بسام يرتكبان فعل من المحرمات وضعت زهرة كف يديها على فمها ناظرة لهم برعب، ألتفتا إليها الإثنين بصدمة، سماح لم تستطع، تصرف بسام سريعا، هندم ملابسه ثم أغلق الباب عليهم، قائلا بأنفاس مضطربة: - البسي هدومك بسرعة.
أقترب من زهرة ناظرا له بتهديد:
-بؤك ده لو اتفتح باللي شوفتيه عينيكي مش هتشوف النور فاهمة ولا مش فاهمة، عندما ظلت صامته أمسك كلتا كتفيها وهزها بعنف شديد لدرجة أن رأسها اصطدم بالباب.
ردد قائلا بلهجة تحمل تهديد فعلي:
- بؤك ميتفتحش ولو كلمة اتقالت هنا ولا هنا باللي شوفتيه، هخلص عليكي.
ردت بصوت متقطع من شدة الألم والخوف :
-مفهوم مفهوم سبني أخرج.
فتح الباب متحدثا بغلظة:
-أخرجي.
هرولت مسرعة بعيدا عنه، ذهبت إلى ركنها الخاص وتركت العنان لدموعها، محدثة نفسها إنتي السبب أيه إللي دخلك أهو فضولك وقعك مع إللي ميرحمش طب أعمل أيه دلوقتي.الشغل ومقدرش اسيبه مليش غير المكان هنا وكفاية عليا معاملة الست شهيرة أنا مقدرش اسيبها لوحدها، ومقدرش اقول للمدام على إللي شوفته، بعدين للمصيبة اللي وقعتي فيها نفسك، مفيش غير حل واحد أنك تسكتي وتنسي إللي حصل وكأنك مشوفتيش حاجة.