باتت ليلتها تفكر كيف لها أن تتخطي ذلك المأزق الذي وقعت به لتكتشف أنها لم تكن سوي إمراءه مغيبه قد خدعها الحب كما فعل بمن سبقوها.
نهضت عن فراشها الوثير وهي تجر قدميها بخيبه أمل و إحباط و تهادت خطواتها الحزينه نحو تلك الأريكه التي تجلس عليها بالشرفه التي تطل علي ذلك الحي القديم.
حيث اشعة الصباح تطل من نافذة على هيئة المشربيه ذات الشكل الفلكلوري الجميل في حى عمره أكثر من ٦٠٠عام.
اقدم واعرق شوارع القاهرة الفاطميه.... المكان الأكثر حفاظاً على تراثه وعاداته.
لم يسمح ابدا لأى كان من عوامل الزمن أو التجديد ولا حتى عصر الإنفتاح او العولمه بأن يؤثروا عليه.
اول ماتخطو بقدمك داخله اولى خطواتك فكأنك استقليت آلة الزمن .
زمن سحيق وعتيق ،كل شئ حقيقى وملموس.
المثير للجنون انك تشعر وكأنك منعزل عن العالم،كأن للمكان رائحه خاصه به ومميزه انت حتى لا تستطيع وضع صفه او إسم لها.
أنه خان الخليلي.... أعظم واعرق شوارع القاهرة ،يقف شامخ شموخ سافِر يتحدى عوامل الزمن وطفرات التكنولوجيا.
حتى بناينه المعمارى مختلف ،عباره عن حوانيت من زمن سحيق لم تجدد او يطرأ عليها تلك الألوان الجديدة العجيبه .
بل تشعر ان كل دكان لم يمس بشئ ،هو على حاله كما بُنى من مئات السنين.
توجد تدرجات وسلالم احيانا تهبط بك وتصعد على اختلاف المكان.
تطوف وتدور حول نفسك وكأن رقبتك ليست تحت إدارة سيطرة عقلك إنما هى تلوح يميناً ويساراً تشاهد بسحر ذلك العبق الاثر للُّب.
الزحام فى كل مكان وأهالي المنطقة ومعتادوه على تواجد السُياح بينهم.
كأن الزحام هو كلمة السر وروح المكان، اهله يعشقون ذلك التكدث فيما يسمى بأصغر من شارع بل خان او زقاق فكيف سيكون الحال بتواجد كمية كبيرة من المتوافدين داخل مكان ضيق بعض الشيء كذاك .
والتوافد لا يقتصر على الأجانب من البلاد المختلفه بل لاهل مصر من المحافظات البعيدة شغف وتعلق بهذا المكان العجيب بل قاطنى المحروسه نفسها تهفو دائما روحهم إلى هناك .
حيث المكان الذي يضم كل شيء واى شئ.
به من الاثار المصريه والقطع الفرعونية المقلده،تباع به المشغولات اليدويه والسجاد العجمى،الاحجار الكريمة والا**سوارات.
فبهذه ألحانه تجد المصنوعات الجلديه اليدويه،وبحانه أخرى تجذبك رائحة البخور القويه والاعشاب الطبيعيه .
وبمحل اخر يتقدمه درجات صخريه تُباع الاباجورات المصنوعه من الزجاج المعشق والزجاج البلدى والنرجليه والتى تعرف بالشيشه ويشتهر بها الحى تص*ر للخارج على إسمه.
تتمشى قليلاً يساراً فتعوج رقبتك حتى تؤلمك وهى تنظر على السيوف والخوذات النحاسيه والأحزمة المعلقه .
وعلى يمينك اشهر حانه لبيع المشغولات المصنوعه من الفيروز وال*قيق والكهرمان والمرجان وغيره من الأحجار الكريمة النادره.
ولجوارها دكان صغير كله من الخشب البنى المحروق يُباع به خشب الصندل وبذور الزيتون والبلاستيك المعروف بنور الصباح.
وبالطبع تأتي النساء وحتى أيضا الرجال من كل صوب وحدب ويُسال ل**بها أمام ملابس النساء الفلكلورية النادره من ملابس للغوازى وملابس المصريات التراثيه على مختلف العصور من قماش الخياميه او اليشمك والملائه السوداء التى تلف حول الخصر واحد الأكتاف صانعاً مظهر يغوى الناسك لا أعرف كيف كانوا يعتمدونه قديما كنوع من أنواع الاحتشام حقا!!
تلف بك قدميك وانت تمر بجوار دكاكين الشمع بمختلف الألوان واقدم مقهى فى القاهرة كلها حتى أن عمره اكبر من عمر اكبر دول العالم"مقهى الفيشاوي" يجلس حوله مجموعة كبيرة من الفنانين والمثقفين والمجاذيب ورجال سياسه ودين .
باختصار هنا تجتمع وتذوب معا كل أطياف الشعب حتى يصبح سكان الحى وكأنهم هم الضيوف .
فأى مكان سيجمع كل ما سبق ذكره بالإضافة الى قربه من أل البيت سيصبح مكان لتمركز الكثيرين.
كل ذلك جعل من قاطنى هذا الحى أُناس ذو طبيعة غير عاديه بهم خلطه عجيبه وغريبه .
فلا هم منفتحين لدرجة التصبغ بكل من يوفد لعندهم ولا هم مُنغلقين على أنفسهم.
بل يعيشون على مبدأ الأخذ والعطاء...لك دينك ولى دين.
يتحدثون مع كل شخص سواء مصرى،عربى او اجنبى على حسب لغته وعادته وتقاليده ،وبنفس الوقت محتفظ ومعتز بهويتة........
هوية خان الخليلي.
كان لذلك المكان أثر خاص في نفسها يبعث بها الراحه و الهدوء بالرغم من أنها لم تقطنه كثيرا و بالرغم من حداثة وجودها في ذلك المكان إلا أن روحها قد تعلقت بذلك المكان كثيرا لتنظر من خلف الزحاج الخاص بالنافذه لتجد عصام يقف حائرا و قد زرع الطريق ذهابا و إيابا و هو يخ*ف لمحات تابره إلي نافذة غرفتعا لتتراجع ورد الي الخلف علي الفور وهي تتلاشي رؤيته و تتجنب رؤيته لها لتشرد أمامها وهي تشتم عبق هذا المكان و تعود بذاكرتها الي السنين و الأشهر الماضيه التي أودت بحياتها و كم من شخص عزيز فقدته و كم من حلم خسرته و كم من فرصه فاتتها و الآن يعود الزمان ليكرر خسارتها الفادحه و هي التي ظنت أن الحياه ستبتسم لها أخيرا و تعلو شفتيها إبتسامتها و تضحك للحياه ليتبين لها أنها لم تكن سوي إمرأة مغيبه قد سخر منها القدر ليلقنها درسا لن انساه أبد ما حيت.
علا رنين هاتفها لتنظر اليه و تبتسم متهكمه و تقول: بعد ايه يا عصام؟! بعد ما جرحت قلبي و ظلمتني؟
ثم ابتسمت ساخرة من حالها و ما وصلت اليه لتقول: مش عارفه ألومك و لا الوم نفسي علي ثقتي الزايده بقلبك و لا استغ*ي نفسي اني اتسرعت و اتعلقت بحبك و انا مشوفتش منك اي حاجه تثبت انك بتحبني.
أشاحت بوجهها للجهه الاخري و هي تكمل حديثها الصامت و قالت: صدق اللي قال، عار عليك أن تخدعني مرة، عار عليا أن تخدعني مرتين.. أنا اللي غلطانه اني دايما بعطي للناس اكبر من حجمهم و بتعامل معاهم علي انهم اهلي و انا لسه معرفش عنهم حاجه.
ثم تمتمت بتوعد لنفسها: بس ملحوقه، انا اللي أذيت نفسي و انا الللي لازم ارجعلها حقها حتي لو من نفسي، مش هبقا ضعيفه تاني، مش هخلي حد يستعطفني و لا يفكرني طيبه تاتي، لان الطيبه لي الزمن ده اسمها سذاجه.
انتبهت علي طرقات علي باب الشقه المتواضعه التي تمكث بها لترتدي حجابها و من ثم ذهبت لتقف خلف الباب و قالت: مين اللي بيخبط؟
أتاها صوت حماده يقول: انا مستؤ حماده يا ورد.. افتحي عايز اقولك كلمتين.
قامت بفتح الباب ليحمحم هو بحرج حيث قال:لا مؤاخذه يا ورد اعذريني اني جيت اكلمك في وقت متاخر زي ده بس اصلك اختفيني فجأه كده من الكافيه فقولت اجي اطمن عليكي، حد زعلك ولا ايه؟
ابتسمت بهدوء و قالت: لا يا مستر حماده حضرتك تيجي في اي وقت، و لا مفيش حد زعلني ولا حاجه.
ابتسم ساخرا و هو يقول: مش عارفه تكدبي علي فمرة، احكيلي اللي حصل ايه خلاكي تضايقي كده و تطلعي مرة واحده.
لتقص عليه ما حدث وهي تعود بالزمن الي قبل قليل عندما اخبرها عصام عن رؤيته لرحمه.