الفصل ١١

1897 Words
سمع تاج هديل حمامة، فرفع عينيه بحثا عنها. كانت ترفرف باتجاهه، و ما ان اقتربت منه حتى أفلتت قلادة كانت تحملها بقدميها، فأمسك بها تاج، ثم حطت الحمامة على كتفه. ألقت وردة نظرة على كفّه ثم همست، - قلادة مرزوان! فتح تاج الحقيبة المعلقة بسرج حصانه، و أخرج منها قربة ماء و وعاء للشرب، ثم سكب بعض الماء في الوعاء. تقدمت الأميرة نحوه بخطا متأنية، و هي تراقبه يستخدم وعاء الماء و القلادة التي توهجت في يده، ليطلع على ما يحدث مع قائد الجنود. وقف الإثنان يدرسان الصور التي كشفت عنها المياه الممتزجة بالنور الساطع من القلادة. صور مرزوان و جنديان آخران، نيام على أرض شبه قاحلة، و حول نار يتراقص لهيبها. نطق تاج قائلا، - إنهم خارج قلب السبعة قصور. - لكنهم متأخرون عنا بكثير. أخرج تاج القلادة من الوعاء، و رش ماءها على ما بحوله من نباتات، وهو يقول، - علينا أن ننطلق قبل الفجر، لنصل إلى نهر سلسال في نهاية اليوم. أومأت وردة موافقة، فأضاف قائلا، - أما الآن فلنرتح هنا لبعض الوقت. ..... كان تاج مستلقيا تحت إحدى الأشجار، نائما، عندما شعر بأصابع تتخلل خصلات شعره، ففتح عينيه ليجد لمار، وهي على هيئتها، تجلس عند رأسه، مبتسمة، تتفحص ملامحه المتفاجئة. قالت، - ماذا بك؟! ظننتها فاتنك؟ أغلق تاج عينيه متن*دا، ثم اعتمد على يديه ليجلس وهو يقول بنبرة متعبة بحة، - كم مرة علي أن أطلب منك التوقف عن مناداتها هكذا؟! وسّعت عينيها مصطنعة ملامح شبه مذهولة مصطنعة، - مناداتها ماذا؟! فاتنتك؟! رمقها بنظرة منزعجة، - كفي عن هذا يا لمار! أومأت مرارا وهي تردد، - حسنا! حسنا! ثم أضافت، - هيا انهض و استعد. لقد اقترب وقت طلوع الفجر. ثم وقفت و ساست ملابسها، - و لا تنسى أن توقظ فاتنتك. افتر ثغره عن ضحكة ساخرة وهو يهز رأسه سلبا، - أ لا تستسلمين؟! هزت كتفيها و ابتسامة لعوبة على محياها، فتقدم نحوها بضع خطوات، وهو يدرس تعابير وجهها في شك. قال، - أصدقيني القول يا لمار. أومأت له، فسأل، - أنتِ تريدينني و وردة الجنة أن نقع في حب بعضنا، فقط لتحتفظي بقمر الزمان لنفسك، أ ليس كذلك؟ رمشت بضع مرات لحظة تشتت نظراتها، و كادت تتلاشى ابتسامتها، لكن سرعان ما أعادت تثبيت ضحكة أوسع على محياها، ثم قالت بنبرة مندهشة، - ما هذا الذي تقوله؟! أحقا.. قاطعها وهو ينظر إليها نظرة ارتياب، - أنت حقا تحبينه؟! اختفت ابتسامتها، ثم أشاحت بوجهها، فأمال تاج رأسه ليطل على ملامحها مستفهما، - منذ متى و أنت معجبة به هكذا؟! قالت متفادية النظر إليه، - أسرع و أيقظ الأميرة. سنتأخر. ثم ظهر دخان أبيض براق و كأنه انبثق مندفعا من جسدها، فاختفت وسطه و ظهرت على هيئة الحمامة، ثم رفرفت بجناحيها نحو السماء التي بدأت تحمر، وهي تستقبل الشمس في أحضانها. ..... انطلق المسافران بأقصا سرعة قد يتحملها حصانيهما، تارة يبطئان حتى يرويان عطشهما، ثم ينطلقان مجددا، و لم يتوقفا للراحة إلا بعد أن توسطت الشمس كبد السماء، فنزلا من على فرسيهما، و اتخذا مكانا تحت شجرة ضخمة من بين الأشجار حولهما، و جلسا تحت ظلها، ثم تناولا بعضا من ما كان معهما من فاكهة و ثمار. بعد أن انتهيا من تناول الطعام، قام تاج ليطعم الحصانين، بينما جلست وردة تحت ظل الشجرة، تنظف سيفها الذهبي الأبيض بقطعة من القماش. و ما هي سوى بضع دقائق حتى انتهى تاج من إطعام الفرسين، و عاد إلى حيث ترك الأميرة، بخطا متمهلة، يراقبها بابتسامة صغيرة، وهي تعمل على تنظيف كل جزء من سيفها. رفعت وردة عينيها إليه عندما شعرت بنظراته، فاتسعت ابتسامته عندما تعانقت نظراتهما، ما جعلها تبتسم له بدورها، قبل أن تعيد انتباهها إلى سيفها. سألت وهي تمسح الغ*د، - أين لمار؟! لم أراها هذا الصباح. - لقد غضبت مني، فغادرت. رفعت وردة عينيها المتسعتان إليه غير مصدقة لما سمعته أذنها، - حقا؟! افتر ثغره عن ضحكة مكتومة، - لكنها ستعود. عقدت حاجبيها مستغربة، - ما الذي فعلته حتى أغضبتها؟! تقدم و جلس بجانبها، ثم تن*د في أسف و قال، - اكتشفت بأنها معجبة بأحدهم، أنكرت لكنني كنت متأكدا، فانزعجت مني و غضبت! ازداد انعقاد حاجبيها لبرهة ثم رفعتهما في نوع من الذهول وهي تحدق بتاج الذي حاول جاهدا كتم رغبته في الضحك، لكن سرعان ما استسلم، و أشاح بوجهه ضاحكا. لكمت وردة ذراعه مازحة، ثم قالت بلهجة منزعجة مصطنعة، - لا أصدق أنني صدقت كلامك! مسح على ذراعه مصطنعا تعابير المتألم على وجهه، ثم قال، - بالنسبة لأميرة، لكمتك قوية! - لم ترى شيئا بعد! رفع كلا حاجبيه، - حقا؟! أومأت وهي تحدق بعينيه في نوع من التحدي، - حقا. ثم وضعت الغ*د و التقطت سيفها، و ض*بت برأسه على الأرض، - أ تريد أن ترى؟ أخرج سيفه من الغ*د في حزامه دون أن ي**ر اتصال عيونهما، ثم ض*ب به الأرض كما فعلت، - أ تدعينيني إلى نزال؟! - أ تخاف أن أهزمك؟! وقف عن مكانه و ضحكة واسعة صامتة على وجهه، - أخاف! لقد تدربت على يد أفضل المقاتلين في الغبراء كلها منذ أن كنت طفلا. وقفت عن مجلسها، تقدمت نحوه بضع خطوات، ثم استقامت أمامه. أحكمت قبضتها على مقبض السيف ثم قالت، - حقا! و أنا تدربت على يد قائد جنود مملكتي. رفع سيفه نحو عنقها، و هو في وضعية الإستعداد، - إذا فلقد تعلمتي من صديقك مرزوان! ربما يجب أن تستعدي للخسارة. اتخذت وضعية الإستعداد، و رفعت سيفها إلى ص*ره، - أنا لا أخسر. - سنرى. خلعت سلهامها بيدها الحرة و رمته أرضا، ففعل مثلها، و سيف كل منهما موجه إلى ص*ر الآخر. كانت نظراتهما متصلة طيلة الوقت و هما يتحركان، و يصنعان محيط دائرة واسعة بخطواتهما. لوح تاج بسيفه يمينا ثم يسارا بحركة سريعة، ثم أعاد توجيهه نحو وردة، ابتسم في نوع من التحدي، فبادلته بابتسامة جانبية. خطت نحوه خطوة سريعة و رفعت سيفها و ض*بت به، فلتقى النصل بنصل سيف تاج. أسرع و دفع بكل قوته، فابتعدت الأميرة بضع خطوات إلى الخلف وهي تحدق بعينيه اللتان تكشفان ثقته بنفسه و بمهاراته. سأل بنبرة شبه ساخرة، - أ هذا كل ما لد*ك؟ لوحت وردة بسيفها يمينا و يسارا بضع مرات على مهل وهي تتقدم نحو خ**ها، ثم وجهت النصل نحو عنقه و أجابت، - سترى ما لدي. أسرعت و انقضت عليه بض*بة تلو أخرى، فأخذ يصدها واحدة واحدة، فامتلأ المكان بصوت صليل السيفين. لكن سرعان ما تمكن من دفعها بعيدا و انقض عليها بض*بة قوية وهو يمسك بالمقبض بكلتا يديه. و ما ان انتبهت إليه حتى رفعت يسراها لتساعد يمناها على صد الض*بة فنجحت. قالت و هي تلتقط أنفاسها، - لا تمازحني! أرني ما لد*ك. أجاب و هو يتنفس بتثاقل، - لك ذلك! رفع سيفه و هجم عليها، فأسرعت في تفادي ض*باته، واحدة تلو الأخرى، وهي تدرس القوة التي يهاجم بها، تارة بيد واحدة و تارة بقوة كلتا ذراعيه، و ما إن سمحت لها الفرصة حتى ض*بت نصله بكل قوة امتلكتها ذراعاها، فجعلت سيفه يرتد إلى الخلف بصحبة ذراعه، فشتت انتباهه. حاول تاج إعادت تركيزه إلى خ**ه، لكنه شعر بحد سيفها يلامس ذقته فأدرك أن الأوان قد فات. أنزل سيفه ببطئ و رفع يسراه و كأنه يسألها أن تتمهل، و هو ينقل عينيه بين نصل سيفها و عينيها الحازمتين على هزيمته. قال معترفا، - أنتي سريعة! رفعت ذقنه رأس النصل و ابتسامة انتصر على وجهها. فأضاف قائلا، - لكنني أسرع منك! وقبل أن يكمل جملته، تراجع خطوة سريعة إلى الخلف و ض*ب سيفها بسلاحه، فجعلها تبتعد بضع خطوات، و استمر في اجبارها على التراجع بهجومه السريع، إلى أن لمس كعب قدمها جذع الشجرة، فض*ب سيفها بكل قوة، و حاولت هي الأخرى بكل ما في وسعها كبح سيفه، وهما يتبادلان نظرات حادة. قال بثغر ضاحك وهو يلتقط أنفاسه، - لقد خسرتي! ثم رفع سلاحه و ض*ب سيفها بسرعة خاطفة للمرة الثانية، و جعله يسقط من يدها. وجّه رأس النصل إلى عنقها، فأغلقت عينيها لبرهة في انزعاج واضح وهي تتنفس بتثاقل. تقدم تاج نحوها وهو يرفع ذقنها بحد السيف كما فعلت قبل قليل، فجعلها تتراجع إلى الخلف، و لم يتوقف إلا عندما التصق ظهرها بجدع الشجرة. اختفى صليل السيوف، وخيم **ت صاحبه صوت حفيف أوراق الأشجار و زقزقة عصافير بعيدة، وهما يتبادلان النظرات. دنى منها وهو يتفحص ملامحها التي تصرخ بعدم تقبلها للهزيمة، ثم قال، - لما لا تعلنين استسلامك الآن؟ التزمت ال**ت وهي تنقل نظرها بين سيفها على الأرض و عيني تاج، فأدرك أنها تفكر في التقاطه. و في اللحظة التي تحركت فيها، أبعد سيفه عنها، و أسرع في دفعها نحو الشجرة و ثبت جسدها بذراعه اليسرى التي اتخذت مكانا بين ص*رها و عنقها. أسندت وردة رأسها لجدع الشجرة، و أغلقت عيناها لبضع ثوان، وهي تضحك على حالها. سأل تاج في نوع من التحدي، - ماذا ستفعلين الآن؟ ابتسمت ابتسامة هادئة وهي تتأمل عينيه اللتان بدى لونهما العسلي خفيفا للغاية تحت ضوء الشمس. ثم قالت بعد سكوت، و بكل بساطة، - سأتأمل عينيك الفاتنتين لبعض الوقت. رمش كالمتفاجئ، و افترقت شفتاه في دهشة، و شعرت وردة بضغط ذراعه على ص*رها يخف شيئا فشيئا. و ما أن تأكدت من تشتت انتباهه حتى أسرعت و أمسكت بذراعه التي ثبتت حركتها، دفعته بركلة سريعة لتبعده عن جسدها، ثم سحبته بكل قوتها نحو الشجرة. لوت ذراعه إلى خلف ظهره بسرعة و خفة، و دفعته حتى التصق ص*ره بالجذع. سألت بنفس نبرته، - ماذا ستفعل أنتَ الآن؟ عضّ تاج على شفته السفلى دون أن يقمع ابتسامته، ثم أغلق عينيه و أراح جبينه على جذع الشجرة. سألت وهي تمسك ذراعه الملتوية بيسراها بإحكام، و تدفعه نحو الشجرة بذراعها اليمنى. و يمناها على كتفه الأيمن، تحكم قبضتها عليه. - هيا اعترف بخسارتك! التفت إليها ضاحكا، - لقد خدعتني! - أ تسمي تشتيت انتباه الخ** خداعا؟! إنه دهاء! قهقه في **ت وهو يهز رأسه موافقا، - حسنا! فلنسميه دهاء. أطلقي سراحي الآن. - لن أفعل حتى تعترف بهزيمتك! رد عليها بلهجة كلها ذهول، - لا أستطيع أن أعترف بشيء لم يحدث! - ها أنت ذا مقيد و تقول أنك لم تخسر؟! رفع يمناه إلى يدها على كتفه الأيمن، و سحب ذراعه المقيدة بكل قوته، و بسرعة جعلت وردة تفلته رغما عنها، ثم أسرع و أمسك بيسراها و هي لا تزال واقفة خلفه. و ما ان نجح في احكام قبضتيه على مع**يها، حتى ادار جسده بالكامل بسرعة، وهو يرفع يديها عاليا، فجعلها تدور حول نفسها. توقفت بعد دورانها المفاجئ حول نفسها، ذراعاها حول جسدها وكأنها تضم نفسها، و ظهرها ملتصق بص*ر تاج. حاولت سحب مع**يها و تحرير جسدها لكن دون جدوى، فلقد أحكم قبضتيه عليها، و هو يسحبها نحو ص*ره. أنزل ذقنه إلى كتفها، فلامس خده خدها، ثم همس، - ماذا كنت تقولين قبل قليل؟! افتر ثغر الأميرة عن ضحكة ساخرة، وهي تشيح بوجهها بعيدا، ثم عادت لتحاول الإفلات من قبضتيه، فسحبها بقوة أكبر إلى ص*ره. التفتت إليه في نوع من الإنفعال وهي تلتقط أنفاسها، فتعانقت عيونهما القريبة من بعضها البعض بشكل لا يصدق. و هي تبادل نظراته الفخورة، بنظراتها المستاءة، شعرت بدقات قلبه المتسارعة تُرَبِّت برقة على ظهرها، و شعرت بأنفاسه اللطيفة على خدها، ثم تتسلل إلى عنقها. أنزلت عينيها في تردد إلى شفتيه الحمراوتين، ثم أشاحت بوجهها بعدما أحست بقلبها يهتز من مكانه رغبة في شيء آخر غير الإنتصار. أمرته، - أفلتني الآن. - اعترفي بهزيمتك أولا! أغلقت عينيها متأففة للحظة، ثم أنزلت عينيها إلى الأرض. لمحت قدميه خلف قدميها، فابتسمت في مكر. رفعت قدمها اليمنى، و ض*بت بها بكل قوتها و داست على قدمه، ثم سحبت ذراعيها بعد أن شعرت به يخطوا للوراء. حررت جسدها أخيرا ثم استدارت إليه لتجده يتفقد قدمه و ملامحه تصرخ ألما. أسرعت و التقطت سيفها، ثم رفعته و وجهته نحوه وهي تتقدم باتجاهه. جلس أرضا عندما امتزجت تعابير الألم على وجهه بضحكة واسعة افتر بها ثغره، ثم ردد قائلا، - حسنا! حسنا! رفع يديه في استسلام، - أعترف بهزيمتي! تقدمت وقد اختلطت ابتسامتها ببعض القلق، ثم سألت في تردد، - هل.. تؤلمك؟ رفع عينيه المتسعتين إليها، ثم أجاب بنبرة تُؤكِّد على كلامه، - كثيرا! ثم أضاف وهو يتفقد قدمه، - لا أصدق أنك أميرة! أ تفعل الأميرات مثل هذا؟! لا يصدق. عضت على شفتها السفلى كتمانا لضحكتها، بعد أن أدركت، وهي تراقبه يتحسس قدمه في توجع مبالغ فيه، أن ألمه مصطنع. ......
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD