الجزء الخامس
مر عام أنتقلت فيه صفاء للصف الخامس، وفي أول أسبوع من العام الدراسي الجديد تم تكريم المتفوقين في العام الماضي واعطائهم شهادات تقدير وجوائز تحفيزية داعمة لهم على مزيد من النجاح، وكانت صفاء من ضمن المتفوقين كالعادة، لكنها تعلمت الدرس جيدًا وأصبحت تخفي مشاعرها وكل أمر يخصها عن عائلة خالتها حتى لا يكيدون لها مجددًا وخاصة بعدما وجدت سمية تحرض والدتها على أخراج صفاء من المدرسة وتجلسها بالمنزل بعدما لاحظت تفوقها المستمر ذلك الأمر الذي أثار غيرتها ضدها وتزداد معها كرهها عليها، وبعد أنتهاء طابور الصباح دخلت صفاء فصلها وجلست على مقعد دكتها بهدوء على ع** أقرانها وقد بدا عليها عليها الذبول وأنطفاء حماسها وروحها، فقد أصبحت شاردة حزينة معظم الوقت يرتسم الألم على محياها وكأنها رب أسرة ضاقت من حوله الأسباب وقل رزقه ووقف عاجزًا أمام احتياجات أسرته، وكأن عمرها أصبح مائة عام دفعة واحدة تبدو كعجوز لكن جسد طفلة يثقل كاهلها هموم العالم، في حين أن أقرانها يهللون ويمرحون بملامح مشرقة زينت بحب زويهم وأهتمامهم ورعياتهم لهم، لتجدهم يحيون عمرهم بكل تفاصيله لا يحملون همًا ولا ينغص سعادتهم شيئاً، هزت سامية رأسها بحزن بعدما أوجعها قلبها على حال تلك الضعيفة عندما لاحظت ما أللت إليه حالتها الرثة وحزنها الدائم، لكنها عزمت على التحدث معها وأخرجها مما هى فيه.
نادتها سامية بابتسامة حانية : صفاء حبيبتي ممكن تيجي ليا هنا دقيقة لو سمحتِ.
ظلت صفاء شاردة واجمة ولم تنتبه لحديث معلمتها فأضطرت أحدى زميلاتها للكزها برفق في ذراعيها حتى تعود لوعيها بعدما نادتها سامية مجددًا دون أن تنتبه لها أو تسمعها.
جنى : صفاء يا صفاء كلمي مس سامية نادت عليكِ كام مرة وانتِ سرحانة ومش سمعاها.
فأنتبهت صفاء ونظرت لسامية ثم وقفت على الفور: انا أسفة يا مس مخدتش بالي أن حضرتك ندهتيلي.
ابتسمت لها سامية بحنو حتى تخرجها من توترها: مالك يا قمر سرحانة في أيه؟.
هزت صفاء رأسها بحزن : مفيش يا مس، حضرتك كنتِ عايزة مني حاجة أعملها؟.
أمأت لها سامية بابتسامة: اه يا حبيبتي كنت عايزاكِ تصحصحي معايا عشان تاخدي بالك من شرح الدرس وبعد ما الحصص تخلص عايزة اقعد معاكِ شوية ممكن؟.
أمأت صفاء بابتسامة باهته : حاضر يا مس هاجي لحضرتك في أوضة المدرسين بعد المدرسة.
اقتربت منها سامية وربتت على خصلاتها برفق: تمام يا قمر هستناكِ متتأخريش عليا ماشي.
في منزل سعاد وفي غرفة نومها حيث جلست مع زوجها بعدما نادى عليها كي يتحدثان بعيدًا عن والدتها حتى لا تستمع لما يقولان أو يخططان، فتعتزم على الرحيل لمنزلها حتى لا تعطيها الفرصة لتحقيق ما يريدان خاصة وأن المال الذي تساهم به في مصروف الشهر يكون ضعفي ما يضعه زوج أبنتها وأبن شقيقتها في نفس الوقت.
سعاد بعد أن جلست مقابلة لزوجها: خير يا محرم في مستعجل عما تنادي ليا بأستعجال خلتني اسيب عمايل الأكل؟.
محرم : خالتي دخلت أوضتها ولا لسه في قاعدة الصالة؟.
سعاد مستفسره: لأ دخلت من شوية بس بتسأل ليه في حاجة عايز تقولها ومش عايز ماما تسمع صح؟
أمأ لها محرم بضيق : أه بصراحة كدا انا مش عجبني وضع أمك يا سعاد هى مش المفروض قاعدة معانا هنا طيب بتبعت فلوس لهاشم كل شوية ليه؟.
عقصت سعاد حاجبيها بعدم فهم: أه قاعدة معانا، وفلوس أيه اللي بتبعتها لهاشم، ما تقول في أيه على طول يا محرم.
نفخ محرم بضيق: الفلوس اللي بتبعتها لأخوكِ هاشم كل شهر دي، مش أحنا هنا أولى بيها وخاصة أنها بتاكل وتشرب وعايشة معانا هنا صح ولا غلط.
نفخت سعاد بضيق : بقولك ايه يا محرم انا أمي مش مقصرة في حاجة معاشها من خالي اللي استشهد في الجيش ومعاشها من بابا زائد مصروف صفاء من باباها كل دول ببعملوا مبلغ كبير ورغم كدا مش بتحوش منهم قرش ليها وخاصة بعد ما المعاشات زادت وهى زودت ليا المصروف دي بتديني ٤٥٠٠ جنيه ووكل اللي بتبعت لهاشم أخويا ١٥٠٠ جنيه بس بتساعده بيهم في علاج هويدا أختي، وبتسيب الباقي لعلاجها ومصاريف صفاء هتعمل أيه أكتر من كدا مش فاهمة؟.
أشار لها محرم بضيق : وتبعت له لعلاج هويدا ليه ما هى ليها معاش تضامن أجتماعي عشان مطلقة ولا أنتِ مش واخدة بالك وكمان بيصرف ليها معظم علاجها من التأمين الصحي بتاع وظيفته.
سعاد بنزق : أنت عارف أن علاج هويدا مكلف جدًا دا غير متابعة الدكتور، وكمان التأمين مبيصرفش كل داواها وبيكم عليه، دا لولا الدروس اللي هو بيديها جنب وظيفته مكنش قدر يعالجها، ولا يصرف على بيته وعياله.
محرم : بقولك ايه انا مليش فيه أنتِ لازم تكلمِ أمك تخليها تزود المصروف شوية انا مش ملاحق.
سعاد بحرج : انا مقدرش أقول لها، وبعدين أنت مش ملاحق على أيه أذا كان انا اللي مسكة مصروف البيت ومبطلبش منك أكتر من اللي أنت قررت تدفعه، دا أنت بتشتغل فترتين بتودي فلوسك فين أنت مش يتديني غير ٣٠٠٠ بس والباقي معرفش عنه حاجة.
لكزها محرم برأسها برفق: ما هو انا مخي مش قفل زيك، افرضي أمك مشيت من الصبح هنبقى نعمل ايه ساعتها نمد إيدنا نشحت، انا بحوش في البنك عشان منحتجش لحد، وكمان عشان نجهز بناتك لما يجوا يتجوزوا، عرفتي بقى بقولك تطلبِ زيادة ليه؟.
رفعت سعاد كتفيها ثم أنزلتهما بضيق: ماشي حوش زي ما أنت عايز بس انا مش هطاب فلوس من أمي تاني أطلب أنت لو تقدر.
هز محرم رأسه بضجر: منك هيبقى الموضوع مش محرج زي ما انا اقول.
سعاد : طيب معلشي يا محرم استحمل شوية شهرين تلاتة كدا وابقى أقول ليها وساعتها هنشوف هترسي على أيه.
محرم بضيق : أديني هصبر لما أشوف أخرتها معاكِ هتطلبِ منها ولا لأ.
سعاد بشرود : أن شاء الله هطلب بس مش دلوقتي.
بعد أنتهاء اليوم الدراسي ذهبت صفاء لغرفة المعلمين كما طلبت منها سامية، وجدتها تجلس على الطاولة وتصح بعد دفاتر الطلاب أمامها، طرقت صفاء الباب وانتظرت دعوة سامية لها بالدخول، فنظرت ناحية الباب واتسعت ابتسامتها عندما وجدتها صفاء ودعتها للدخول مسرعة.
فتحت سامية ذراعيها : سمسمة حبيبتي تعالي يا قمر.
دخلت صفاء صامتة على استحياء لكن سامية سرعان ما سحبتها تضمها وتربت على ظهرها برفق لأنها تعلم أنها بحاجة لذلك العناق الدافئ: كدا يا سمسم مش بقيتي تيجي لحضني ليه انا زعلتك في حاجة يا حبيبتي؟.
هزت صفاء رأسها بنفي: لأ بالع** حضرتك اللي بتحبيني أنتِ وتيتة بس ومبتزعلونيش.
مسدت سامية على وجنتها بحب: عشان أنتِ قمر مؤدبة وشاطرة وتستهلي تتحبي يا قلبي.
أنزلت صفاء رأسها بحزن : بس أنا مش مؤدبة ولا بسمع الكلام ومزعله كتير مني.
بهتت ملامح سامية بدهشة : ليه يا حبيبتي بتقولي كدا، بالع** أنتي من احسن وأأدب البنات في المدرسة كلها.
صفاء بأعين تلمع حزنًا : طيب ليه طنط بتقعد تقولي كدا مع أني بسمع كلامها في كل حاجة، ليه بتكرهي؟. .
زفرت سامية بحزن : أنتي عملتي فيها حاجة عشان تقولك كدا.
هزت صفاء بنفي : أمبارح بعد ما خلصت مذاكرتي وطلعت العب مع محمود أبن خالتي قدام البيت زعقتلي وقالتلي أنتي قليلة الأدب ومبتسمعيش الكلام مع أن انا معملتش حاجة ساعتها.
رفعت سامية حاجبيها مبررة : كان لازم تستأذنيها الأول يا حبيبتي.
أمات صفاء بحزن : انا استأذنت تيتة وقالت ليا روحي، لأن طنط مش بترضى مع أنها بتسمح ليا خالص وتفضل حبساني في الأوضة مع أنها بطلع محمود وعبير وهما اكبر مني وانا الصغيرة تقولي لأ.
سامية بحيرة : مش عارفه اقولك ايه يا حبيبتي يمكن في حاجة خايفة عليكي منها لو خرجتي برة هتأذيكي.
هزت صفاء رأسها بضيق: مش عارفه بس بحس انها مبتحبنيش زي ما بتحب ولادها وديما عايزة تتحكم فيا وتفضل تزعقلي بصوت عالي وبتخوفني.
جعدت سامية جبينها بضيق: لأ يا حبيبتي متفكريش كدا عشان متتعبيش وانا قولتلك قبل كدا متخليش حاجة تحبطك أو تأخرك عن تحقيق حلمك، مهما كان مين متخلهوش يعقدك انتِ قوية ومفيش حاجة تضعفك صح يا سمسمة.
أمأت لها صفاء بابتسامة: صح يا مس أنا بعمل زي حضرتك ما بتقولي ليا بالظبط وكمان بطبق نصايحك وبذاكر عشان كدا انا بطلع الأول.
ابتسمت سامية بأعجاب ثم رفعت ذراعيها تبرز عضلاتها تشا**ها: برافو عليكِ يا عمري أهو كدا احنا لازم نكون جامدين قوي ماشي
ضحكت صفاء بسعادة: صح الصح يا مس
أمأت لها سامية بعد أن قبلت وجنتها بحنو: طيب طلعي كتاب العربي عشان أرجعلك على درس النهاردة أنتي معظم الحصة مكنتيش منتبه، وتاني مرة مهما يحصل تنسيه وأنتي داخله المدرسة عشان تفضلي مركزة في دروسك وحصصك يا حبيبتي ماشي.
صفاء بابتسامة وهى تخرج الكتاب : حاضر يا أحلى مس أنا بحبك قوي ربنا يخليكِ ليا.
زفرت سامية براحة : حبيبتي ربنا يوفقك في حياتك ويسعد قلبك ويخليكِ أنتِ كمان ليا.
في منزل هاشم
جلس بغرفة نومه مع زوجته نجوى يشعر بأرهاق بدني كبير للحد الذي جعل عضلاته متيبسة، فجلست زوجته مقابلة له تدلكها كي يزول تشنجها، وشرد بحزن متذكرًا حال شقيقته هويدا الذي أصبح من سيئ لأسوء فهو بقى معها بغرفتها لأكثر من ساعتين يراقب تحركاتها حتى يبدأ مفعول العقار المهدئ عند سريانه في دمها كي تنتهي نوبة هذيانها على خير دون وقوع خسائر ككل مرة عندما يتركها، وبعد تأكده من هدوئها وذهبها في سبات عميق متخليه عن هذيانها وصراخها أرقدها برفق على الفراش ثم دثرها جيدًا وخرج من غرفتها مغلقًا الباب خلفه بكل هدوء.
نجوى وهى تناوله قدح القهوة : أتفضل القهوة عملتها ليك على السبرتاية زي ما أنت بتحبها يا حبيبي.
تناول هاشم القدح منها وتجرع أول رشفاته بهدوء وهو يبتسم لها: تسلم إيدك يا حبيبتي.
نجوى بابتسامة حانية : تسلم من كل شر يا حبيبي، مالك يا خويا من ساعة ما خرجت من عند هويدا وأنت مسهم وشكلك حزين كدا ليه في حاجة جدت؟.
هز هاشم رأسه بحزن : كالعادة يا نجوى حالة هويدا أختي كل مدى ما بتتأخر كل يوم عن اليوم اللي قبله ومبقتش عارف أعمل ليها حاجة.
عادت نجوى تكمل تدليك كتفيه: عندك يا حبيبي هويدا بقت حالتها صعبة والله دي بتصعب عليا قوي وخصوصًا إنها بقت تطول النوبة عن زمان ربنا يستر ويعديها على خير.
ارتشف هاشم قهوته مجددًا : آمين، قوليلي العيال جم من أخوالهم ولا لسه؟.
هزت نجوى رأسها بنفي: لسه مجوش بس متخافش انا منبهه على رهف ساعة العشاء ما تأذن تجيب أخوها وتيجي على طول.
زفر هاشم بضيق: أجازة نص السنة بعد اسبوع أن شاء الله هاخد هويدا واروح عشان تشوف بنتها، لأنها لما بتهدا بتطلب تشوفها وقالت ليا أكتر من مرة، وبالمرة أخد أمي ووديها لدكتور نضيف وأعمل ليها تحاليل شاملة أن شاء الله.
أمأت نجوى بهدوء: ماشي يا حبيبي وبالمرة نروح معاك من زمان مشوفناش أمك وصفاء وسعاد وعيالها.
هز هاشم رأسه برفض: بلاش المرة دي ابقى خدي العيال وروحي مرة تانية لأن بحس محرم بقى يضايق لما نروح كلنا.
نجوى بنزق: ويضايق ليه دا حتى ماما زهيدة بتقولي أنها بتساعدهم في مصروف البيت وكمان أحنا وأحنا رايحين بناخد حاجات تكفى أكلنا وأكلهم وزيادة
هاشم بابتسامة ساخرة: ربنا يهديه محرم وسعاد لو طالوا ياخدوا كل حاجة مننا ومن أمي مش هيتأخروا أهم حاجة عندهم الفلوس بس دول حتى بيستكتروا أن أمي تبعت فلوس لعلاج هويدا، يلا ربنا يهدي ليهم نفسهم محدش واخد منها حاجة.
ربتت نجوى على قدمه بعدما جلست بجواره : يارب يا حبيبي، أنا هقوم أجهز العشا عايز مني حاجة قبل ما اقوم؟.
هز هاشم رأسه بنفي: لأ شكرًا يا حبيبتي بس أبعتيلي رهف ووليد أول ما يجوا عشان عايز اقعد معاهم شوية قبل ما يناموا.
نجوى : حاضر يا حبيبي أول رهف ووليد ما يجم من عند ماما هخليهم يدخلولك على طول.
هاشم : طب ما تتصلي عليهم أصلهم وحشني ولاد الأية دول، وبعد كدا ميطلعوش غير بعد ما انا أجي وأشوفهم هى ووليد الأول.
نجوى بخجل : حاضر، معلش متزعلش مني اصلي بقيت ببعتهم من بدري عشان خالهم يلحق يديهم شوية أنجليزي.
هز هاشم رأسه بتفهم : ولا مش عايزهم يشوفوا عمتهم في الحال ده.
خجلت نجوى وحاولت تبرير موقفها : أنا مقصدشي حاجة والله بس عشان خاطر وليد بيخاف لانه لسه صغير شوية فبخلي رهف تاخدوا ويروحوا عشان ميخافوش من عمتهم لما يشوفها في ظروفها دي.
أمأ هاشم بابتسامة : على العموم كدا أحسن ليهم أنتِ عملتِ الصح وخصوصًا أن رهف ووليد بيحبوا هويدا جدًا، ومش عايزهم يبعدوا عنها بسبب الموضوع ده وأهو مسيرهم لما يكبروا هيعرفوا كل حاجة.
زفرت نجوى براحة وحمدت ربها على تفهم زوجها لموقفها: الحمدلله أنك مزعلتش وقدرت أن أنا وديتهم عشان كدا فعلاً وربنا عالم بنيتي وقادر يشفي هويدا ويعفو عنها أمين.
ربت هاشم على يد زوجته بحب : متخافيش يا حبيبتي انا فاهم كل حاج وفاهم غرضك كويس، ويارب يا نجوى ربنا يشفيها عشان خاطر تعيش هى وبنتها زي أي أم وبنتها طبيعيين مش متفرقين عن بعض حقيقي زعلان عشانهم جدًا خاصة صفاء اتيتمت وأمها وأبوها عايشين، يلا الحمد لله وربنا يجمعهم على خير.
نجوى : اللهم أمين ربنا يسمع منك دعائك أن شاءالله، أنا هروح أجهز العشا بعد أذنك.
هاشم : طيب يا حبيبة قلبي روحي أنتِ دلوقتي ولو العيال جم خليهم يجولي.
أتجهت نجوى ناحية الباب : حاضر أول ما خالهم يجبهم هبعتهم لك.
أمئ هاشم برأسه متفهما ب**ت، ثم سرعان ما شرد مع نفسه في الحاله التي وصلت لها شقيقتها بعدما تركته زوجته متفرغًا لوساوس الشيطان يدب الخوف في نفسه من المستقبل وهو متناسيًا أن المستقبل بيد الله وحده ولا يجب علينا التفكير فيه أو الخوف منه.