استغرق المسافران بضعة أيام و ليال لبلوغ أقرب مدينة على طريقهما.
و بعد سير دام طويلا، لمح تاج من بعيد، عند مدخل المدينة، بيتا صغيرا جدرانه من حجارة بيضاء، رمادية و سوداء، و بابه من خشب أحمر.
اتجه نحوه بعد أن أعلم وردة قائلا،
- لقد وصلنا.
- مدينة السنديان؟
أومأ قائلا،
- فلنسأل أهل هذا البيت عن موقع خان المدينة.
وافقت الأميرة، ثم لحقت برفيقها حتى وصلا إلى حديقة الكوخ الأمامية المتواضعة. و ما أن نزلا من على ظهر حصانيهما، حتى خرجت من الحديقة الخلفية للمنزل امرأة عجوز.
كانت في ثوب طويل أبيض و على رأسها غطاء يماثل الثوب في اللون، و يسمح لبعض خصلاتها الرمادية الأمامية بالظهور. و كانت تحمل في يدها قفة تجمع فيها بعض الخضار و الأعشاب.
تقدمت العجوز نحو الواقفين بالقرب من الباب، فتقدم تاج و وردة بدورهما نحو ها ملقيان التحية، فردت عليهما بأحسن منها و ابتسامة لطيفة على وجهها، ثم سألتهما عن حاجتهما، فسألها تاج عن موقع خان المدينة.
أشارت العجوز إلى بيتها مقترحة،
- يمكنكما المكوث في بيتي إن اردتما.
أجابت وردة معتذرة،
- لا بأس، عمتي. لا نريد ازعاجك. من الأفضل أن نذهب إلى الخان.
هزت العجوز رأسها نفيا،
- لن تزعجاني بشيء أبدا! بل على ع** تماما. سأكون سعيدة جدا بمكوثكما في منزلي، فلقد مللت وحدتي هذه.
تبادل تاج و وردة نظرةً تفضح ترددهما، فاقترحت المرأة محاولة اقناعهما،
- أُدخلا و شاركاني طعام الغداء على الأقل، ثم عندها قررا.
نقلت وردة عينيها بين تاج و المرأة العجوز، ثم أخيرا أومأت،
- حسنا! شكرا لك، عمتي.
اتسعت ابتسامة العجوز و أشرق وجهها ذي البشرة المجعدة قليلا، و تقلصت عيناها اللطيفتان حتى كاد لون بؤبؤتيها الرمادي الجميل يختفي تحت جفنيها.
- العفو يا ابنتي.
ثم فتحت باب بيتها، وهي تسألهما عن اسميهما، فأجاباها، ثم دخلا من بعدها.
قالت،
- و أنا اسمي مرجانة.
ردت وردة قائلة،
- تسرنا معرفتك، يا عمة مرجانة.
اتجهت مرجانة يمينا و فتحت النافذة، ثم يسار الباب و فتحت نافذة ثانية، فاستدعت ضوء الشمس إلى قلب منزلها، ليكشف عن جمال بساطة فراشه من زرابي مزخرفة، و مخدات مطرزة للجلوس، على الأرض، و ما يشبه ستائر ملونة، متدلية من السقف، و على الجدران.
أشارت لهما العجوز مرحبة،
- تفضلا بالدخول. تصرفا و كأنكما في بيتكما.
ثم غادرت يسارا، حاملة قفة الخضار، نحو باب مفتوح يكشف عن مطبخ صغير متواضع. و عادت بعد بضع ثوان فارغة اليدين، لتجدهما لايزالان واقفان.
استفهمت،
- لما لا تجل**ن؟
شرحت وردة قائلة،
- ملابسنا كلها غبار. من الأفضل أن نغير ثيابنا أولا قبل الجلوس.
تفحصت العمة مرجانة ثيابهما،
- لا بأس. يمكنكما الإستحمام أيضا إن أردتما.
ثم اتجهت نحو باب مغلق بالقرب من باب المطبخ، و فتحته قائلة،
- ها هو ذا الحمام. يمكنكما استخدامه.
شكر تاج مستضيفتهما، ثم خرج إلى الحديقة ليعود بأمتعتهما.
سلم الأميرة حقيبتها، ثم أعلم العجوز قائلا،
- سأستحم بالخارج ان كان ذلك ممكنا.
استغربت العجوز وهي تنقل عينيها بينهما، ثم أفصحت،
- لابأس بدخولك معها! أ لستما زوجين؟!
افتر ثغر وردة عن ضحكة حاولت أن تخفي بها ارتباكها، لكنه انكشف في نبرتها لحظة أجابت،
- لا. لا! لا! لسنا زوجين!
نظف تاج حلقه ثم أضاف على كلامها متلعثما،
- نحن.. صحيح.. لسنا متزوجين! فقط.. رفيقان في السفر. فقط.
خيم **ت مربك على المكان، و العمة تنقل نظراتها بينهما و هي ترفع كلا حاجبيها، كالمندهش الذي يشك في شيء ما.
نظفت وردة حلقها وهي تحاول جاهدة الحفاظ على ضحكة عادية لا يشيبها شعور بالتوتر او بالإحراج، لكنها استسلمت لحظة شعرت بنظرات تاج عليها، فاستأذنت من مرجانة، دخلت الحمام، و أغلقت الباب خلفها.
أعاد تاج نظراته إلى صاحبة البيت، فقابلته بابتسامة صغيرة، عَلِم منها أنها ربما تكون قد اكتشفت مشاعره تجاه وردة.
بادلها بضحكة مرتبكة، ثم نظف حلقه قبل أن يستأذن،
- سأذهب أيضا.. لأستحم.
أومأت له ثم أفسحت له الطريق، و وقفت تراقبه يغادر موقفه بخطوات سريعة نحو الباب.
و ما أن خرج حتى همست لنفسها ضاحكة،
- ما ألطفهما!
.....
خرجت وردة من الحمام مرتدية قفطانها الذي احتفظت به في حقيبتها، و على رأسها ثوب خفيف مطرز يغطي بعضا من شعرها، وهي تحمل بين يديها دلوا تضع فيه ملابس سفرها المغسولة.
خرجت إلى الحديقة بحثا عن مكان مناسب لتعليق ثيابها، لعلها تجف قبل أن تنطلق و تاج مجددا.
وجدت حبلا بدايته مربوطة بغص شجرة قريبة من البيت، و نهايته مربوطة بشجرة بعيدة قليلا.
وضعت الدلو بالقرب منها، ثم بدأت بنشر ملابسها الداخلية أولا، ثم صديرتها الجلدية. ثم استغرقت في إصلاح تجعدات ثوب سروالها و هي تسوسه و تمسح عليه.
في تلك اللحظة شعرت بأحدهم يقترب من موقعها، فالتفتت لتجد تاج يتقدم نحوها، و حول عنقه قطعة ثوب، جزء منه متدل على كتفه الأيسر، الجزء الآخر في يده اليمنى يجفف به شعره، و في يده الأخرى يحمل ملابسه المغسولة.
أثارت خصلات شعره المبللة المصففة للخلف، و التي تسمح لجبينه بالظهور بشكل واضح، انتباهها. لكن رشاقة جسده العلوا العاري سرقت كل انتباهها لثانية، فأسرعت و أنزلت عينيها إلى السروال بين يديها، و عادت تصلحه في **ت.
علق قطع ملابسه القليلة، ثم التفت إليها وهي تعلق سروالها.
قال وهو يشير الى الدلو على الأرض،
- هل أساعدك؟
أجابت متفادية النظر إليه،
- لا عليك.
ثم التقطت قميصها من الدلو و أخذت تسوسه،
- لم يبقى سوى قطعة واحدة.
رفعت القميص إلى الحبل، ثم وقفت على أصابع قدميها لتتمكن من الوصول إليه. و بعد مراقبتها لمدة، أسرع إليها، و أمسك بالقميص قائلا،
- دعيني أساعدك.
فأبعدت وردة أصابعها و تراجعت جانبا.
وقفت تراقب يديه وهما تعملان على تعليق قميصها بشكل جيد، فلاحظت حول مع**يه سوارين بدأ لونهما النحاسي يختفي ليحل مكانه بياض فضي. لكنها لم تعر السوارين اهتماما إلا لمدة قصيرة، قبل أن تجذب العروق البارزة التي تزين ساعِدَيه انتباهها، و التي أخذ بروزها يتلاشى عند مرفِقَيه. أذنت لنفسها بعد تردد، بإلقاء نظرة سريعة على عضلات ذراعيه، و مابدى من ص*ره و عضلات جسده الجانبية التي تتحرك تحت جلده مع كل حركة يقوم بها.
توقفت عيناها عند خصره لحظة استدار ليكشف عن عضلات بطن بارزة بشكل مثير، فاستيقظت من شرودها و رفعت عيناها اللتان اتسعتا فجأة، مصدومة من نفسها.
اتصلت نظراتها بنظراته المستغربة، فاستفهم قائلا،
- ماذا هناك؟
التقطت وردة الدلو، ثم أجابت وهي تشير إلى الباب خلفها، متفادية النظر إليه،
- لا شيء! لا شيء أبدا! سأعود.. سأعود إلى الداخل.
ثم أسرعت نحو الباب بخطا سريعة، تُرَبِّتُ على ص*رها بكفها، وهي توبخ نفسها متمتمة،
- ما الذي دهاكي يا وردة؟! ما الذي دهاكي؟!
.....
ساعد الضيفان مضيفتهما على تقديم الطعام، على مائدة خشبية قصيرة، ثم جلسا من بعدها على مخدات الجلوس.
رفعت مرجانة الغطاء عن الصحن الفخاري الدائري، فتصاعد بخار رافقته رائحة لحم طري و خضار طازجة، ثم أزاحت قطعة ثوب عن السلة كانت بجانبها على الأرض، فكشفت عن ثلاث أرغفة خبز، تناولت واحدة، ثم قطعت منها قطعتان يتطاير منهما بخار دافئ، و قدمت واحدة، لكل من تاج و وردة.
طلبت منهما العمة مرجانة أن يشرعا في الأكل، لكنهما لم يبدأ إلا بعد أن تناولت اللقمة الأولى.
- هل لي أن أسأل من أي مدينة جئتما؟
ابتسمت وردة ثم أجابت بعد أن ابتلعت اللقمة في فمها،
- أنا أسكن مدينة قلب السبعة قصور. و أما تاج، فهو من الغبراء.
ثم التفتت إليه قبل أن تضيف،
- من مدينة البلور، أ ليس كذلك؟
أومأ وهو يمضغ قطعة الخبز التي وضعها في فمه.
قالت العجوز بنبرة توحي بتفاجئِها،
- من مدينة البلور؟!
أومأ تاج مجددا، و تعابير الإستغراب من سؤالها واضحة على وجهه. فأضافت العمة متسائلة،
- هل كنت في البلور مؤخرا؟!
هز رأسه نفيا،
- لقد عشت عشر سنوات في قلب السبعة قصور، و لم تسمح لي الفرصة بزيارة البلور منذ ذلك الوقت.
- أ لم تسمع بالذي حدث للمدينة؟!
وضع تاج الخبز من يده، وهو يهز رأسه نفيا في تردد، منتظرا من العجوز بقية الكلام.
قالت،
- لقد تصنمت المدينة بأسرها و أصبحت حجرا منذ عشر سنوات!
شحب وجهه فجأة، ثم نقل نظراته بين وردة و العمة مرجانة، متلعثما،
- م.. ما الذي.. تقصدينه؟! تصنمت؟! كيف؟!
- أ حقا لم تسمعا بأي شيء من هذا؟!
أجابت وردة وهي تدرس شحوب تاج، تشتت نظراته، و القلق الذي سيطر على ملامحه فجأة.
- سمعت عن الأمر.. من بعض التجار الذين زارو الغبراء الشرقية. قالوا بأن القصر و من فيه، و كل من في المدينة من سكان، قد تصنموا أيضا، و أصبحوا حجارة.
ثم التفتت إلى العمة متممة،
- سمعت قصصا عن المدينة، لكنني ظننتها قصص مُختَلَقةً وحسب.
- الأمر لم يكن مختلقا يا ابنتي! إنها لعنة أصابت المدينة.
رفع تاج عينيه إلى العمة مرجانة في تردد، ابتلع ريقه ثم سأل بنبرة هادئة صاحبتها رعشة،
- أية.. لعنة؟
ابتلعت اللقمة بعد مضغها جيدا، ثم أجابت،
- البعض يقولون بأن غضب الله قد حلّ على المدينة، بسبب السحر و الشعوذة اللذان كانا يمارسان فيها، فلقد كان أمير الغبراء الشرقية الصغير أيضا يتعلم من أحد السحرة، و الذي نفاه أبوه السلطان "سيف الملوك"، بعد أن اكتشف الأمر.
ثم أكملت وهي تقطع بعض اللحم بأصابعها،
- و البعض يقولون بأنها لعنة من أقوى الجان الذين تم استدعاءهم من قبل المشعوذين، و اللذين انقلبوا على السحرة لأسباب غامضة.
احتبست أنفاس تاج، اقشعر جلده، و أخذ قلبه يرتعد و يهتز بعنف، وهو يستمع لحديث العمة.
سألت وردة في فضول،
- و كيف هو حال الغبراء الشرقية من دون سلطانها؟
- سمعت أنها في أحسن حال الآن. فبعد أن حكمها الإبن الأكبر لسلطانها لمدة أربع سنوات، سلَّمها لجده "شمس النهار"، سلطان الغبراء الشمالية، فقسمها الى نصفين. نصف تحت حكمه، و النصف الثاني تحت حكم السلطان شهرمان.
- الإبن الأكبر للسلطان سيف الملوك؟!
أومأت مرجانة وهي تحتسي بعض الماء من كأسها الفخاري.
فاستغربت وردة،
- و كيف نجى من ا****ة؟!
- قبل ا****ة، كان الإبن الأصغر للسلطان قد اختفى لمدة، فانطلق أخوه الأكبر بحثا عنه، لكن لم يجد له أثرا، فاستسلم و عاد إلى مدينته. و هناك صُدِم بحال البلور و سكانها، و خاصة بحال والده. حاول المسكين أن يحكم شعبه، لكنه استسلم و سلّم المملكة لجده، ثم انطلق بحثا عن أخيه مجددا. و منذ ذلك الحين، لم يسمع عنه أحد شيئا.
شعر تاج بالمكان يضيق من حوله، و بدأت أنفاسه تتثاقل، فأثار ذلك انتباه وردة. سألته عن حاله، فأومأ و أجابها بأنه بخير، ثم استأذن منها و من مرجانة ليغادر.
وقف عن مجلسه، فشعر بساقيه تفشلان في حمله، و كاد توازنه يختل، لكنه تمكن، بخطوات شاردة، من الوصول إلى الباب.
قالت مرجانة، وهي تراقبه،
- لم يأكل المسكين شيئا. لا بد و أن الخبر صدمه.
تن*دت وردة في أسى، ثم قالت عندما اختفى عن ناظريهما،
- لقد ترك أبا مريضا في البلور. لا بد و أن ما سمعه قد حطّم قلبه.
ما ان وضع تاج قدمه خارج البيت، حتى ترقرقت الدموع من عينيه، و هو يلتقط أنفاسه بصعوبة. رفع كلتا يديه إلى وجهه و مسح دموعه التي تفيض من دون توقف.
حاول أن يتماسك للحظة، ثم رفع عينيه بحثا بين الأشجار، و في السماء، ثم رفع أصبعيه إلى ثغره و صفر بكل قوته و الدموع لاتزال تسيل من جفنيه.
ظهرت الحمامة من بين أوراق الأشجار و رفرفت بجناحيها نحو، ثم حطت على كتفه.
أغلق عينيه، ثم مسح خديه بأصابع قبل أن يطلب، و صوته الأبح يهتز مع كل حرف يخرج من بين شفتيه،
- خذينا إلى حيث لن يرنا أو يسمعنا أحد.
هدلت الحمامة ثم ض*بت بجناحيها، و أخذت ترفرف حول جسده حتى ظهر دخان أبيض فضي متلألئ، انتشر بكثافة فجأة، ثم اخفى و إختفى تاج و الحمامة معه.
....