و هما يتقدمان بفرسيهما، سألت الأميرة بابتسامة صغيرة، بعد أن ألقت نظرة سريعة على وجه تاج.
- قبل قليل، لما فعلت ذلك؟
التفت إليها مستفهما،
- فعلت ماذا؟
- سمحت لي بهزيمتك!
تبسم ضاحكا،
- ما الذي تقصدينه؟
- عندما دست على قدمك، كنت تستطيع التحمل. أعلم أنك اصطنعت كل ذلك الألم!
هز رأسه معترفا،
- كنتِ مصرة على التغلب علي، فما كان باليد حيلة!
اكتفت بضحكة صامتة، فاستمر قائلا،
- لكنك حقا.. تجيدين القتال بالسيف. لا بد و أن مرزوان مقاتل محترف و معلم ممتاز أيضا!
- إنه كذلك.
ثم أضافت بعد سكوت،
- بذل كل ما بجهده ليعلمني، رغم أنه كان يعلم جيدا أن السلطان سيعاقبه إذا ما اكتشف الأمر.
- إذا فلقد تعلمتي سرا!
أومأت،
- كان أبي ضد تعلمي لأي نوع من فنون القتال، و كان يقول دائما، أنني أميرة، و يجب أن أتصرف كواحدة.
- أ لهذا كنت تخفين سيفك في الإسطبل؟
أومأت ثم وضحت قائلة،
- السيف في الواقع ليس سيفي. لقد كان ملكاً لوالد مرزوان، رحمة الله عليه. أهداه لي بعد أن بلغت العشرين من عمري، وطلب مني الإعتناء به جيدا.
قال في بعض من التردد،
- لا بد و أنكِ شخص.. عزيز على قلب مرزوان. أقصد.. بما أنه أهداك.. سيف والده.
أطبقت شفتيها المبتسمتين، و عقدت حاجبيها قليلا و هي تحاول استنتاج معنى كلامه ذاك، من التعبير الذي قرأته على صفحة وجهه.
- أ تقصد أنك تظن.. أنه يحمل مشاعر تجاهي؟!
نظف حلقه ثم أجاب دون أن يلتفت إليها،
- ربما. أقصد.. ربما تعتبرينه كأخ لك، لكن هذا لا يعني.. أنه يعتبركِ كأخت.
- لا أظن ذلك! لست سوى أخت مزعجة بالنسبة له.
إلتفت إليها منتظرا منها إتمام حديثها.
- لقد أرضعتنا والدته معا، و ربتنا معا، بما أن أمي آن ذاك كانت مريضة طريحة الفراش و أنا صغيرة. لذلك كنت أمضي وقتي مع مربيتي ميمونة و ابنها مرزوان، لدرجة أننا اعتقدنا أننا حقا أخوان!
افتر ثغرها عن ضحكة هادئة وهي تنظر إلى عيني تاج، فبادلها بمثلها وهو يطوق لسماع بقية حديثها عن حياتها.
استمر الإثنان في تبادل أطراف الحديث لمدة، ثم بعد ذلك قررا أن يسرعا أكثر، ليتمكنا من الوصول إلى النهر قبل الغروب.
.....
وصل الإثنان إلى نهر سلسال مع بداية مغيب الشمس، فأخذ لون السماء الأزرق يختفي، و بدأ الأصفر و البرتقالي يملأن مكانه، و رحّبَ النهر بجمال اللونين و ع** سحرهما على سطح مياهه.
نزل تاج من على ظهر حصانه، ثم اخراج وعاء الشرب من حقيبته، و أخرج قلادة مرزوان. اتجه نحو النهر و ملأ الوعاء، ثم استخدم القلادة مجددا، ليتفقد حال قائد الجنود.
تقدمت وردة باتجاه تاج، الذي وقف يراقب الصور التي كشفت عنها قلادة مرزوان المتوهجة لحظة اختلطت بالماء.
التفت إليها ثم أنزل الوعاء لتتمكن من مشاهدة قائد الجنود برفقة جنديين، يتقدمان وسط غابة بدأ الظلام يخيم عليها.
سألت،
- أين هم الآن؟!
- يقطعون غابة النضير. يبدوا أنهم يسلكون طريقا مستقيمة و لا يلتفتون عنها!
ضمّت جسدها بذراعيها،
- إذا كل ما علينا هو الإبتعاد أن الطريق المستقيمة.
هز رأسه موافقا،
- قد نتأخر قليلا لكن لا بأس.
أومأت وهي تمسح احدى ذراعيها بكفِّها، ثم عادت إلى حيث تركت جوادها، التقطت سلهامها و ارتدته، ثم لفته حول جسدها جيدا.
قال تاج وهو يقترب من موقفها،
- الجو بارد الليلة.
- بل أصبح البرد يزداد كل ليلة! يجب أن نتوقف في أقرب مدينة لشراء ملابس دافئة.
- حسنا.
ثم أضاف وهو يشير إلى الأشجار،
- سأذهب لجمع بعض الأغصان لنشعل النار.
أومأت ثم أمسكت بلجام حصانها،
- و أنا سأربط الأحصنة، أطعمها و أسقيها.
أومأ لها مبتسما فبادلته بنفسها، قبل أن يغادر.
.....
كانت الأميرة قد غفت تحت إحدى الأشجار، بعيدا عن النار، و عن تاج الذي استمر في الجلوس أمام اللهيب المتراقص، مسندا ظهره إلى جدع شجرة، وهو شارد الذهن.
و لم يستيقظ من شروده إلا عندما سمع هديل حمامة، فأسرع في الوقوف و هو يتفحص السماء بعينيه، بحثا عن مص*ر الصوت. لكن سرعان ما أنزل بصره و التفت يمينا، عندما سمع صوتا يقول،
- أنا هنا.
تصنم لوهلة وهو يبادل نظراتها المتأسفة بنظرات شبه متفاجئة، ثم أخيرا نطق و هو يسير نحوها،
- لمار.
طأطأت رأسها قليلا،
- آسفة لأنني تركتك هكذا فجأة.
ابتسم وهو يراقب حركاتها المرتبكة، منتظرا منها ان ترفع رأسها،
- ليس و كأنها أول مرة تغادرين فيها هكذا!
- آسفة.
ربت على كتفها،
- لا بأس! يجب أن أعتذر أيضا على ما بدر م-
قاطعته قائلة،
- ظنك كان في محله.
- أي.. ظن؟
أغلقت عينيها و زفرت في **ت و كأنها تحاول التخلص من ضيق في ص*رها،
- أخاف.. أن يقع قمر الزمان في حب إحداهن. لأنني.. سأشعر و كأنني.. فقدته.
ثم أضافت بعد سكوت، تحت نظرات تاج القلقة،
- أعلم أنه لا يجب علي أن أشعر بمشاعر كهذه تجاهه. فأنا جنية و هو بشري، و من المستحيل.. اجتماعنا.
مد كلتا يديه إلى كتفيها، ضغط عليهما بلطف، ثم رسم بشفتيه ابتسامة صغيرة،
- لا بأس. لا بأس بأن تحبي بشريا. لا تعذبي نفسكي بالتفكير في الأمر بهذه الطريقة.
تغرغرت عيناها دموعا،
- لكن في يوم ما.. يوما ما، سيحب فتاة، و سيتزوجها، و سأبقى أنا كظله ليلا، أراه و لا يراني.
سحبها إليه برفق ثم ضمها إلى ص*ره،
- آه يا لمار. يا ليتني أستطيع مساعدتك.
رفعت ذراعيها و لفتهما حوله، ثم دفنت وجهها في ص*ره متمتمة،
- كم هو مؤلم أن تحب روحا.. مُحرّم عليك لقاءها.
....
....
انطلق الإثنان قبل الفجر، و قطعا مسافة لابأس بها قبل طلوع الشمس. و ما ان أصبح الصباح، حتى توقف المسافران لتناول بعض من الطعام، قبل أن يكملا طريقهما.
نزل تاج من على ظهر حصانه، أخرج قوسه من حقيبته و حمل على ظهره حاملة الرماح و أخذ منها رمحا، ثم التفت إلى وردة، و التي نزلت لتوها.
قال،
- لقد لمحت بعض الأرانب البرية هنا. سأصطاد واحدا.
أشارت إلى حقيبتها،
- يمكننا تناول ما معنا من ثمار! إنها تكفي.
- تناول الثمار وحدها لن يساعدنا على تحمل مشقة الطريق طويلا. ستخور قوانا هكذا.
أومأت موافقة بعد **ت، فاكتفى بإيماءة صغيرة قبل أن يغادر موقفه و يدخل بين الشجيرات بحثا عن صيده بخطوات متمهلة حذرة.
تبعته الأميرة وهي تراقب خطواته،
- تجيد استخدام القوس أيضا؟!
التفت إليها مبتسما،
- بالطبع!
ثم سأل بعد سكوت وهو يبحث بنظراته بانتباه،
- هل سبق لك و استخدمت القوس؟
- جربته بضع مرات وحسب.
تجمد تاج مكانه فجأة، ثم رفع يده مشيرا لوردة بأن تتوقف عن الحراك، فتصنمت بجانبه هامسة،
- ماذا هناك؟
أشار بسبابته نحو الشجيرات أمامهما،
- هناك. أرنب بري.
دنت رأسها قليلا، فبدى لها بين الأوراق أرنب رمادي اللون، يداه عند فمه الذي يتحرك باستمرار و كأنه يأكل شيئا ما.
رفع تاج القوس أمامه، ثم وضع الرمح في مكانه، و جذبه حتى لامست نهايته خده. احتدت عيناه أكثر و هو يصوب تجاه ساق الأرنب من بعيد، ثم أخيرا بعد أن تأكد من أنه سيصيب هدفه، تقدم خطوة صغيرة و داس على غصن ف**ره في اللحظة التي أطلق فيها الرمح، فقفز الأرنب هربا، و أصاب السهم الأرض.
أنزل تاج ذراعيه و أراحهما، ثم قال متن*دا،
- كنت قريبا!
- كان عليك أن تحذر خطواتك.
التفت إليها، مدّ لها القوس، ثم رمحا.
- دورك.
- دوري!
- أ لم تقولي أنك استعملت القوس من قبل؟
- بلى، قلت جربته من قبل، لم أقل انني بارعة في استخدامه!
قال بعد سكوت و هو يتفحص عينيها مبتسما،
- أ لا تريدين فرصة لتهزميني؟
افتر ثغرها عن ضحكة صامتة شبه مندهشة، ثم تقدمت نحوه خطوتين،
- إذا اصطدت الأرنب، أكون قد هزمتك؟
- تماما!
- موافقة!
أخذت القوس و الرمح منه، ثم انطلقت بحثا عن طريدة أخرى. انطلق من بعدها، بعد أن التقط سهمه الذي أطلقه قبل قليل، ةوهو يراقب تحركاتها، انتباهها و حذرها، و عينيها المشغولتين بالتفتيش بين الشجيرات.
ثم توقفت عن الحراك فجأة، وهي تشير خلف شجرة ضخمة،
- هناك. أرنب أبيض.
- استعدي.
رفعت الأميرة القوس بيدها اليسرى، بعد أن وضعت الرمح في مكانه، ثم سحبت نهايته بيمناها.
لاحظ تاج عدم استقامة ذراعها، فاقترب منها ثم وقف خلفها، وأمسك مرفقها الأيسر و رفعه قليلا،
- اجعلي ذراعك مستقيمة أكثر.
ثم شعرت بيده على يمناها،
- اسحبي الرمح أكثر.
نفذت نصائحه، فرفعت ذراعها، و سحبت الرمح حتى لمس ظهرُ إبهامها خدها.
وضع كفيه على كتفيها، فالتفتت قليلا، في تردد، إلى يمناه التي تضغط برفق على كتفها.
- جيد. و الآن صوبي نحو الطريدة.
ثم ابتعد بضع خطوات إلى الخلف.
حاولت الأميرة استعادة تركيزها الذي شتته الواقف خلفها، فوقفت باعتدال، أخذت نفسا، ثم صوبت نحو هدفها. و بعد ثوان قليلة من دراستها للإتجاه، أطلقت الرمح، فأصابت ساق الأرنب.
أسرع تاج نحو صيدهما، و أخرج السهم من ساقه، ثم تناول خنجره من حزامه و دبحه بعد أن همس باسم الله.
تقدمت وردة نحوه على مهل وهي تقول،
- للأسف، لا أظنني هزمتك بعد.
رفع نظره إليها ضاحكا،
- أ لأنني نصحتك بضع نصائح؟
- لو لا نصائحك لهربت وجبتنا مجددا!
هز رأسه مقتنعا،
- أظن أن تعاوننا، أفضل من تنافسنا. أ لا تعتقدين ذلك؟
و قبل أن تجيب الأميرة، تأملت عينيه لبعض الوقت، ثم هزت رأسها بهدوء بضع مرات، مبتسمة،
- أظن ذلك أيضا.
.....