الفصل ٧

1589 Words
وقفت الأميرة عند مدخل الشرفة، تراقب ظلام الليل الذي خيم على المدينة. همست لنفسها متسائلة، - هل أنطلق بحثا عن ذلك الشاب؟ أ هذه حقا فكرة جيدة؟ أسدلت الستارة، ثم عادت إلى الداخل، متجهة نحو سريرها. جلست، - أ تُراه سيأتي حقا؟ طأطأت برأسها وهي تلعب بأصابعها في توتر، ثم أخذت نفسا و رفعت رأسها، ثم ضمت يديها إلى بعضهما البعض. - أين أنت يا تاج؟ ما أن همست باسمه حتى سمعت صوته يقول بنبرة لطيفة، - مولاتي. أسرعت في الوقوف كالمتفاجئة، لتجده يقف أمامها، و هذه المرة في ثياب السفر. قميص أبيض مفتوح عند الص*ر طويل بعض الشيء، و حزام جلدي أ**د حول خصره، و فوقها يرتدي سلهاما أ**دا. كما كان يرتدي سروالا أبيضا واسعا قليلا، و حذاء أ**د طويل الرقبة. سألت متعجبة، - كيف تفعل هذا؟! - أفعل.. ماذا؟ تقدمت نحوه، - كيف تدخل و تخرج من المكان دون أن يراك أحد؟! ابتسم لها وهو يبادلها نظرات هادئة، - سر. رفعت حاجبيها في نوع من الدهشة و قد ارتسمت الإبتسامة على محياها، - سر! حقا؟! افتر ثغره عن ضحكة واسعة وهو يتأمل عينيها لمدة، لكن سرعان ما خفض بصره، قبل أن يسأل، - أ لاتزالين.. ترغ*ين في السفر إلى الغبراء يا مولاتي؟! أومأت، - يمكننا أن ننطلق الآن. - أ حقا.. تريدينني رفيقا، رغم أنكِ لا تعرفين عني شيئا يا مولاتي؟! اتسعت ضحكتها، فأسرعت و أوقفتها بعضِّها على شفتها السفلى برقة وهي تتفحص عينيه. قالت، - لماذا تسأل و قد كنت رفيقي في الغرفة من قبل، و دون علمي؟! أ يهمك رأيي الآن فقط؟! غضّ نظره في ارتباك، فأضافت، - لقد تسلّلت هذا الصباح إلى الغرفة، و ها أنت ذا تدخل مجددا بطريقة لا أجد لها تفسيرا! كما أنني واثقة من أنك كنت هنا بالأمس! أولست تعرف ما حدث؟! سكتت عن الكلام، إلى أن رفع بصره في إليها، فأتممت، - ربما لا أعرف عنك شيئا، لكنني أعرف شيئا واحدا. أطالت النظر إلى عينيه قبل أن تقول، - لو كنت تريد إيذائي، لفعلت ذلك قبل هذا. اقترب منها خطوة واحدة، ثم فتح شفتيه بحثا عن الكلمات المناسبة. نطق أخيرا، - أعتذر.. عن ذلك مولاتي. ابتسمت وهي تدرس تعابير وجهه و حراكته المتوترة، - هل أنت جنِّي أو ما شابه؟! تجمد كالمتفاجئ بعد سماعه لما نطقت به وردة من كلام، ابتلع ريقه ثم تلعثم قائلا، - لست.. جنيا. افتر ثغر الأميرة عن ضحكة واسعة ثم قالت، - لم أكن أنتظر جوابا! ثم سألت متذكرة، - و.. أين لمار؟ - في الخارج. تنتظرني مع حصان خارج أسوار القصر. - حسنا. فلنذهب إذا. أسرعت نحو أشيائها، التقطت سلهامها، ثم عادت إلى حيث يقف تاج، وهي ترتديه. أخذت نفسا قبل أن تسأل، - و كيف سنخرج من هنا؟ ثم أضافت قبل أن يتمكن من أن يجيبها، - هل ستكشف لي عن مدخلك السري الآن؟ ابتسم ثم هز رأسه نفيا، - سنخرج من الباب، مولاتي. ثم اتجه نحو الباب. استفهمت و هي تتبعه، - و كيف نخرج من باب مقفل؟! دنى من مقبض الباب و تفحصه، ثم التفت إلى الأميرة لحظة شعر بوقوفها بجانبه. أشار إلى رأسها مستأذنا، - أ تسمحين؟ رفعت يدها لتلمس ما بدى من شعرها تحت الثوب الذي تسدله على رأسها. - أسمح.. بماذا؟! - أحتاج أحد الدبابيس التي تضعينها. استغربت، - حلية شعري! ثم حاولت خلع أحدها، لكنه علق بين خصلات شعرها. عندها اقترب منها تاج، و مد كلتا يده إلى رأسها، فأبعدت يديها المترددتين، و تجمدت مكانها لحظة شعرت برقة أصابعه، بعضها يمسك بالدبوس، و أخرى تحاول تحرير خصلاتها السوداء بلطف. رفعت نظرها إليه، لتنتبه إلى قُربِ وجهه من وجهها، و جعلته يقترب منها أكثر قائلا، و عيناه تركزان على الدبوس، - مهلا، لا تتحركي. أعادت رأسها كما كان، و أنزلت بصرها إلى ص*ره، لكن سرعان ما ارتبكت عيناها عندما كشف قميصه المفتوح من الأمام، عن ص*ره المفتول. رمشت مرارا، ثم أغلقت عينيها، و لم تفتحهما إلا بعد أن شعرت بالدبوس يترك خصلات شعرها. أحست بأصابعه ترتب شعرها، فأسرعت و رفعت كفّها إلى رأسها قائلة، - س.. سأرتبه. أومأ معتذرا، - أعتذر عن هذا مولاتي. هزت رأسها نفيا متفادية النظر الى عينيه وهي ترتب خصلاتها، - لا.. لا عليك. لا عليك. أومأ ثم عاد إلى المقبض، و أدخل الدبوس الحديدي في ثقب الباب، و حركه يمينا و يسارا، الى الأعلى ثم الأسفل، ثم استمر في تحريكه حتى سمع صوت القفل يفتح. حرك المقبض أخيرا، ثم فتح الباب. التفت إلى الأميرة متبسما، - تمت المهمة. استغربت وردة وهي تنقل نظرها بين عينيه و حلية شعرها في يده، - كيف فتحت الباب بدبوس؟! اتسعت ابتسامته وهو يمد لها دبوسها، فأخذته وهي تنتظر منه جوابا. - قد أُعلِّمكِ إن أردتي! لكن بعد أن نخرج من هنا. لفت سلهامها حول جسدها، تقدمت نحو الباب و طلت برأسها في حذر، - و هل نسيت أمر الحرس؟ كيف سنتجاوزهم؟! خرج من الغرفة ثم أشار لها بأن تتبعه، - لا تقلقي بشأن الحرس، مولاتي. سنتجاوزهم بسهولة. أسرع نحو الدرج، فتبعته بعد تردد و هي تتحسس الطريق. نزل تاج بخطوات هادئة، وهو يطل برأسه أولا ليتأكد من أمان الطريق قبل أن يتقدم، و وردة خلفه تلحق بخطواته، و قلبها يرتعد بداخل ص*رها خوفا من أن يكشف أمرهما. توقف تاج فجأة عن الحراك، فوقفت خلفه متجمدة، متسعة العينين، مقطوعة الأنفاس. همست، - ماذا هناك؟ وقف لمدة في سكون، ثم التفت إليها، أمسك بمع**ها، و أسرع في صعود بضع درجات، حيث توجد حفرة في الجدار الأيمن، بحجم باب، طويل و عميق بعض الشيء. دخل و سحبها لتقف بجانبه، لكن عمق المكان لم يكن يتسع لكيهما، فأسرع تاج في الوقوف أمامها، فأسندت وردة ظهرها للجدار خلفها كي تُفسِح له مكانا، وهما يلتقطان أنفاسهما. همس تاج، - أظن أن أحد الحرس في طريقه إلى الأعلى. ابتلعت ريقها بصعوبة، وهي تتنفس بتثاقل، و ازداد توترها عندما سمعت صوت الأقدام يقترب، فأغلقت عينيها و جعلت من يديها اللتان تمسكان بثوبها، قبضتان محكمتان. انتبه تاج لخوفها، فأمسك بإحدى قبضتيها بلطف رغبة في تهدئتها، ما جعلها تفتح عينيها القريبتين من عينيه. اضطربت أنفاسها أكثر من ذي قبل لحظة تعانقت نظراتهما، و شعرت بقلبها يهتز بعنف و كأنه سينفجر في أية لحظة. اختفى صوت الأقدام فجأة، و سُمِع صوت وقوع جسم على الأرض. إلتزم المختبئان ال**ت لمدة، قبل أن تهمس وردة متلعثمة، - م.. ما.. ما الذي.. حدث؟! - لا أدري! شعرت بجسده يكاد يلامس جسدها لحظة طلّ برأسه في حذر، ليتأكد من الذي جرى، فأشاحت بوجهها و ألصقت ظهرها أكثر بالجدار. لمح تاج جسد أحد الحرس على الأرض قريبا من مكانهما، ثم ظهر دخان أبيض عند عنق الجسد فظهرت حمامة بيضاء بعض من ريشها فضي اللون. تبسم تاج للحمامة و أومأ لها، فرفرفت بجناحيها و غادرت. ثم قال مكلما الأميرة، - لقد فقد وعيه. لنذهب يا مولاتي. أمسك بمع**ها، ثم خرجا من مخبئهما على مهل. و ما أن رأت الأميرةُ الحارسَ على الأرض، حتى ارتسم القلق على وجهها، - كيف حدث هذا؟! قال دون أن يلتفت إليها وهما ينزلان الدرج، - إنه نائم وحسب. سيستيقظ بعد بضع ساعات يا مولاتي. عقدت وردة حاجبيها، وهي تحدق بوجه تاج الذي لا تكاد ترى من ملامحه شيئا، و الحيرة تقتلها. استمرا في النزول و هذه المرة بخطوات سريعة. سألت بعد سكوت، وهي تسرع و تتنفس بصعوبة، - كيف علمت.. أن الحارس نائم؟! هل.. كان ذلك من صنعك؟! أجابها وهو يلتقط أنفاسه، - نوعا ما. - هل وضعت له منوما في الطعام؟! التفت إليها بابتسامة مرحة، - ليس تماما. لكن، شيء من هذا القبيل. ثم أعاد بصره إلى السلالم أمامه، بينما كانت وردة خلفه تحاول موافقة سرعته، وهي تسترق النظر إلى ملامحه الضاحكة التي جعلت ثغرها يرسم بدوره، ضحكة مذهولة صغيرة. وصلا أخيرا إلى مخرج البرج، فوجداه مفتوح على مصرعيه، و الحرس على الأرض غائبين عن الوعي تماما. تمتمت وردة لنفسها وهي تشق طريقها بين الأجساد و تتفحصها في دهشة، - لا يصدق! لكن سرعان ما جذب تاج انتباهها، لحظة شعرت بيده تفلت مع**ها، و تتسلل إلى كفها. رفعت نظراتها المتفاجئة إليه، لكن عينيه كانتا مشغولتان بتفتيش المكان من حوله، وهو يتقدم بخطا بطيئة و يسحبها بلطف. أنزلت الأميرة عينيها إلى كفه التي تضم يدها، فشردت في حجمها الكبير مقارنة بيدها، و العروق البارزة التي تزينها، ثم السوار النحاسي حول مع**ه و الذي لا ترى منه سوى نصفه، بسبب كم قميصه الطويل. توقف، ثم استدار إليها، فتوقفت بدورها ثم رفعت بصرها إليه منتظرة منه أن يخبرها عن خطوتهما التالية. أشار خلفها ثم قال وهو يلتقط أنفاسه، - فلنخرج من الباب الخلفي. - سأحضر حصاني أولا. - حصاني يكفي. يستطيع أن يحمل كلانا يا مولاتي. - لا أطمئن إلاّ لحصاني، كما أنني أحتاج أخذ سيفي معي أيضا. أومأ متفهما، - حسنا إذا. أخبريني أين حصانك، و أين تضعين سيفك، و سأحضرهما لك يا مولاتي. - سأرافقك. - من الأفضل أن تنتظريني خارجا. التفت خلفها ثم أعادت نظرها إليه، - حسنا. أين أنتظرك؟! رفع يده إلى فمه، و وضع طرفي سبابته و إبهامه بين شفتيه، ثم نفخ فانطلق صوت صفير عالٍ، ثم اختفى، لتظهر حمامته من بعيد، تض*ب بجناحيها مسرعة نحوهما، ثم حطت على كتف تاج لحظة بلغتهما. قال وهو يحدث الحمامة، - رافقي مولاتي إلى حيث ينتظرنا حصاني يا لمار. هدلت الحمامة، ثم رفرفت بجناحيها مغادرة كتف تاج نحو كتف وردة، و التي بدت مذهولة وهي تحدق بالطائر الأبيض العجيب. قال تاج، - ستريك الطريق، كل ما عليك هو اللحاق بها. أومأت الأميرة، - حصاني في اسطبل القصر. أبيض اللون و شعره أ**د. و ستجد سيفي مخبئا بين أدوات تنظيف الخيول الخاصة بحصاني. أومأ لها، - اطمئني يا مولاتي. سأحضر فرسك و سيفك في الحال. ثم استدار ليغادر، لكنها أوقفته لحظة نادت باسمه. قالت، - ناديني وردة. اتسعت عيناه قليلا، و كأن كلامها فاجأه. فأضافت، - توقف عن منادتي "مولاتي". فقط وردة. نادني وردة. ظهرت ضحكة صغيرة هادئة على محياه، ثم همس بعد **ت قضاه في تأمل عينيها، - وردة. شعرت بشيء كالفراشات يصعد من بطنها إلى صدها عندما همس باسمها، فارتبكت نظراتها، ثم خفضت بصرها قائلة، - سأنتظرك خارجا. ثم استدارت، و غادرت موقفها بخطوات سريعة، تاركة إياه خلفها، يراقبها تبتعد حتى اختفت بين أشجار غابة القصر. عض على شفته برفق قبل أن يهمس مجددا، - وردة. ....
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD