خطوة اختصرت المسافة، والتقى نهر الفرات ببحر الموت!
جذبه ملهم بشدة غليظة تشبه تيارات الأنهار في الضخ للبحار، مدّه بالحياة فتصادم الموج بتيارات الغضب، الشوق والكثير الكثير من الخيبة.. واضطرب البحر وعصفت أمواجه!
لا يأمن سكن ملهم... أين ثورته؟؟
لكمة متوقعة ولكن ليس بهذه اللحظة، قهقرته للخلف غير مصدوم البتة..
-هاي عن نكبة أم جهاد فيك بس سافرت!!
ولكمة ثانية أقوى وأشد فتكاً:
-وهاي عن دموع أبو محمود كل ما أجيت ع باله!!
ثالثة... ورابعة... وركلة في منتصف قدمه!
-وهاي عن أمجاد اللي تركتها وهي تفكر إنك متت مع أبوها!!
وض*بة على كتفه اليمين يشك بأن خلعه بها، وجسده صامد بلا مقاومة ولا ردّ فعل... سيتركه يفرغ شحنات غضبه وجنونه!
-وهاي عن كل صاحب، شافك كتفه، وتركته بالنص..
الكثير من الض*بات، الركلات العشوائية وآخرها في معدته، لم يسقط رغم ما ألمّ به، لن تطرح الجبال بهزة ريح، لن يزلزل هامة الجبل إلا جبلاً ثانٍ
طرحه أرضاً وجثم فوقه أمسك بياقة قميصه الداخلي ومجدداً يتجنب النظر عن يساره..
-ليش روحت يا ندل لييييش؟؟؟؟
في سكونه شرارة تشعل حريقه أكثر:
-ليش ما ضليت تندب وتبكي زي النسوان وما تركت بلادك!!
يجلده والحق معه، بات في ليلته عنده، نام على وعد الشفاء واستيقظ على خلو سريره منه.
طامته في رحيله أضاعت تعقله، لكنه بقي على أمل عودته الذي امتد لسنوات
-ليش رجعلتنا لييييش؟؟ رجعت تأمل المساكين فيك ؟؟
وبجنون تلبسّه:
-وتتركهم زي ما بتترك كل مرة؟!
أرخى قبضته حوله قليلاً ونطق بإجهاد:
-لو كنت عزيز.. كان شف*ني **رت الدنيا فوق راسك وما بسأل..
نجح في لكمه بجدار قلبه!
- بس أنت ما بتستاهل ض*بة وحدة عشاني لإني لو ض*بتك معناها عزيت عليي أو سألت فيك بس أنا ما سألت!
راضٍ بما يقوله ويتفهمه ليته يخبره أنه هو الآخر مخذول من نفسه!
- أنا وأنت انتهينا بالليلة اللي نومتني فيها ع أمل العلاج وصحيت ع هربك زي الجبان!!!
جبان ..أكان جباناً ولم يتقبل أقدار الله؟
بالطبع نعم، ولكنّ ..راوده تساؤل أضناه في غربته
إن الله وضع لكلٍ منا طاقةً علينا أن لا نحملها أكثر مما بوسعها!
طاقته نفذت حينها ألا يتفهمه أحد؟؟
عاد لملهم الذي أكمل عتابه
-لا سألت عنك ولا بدي أسأل! ورسائلك الكذابة مثلك، تركتها ما رديت عليها!
كل رد وصلك كان من علياء، أنا لا سألت ولا رديت!! فاهم لا سألت ولا جاوبت..
ابتعد عنه إنشات قليلة.. قليلة جداً، فصدمه السؤال المرتاح:
-طيب خلصت؟؟
رفع ملهم عينيه مجدداً، هل يقتله حقيقة؟؟
ما هذا التجبر؟! أي فاقد للإحساس ذلك؟؟ أبصره يمد يده اليمنى بتعب، جسمه مطروح بعد وجبة ض*بات أشفت غليله وما كل به!
ومتعدد المواهب يفاجئه بجبال الثلج خاصته:
- مواهبك متطورة، فوق لطم النسوان قلة إحساس يا بليد؟
ثم كما توقع ثائر هجم عليه مجدداً يصرخ بقهر:
-وك بدك إياني أقتلك، بدك ياني أذ*حك؟
قهقه ببلادة أخرى، ورفع يده اليمنى أحكم فيها وثاق جسد ملهم فوقه، هذا يشتم ويض*ب ويسبه بكلماته الب**ئة التي لا تنتهي، والآخر يبتسم ابتسامة وصلتها الحياة..
الحياة بعودة إلهامه..
بلقيا نجواه..
وعناق سرّه وسُكناه!!
" " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " "
"ستكونُ لي لو تعشقُ الأوطان مثلي
سأكونُ لك لو عاد للأوطان أهلي"
صباح يعج بالطاقة، العمل الإنساني والكثير من المشاعر، ما أجمل الصباحات المكتظة بلون الحب!
سعيدة بالأطفال الذين جاؤوا إليها يوفون بالوعد لها أن ينظفوا ساحات الحارة -المأسوف على شبابها-، والتي عادت من عملها أمس واكتشفت أنها منذ وقت طويل قد انشغلت عنها
جمعت صطيف كبير أولاد الحارة المسموعة كلمته برضا، اختارت ساحة اللعب الخاصة بهم محملة بالحلوى ورسومات سال ل**بهم لها، اتفقت معه إن ساعدوها في تنظيف الساحات والمساجد، ستقوم بتلوين الشوارع والجدران بالكثير من أبطال النينجا ودراغمبول، وستحاول جاهدة الإتيان بأل**ب تناسبهم للعب في حديقة الحي
استيقظت على وقوفهم أمام المنزل يصطفون بطابور وصل لنهاية الحارة، فلم يكن منها إلا أن هاتفت بارعة واعتذرت عن القدوم إلى الدار متعللة بغضبها ذريعة لكيلا تذهب!
-يلا يا شباب نبلش
مضوا بهمّة وحماس مربوط بجائزة ومكافأة ككل مرة، عدّتهم وقسمتهم لمجموعات وهتفت بهم :
-رح نقسم حالنا مجموعات، قسمولي بعض متل ما بتحبوا ورح نوزع حالنا ..
مضوا في أعمالهم ... مجموعة في المساجد، ومجموعة في المرافق مدرسية، شوارع الحي والحديقة ..
" " " " " " " " " " " " " " "
أزالوا القمامة وعشبّوا المزروعات، حاولت الاتصال بملهم لتأتي سيارات البلدية تقلها إلا أنه لم يجبها فاستغربت منه، هاتفت علياء وأيضاً بلا رد
مضطرة للتخلص من هذه النفايات فقد اكتشفت أن معظم المتواجدين يرمون بها في الوادي المقرب من الحي حين تتأخر سيارات البلدية الخاصة بنقلها، حزنت لما يخلفونه من آثار سلبية بحق الطبيعة والح*****ت فحدثتهم بهدوء متفهم لأعمارهم:
-بتعرفوا يا حبايبي أنه النظافة دليل ثقافة الشعوب وتقدمها..
تابعت بأسلوبها القصصي :
-وإنه النبي عليه السلام كان يأمر بإماطة الأذى عن الطريق وذكره بأكثر من حديث!
تسأل : بتعرفوا ليش؟؟
وإجابة جماعية: ليييييش!!
-لأنه النظافة أساس ديننا، اللي ما لخصها بمظهر وجسد، ذكرها بأكتر من جهة..
بسطت كفيها وقلبتهما :
-دليل إنه نظافة المكان ورتابته بتعبر عنا، من رقي ودرجة سامية!
سارت بينهم توزع شطائر في استراحتهم:
-إحنا بنفاخر الأمم باللي عنا وشو نملكه، شوفوا شو ممكن تكون نظرتهم لو شافوا هالمناظر؟؟
-أشارت بيدها حول النفايات-..
-رح ينحكى أبسط المقومات اللي ترفعنا بنسيء استخدامها وما نشتغلها، كيف رح ننجز غيرها؟
حكت لهم الكثير الكثير وربطت أقوالها بمظاهر أكثر رقياً بالدول المتقدمة، فوجدوا أن المقارنة قد أمدتهم بالعون ليرسّخ في أذهانهم وطنية أولها -كيف ستبدو بلدي؟!-
-يجب أن تكون بأفضل مظهر-
بدأت برسم بعض الشخصيات الكرتونية اللطيفة، ورغم أن الجمع اقتصر على الأولاد، فهي لم تنس حصة البنات من فنها، خطت حدود شخصية جودي أبوت، وريمي، وشخصيات كانت تعنى بها طفولتها جيداً..
بكرا بيخلص هالكابوس
وبدل الشمس بتضوي شموس
على أرض الوطن المحروس رح نتلاقى يوما ما
رنّ هاتفها بنغمة تخص علياء بها وحدها، جاء صوتها مرهقاً بتوتر يض*ب الموجات الصوتية خاصتها، اعتدلت بوقفتها ووضعت كوب الشاي على الحائط وسألتها باهتمام حقيقي:
-خير علياء، في إشي؟؟ خوفتيني!!
-أي خير رح يكون، وأباد موجود!!
أدهشها الحديث للحظات شكّت بهوية المتصل، وبالفعل رفعت الهاتف تتحقق الاسم، علياء وتحكي بالسوء على أحد!! إنها لإحدى الكبائر والله!
-خوفتيني ماله أباد؟ إحكيلي شو عامل، لحتى أجرم فيه
-ولا إشي بس اليوم حكى مع ملهم عالساعة سبعة الصبح يحكيله أنه ثائر رجع من السفر!