الفصل السادس
أ يظنون حينما يطرق الحزن باب أحدهم يرحل بعد أن يؤدي مهمته الموكل بها؟! و ما رأيت الحزن قد ابتعد عنهم بعد أن نال ما أراده منهم، فبدا و كأنه ضيف قد أحب مكان فقرر أن يحتل عليه، و قد كان كالمحتل الذي أعجبته ـأرض و أقسم على ألا يهجرها أبدا
لم تكف أوجاعهم عند ذلك الحد، لم يكتفي منهم قط، و خاصة تلك الشعلة كما اسماها والدها، نار تبعث الدفء لمن حولها، و نار تلتهم كل من يحاول أن يلحق بهم أي أذي، تحرق و تنطفئ بعدها؛ و لكن والداها حينما اسماها، ربما يكون غفل عن بغض ذلك الاسم، فالنار أن لم تجد ما تلتهمه تأكل نفسها، و بالفعل هذا ما فعلته، بدأت تلتهم نفسها، أصبحت هشيماً لا ينطفئ بات نار مشتعلة دوما حالت أن تكون رماداً
رحل الجميع عنهم، تركوا كل واحد من الذين يقفون يحمل بين سكناته قلبٍ يموت كمداً، أدوا واجب العزاء ببعض الكلمات التي لا تغني و لا تسمن من جوع، لم تقدر أي كلمة علىى أن تكون برداً و لا سلاماً على قلوب منهكة، فرغت المقابر عنهم و هم الآن و اقفين ب**ت، كل واحد منهم يلقي بعتاب صامت خاص بينهم، فلم تكن إلا زوجة تنعي حبيب عمرها سراً، ألم تعهد له مسبقاً أن يكون العتاب بينهم، أتخلف وعدها الآن و تصيح تعاتبه، تجهر باشتياقها له، تصرخ طلبا أن يأتي ليمحو الخاف الذي يتسلل إليها لا يرحمها
أما ذلك الولد الذي يجلس على كرسيه المتحرك جانباً، هادئ ساكن موضعه، فبعد كل كلمة صاح بها و هو جالس موضعه، و لا يقدر على حمل والداه إلى مثواه الأخير، كم كره ذلك العجز آنذاك، العجز الذي منعه من أن يلتمسه للمرة الأخيرة، فقد أصبح من كل شيء حتى أبسط حقوقه بأبيه و أوجبها، هنا لم يستطع كبح جماح دموعه التي خانته مظهرة عجزه أكثر بات يكره نفسه كثيرا الآن، يود أن يصبح مرقده جنباً لأبيه توا، صرخة مكتومة بين أضلعه ود لو يخرجها، يريد أن يعلم الجميع الآن أن ظهره بات من**راً، يصيبه العراء، لا ساتر له من بعد الآن
احتوى وجهه بين يديه، ينتحب ب**ت، دموع عجز عن كبح زمامها أكثر من ذلك، هو ليس بالقوة التي يجبره الموقف على ألا يتحلى بها،
يقف أحمد أمام قبر أخيه، ب**ت ملامح مهزومة، عيناه تبحث في أفق المكان من حوله يود لو كان ذلك حلما، فلم يجد إلا حقيقة فرضت نفسه، أن يشم رائحته الطيبة في يده، إنه رحل حقا، دار بعينيه فيمن حوله، رأي ملامح يدرك ما تمر به في نفسه، تأمل أبناء أخيه الراحل، أدرك كم المسؤولية التي ستكون على عاتقه، أخيه الصغير الذي كان يتحمل أبناءه، يراعهم بمحبة في سفره، بات هو الآن المتكفل بكل ذلك، أدرك توه أنه هو من كان سند له و ليس الع**، كم كره نفسه في ذلك الوقت، العمل الذي حرمه أن يعيش بعيدا، حرمه من أن يقضي لحظات فرحة لو قليلة تعينه على أن يعيش بالذكرى، أصبح الآن محروم من كل ذلك، فقد أصبح ذلك الشعور يقيناً داخل قلبه
رفع نظره تجاه تلك الشعلة التي بهتت أكثر من ذي قبل، يرجع بذهنه إلى انهيارها الأخير، لم تكن تصدق أن أباها قد رحل عنهم عاجلاً، أخذت تتلمس القبر بيدها كأنها تلمسه هو، عيناها تفيض بدموع رفضت حبسها من سجن عيناها، تتساقط على تراب قبره و كأنه تروي ذلك النبات المزروع جوار قبره، لم تكن تدري أن تلك الدموع تسلل من بين التراب تكوي ألما، لا يوجد أحد على وجه الإطلاق يود الابتعاد عن أحبته، لكن الموت هو الحقيقة المؤلمة، ظلت تمر يدها على قبرها، تواسي نفسها بأنها تلمس رأسه، تهدهد منه، كي ينام و كأنه طفل صغير أرهقه البكاء، ظلت جامدة دون أي حديث، دنا منها عمها، يضع يده على كتفها يُخرجها من شرودها قائلاً:
لينار مينفعش كده
همست من بين شرودها:
مش مسامحكم
أصابته الدهشة و رمقها بذهول، جاء ليتحدث، أوقفته بحديثها و هي تمسح على قبره:
أنا مش مسامحكم أبدا، ثم وجهت حديثها لأبيها قائلة بنحيب:
كده يا بابا تمشي و تسيبني، أنت مش وعدتني إنك هنعيش بسعادة، طيب أنت مشيت ليه يا بابا، معقول أنتم كلكم مش بتحبوني أوي كده عشان تمشي بدري أوي كده
ربت عبدالله على كتفه، يود أن يواسيها و من يفعل معه، انحنى بقامته قائلا:
حرام عليكِ، ده قضاء الله مش ينفع نعترض عليه، أنتِ كده بتتعبي بابا، ادعي ليه بالرحمة، خليكِ ابنه صالحة ليه في موته، هو رباكِ و رعاكِ و حبك، هو ميقدرش يبعد عنك، بس لكل أجلٍ كتاب يا بنتي
احتواها بين ذراعيه، ربت على رأسها يقبله، قالت بشهقات مجلجلة لقلبه:
هو وحشني أوي يا عمو، هو لسه ماشي و وحشني اعمل ايه
انحنت بجسدها تقبل تراب قبره الذي يحتضن حبيبها، أخذها عمها و هو يحتضن ذراعها قائلا:
ادعيله بس يا حبيبتي
************************
قد عاد الجميع من المقابر، الظلام فرض سيطرته على الأرض، بات ذلك الدجي يخفيهم، فقد أقام مقام صدقاً داخل قلوبهم، فحياتهم كاملة تحولت لمثل ذلك الظلام، لم يتحدث أي أحد بشيء، فقد ال**ت هيمن على طريق العودة، لم يتحدث أحد بشيء قط، فقط كل واحد منهم يسرح في ملكوت صنعه لنفسه، بعد يوم طويل و شاق انهك من قلوبهم المتعبة بالفراق، وصلوا إلى قصر الدالي، لم يكن الدخول هذه المرة بمثل الحالة التي خرجوا منها، فقد رجعوا إلى موطنهم بعد ليلة غياب، و لكن السرب خاصتهم قد فقد كائر مهاجر في سماء الفرحة حتى عاد إلى موطنه صريعاً
تقدموا داخل قصرهم، لم يجتمعوا في مكان واحد هذه اللحظة فكل ما يريدونه أن يخلوا كل واحد بنفسه، ينفرد بالحالة خاصته، يسترجع ذكريات، أو ربما أوجاع قد أعياها أن تظل طي كتمان الفؤاد، فهو الآخر يستغيث حتى يُخرج ما فيه
توجه كل واحد منهم إلى غرفته دون أن يلقوا السلام، تقدمت انجي تجاه غرفتها، وقفت أمامها، تيبست قدامها في موضعهما، تعجر على أن تخطو خطوة واحدة، أستدخلها لتنام و هو ليس مقيماً داخلها، كانت هي من تجلس داخل تلك الغرفة تنتظر قدومه، ألن تجلس بعد الآن متلهفة بشوقٍ حتى تلتقيه، رباه ما هذا الألم الذي أقرته بقلبها، تهاوت دموعها لم تقدر على حبسها أكثر من ذلك، ساقتها قدامها تجاه الغرفة، وقفت في المنتصف، رغم أن الغرفة كانت بالألوان الزاهية، لم تشعر أبدا بزهو ألوانها، بل وجدتها كئيبة حزينة و كأنها هي الأخرى شعرت بفقد صاحبها، تحركت في الغرفة و كأنها تستكشفها للمرة الأولى، اقتربت صوب خزانة الملابس، تعبث بيدها في الملابس الذي ارتدها، مرت بيدها عليهم حتى وقع نظرها على آخر ملابس التي لامست جسده و حملت من عطره، انتزعتها من موضعها، حملتها بين يديها متجهة إلى سريرها تجلس عليه و هو بين يدها ، تحتضنه، تستنشق رائحته، تحتضنه و كأنه بين ذراعيه، فلم يُسمح لهم باللقاء الأخير
اشتقت لك يا أول دقة قلب
اشتقت لك يا أول نبض عرفه الحب
اشتقت لعينك التي تسقي الورد
اشتقت للمسات لتعرفني كيف يكون الود
علمتني فنون العشق
لتكون لك أول كلمة حب
أحبك وساشتاق يا من فارقت القلب
فاصنع لي مكان ف جنتك أيها الحبيب الغائب
لأكون قريبا حوريتك بالجنة
أنتظر أيها المشتاق فإن لقائنا قريب
وبعد هذه الكلمات ترتمي ع فراشهما كأنها تحتضنه لتستمد من رائحته الأمان
لتدخل بعد ذلك لينار عليها لتمسح ع رأس والداتها لتفيق لتقول انجي تعالي يا ليو
لينار عايزة أنام جنبك يا ماما
انجي تعالي
لتهرول إليها لينار وتقول بابا وحشني يا ماما
انجي وحشنا كلنا ربنا يصبرنا ع فراقه
لتنام الابنة باحضان أمها قد يكون الحضن الأخير لكلتيهما
وتمر عدة ايام ع هذه العائلة ولكن الحزن ما زال مسيطر ع تلك العائلة
انجي وهي جالسة بغرفتها ويأتي اتصال
المجهول ها يا جو جو عجبتك مفاجاتي ولا لا استعدي اللي جاي اكتر يا قلبي
انجي حرام عليك يا حيوان قتلته ليه هو كان ذنبه ايه هو انقذني من الموت وأنا عشقته عايز ايه مني ومن عيلتي عايز ايه
المجهول عايزك انتي
انجي انت بتحلم عمري ما كنت ليك ولا عمري هكون ليك فاهم
المجهول عندك حق بس انت خلفتي الاتفاق وانا نفذت الاتفاق ونسيتي أنا اعرف كم نفس بتنفسيه
وبعدين استعدي اللي جاي لسه اكتر وخمس ساعات خمس ساعات بس واستني أما نشوف الدور ع مين بدأ العد التنازلي تيك تيك تيك
ف الأسفل يجلس الجميع مع بعض ليهرولوا إلي الأعلي بعد سماعهم صرخة عالية يصعد الجميع ليجدوا انجي مغشيا عليها وطلبوا سيارة الاسعاف لتقل انجي إلي المستشغي
والجميع منتظر خروج الطبيب ليخرج هو بعد فترة من الوقت يسأله غياث بسرعة
ها يا دكتور ماما مالها
الدكتور جالهاجلطة وهتحتاج لعميلة ضروري
غياث أعمل أي حاجة المهم أنها تعيش
لتخرج الممرضة وتقول المريضة عايزة تشوف عيلتها
ليدلف الجميع للداخل
لتبدأ انجي بالكلام وتوجه حديثها إلي احمد
لتقول ولادي يا عبدالله أمانةف رقبتك حافظ عليهم
وأنت يا غياث خلي بالك من نفسك واختك واوعي تخلي حد ياذيها كون ليها السند ةالضهر والحماية
وأنت يا ليو لتهرول إليها لينار وتقبل جبهتها اوعي تسيبني يا ماما عشان خاطري
لتقول انجي خلاص جه المعاد اللي هقابل حبيبي فيه عشان مغبش عليه
وتقول لها خليكي قوية يا ليو اوعي يكون ف حاجة تاذيكي او ت**رك كوني قوية ووجهي الدنيا لتقول لينار حاضر يا ماما بس اخرجي ليا يا قلب بنتك
لتدخل أنجي العمليات وتمر حوالي خمس ساعات ويخرج الطبيب وهو من** رأسه آسف بس هي رافضة الحياة ومش عندها هدف البقاء لله
أصيب لينار وغياث بصدمة عصبية شديدة
ويمر الليل بما يحمله من الآلام ويتم دفن انجي ولكن كل ذلك ولينار هادئة تمام وكأنه الهدوء الذي يسبق العاصفة
وبعد مرور يومين يدلف الحارس يصرخ ع من بالقصر ليخرج الجميع ع صوته ليقول عبدالله فيه ايه
الحارس لي لينار هانم ع سور البلكونة يا فندم
ولم ينتظروا ليكمل ما يقول ويتوجه الجميع إلي غرفة لينار ليجدوها واقفة ع سور البلكونة
ريان في ايه يا لينار واقفة كدا ليه
لينار وهي شبه مغيبة تماما رايحة عند بابا وماما
ريان وهتسيبني وهتسيبي غياث لمين ده احنا هنا عشان خاطرك
لينار بكره تمشوا وتسيبوني أنا كمان
لتبدأ تتقدم لينار إلي حفة السور أكثر
وكل هذا وغياث يحاول تحريك قدميه فقد اتته العزيمة التي كان يحتاجها ليتحرك
ويحاول ويحاول ويحاول لينجح ف تحريك قدميه حركة بسيطة والجميع اندهش مما رواه ونسوا لينار وتتقدم أكثر من حفةة السور فحين استشعر الخطر ع ابنته نعم أصبحت ابنته منذ أن أصبحت أمانة لديه بعد وصية والدايهما ليصرخ بها غياث ويقول لها بصي يا لينار بصي
بصي يا ليو وكادت أن تلقي بنفسها ولكنها توقفت عند سماع أخيها وهو يقول أنا وقفت بسبك وهمشي تاني معقول تسيبني وبعدين ترضي أن بابا وماما يزعلوا مني ويغضبوا عليا ترضي اتحاسب بسبك ليؤكد له ريان أن يكمل حديثه ليتوجه لها ريان يتلقاها لتقع تلك اللينار بين احضانه فقد استشعرت الأمان بها لتجد اخاها واقف يترنح ع قدميه لتبكي لينار وتحتضنه وتقول سامحني يا حبيبي سامحني خلاص
غياث خلاص يا قلبي مسا محك يا قلب اخوكي بس وعد متعمليش كدا
تاني ابد
لينار وعد مش هعمل كدا تاني أبدأ وهفضل معاك دايما يا قلبي وهنحقق أحلام ابونا وأمنا وأنت أول من نفذتالوعد
لينار وهتكمل علاجك واشوفك وأنت بتمشي خالص صح ليحتضن الأخوين بعضهم البعض ويقطع الكثير من الوعود
وبمرور الأيام ساعدها اخاها بتخطي الأزمة التي تواجههما
لتبدأ حياة جديدة
ف مكان آخر داخل مصر
ع التليفون كله تمام يا باشا كلها كام ساعة وتكون ف ألمانيا
ليبتسم تلك المجهول ابتسامة شيطان وأخيرا هتكوني ليا وهذلك واعذبك براحتي