الفصل السادس . .
كان حاتم في حيرة من أمره ، لا يعلم ماذا يفعل ، أو ماذا يقول لها ، إنه في موقف صعب ، هو الآن
في إجازة ، مثل ما يحدث بعد كل سباق ، وقف حاتم ، ظل يمشي يمينا ويسارا ، ظنت بسنت إنه يرفض فكرة مكوثها في منزله ، حملت حقيبتها ،كادت أن تذهب ولكنه أوقفها .
حاتم :
أنت رايحة فين ، أنا لسة مقولتش ردي .
بسنت :
أنا فهمت إن حضرتك رفضت لما ال**ت طال ، محبتش احرج حضرتك ، قولت أمشي وخلاص .
كانت تنظر إليه بعيون راجية ، نعم أنها ترجوه ،تريده أن يقبل رغبتها في العيش في المزرعة ،لن تطيل الأمر ،فقط شهر واحد ، حتى تنتهي من الامتحانات ، سوف ترحل سريعا ، ولكنها الآن تطلب مأوي ،بعيدا عن والدتها ، لا تريدها تعلم أين هى ،حتى لا تضغط عليها ،
لا تعلم بسنت ماذا عليها أن تفعل إذا رفض حاتم بقائها هنا ، إنها حقا في موقف صعب .
ابتسم لها حاتم حتى تطمأن ، ثم قال لها :
اقعدي ،اقعدي ، أنا مش رافض إنك تكوني هنا للمدة اللي انت عاوزاها ، بس المشكلة ، إني بعد كل سباق بفضل في المزرعة مش بخرج غير قليل ، لأني لازم أعوض فترة غيابي عن المزرعة ، بهتم بالخيول ، وبالزرع ، يعني لو فضلتي هنا ، أنا هكون في ضيفتك ،لو وافقتى أنا تحت أمرك .
وعلى فكرة المزرعة كبيرة ،يعني ممكن متشوفنيش الشهر ده غير وقت الأكل ،لأني بعمل أكل للكل ، ولازم كله ياكل مع بعضه . .
ابتسمت بسنت وسط دموعها ، لقد رفع ثقلا من على كتفها ، كاد أن يطرحها صريعة في الأرض .
بسنت بسعادة :
يعني حضرتك موافق إني أفضل هنا .
حاتم بابتسامة :
يعني لو وافقتي أكون ضيفك لمدة الشهر ده ، أنا معنديش مانع .
أمسكت يده تشكره ،
بسنت :
أنا متشكرة قوي يا استاذ حاتم ، مش عارفه من غيرك كنت هعمل أيه .
كان حاتم شاردا في عيونها التي تلمع من السعادة ،وفي تلك اللمسة التي أشعرته أنه يمتلك العالم ، لاحظت بسنت نظراته ، انتبهت بسنت إلى يدها التي تحضن يده ، سحبت يدها بخجل ، ثم أرجعت خصلة متمردة من شعرها ، خلف أذنها ، نظرت إلى حاتم ،باعجاب ، كل تفصيلة به تعجبها ، حاولت أن تخفي إعجابها ولكن عيونها فضحتها . .
شاور حاتم إلى عمر من بعيد ،أتى عمر مسرعا ، كى يرى ماذا يريد حاتم .
عمر :
ها يا حتوم ، خلاص كده ،الاجتماع السري ده
حاتم :
خلاص يا عمر ، تعالى أعرفك على بسنت الجمال .
عمر :
ما أنا فهمت ،انت قولت لي قبل كده ،على العموم تشرفنا يا بسنت .
. . .
في فيلا الجمال .
كالعادة استيقظت سهيلة ،متأخرة لا تكترث لأحد سوى نفسها .
سهيلة بصوت ناعس :
يا داده ، أنت يا زفتة .
فاطمة بخوف :
تحت أمرك يا ست هانم .
سهيلة :
جهزي الفطار ،وهاتي النسكافيه بتاعي فى صالة الجيم . .
فاطمة :
تحت أمرك يا ست هانم . .
تحركت سهيلة خطوتين ، ولكنها تفاجأت بزوجها أنس يجلس على الكرسي ،وينظر إليها بحقد ،هب واقفا ،ثم أمسكها من ذراعها بقسوة وعنف ، صاح بها غاضبا . .
أنس :
هتفضلي كده لحد إمتى ، يا شيخة حرام عليكي ، البنت زهقت منك وسابت لك البيت ، وأنت ولا اتأثرتي ، لسة زي ما أنت ، إنسانة مستهترة ،
ومش بتحبي غير نفسك ، أنا خلاص زهقت منك ، وقررت أبيع الشركة ، ولو فلوسها قصرت هبيع الفيلا ، ولو أنت مش عاجبك ، البيت يفوت جملين مش جمل واحد .
أفلت ذراعها ، بعدت سهيلة عنده خطوتين ، ثم قالت له بعنف ، وصوت عالي .
سهيلة :
أنت شكلك اتجننت ، أنت إزاي تمسكني من ذراعي بالطريقة دي ، أنت اتهبلت ، وشركة أيه اللي أنت عايز تبيعها ، أنت بتحلم ، الشركة دي باسمي ولا أنت ناسي ، والفيلا مش ممكن تقدر تبيعها غير بأذني لأني بملك نصفها ، أنت شكلك نسيت إن الفلوس اللي بدأت بها الشغل دي ، كانت بتاعتي ، ورثي من بابي الله يرحمه ، والفيلا كتبت نصفها باسمي عشان أضمن حقي ، أنت نسيت ولا أيه .
وقف أمامها أنس مثل لوح من الثلج ، لم يستطع أن يجاوبها .
أكملت سهيلة بعنف ، وبطريقة قاسية :
أنت هنا مجرد واحد أنا عينته مدير ، بتدير شركتي وبتاخد مرتب ، وكون إني مش بسألك عن الشركة وأمورها ، لا مش يد*ك الحق إنك تفتكر نفسك صاحب العمل ، والمالك للشركة ، والكلام ده تبلغه لبنتك المصونة ، وتقولها إنك لو مسدتش الفلوس اللي عليك ليوسف ، أنت اللي هتروح في داهية مش أنا ، وبعد كده ، أنا هخلعك ، وأجيب أرجوز غيرك يمسك الشركة .
لم يتمالك أنس أعصابه ، رفع يده ، ولطمها على وجهها ، شعرت سهيلة بالصدمة ، من تلك الصفعة ، وقفت تنظر ببلاهة غير مستوعبة ما حدث للتو ، بينما أكمل أنس ساخطا عليها .
أنس :
وليه أستنى إنك تخلعيني ، أنت طالق يا مدام ، طالق بالتلاتة ، وأنا السجن أحب إلي من التواجد معاكي تحت سقف واحد ، ست أنانية ، متبرجة ، أنا بحد ربنا إن بنتي مبقتش زيك ، كانت البلوة هتكون أكبر ، المشكلة عندي مش في الفلوس ، المشكلة فيكي أنت ، النص بتاعي في الفيلا مش عاوزه ، هكتبه باسم بنتي ، ودي آخر مرة أسمع فيها صوتك ، واطلعي إجري على يوسف بيه ، خليه هو يمسك لك الشركة ، بس لما المركب تغرق ، متجيش تقولي إلحقني ، لأن هو السبب وراء كل اللي حصل ، من ساعة ما ابتلينا به والخراب حل على الشركة ، كأنه جاي عشان يخربها ، مش عشان يكبرها ، عن إذنك أنا طالع ألم هدومي .
صعد أنس إلى الأعلى ، وبداخله شعور بالارتياح ، لقد استمع إلي قلبه أخيرا ، وطلق تلك المرأة ، لن ينكر أنها تمتلك مكان في قلبه ، فهي حبه الأول ، لم يحب سواها ، بالرغم من علاقاته النسائية الكثيرة ، لم تؤثر إمرأة به قط ، كما أثرت سهيلة عليه ، لقد نفر منها بسبب غرورها وكبريائها ، وعدم تقديرها له ، ولا إلي عمله ، لا ينكر أن رأس مال الشركة ، أموالها ،ولكنه هو من اجتهد ، من وصل الليل بالنهار حتى تكون هذه الشركة ذات سيط وسمعة في المجتمع الراقي .
جمع جميع أغراضه ، وهبط إلي السلم ،تركها وذهب واقفة كلوح من الثلج .
لقد كانت كالمطرقة ، كلماتها لاذعة ، أشعرته بقلة قيمته ، ولكنه الآن تحرر منها ومن قيودها ، كان كالطاير السجين ،والآن حررت أجنحته ، وطار حرا طليقا ،في السماء الواسعة ،وأسفل نور الشمس ،وأشعتها التي تدفأ القلوب ، وتنقيها . .
عند دينا . .
استغرب فؤاد أن بسنت ليست في المنزل ، نادى بعلو صوته على دينا ، كي تأتي ويسألها عنه .
دينا بخوف :
خير يا بابا ، أيه اللي حصل ،بتزعق كده ليه .
حاول فؤاد أن يكون هادئا ، حتى لا يلفت نظر دينا .
فؤاد :
أبدا ، يا حبيبتي ، كنت عايز أسألك عن بسنت ، بقالي شوية مش شايفها ،هي فين .
دينا بقلق :
أبدا يا بابا ،بسنت مشيت من شوية ، ومش عارفة راحت فين .
فؤاد :
إزاي مشيت يعني ، هو باب من غير بواب ، كان المفروض تقولي الأول .
دينا :
أنا آسفة يا بابا ، دي غلطتي ، هي مشيت وحضرتك كنت نايم ،والله كانت عايزة تستأذنك ، بس أنا خوفت عليك ، حضرتك كنت تعبان ، ووراك شغل في العيادة ، أنا آسفة يا بابا . .
فؤاد :
ولا يهمك يا حبيبتي ،روحي اعملي لي فنجان قهوة .
دينا :
حاضر يا بابا . .
ذهبت دينا إلي المطبخ ، أغلقت الباب عليها ، استطاعت أخيرا أن تأخذ أنفاسها ، من هذا الحصار الذي فعله والدها عليها ، أخرجت هاتفها كي تتصل ب بسنت .
كانت بسنت تجلس مع عمر وحاتم ، حتي صدع رنين الهاتف ،استأذنت بسنت ، كي تجيب على الهاتف .
تقدمت خطوتين ، حتى لا يسمعها أحد وهي تتحدث إلي الهاتف .
بسنت بفرحة :
دينا ، بنت حلال ، كنت لسة هتصل بيكي ، الحمد لله حاتم وافق إني أفضل معاه الشهر ده ،عايزاكي تبقي تروحي البيت في وقت ماما مش فيه ،وتجيبي الكتب بتاعتي . .
دينا :
ماشي ،ماشي ، أنا هقفل بسرعة ، وأكلمك تاني ، سلام ، سلام .
أغلقت دينا الهاتف .
فؤاد بصوت عالي :
القهوة يا دنيا . .
دنيا بخوف :
حاضر يا بابا ، جاية أهو .
كانت سهيلة ،تجلس على الأرض في الفيلا ،تنظر بتيه للفيلا الكبيرة ،التي أصبحت خاوية ، إلا من صوتها فقط ، كانت تبكي بمرارة ، لا تعلم لما دائما تقسو على أنس ، تعلم أنها السبب لأنه خانها ، ولكنه خانها فقط بالكلام ، لم يتطور الأمر أبدا للخيانة الجسدية ، كان دائما العودة لها ، كان يريد منها أن تحتويه ، ولكنها مثل كل مرة ، تنبذه وتركله مثل الكرة .
كانت الدادة فاطمة تقف بجوار السلم ، تنظر إليها من بعيد ، تريد الذهاب إليها ،كي تقف بجوارها ، فهي من ربتها منذ صغرها ، ولكنها تخاف منها ، تخشى أن تسبها ، أو تصرخ في وجهها ، تفاجأت فاطمة بأنها تقوم من على الأرض ،صعدت إلى غرفتها ، تجر أذيال الخيبة ، ولكنها فعلت مثل كل مشكلة كانت تحدث بينها وبين أنس ، دخلت إلى المرحاض ، أخذت شاور ، وتوجهت إلى خزينة الملابس ، اختارت زيا فاضحا ، لا يناسب عمرها ، وضعت الكثير من مساحيق الزينة ، ثم تعطرت بعطرها الجذاب ، الفواح ، ثم أخذت حقيبتها ، وذهبت إلي يوسف في شركته .
كانت فاطمة مندهشة ، عندما رأتها تهبط على السلم ، استغربت برودة مشاعرها ،لقد طلقها زوجها للتو ، وابنتها تركتها ، لم يبقى لها شئ في هذا العالم ، غير حفنة من المال ، تضيع بلحظة .
لاحظت فاطمة الدموع في عيونها ، لن تنكر أنها شعرت بالفرحة ، أن قلبها ما زال ، يشعر وبتألم ، دعت لها بالهداية والصلاح . .
اتصلت دينا على هاتف المنزل ، كي تتأكد أن سهيلة ليست بالمنزل .
دينا :
السلام عليكم ،ازيك يا داده .
فاطمة :
عليكم السلام ، الحمد لله يا ست دينا ، عاملة أيه ، والست بسنت أخبارها أيه .
دينا :
الحمد لله يا داده ،بقولك ، أنا عايزة منك ، تشوفي شنطة كبيرة ، تحطي شوية من هدوم بسنت ، والكتب بتاعتها ، ومفاتيح المرسم ، وكل الرسومات اللي على المكتب ، وأنا هاجي أخدها ، بس لازم طنط سهيلة تكون بره .
فاطمة بحزن :
حاضر يا بنتي ، أنا هطلع أحضر الشنطة ، وأنت تعالي دلوقتي خديها ، الهانم مش هنا .
دينا باستغراب :
ليه ،خير دا حتى لسة بدري . .
احتارت فاطمة ، تخبر دينا ام لا ، فضلت ألا تخبرها ، حتى لا تنشغل بسنت ،والامتحانات شارفت على البدء ، وهي في السنة النهائية ،وجب عليها التركيز . .
فاطمة :
أبدا يا بنتي ،اتخانقت هي والبيه كالعادة ، وهي قامت لبست ونزلت تشم هوا ،الخناق كان جامد شوية عشان الست بسنت . .
دينا :
ربنا يهدي يا داده ، طيب ، أنا ساعة وأكون عندك ،جهزي الشنطة ، يلا سلام .
فاطمة :
سلام يا بنتي ، ربنا يهدي الأمور بنكم يا بسنت يا بنتي ، ويرجعك لنا بالسلامة . .
ويسترها معاك يا بيه ، ويهد*كي يا ست هانم ، وسلم شمل العائلة من تاني .
صعدت فاطمة إلى غرفة بسنت ، جمعت جميع الأغراض التي طلبتها دينا ، ووضعتها في حقيبة كبيرة . .
وصلت دينا إلى المنزل ، أخذت الحقيبة ،وذهبت مسرعة ، قبل أن تراها سهيلة ، التي ذهبت إلى شركة يوسف ، اقتحمت المكتب بدون أي استأذن ، دخلت خلفها السكرتيرة سيلا كي تمنعها ، ولكن مستر يوسف طلب منها الرحيل .
كانت علامات الغضب ظاهرة على ملامحها ، أقترب منها يوسف ، وقف أمامها ، ونظر في عيونها .
سهيلة بغضب :
ممكن أعرف أيه اللي عملته مع بسنت ده ، وأين الطلب الغريب ده ،البنت قالت محدش لمسها ، يبقى محدش لمسها ، أيه الأسباب اللي تخليك تقول كده أنا مش عارفة . .
يوسف بنظرات جريئة :
يمكن عشان عايز أحل نفسي من الارتباط ده ،ومش عايز أكمل فيه .
عقدت سهيلة بين حاجبيها باستغراب ، ثم قالت متسائلة :
ممكن أعرف السبب . .
مد يوسف يده ، ثم لمسح شفتيها بطريقة مستفزة ، وقال بصوت هادئ ، يريد إغوائها .
يوسف :
يمكن عجبني الأصل ،وعايز أدوقه . .
انتبهت سهيلة إلي تلميحاته الو**ة ، دفعت يده ، ثم دفعته بعيدا عنها ، قالت له بصوت هادر :
بكرة فلوسك هتوصلك ،ومش عايزة أسمع صوتك تاني ، اسمي امسحه من قاموس حياتك .
ثم بصقت في وجهه ، وذهبت وهي تكاد تجن ،مما حدث الآن . .
الفصل خلص ، بس روايتنا لسه بتبتدي .
أتمنى لكم قراءة ممتعة . .
دمتم بخير وعافية . . .
سلام . . .
.