الجزء السادس عشر
لا يعلم كيف رجع لمدينته مرة أخرى أو حتى كيف قاد السيارة وهو بتلك العصبية، أوقف السيارة أمام بنياته وظل رابض أمام المقود يعيد كلامها بعقله للمرة المليون، لا يجد نفسه أخطئ بشئ هو حدد لنفسه مبدأ ومشى عليه فما الذي يضرها بذلك، تتكرر جملتها في أذنه (أنا مش موافقة على طلبك إيدي) غلت دمائه بعروقه وزاد غيظه منها، ض*ب المقود عدة مرات يخرج فيه غضبه أرجع رأسه يسندها على مقعد السيارة واغمض عينيه، بعد دقيقتان انتبه على طرق أحدهم زجاج نافذته نظر جانبًا وجده أحد أفراد أمن بنياته.
نادر : في حاجة يا يزن باشا.
يزن : لأ مفيش يا نادر.
نزل يزن من السيارة واعطى مفاتيحها لنادر
يزن : دخل العربية في الجراش بتاعها وابقى طلع المفاتيح مع عم عطية.
نادر : حاضر يا باشا أي أوامر تانية.
يزن : تسلم يا نادر شكرا.
استقل المصعد لأعلى وهو يدعو من الله أن تكون والدته نائمه كي لا تراه وهو بهذه الحالة وتبدأ باستجوابه كمتهم في جريمة ما، تسلل كعادته في الدخول ومشى ببطئ وجد جو المنزل هادئ والأنارة به تكاد تضيئ فعرف أن والدته نائمه فذفرة براحة وحمد الله على ذلك واسرع ناحية غرفته يدخلها ويوصد بابها، جلس على فراشه بعد أن ابدل ملابسه، ظل فترة قصيرة يعيد عقله ما حدث بينهما وكأنه يعانده ويأبى أن يتركه يرتاح فحدث نفسه بغضب.
يزن لنفسه : هتندمي يا رغد وساعتها هتترجيني ارجعلك بس لازم اخليكي تحسي بالي حسيته لازم اوجعك زي ما وجعتيني.
ثم أغلق انارته الجانبية واضجع يدثر نفسه واجبر نفسه على النوم كي يتوقف ذلك العقل العنيد عن تأنيبه وازادة غضبه منها.
باتت ليلتها تبكي منه وعليه لا تصدق نفسها انها نطقت بتلك الكلمات القاسية له، لكنها شعرت بمهانة كيف له أن يصدق ذلك الكلام عليها وهى التي ظلت طوال حياتها تمشي بجوار الحائط كما يقولون حتى لا يلوك أحد في شرفها وشرف عائلتها، دافع قلبها عنه كثيرًا أمام سيل هجمات عقلها عليه والمقرعة لها على حب ذلك القاسي المتحجر الذي لا يثق بها، وبرغم غضبها منه الإ أن قلبها بدأ في تقريعها وأنبها كثيرًا فعشقها له تخطى الحدود المعقولة وصار دربًا من دروب الجنون، ازداد بكائها عندما تذكرت إصابته وأخذت تسأل نفسها، ترى من يساعده الآن في قضاء إحتياحاته؟ راودها هاجس لعين فاتسعت عينيها بغضب عندما لاح لها تخمين أن يكون لديه خادمة تساعده، اشتعلت نيران الغيرة بقلبها وودت لو عرفت عنوان منزله وذهبت إليه لتتأكد، لاحت لها فكرة مجنونة وامسكت بهاتفها وضغطت عدة أرقام عليه بعد أن أزالت عبراتها بمنشفة ورقيةوانتظرت رد الطرف الآخر عليها.
نغمة هاتفه تدق بتواصل تنغص عليه نومه، تجاهله أول مرة لكنه عاود الدق مرة أخرى، فتح عينيه بضيق وأمسك هاتفه ينظر به بعد أن فرك وجهه كي يفيق، لاحت ابتسامة ساخرة على ثغره عندما وجد اسمها ينير شاشته، فقرر اللعب على اعصابها وتاديبها كما قرر مسبقًا وتجاهل الرد عليها.
استشاطت غضبًا عندما لم يجب عليها في المرتين الأولى والثانية ودارت في رأسها الظنون السيئة عما يفعله الأن يجعله لا يستطيع الرد عليها، تظن أنه لا يعرف رقمها لهذا اتصلت عليه لكي تحدثه على أنها واحدة أخرى غيرها، لكنها تجهل حصوله على رقمها من معلوماتها التي تحصل عليها عندما كلف بحمايتها، قررت معاودة الاتصال مرة أخيرة لترى ما يفعله الأن قبل أن تموت غيظًا وكمدًا.
أتكئ بنصف جلسة على فراشه ينتظر مكالمتها فهو على يقين من أنها ستعاود الاتصال به لكي تطمئن عليه، يعرف انها تحبه ولن تستطيع النوم قبل ذلك، يعلم كيف تتألم لاصابة ذراعه نظرة عينيها اوشت له بذلك، ثواني وعلا صوت هاتفه برقمها، أبتسم بغرور لتأكيد ظنونه، أمسك الهاتف واجاب عليها.
يزن بجمود : أفندم عايزه ايه بتتصلي عليا دلوقتي ليه.
رجفة ض*بت أوصالها عندما أجاب عليها وأضطراب اجتاحها جعل صوتها ينقطع لكن سرعان ما تملك منها الغضب وأجابت عليه.
رغد : هى مين دي اللي أنت بتكلمها وبتسألها عايزه ايه أعترف هما كام واحدة تعرفهم بالظبط.
نظر يزن للهاتف بتعجب ثم وضعه على أذنه مرة أخرى واجاب عليها بغيظ : أنتي مجنونة متصله بيا دلوقتي عشان تقوليلي تعرف كام واحدة.
رغد بحدة : وأنت تعرف مين اللي بتكلمك اصلا.
يزن بضحك : هههههههه لا يا شيخة امال لو مكنتش ظابط مباحث كنتي قولتي أيه يا رغد هانم.
وضعت رغد يدها على فمها بصدمة و**ت.
يزن : هتفضلي ساكتة كدا كتير انطقي عايزه ايه.
رغد بخجل : مش عايزه حاجة ...... لأ استنى أنت مين بيساعدك في حاجتك وأنت دراعك متعلق كدا؟
يزن ببرود : وأنتي مالك يخصك في أيه تعرفي أنتي مش خلاص نهيتي كل اللي بينا.
رغد : حبيت اطمن عليك كأخوات على الأقل، ارجوك قولي اوعى يكون عندك خدامة هى اللي بتعملك حاجتك أحسن أنا ممكن أخنقك وأخنقها، أه ممكن يكون عندك وبتساعدك وتلاقيها بتتحرش بيك وأنت مبسوط بكدا مش صح.
أبعد يزن الهاتف عن مرمى سماعها وهو يضحك على جنانها وقرر اللعب على أعصابها : ممممم بتطمني عليا كأخوات ماشي زي ما تحبي، وأه عندي واحدة الله يبارك ليها هى اللي بتعملي كل حاجة ربنا يخليها ليا وبعدين أنتي مالك تتحرش بيا ولا لأ مش أحنا أخوات يهمك في أيه.
اختلط صوت رغد بالعبرات : مممما..... مين دي ممكن أعرفها.
يزن بصوت اجش : عايزه تعرفيها ليه.
رغد بحدة : عشان اقتلها واقتلك أنت متستهلش اصلا أن أنا اتصل واسأل عليك أنا غلطانة.
يزن : فعلا غلطانة وبعدين مش أنتي رفضتيني عايزه مني أيه تاني.
وصل صوت بكائها وهى له فتوحع قلبه عليها وقرر مصارحتها.
يزن بضعف : طيب خلاص أهدي ومتعيطيش كدا يا حبيبتي أنا كنت بغيظك بس، مقدرش اسمعك بتعيطي كدا هقولك الحقيقة ماما هى اللي بتساعدني.
أبتسمت رغد من وسط عبراتها : بجد.
يزن بابتسامة : بجد يا حبيبتي.
خجلت رغد من تصريحه وتلقيبه لها بحبيبتي فقررت أنهاء المكالمة.
رغد : طيب هسيبك تنام تاني بقى مع السلامة.
يزن بغيظ : عارفه لو قفلتي السكة مش هكلمك تاني ابدا.
رغد بوداعة : ليه أنت كنت نايم وأنا صحيتك هسيبك تنام تاني.
يزن بنبرة عاشقة : نوم أيه دلوقتي أنا ماصدقت أنك اتصلتي.
أخذ نفسنا عميق واغمض عينيه وخرجت الكلمات منه تلقائية : وحشتيني قوي ونفسي أتكلم معاكي شوية، واقولك عايزك تبقي في حضني النهاردة قبل بكرة وعلى قد غضبي منك من كام ساعة على قد منا عايز أحطك جوه قلبي لما اتصلتي دلوقتي وحسيت بغيرتك عليا حقيقي محيتي غضبي وبدلتيه لحب أضعاف منا كنت بحبك.
رغد بخجل وخفقان قلب يعلو : أ اااا .... أنا.
يزن : أنتي أيه اتكلمي يا روح قلبي.
رغد :أنا كمان بحبك وعايزه أكون ليك النهاردة قبل بكرة، سامحني لو كنت زعلتك بس أنا اتجرحت منك ومكنتش عارفه بقول أيه بس أنا بعد ما أنت مشيت حسيت بتأنيب ضمير فظيع حقك عليا.
أغمض يزن عينيه بألم : أنا اللي أسف مش أنتي وكان معاكي حق في كل كلمة قولتيها بس أنا كنت عامل زي الغرقان في حبك وبدور على القشاية اللي تنتشلني بعيد عنك و**مت أصدق وأنا مش مقتنع عشان أجبر نفسي أكرهك، ويوم ما قابلتك في الكافية لو طولتي معايا شوية كان قناع الجمود اللي كنت لابسه وأنا بقولك بعتبرك زي أختك ساح ووقع لأني قدامك بكون يزن ضعيف غير اللي عرفته واتعودت أكون عليه.
ابتسمت رغد بسعادة : يعني لو حد قالك بعد كدا أني واحدة وحشة هتصدقه.
يزن : أنا مصدقتش أول مرة عشان أصدق تاني وأي حد هيفكر يجيب سيرتك هقتله بأديه عشان يكون عبرة لغيره وبعدين أنتي أخلاقك بانت ليا وعرفتها من أول مرة شوفتك فيه، البنت اللي تخجل من نظرات شاب ليها وتحط وشها في الأرض في زمنا ده اكيد تبقى باباها عرف يربيها كويس وخلي بالك في فرق ما بين الخجل وتصنع الخجل.
رغد : حرام عليك يا حضرة الرائد لما أنت بتقول كلام حلو كدا زعلتني منك ليه وخوف*ني قوي على مستقبلنا سوى.
يزن بضحك : مش يمكن كنت بشوف مدى حبك ليا قد أيه.
رغد : وعرفت قد أيه.
يزن : دا أنتي طلعتي واقعة واقعة يعني.
رغد بضحك وهى تماثل درجة صوته : وأنت مش واقع ..... أه كنت بتقولي أيه أنتي ناوية تروحي بالفستان ده الفرح ادخلي غيريه بدل ما تحصل جناية .
يزن : ومين قالك اني مش واقع دا أنا واقع لبوزي كمان والفستان الأحمر ده ميتلبسش غير ليا وفي بيتنا فاهمة.
رغد بدلال: فاهمة يا ......
يزن : يا أيه.
رغد : أنا قولتها مرة وتاني مرة بعد كتب كتابنا أن شاء الله.
يزن : أنتي هتخليني أكتبه النهاردة.
رغد بتمني : ياريت.
يزن : طب نامي ليكي شوية لغاية ما أرتب أموري وأجي اخ*فك يا حبيبتي، مع السلامة.
رغد بابتسامة : مع ألف سلامة في رعاية الله.
يزن : في رعاية الله يا نور عيوني.
قبلت رغد هاتفها ثم ووضعته بجانبها على الكومود واستلقت على فراشها تحلم به، وهى لا تصدق نفسها انها سامحته لكن هذا هو حال المحبين خصام وصلح وصلح وخصام في ثواني، لا يعلما متى تشاجرا ولا متى تصافى لبعضهما كل ما يعلمانه أنهما كيان واحد لا يتجزأ مهما حدث.