بحياتها التي إستمرَّت لسبع عشر عامًا حضيت بصديقتين .
الأولى مارين التي هربت قبل عامٍ مع رجل من الطبقة الدنيا بسبب رفض العائلة لزواجهما و قد كانت إبنة عمتها الكبرى ، و الثانية كانت ليزا عشيقة والدها التي أنجبت ش*يقها جورج ...
فعلى الرغم من السنوات التسع عشر التي فصلت بينهما إلا أن محبتهما لبعضهما و صداقتهما لم تتأثر بها .
حتى بعد إنفصال والدها عنها و إنتقال ليزا لمنزل آخر ما تزالُ علاقتهما كما هي عن طريق الرسائل و أحيانًا زياراتها التي لا تستمرُّ إلا لسويعات معدودة و تكون مرَّة في الشهر ، فبطبيعة الحال لا أحد من العائلة أحبَّ هذه الصداقة الغريبة التي نشأت بينهما .
بمنزل ليزا الصغير الذي يقعُ بضواحي المدينة جلست أنيلا تحتسي الشاي معها بحديقة المنزل مستغلين نسمات الهواء الباردة ، حكت لها أنيلا عن كلِّ ما حصل خلال الشهر الفائت ، تعرُّفها على إستيفان و جوليان ، موضوع خطبتها من آرثر و رأيها عنه ، حكت عن إعجاب الناس بمهاراتها بالحوار في الحفلات العديدة التي حضرتها مع جوليان التي ما تزال م**مة على خطَّتها .
" قمتِ بالكثير من الأمور بينما أنا كنتُ أتنقل من كتاب لآخر " هتفت ليزا ضاحكة بينما تحتسي من كوب الشاي خاصتها فمرَّرت أنيلا إبهامها بطرف الكوب الخزفي و قالت " بالفعل أصبحت حياتي حافلة لكن كل تلك الحفلات و الموسيقى و الرقص ... لا تروق لي حقًا "
" تعلمين يبدو أن السيد إستيفان رجلٌ جيدًا لماذا لا ترتبطان ؟ " سألت ليزا مباشرة ، ف**تت أنيلا قليلاً قبل أن تقول بوجه تخصَّب من الحمرة " حسنًا هو ، تعلمين الزواج ليس تفاهم فقط هناك جانب حسنًا ... "
" تقصدين أنك لا ترينه كرجل تستطيعين إقامة علاقة معه ؟ " تساءلت ليزا باستغراب فأومأت أنيلا بحرج ، فكان هذا ما استنتجته خلال الفترة الماضية و يبدو أن إستيفان قد فكَّر بنفس الأمر .
" أول مرَّة أسمعُ بهذا الحديث " تمتمت ليزا فخطر ببال أنيلا سؤال كانت بحاجة لإيجاد إجابة عليه " ليزا هناك أمرٌ يدور في بالي ، لماذا على الرغم من حبك لوالدي لم تتزوجا ؟ "
على الرغم أن الموضوع لم يكن حقًا طريفًا إلا أن ليزا ضحكت ، فهذا الموضوع كان جزءً من مراهقة متعبة ، حبٌ لم يتكلل بالزواج و طفل ولد بدون وجود رابط شرعي بينهما ، كان الأمرُ مرهقًا عليها .
" لأن والدك كان متزوجًا من أمكِ أساسًا فهل تتوقعين أنه سيطلقها ليتزوجني أنا ، هذا أمرٌ مستحيل ! " هتفت ليزا فهتفت أنيلا مستغربة
" إذًا لماذا بقيتي معه و أنتِ تعرفين هذا ؟! "
**تت ليزا تفكر قليلاً ثم أجابتها بابتسامة هادئة " لسببين ، الأول لأني يا أنيلا حقًا أحببت والدك لم يكن مثل أولائك الذين يحاولون دائمًا إستمالتي في الحفلات ، تعلمين عندما صرَّحت أول مرة بمشاعري متناسية أمر زواجه من والدتك رفضني ، لكن المشاكل التي توالت عليه و زوجته التي تتذمَّرُ دائمًا من كل شيء جعلته يلينُ ناحيتي ، أعترف كنت أشعرُ بالذنب لهذا الأمر و لم أرد منه أن يطلق زوجته فأدمر بهذا ش*يقتيك لهذا رضيت بلقب عشيقة كارل "
ثم تن*دت بخفوت و أردفت ناظرة لأنيلا
" السبب الثاني كان أنتِ عندما حملت فقط نقلني كارل لمنزل عائلته و الذي بطبيعة الحال لم ألقى ترحيبًا منه ، لكن مع مرور الوقت و بعد و لادتي و ولادة والدتك لك كنتِ وحيدة مريضة و والدتك ،حسنًا تذهبُ من حفلة لأخرى متجاهلة أمرك ، كنت ببعض الأحيان أرضعك سرًا و ألعبُ معك فقد كنتِ صغيرة للغاية و زهرية أنا فقط لم أستطع مقاومتك ! "
ضحكت أنيلا بخفوت و قالت لها " و لا أنا " ثم أردفت متسائلة " إذًا ، ما زلتِ تحبين والدي ؟ "
" طبعًا " أجابت ليزا ثم أردفت " لم يكن خياره أن ننفصل بل قرار المجتمع ، لا أستطيعُ كرهه بسبب هذا " قالت ليزا ثم سألت أنيلا مغلقة على الموضوع " ستعودين للمنزل بعد مغادرتك ؟ "
" لا , سأذهبُ لمنزل الدوقة ، يوجد حفل غدًا و جوليان مصرة أن أبيت لديها اليوم لكي تقرر الثياب التي سأرتديها و المجوهرات ، و أبي سمح لي بعد توسل... " أجابت أنيلا
*** *** *** ***
سببان دفعاها لقبول دعوة جوليان للمبيت ، أولاً لرغبة والدها و عمها بتوطيد العلاقة مع عائلة الدوق ، و الثاني... لتبتعد عن آرثر الذي لم ينفك يظهرُ لها بكلِّ مكان
جلست على سرير وثير خصص لها لتقضي هذه الليلة .
و بالطرف الآخر من الغرفة الواسعة خصِّص سرير آخر لجوليان التي ذهبت لتتحقَّق أن الخدم سيحضرون طعام العشاء للغرفة و بعدما عادت أغلقت الباب خلفها و هتفت بحماس
" ستكون ليلة رائعة ! "
أومأت أنيلا بابتسامة واسعة فقد كانت هي الأخرى متحمسة ، فهذه أول مرة تنامُ بها خارج غرفتها
" ألن يغضب إدورد لأنك لن تبقي معه هذه الليلة ؟ " سألتها أنيلا بعض الندم فأجابتها جوليان سريعًا " لا داعي للقلق أنا و أنتِ وحيدان بالقصر فقد غادروا جميعًا لزيارة أختِ الدوق و سيبيتون لديها هذه الليلة "
" لماذا لم تذهبي معهم ، كان بإمكاننا تأجيل هذه السهرة " هتفت أنيلا شاعرة بالندم فضحكت جوليان و قالت " غير مرحب بي "
ثم أردفت متوجهة ناحية السرير المخصص لها تجلسُ عليه متن*دة " لم أخبركِ قبلاً كيف إلتقيتُ بإدورد صحيح ؟ "
أجابتها أنيلا حائرة " لا ، لم تخبريني "
لمعت عينا جوليان العسلية بطريقة أجفلت أنيلا بينما تحكي قائلة " لم أتزوجه عن قصَّة حب كما قد يتصور لك بل بسبب عهد كان بين والدي أحد أبرز عساكر الجيش البريطاني و الدوق سايمن "
" ما هذا ؟ " سألتها أنيلا بفضول بينما تعتدلُ بجلستها على السرير فأجابتها جوليان ناهضة من السرير متجهة ناحية النافذة " أجل ، قد يبدو حتى سخيفًا للبعض كيف إنتهى بنا الأمر أنا و إدورد متزوجين " تحرَّكت إلى سرير أنيلا و جلست بجوارها لتكملَ سرد حكايتها قائلة
" أبي و العم سايمن كانا صديقان عزيزين منذ الصغر على الرغم من فرق المرتبة الإجتماعية الشاسعة ، حسنًا أبي كان يغارُ من العم سايمن لكن ليس بسبب أمواله بل أبنائه ، فقد كان للدوق توأم من الذكور في حين حصل والدي على فتاتين الفرق بينهما عامٌ واحد و عندما حملت أمي للمرة الثالثة أمل أن يكون ذكرًا يخلفه ، لكن ولدتُ أنا ثالثُ فتاة في العائلة "
**تت جوليان قليلاً قبل أن تردف قائلة " أمي قالت أن أبي عندما سمع من المولِّدة أن المولود فتاة لم يشاهدني بل إنطلق ناحية أقرب حانة من منزلنا و استمرَّ بالشرب حتى ذهب الدوق سايمن إليه ليعيدهُ لرشده و عندما شاهد حزنه قال له " لا تحزن هكذا يا صديقي عهدٌ عليَّ أن أزوج فتاتك الصغيرة من أحد أبنائي و هكذا سيكون لك كالإبن "
ضحكت أنيلا بقوة عندما قلَّدت جوليان صوت الدوق سايمن بآخر عبارة ثم سألتها ماسحة دموعها " و هكذا خطبت و أنت رضيعة "
إلا أنها **تت و تجهمت ملامح وجهها قائلة
" مهلاً ، نوعًا ما هذه حالتي الآن مع آرثر "
حدَّقت جوليان ناحيتها بحدة عندما سمعت تشبيهها و هتفت بطريقة أجفلت أنيلا " لا تشبهي زوجي الوسيم بذلك المتخلف ! "
ثم أردفت عابسة " و من قال أني إستسلمت و تزوجته بسهولة ؟ "
نهضت من السرير و وقفت أمام أنيلا بابتسامة خبيثة و قالت لها " طبعًا منذُ كنت صغيرة و أنا أسمع أني خطيبة إبن الدوق لكني لم أرى إبن الدوق هذا بحياتي أبدًا ، و عشتُ حياتي بشكل طبيعي متوعدة بأن أمنع هذا الزواج من الحصول ... ببساطة كنتُ ع**دة للغاية "
" و ما زلت " تمتمت أنيلا ضاحكة فشاركتها جوليان الضحك قائلة " فجأة هكذا حدَّدوا موعد الزفاف ، فستان أبيض منتفخ مثير للإختناق ، قاعة ضخمة ، و مدعوين طبعًا كلُّ هذا و أنا لم أرى العريس بعد لهذا فعلتُ أمرًا لم تكن أي فتاة عاقلة لتفكِّرَ به ، حاولت الهرب بيوم الزفاف "
" ماذا ، أنت مجنونة ماذا عن والد*ك و المدعوين ألم تفكري بكل هذا ، و إلى أين كنت ستذهبين؟! " صاحت أنيلا مدهوشة فتوسعت إبتسامة جوليان بينما تقول مفكرة " حقًا لم أفكر بهذا كل ما كنتُ أفكر به أني سأتزوج من شخص لم أرهُ في حياتي و لا أعرف عنه أي شيء "
إلا أنها إستطردت سريعًا قائلة " على أية حال حسمتُ قراري و بعدَ مغادرة الجميع من غرفتي و تركي لأرتدي الفستان الضخم وحدي بعد أن طلبتُ منهم هذا قفزتُ من النافذة مرتدية حذاء بكعب عال أبيض اللون و فستانًا بسيطًا بلون بني و عندما كدتُ أبتعد عن المبنى الذي سيقامُ به الزفاف أمسكني شخصٌ ما "
**تت جوليان تسترجعُ العينان التي حدَّقتا بها بهدوء و تفاجؤ ثم قالت لأنيلا بابتسامة حالمة
" لا أكذبُ عليك لم أستطع فعل شيء غير التحديق بأدوارد لثواني و لم أبتعد عنه إلا عندما سمعته يتمتم قائلاً " كلام أمك كان صحيحًا حاولت الهرب فعلاً " و حينها خرجتُ أنا من شرودي و قت له مستغربة أحاول فك أسر يدي " و من تكون أنت و ما علاقتك أتركني بحالي "
حينها عزيزتي أنيلا أحكم إدورد إمساك يدي و قال بابتسامة لطيفة توقفتُ بسببها عن المقاومة " أنا زوجك المستقبلي آنسة جوليان ، و على الرغم من أني جاهلٌ لسبب محاولتك للهرب إلا أني أعدك أني لن أسيئ لك يومًا و أن أحترمك و أقدرك كزوجة "
بالله عليك كيف كنت سأهربُ و هو يقول مثل هذا الكلام اللطيف عدتُ أدراجي و تزوجته ، صحيح أول أيام لنا كانت صعبة نوعًا ما لأنه على ما يبدو لم تكن عائلة الدوق سايمن كلها موافقة على هذا الزواج و منهم أخته التي لم تخفِ كرهها لي لهذا أفضل عدم الذهاب معه للمناسبات العائلية لكي لا أسبب أي مشاكل "
" فهمت " قالت أنيلا بابتسامة واسعة ثم أردفت متسائلة عندما جلست جوليان " لكن أنتِ سعيدة مع إدورد الآن صحيح ؟ "
" طبعًا ، و الشكر كله لأمي التي لا أدري إلى اليوم كيف علمت أني أخطط للهرب " هتفت جوليان ثم أردفت بنبرة حالمة " و كيف لي أن لا أحبه و هو يعاملني كقطعة مجوهرات نادرة لن يجد مثلها ؟ "
إبتسمت أنيلا بهدوء و قالت ضاحكة " أتمنى أن ينتهي أمري مثلك "
قوطع حديثهما بسبب وجبة العشاء و بعدها سهرا حتى منتصف الليل يجهزون لحفلة الغد ، الفساتين ، الأحذية و تسريحات الشعر و بعدها غلبهما النعاس حتى صباح اليوم التالي ، تناولتا الفطور معًا ثم إستكملا شوطًا آخر من التجهيزات لحفلة الليلة و لم يقطع جوَّهما هذا إلا ولوج خادمة لتعلمهما أن عائلة الدوق قد عادت من منزل العمة ...
" فالنرحب بهم " قالت جوليان ناهضة من الأرض فأومأت أنيلا و حدَّقت بهيأتها بالمرآة قبل أن تشقَّ طريقها مع جوليان لغرفة الجلوس حيثُ جلست العائلة ، أو بالأحرى فقط الدوقة أنستازيا و إدورد
" أتمنى أن إقامتك كانت مريحة أنيلا " قالت الدوقة أنستازيا عندما جلست أنيلا بجوارها بينما جلست جوليان بجوار إدورد محكمة إمساك يده " أجل كانت كذلك ، شكرًا لك " قالت أنيلا بابتسامة واسعة فأومأت الدوقة ثم إلتفتت إلى جوليان التي سألت مستغربة
" أين عمي و آدم ؟ "
أتتها الإجابة من إدورد الذي قال لها " ذهب أبي مع إستيفان ليتحقَّقا من شيء ما للعمة ، و آدم ذهب لغرفته ليستريح" أومأت جوليان كإجابة ثم إبتسمت و قالت لإدورد ضاحكة " أخبرتُ أنيلا كيف إلتقينا بالأمس "
" دعيني أحزر نعتتكِ بالمجنونة صحيح ؟ " قاطعها إدورد ضاحكًا فعبست جوليان و قالت له معاتبة " ماهذا الكلام إدورد ؟ "
" لقد قال الحقيقة هذا ما قلته حقًا " قالت أنيلا ضاحكة فأردفت الدوقة قائلة " الكل ظنَّ أن والدتها مجنونة عندما طلبت منه بيوم الزفاف أن يقف بجوار نافذة إبنتها "
" حسنًا حسنًا فهمت " تمتمت جوليان بغيض ثم أردفت متن*دة " على أية حال ، انت سترافقنا لحفل اليوم ؟ "
" بصراحة أنا متعب من حفل عمتي بالأمس لا أظن أنه بإمكاني هذا " أجابها إدورد فأومات جوليان بهدوء و مرَّرت أناملها ب*عره الداكن قائلة " لا بأس ، لا داعي لهذا سأكون بخير مع أنيلا "
*** *** *** ***
بوقت الظهيرة عادت أنيلا لمنزلها لكي تتفقد أحوال عائلتها و بعدها بوقت العصر بدأت تتجهزُ لذهاب للحفل ، سيكون هذا آخر حفل فقد سئمت من الأمر بالفعل ، الفساتين المنتفخة و الموسيقى العالية ، لا تستطيع تحمُّل الأمر بعد الآن ، كم تفتقدُ هدوء حياتها السابق !
ثوبها كان بلون أحمر زاه ذو طبقات عديدة آخرها كانت عبارة عن دانتيل أ**د اللون و القطعة العلوية منه سوداء ذو فتحة أظهرت جزءً كبيرًا من ظهرها و الوحمة على عنقها ، ببساطة لأن جوليان تظن أن وحمتها جذَّابة و تحاول بكلِّ حفل يذهبان إليه إظهارها ، أما أنيلا فهي تخفيها عن طريق سدلِ خصلات شعرها السوداء على ظهرها ...
وحيدة ذهبت للعربة ، ثم من العربة إلى قاعة الحفل التي كانت بطبيعة الحال مكتضَّة ، في البداية قبل أن تدخل رحَّبت بها عائلة سميث العائلة المستضيفة للحفل ، ثم دخلت من بين جموع الناس تحاول أن تلمح جوليان و لم تفلح برؤيتها ...
" أين هي هذه ؟ " تمتمت أنيلا بعدما مرَّ وقتٌ طويل على بداية الحفل و جوليان لم تظهر بعد إلا أن إبتسامة راحة رسمت على شفتيها عندما لمحت إدورد و إستيفان بإحدى زوايا القاعة يتحدثان معًا فاقتربت منهما و فورما لمحها إستيفان لوح ناحيتها مبتسمًا أما إدورد نظر ناحيتها بحدَّة أجفلتها ، مهلاً إدورد قال أنه لن يأتي للحفل ...
هل من الممكن أن يكون هذا آدم ؟