♠️ 1♠️
قيل دائمًا بمجتمعها أن المرأة محدودة التفكير ، غ*ية ، تحتاجُ لرجل كي يقودها للطريق الصحيح ، و ظنَّت هي كذلك حتَّى بلغت سنَّ السابعة عشر و أصبحت إمرأة بكلِّ ما تعنيه الكلمة من معنى ، شعرٌ أ**د داكنٌ و عينان زرقاوتان لامعتان تأسرُ النَّاظرين ، بشرة بيضاءُ شاحبة أظهرت تقاسيم وجهه الطُّفولي ...
هذه كانت أنيلا إحدى فتيات عائلة عريقة من عوائل اللوردات ذاتِ الأصل و الفصل في إنجلترا , عائلة وضعت سُمعتها أمام عينيها و حرَّمت على أحد تدنيسها أو **رها .
كبقيَّة فتياتِ هذه العائلة كانت نشاطاتها محدودة للغاية فإما أن تقرأ بعض الكُتبِ بنهم و تستمرُّ بأوقات طويلة حتَّى تنبِّهها خادمتها الخاصة بهذا , أو أن تُطرِّز قطع قماش بيضاء بينما تستمعُ إلى الأحاديث النسائية .
و في يوم و بينما كانت تطرِّزُ بدقَّة و تركيز زهرة زرقاء اللون على قطعة قماش بيضاء و أذناها تصغي لحديث الفتيات قالت إحداهُن لها
" سمعتُ أن ريلان قد هربت مع شاب من عائلة فقيرة بعد أن رفضت عمتي و زوجها إرتباطها معه ! "
ضحكت أخرى و قالت بسخرية
" ريلان كانت دائماً هكذا ع**دة و قد أخبرتُها عدَّة مرات عنادها لن يؤدي بها إلا للهاوية ، أمهليهم أيَّام فقط و سيُعيدونها للمنزل ذليلة "
" أنت فعلاً تعرفين الكثير من الأمور المقزِّزة مارسلين ما رأيُك أن تُركِّزي على نفسك أولاً "
هتفت أنيلا بانزعاج بينما تنهضُ من الأريكة راغبةً بالخروجِ من الغُرفة لتبتعِد عنهم ، هي فعلاً لا تُطيق أحاديثهم هذه فهم لا علاقة لهم بما يحصل للآخرين ...
دائماً ما كان والدها يقول لها أن وضيفة المرأة الوحيدة في حياتها هي العناية بزوجها و أبنائها و الحِرص على راحتهم ، لا يَحقُّ لها إبداءُ رأيها فآراؤها معضمها ساذجة بل عليها أن ت**ت و تستمع بإنصات لما يقوله الرِّجال ، عليها أن لا ت**ِرَ كلمتهم أبداً و إلا ستُعاقَبُ بشدَّة ...
كانت هذه كلمات آمنت بها و حفظتها كما حفظت إسمها حتَّى أتى ذلك اليوم الذي أشعلت به شمعة الفضول بداخلها عندما نظرت من شُبَّاكِ غُرفتها للغابة التي أحاطت الجزء الشمالي من منزل العائلة العملاق ، و على الرُّغم من معرفتها بأنه من المحرَّمٌ عليها الذهاب لمثل هذا المكان بدون إذن إلا أن تلك الشَّمعة كانت تحرِقها من الدَّاخل حتى جعلتها تنتفضُ و تسارِع للخروج من غرفتها بعد أن إتَّفقت مع خادمتها الخاصة إلين أن تقرضها ثيابها و أن لا تبوح لأي أحد بوعد منها أن تُعطيها مكافأة سخيَّة عندما تعود من الحلي و المُجوهرات ...
و فعلاً بعدما نجح تسلُّلها و غيرت ذلك السور الأحمر الذي يفصل باحة المنزل الخلفية عن بداية الغابة عانقت رياح الحرية جسدها و تسللت الأصوات بمختلف الأنغام لأذنيها ، لأول مرَّة منذ بداية حياتها شعرت بأمر غريب بداخلها ، شعرت بطعم الحُريَّة خارج تحكُّم رجالِ العائلة الدَّائم ، هنا بإمكانها أن تجلس أينما أرادت بدون أن تطلب الإذن ، بإمكانها أن تركُض كما تشاءُ بدون أن تُرمق بنظرات معاتبة ، بإمكانها أكلُ أي نوع من الثِّمارِ بدون أن تُمنع ، كانت السَّعادة تلُفُّها حرفياً حتَّى كادت ترفعها عن هذه الأرض .
طبعاً لم تكُن لتتخلَّى عن هذا الشُّعور الجميل ، فقد إستمرَّت بهروبها للغابة في فترات متباعدة لكي لا يشُكَّ أحدٌ بها ، هناك حيثُ صنعت ملاذاً آمناً لها و لروحها ، حيث حصلت على الرَّاحة .
و في إحدى أيَّامها المعتادة بعد وجبة الإفطار على الطَّاولة الضَّخمة التي ضمَّت معضم أفراد عائلتها اتجهت لغرفتها لتنسل لعالم الخيال بقراءة إحدى كتبها كالعادة لكنها تفاجأت عندما قال لها حارس الغرفة أن هناك شخص بالداخل ينتظرها...
ولجت بخطوات هادئة ع** التوتر و التساؤل الذي نهشها من الداخل لغرفتها مغلقتا الباب خلفها بهدوء، فرأت ذلك الرجل الذي إلتفت و نظر إليها ببرود و ابتسامة ملتوية، و لم يكن هذا إلا آرثر ابن عمها اللورد ألي**اندر...
انحنت برقة ناسبت جسدها الصغير ثم سألته بلباقة تميزت بها " مرحبا ، هل لي أن أسأل عن سبب وجودك بغرفتي، كيف لي أن أخدمك؟"
" كنت أبحث عن والدك ، و لم أفلح بإيجاده في ساحة التدريب لهذا أتيت لأسألك بما أنك تلازمينه لفترات طويلة على حسب علمي"
قال لها آرثر بينما يقترب بخطواته منها فبتسمت بهدوء و قالت له مبتعدة عنه بخطواتها للخلف
" أعتذر منك فقد افترقت عنه في الصباح بعد أن تناولت الإفطار لكنه ذكر أمرًا عن لقاء مع بعض التجار المهمين... "
أومأ آرثر متفهما مكملا إقترابه منها بملامح وجه تدلُّ على رغبته بقول شيء ما لكن قبل أن يصبح أمامها قالت له أنيلا سريعا تجذبه لأرض الواقع و تعيد ملامح وجهه كما كانت .
" أعتذر إن كان كلامي وقحا و لكن لا أستطيع إستقبالك بغرفتي أكثر من هذا "
رسم آرثر ابتسامة دفعت شعورا مزعجا باستيطانها بينما يقول لها " و أنا من المحال علي أن أقبل بأن تخدش سمعة إبنة عمي العزيزة لهذا سأغادر ، عن إذنك"
" إذنك معك" تمتمت أنيلا و هي تشاهد آرثر يخرج من غرفتها مغلقا الباب خلفه .
منذ سنوات كان آرثر صديق طفولة لها على الرغم من السنوات الخمس التي تفصل بينهما لكن بسبب تقاليد عائلة ستون منعا من اللعب معًا منذ سنوات طويلة و اقتصرت علاقتهما على الحية بين الحين و الآخر ...
أرادت الإتجاه ناحية سريرها لتقرأ لكن قدماها قادتها لخارج الغرفة بعد أن اكتشفت أنها قد أنهت قراءة كل الكتب التي لديها، متجهة للمكتبة الملكية، و هناك عندما دخلت اتجهت على الفور للقسم المخصص بالروايات و القصص ، حيث تصنيفها المفضل...
فعلى الرغم من معارضة أفراد عائلتها و تفضيلهم أن تتوقف عن قراءة مثل هذه القصص - الغ*ية - كما يقولون و التركيز على قراءة الكتب الخاصة بالسياسة و الشؤون الإجتماعية لتقوم بدعم زوجها المستقبلي ، إلا أن أنيلا جاهدت لتقرأ هذه القصص حتى أصبحت تقرأها في الخفاء ، كمدمن يختبئ في الظلال خوفا من أن يتم الإمساك به، لكن متى كانت القراءة أمر يستحق الإختباء؟!
إلتقطت يداها ثلاث كتب أعجبت بعناوينها قبل أن تمسح عيناها في أعلى الرف كتابا جذبها عنوانه بشدة و لم تجد نفسها إلا و هي تحاول إلتقاطه من أعلى الرف لكن قصر قامتها منعها، تأفأفت بانزعاج ثم وقفت على أطراف أصابعها تحاول الوصول للكتاب و عندما لم تفلح بذلك رغبت بمناداة شخص ما ليساعدها...
و لحسن حظها أتى من يساعدها بدون أن تناديه فها هي يد شخص لم تره في حياتها قبلا إمتدت للكتاب بسهولة و ناولتها إياه " شكرا " تمتمت أنيلا بابتسامة ممتنة لذلك الرجل الذي يقف أمامها.
كان عادي المظهر تقاسيم وجهه التي زينها بابتسامة مرحة دلت على لطفه ، لم يكن هناك أمر مميز به، لا لون عيناه و لا لون شعره، ربما جسده المتناسق فقط لا تدري حقا، لكن إبتسامته حقا أعجبتها و نالت على إستحسانها كثيرا حتى أنها لم تعي على نفسها و هي تحدق به.. .
" أنيلا " نده صوت مألوف عليها، إلتفتت لمص*ر الصوت و الإبتسامة ما تزال مطبوعة على محياها فرأت والدها ش*يق اللورد ألي**اندر الأصغر إنحنت بخفة و قالت له " طاب يومك والدي"
ثم أردفت بينما تقترب منه عدة خطوات
" قبل قليل أتى إبن عمي يسألني عن مكانك و قد أخبرته بأنك مع بعض التجار المهمين، ربما ما يزال يبحث عنك"
أنيقة ليس في وجهها و هندامها فقط ، بل بحديثها و الكلمات التي تنتقيها بعناية ، بالفعل تستطيع بسهولة التأثير على من يستمع إليها .
" أتى إليك أنتِ بالذَّات ؟ " سألها والدها بشك ساوره و لأن أياً من شكوكه كانت خالية من الصِّحة أجابته بابتسامة لطيفة " أجل فقد كنت آخر من فارقك والدي لهذا ظن أني أعرفُ إلى أين ذهبت بعد أن يئس من البحث عنك "
" فهمت " تمتم والدها ثم قال بحدَّة لها بينما يشير لتلك الكتب التي حملتها بين يديها " ألم نخبرك بأن عليك التوقف عن قراءة هذه القصص السَّخيفة ، لا فائدة منها غير جعلك تحلمين بأمور غير موجودة ! "
لم تغضب على وصفه لكتبها بعديمة الفائدة و السَّخيفة فقد إعتادت على حديثه بل كالعادة تسلَّحت بابتسامتها و أجابته قائلة
" بالفعل والدي طلبتم مني التوقُّف و أعلم أن الأمر لا يسرُّكم أن أقرأ مثل هذه القصص عديمة الفائدة ، لكن بالنِّسبة إلي هي طريقة مسلِّية لتمضية أوقاتِ فراغي "
" عليك التَّوقف " تمتم بهدوء بينما يكتم تنهيدة حارَّة ودَّت الإنفلاج ، ففي النِّهاية أنيلا أصغر فتياته و لديها قدرة كبيرة على الإقناع ...
" سيدي أهذه أصغرُ فتياتك ؟ " سأل الرَّجل الذي يقف بجوار والدها فلتفت والدها كارل إليه و أومأ بهدوء بينما يقول معرِّفاً
" أجل جوستاف هذه إبنتي الصُّغرى أنيلا "
إنحنت أنيلا بهدوء بينما تتمتم قائلة " شرفٌ لي التَّعرُّف عليك سيِّدي "
" الشَّرف لي آنستي " قال ذلك الرَّجل ذو البنية السكينة و اللحية السوداء الكثَّة بابتسامة أزعجتها بشدَّة ثم قال لذلك الرَّجل الذي يقف خلفها و الذِّي ساعدها قبل قليل بإحضار الكتاب " هذا إستيفان العبد الخاص بي "
لوهلة لم تتحكَّم بملامح وجهها التي إنكمشت بانزعاج عندما قال عبد ، آه كم تكرهُ هذه الكلمة !
كم هو أمرٌ مق*ف أن تظلَّ حبيساً لدى شخص طوال حياتك بصفتك سلعة إبتاعها بيوم من الأيام ليس كبشري يمتلك روحاً و كياناً منفصلاً ، تداركت الموقف سريعاً و أومأت له بهدوء ناظرةً للأرض تخفي ملامح وجهها فقال لها والدها
" هذا العبد هو رسّاَمٌ ماهر و نحَّاتٌ بارع لهذا طلبت من التَّاجر جوستاف أن يرسمك "
" لا أحتاجُ لهذا والدي " قالت أنيلا مبديةً معارضتها فبتسم والدها بهدوء و قال لها
" لكن الأمر ليس كما تُريدين أنت ، أنا أريدُ أن أرى لوحة ستُخلِّدُ جمال إبنتي الصغيرة على مرِّ العصور ليشهد التَّاريخُ على جمالها كما شهد التَّاريخُ على جمالِ جدَّتك قبلاً "
و ها هي مقارنة أخرى بالجدَّة ظهرت ، دائماً يتم مقارنة أنيلا بجدَّتها الليدي السابقة المرحومة فكما قيل هي ولدت بعد سويعات من وفاتها ...
حملت نفس صفاتها الجسديَّة من ملامح الوجه الطُّفولية ، لون الشَّعر الدَّاكن ، و حتَّى أنها تمتلك وحمة تشابه وحمتها بنفسِ المكان تماماً خلف عنقها ، لهذا دائماً ظن الكثيرون أنها هديَّة و هبة من جدَّتها المرحومة لتعوِّضهم عن رحيلها !
" كما تريد والدي هل بإمكاني الإنصراف ؟ "
سألته فأشار لها برأسه بنعم حينها غادرت سريعاً غير راغبة بالبقاء أكثر ، الكثير من الأمور المزعجة حصلت لها اليوم ، تحتاجُ لتصفية ذهنها ، تحتاج إلى الإختلاء بنفسها في مكان حيث لا قيود تأسرها فتمنعها من فعل ما تريد ، تحتاج للغابة لهوائها المنعش و لأصوات خرير الماء و زقزقة العصافير التي تُريح بالها .