#أساطير_الورد
#حصري
الفصل الثالث بقلم #نعمه_حسن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اليوم و قد مرّ علي وفاة والدها أكثر من ثلاثة أشهر كانوا بمثابة ثلاثمائة عامٍ و أكثر.
أصبحت لا تهتم بشئ ولا تكترث لأحد.
قررت أن تحيا بسلام بين جنبات ذلك البيت الذي لن يعد بيت والدها بعد الآن بل سيصبح بيت "غرام" و بناتها.
أهداها تفكيرها إلي العيش بهدوء و الطاعه المطلقه حتي تأمن شر و مكر زوجة أبيها التي لن تضيّع فرصه في تذكيرها بأن من كان يدللها قد مات و عليها من الآن فصاعداً أن تذعن لأوامرها دون إبداء أي إعتراض.
و كعادتها كل صباح قامت بما تقوم به كل يوم من تنظيف و ترتيب للمنزل دون أن تنتظر من أختيها المساعدة، فهي تعلم حتي و إن إستعانت بهما لن يستجيبا لمساعدتها.
إنتهت من عملها سريعاً و ذهبت إلي غرفة زوجة أبيها و طرقت الباب فسمحت الأخري لها بالدخول.
_أنا خلصت يا خالتي.. ألبس بقا؟!
نهضت غرام عن الفراش وهي تتثاءب و قالت:
=تلبسي ليه؟! رايحه فين؟!
_هو مش النهارده الخميس..هنروح لأبويا.
=آااه.. لا النهارده مش هنروح يا ورد.. خالتك أم جابر حنة بنتها النهارده و كانت عايزانا نروح نقضي اليوم هناك.
تصلبت ملامح وجهها و قالت: حنه؟! هنروح حنه و أبويا لسه ميت يا خالتي؟!
زفرت الأخري بضيق و تأففت قائلة: بقولك إيه يختي مش ناقصة قلبة دماغ عالصبح.. متروحيش معانا يا حبيبتي و خليكي لو عاوزه.
نطقت ورد بحدة وقالت: أيوة طبعاً مش رايحه و مش هخليني في البيت.. أنا هروح ازور بابا.
_لا مش هتروحي لوحدك.. إنتي عايزة الناس تاكل وشي؟
قالت ورد بإصرار: يعني الناس هتاكل وشك عشان سيباني أروح المقابر لوحدي، و مش هتاكل وشك عشان رايحه فرح و جوزك لسه ميت من شهرين؟!
نظرت لها غرام بحدة شديدة ثم جذبت ذراعها و أمسكته بقوة وهي تنظر لها شزراً و تقول:
_بقا إسمعي يا بت إنتي أما أقوللك.. مش حتة عيله مفعوصه زيك هتعلمني أعمل إيه و معملش إيه.. الكلمه تتقال مرة واحده و إلا و ديني ما هتشوفي الشارع تاني لا في فرح ولا حزن.. إنتي سامعه!!
نظرت لها ورد بإن**ار يغلّفه كره شديد ثم تركتها و إنصرفت إلي غرفتها.
إصطحبت غرام بناتها و غادرت المنزل بينما بقيت ورد بمفردها تنتحب علي ما آل إليه حالها حتي جال بخاطرها شئٍ ما و عزمت علي تنفيذه.
نهضت و إرتدت ثيابها ثم خرجت من البيت و ذهبت إلي منزل جارتهم السيدة "عيشه".
طرقت الباب ففتحت "عيشه" التي تفاجئت بوجودها فقالت:
_خير يا ورد يبنتي؟! في حاجه؟!
قالت ورد وهي تتلفت حولها: لا يا خالتي عيشه مفيش.. هو إنتي مش رايحه تزوري أبو حنان النهارده؟!
_هروح طبعاً.. بس كنت هصلي العصر الاول.
=طيب صلي و تعالي نروح سوا اصل خالتي غرام مش عاوزاني أروح لوحدي.
_وهي غرام مش هتروح لأبوكي النهارده؟!
=لأ اصلها هي و إخواتي في حنة بنت أم جابر.
_حنه؟؟! والله عيب عليها مرة ناقصه.. طب إدخلي إستنيني علي ما أصلي و ألبس.
دخلت ورد إلي منزل السيدة "عيشه" تنتظرها حتي إستعدت و خرجت برفقتها إلي زيارة المقابر.
وقفت ورد أمام قبر والدها تبكي و تنوح، تشتكي إليه حالها و شتاتها من بعد وفاته،هي تيقن أنه يسمعها و يشعر بمصابها الأليم.
لقد ترك بقلبها جرحاً غائراً برحيله عنها و لكنه أيضاً ترك لها كلماته التي ستظل تتذكرها و تحيا علي أثرها إلي الأبد.
قرأت له الفاتحه ثم إنصرفت برفقة السيدة "عيشه" عائده نحو منزلها ولكن لم يمرّ اليوم بسلام حيث إلتقت في طريقها بزوجة والدها التي أسرعت تقبض علي شعرها بين أصابعها حتي كادت تقتلعه و قالت:
_هو أنا مش قولتلك م***ع تخرجي من البيت.. إمشي قدامي ده إنتي ليلتك سودا النهارده.
حاولت "عيشه" الفصل بينهما وهي تدافع عن ورد وتقول:
=سيبيها يا غرام هي كانت معايا.. يعني مخرجتش لوحدها.
نظرت إليها غرام بغضب لاذع وقالت: وتخرج معاكي بتاع إيه إن شاءالله كنتي من بقية عيلتها.
صرخت ورد بها وهي تقول وقد طفح الكيل بها:
_وأنا يعني كنت بتفسح.. منا كنت بزور أبويا.. أجرمت ولا اجرمت يعني!!
باغتتها غرام بصفعة قويه علي وجنتها مما أثار دهشتها و صدمتها و جعلها تنهار باكية بشده ثم أسرعت تركض إلي المنزل.
هرولت إلي غرفتها و أغلقت الباب بإحكام فجاءت غرام تطرق الباب بشدة وهي تقول:
_إفتحي يابت.. هتفضلي حابسه نفسك طول العمر يعني!
من الداخل حدثتها ورد ببكاء صارخ وقالت:
=مش فاتحه.. وهفضل حابسه نفسي هنا لحد ما اموت و ارتاح منك.
_بقا كده؟! مااشي يا ورد.. خليكي بقا لما يبانلك صحاب.
مرّ اليوم تلو الآخر و ورد تمتنع عن الطعام و لا تخرج من غرفتها بتاتاً حتي مع إلحاح غرام و بناتها.
دخلت غرام إلي غرفة بناتها فوجدت مريم تعبث بهاتفها كعادتها فصرخت بها قائلة:
_إنتي هتفضلي نايمه يا سنيورة و التانيه نايمه قصادك و تسيبوا البيت يض*ب يقلب ولا إيه؟!
نظرت إليها مريم بعدم إهتمام وقالت: وانا مالي بشغل البيت.. أومال فين ورد؟!
_ورد حابسه نفسها في اوضتها بقالها يومين لا اكل ولا شرب ولا حتي بتخرج للحمام.. أنا خايفه تموت و تجيبلنا نصيبه.
أسرعت رؤي تحدّث والدتها وتقول: أنا هدخلها يا ماما هي بتحبني و هتفتح لي الباب.
نظرت لها غرام بشك فقالت: طيب خدي صينية الأكل اللي في المطبخ و إدخلي شوفيها.
ذهبت رؤي و طرقت باب غرفة ورد وهي تقول:
_يا ورد.. إفتحي الباب أنا رؤي.
لم تجيبها ورد فكررت نداؤها مرة تتبعها الأخري دون جدوي فذهبت إلي والدتها وقالت:
_ماما.. ورد مش بترد عليا.. تعالي ن**ر الباب و نشوفها لتكون حصلها حاجه.
إنتاب غرام القلق و أسرعت برفقة رؤي و قاموا بمحاولات عديدة لفتح الباب ولكن جميعها فشلت فقاموا ب**ر الباب و صُعقوا عندما وجدوا الغرفه خالية!!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جنّ الليل وهي تركض هنا و هناك، لا تعلم اين هي الآن ولا تعلم أين ستذهب.
وقفت تلتقط أنفاسها المتلاحقه وهي تجول ببصرها يميناً و يساراً حتي وقعت عيناها علي متجر مصوغات فـ جرت ناحيته سريعاً و دخلت المحل.
_لو سمحت عايزة أبيع الحلق ده.
تحدثت بها من بين لهاثها فأشار الرجل لها بالجلوس وهو يتفحصها بشك فقال:
=حلق مين ده يا آنسه؟!
نظرت له بعدم فهم وقالت: حَلَقي و عايزة أبيعه.
=ليه؟!
لم تروقها طريقة حديثه فنهضت مسرعه وقالت:
_خلاص هات الحَلق مش هبيعه.
هبّ واقفاً بدوره وهو يقول: سرقاه منين الحلق ده يا بت و جايه تصرفيه؟! دنتي وقعتك مهببه.
إعتراها الفزع و جحظت عيناها وقالت:
_لا والله العظيم مش سرقاه.. ورحمة أبويا الحلق ده بتاعي و جايه أبيعه عشان عاوزه فلوس.
إستشعر الصائغ صدقها و خاصةً عندما رأي بكاؤها الحارق فسألها:
=و عايزة فلوس ليه؟!!
إنتبهت هي إلي لين نبرته فقالت:
_عايزة أمشي من إسكندريه ومش معايا فلوس.
ضيق عينيه بفضول و قال: تمشي ليه و تروحي فين؟!
_أمشي عشان مليش حد و مرات أبويا بتذل فيا و مش عارفه أعيش معاها.. والنبي يا أستاذ لو مش هتاخد الحلق إديهوني و خليني ألحق أمشي.
تن*د الرجل بـ حيرة بالغه ثم أعطاها قِرطها وهو يقول:
_انا مش عارف اصدقك ولا لا بس قلبي بيقولي إنك صادقه.. خدي الحلق بتاعك اهو و خدي الفلوس دي خليها معاكي عشان المواصلات.
سالت دمعاتها قهراً علي حالها ثم قالت:
_شكراً.. ربنا يجازيك خير يارب.
إبتسم بهدوء و قال:خلي بالك على نفسك.
أومأت و أخذت المال و الاقراط ثم غادرت.
ركبت القطار المتجه نحو القاهرة و أسندت رأسها للخلف تفكر بأي حال ألقت نفسها!
هل ستستطيع ال**ود وحدها في مدينه كبيره كهذه؟!
أين ستمكث؟! ماذا ستعمل؟! كيف ستواجه الصعاب بمفردها؟!
بعد مرور أكثر من ثلاث ساعات توقف القطار في محطة مصر بالقاهرة.
ترجلت من القطار وسط الزحام وهي لا تدري أين ستذهب؟!
سارت خلف المارّه تنظر حولها بإندهاش و تعجب فلأول مرة تطأ قدماها أرض القاهرة.
وجدت رجل عجوز يبيع أعقاد الفل والياسمين فإقتربت منه قبل أن يسألها:
_فل يا آنسه؟!
حمحمت بقلق وقالت: لا مش عايزة فل يا حج.. كنت عايزة منك خدمه.
_اؤمري؟!
=انا أول مرة أجي القاهرة فلو تعرف حد يشوفلي أي مكان أشتغل فيه انشالله يخليك.
_امممم.. عاوزه شغلانه يعني.. طب بصي.. في كافتيريا ورانا هنا ممكن تقفي فيها.. إيه رأيك؟!
=أي حاجة أنا موافقه.
_طب تعالي معايا.
إصطحبها الرجل إلي المقهي و قام بمحادثة صاحب المكان الذي رّحب بها علي الفور و قال:
_إعتبرها إشتغلت يا عم زكي.. إلا قوليلي إنتي إسمك إيه؟!
تحدثت ورد بقلق يعصف بها وقالت: إسمي ورد.
هزّ رأسه وقال: تمام يا ورد.. شغلك سهل أوي.. هتغسلي الكوبيات و الصواني.. و في الأسبوع هتاخدي 300جنيه.
اومأت مسرعه وقالت: ماشي موافقه..
_علي بركة الله.. و إعتبري يستي إنك إشتغلتي من النهارده.. يلا إتفضلي وأنا هخلي "عصام" يعرفك كل حاجه هنا.
ثم صاح منادياً: يا عصاام.
علي الفور أتي شاب يبدو و كأنه في منتصف العشرينيّات،وسيم،أنيق، يرتدي الزي المخصص بالمكان وقال:
_أيوة يا إدارة؟!
=خد ورد و عرفها المكان اللي هتقف فيه و خليك معاها النهارده لغاية ما تتعرف علي المكان.
أومأ عصام موافقاً و نظر إليها وهو يقول:
_إتفضلي يا آنسـ..........
بتر كلمته عندما رآها و تمتم مذهولاً:
_رحمه؟!