شعرت بحرارة الخجل تلهب بشرتها
كانت تعلم عن حبه لها فمشاعره كانت واضحة دائماً لذلك كانت تتجنبه، فعاطفته تربكها وهي لا تعرف كيف تتعامل معه
مال عليها أكثر ثم تناول بين أصابعه خصلة من شعرها مردفاً بنبرة غامضة
"لما كذبتي وأخبرتني أن بحياتكِ رجلاً آخر؟"
ظلت صامتة وهي تكاد تتبخر من توترها، لتتحدث عن نفسها بملامح محطمة
"بطفولتي كنت وحيدة ولم يكن لي أخوة أو أصدقاء لألعب معهم لذلك كنت أتخيل وجود أشخاص من نسج خيالي وهميون يلعبون معي، وكلما أتعرض للإساءة أو للنبذ تظهر أصواتهم في رأسي تدعونني للصمود، وأن كل ذلك سيمضي يوماً ما وسأحصل على حريتي لأعيش وحيدة للأبد، كانوا يخبرونني أنني قادرة على تخطي كل ذلك لأنني لست بمفردي كما يظنني الناس، فهم معي، كانت الأصوات تخبرني أنهم اختاروني من بين جميع البشر لذلك فأنا الأقوى بوجودهم معي، وأنا مكتفية بهم لدرجة أن حياتي أصبحت عبارة عن وهم من نسج خيالي
وبقدر ما يسعدني وجودهم في أوقات الشدة إلا أنه يحزنني عدم قدرتي على التخلي عنهم،،،
أخشى أن تعاد أيام طفولتي"
انحنى رأسها بألم والعبرات أحرقت عينيها بسخونة لاذعة ليشتد فك رودلف، وبقوة رفعها بين ذراعيه دافعاً جسدها نحوه معانقاً إياها لتبكي كما لم تبك من قبل، بكت بحرقة لتضيق ذراعيه حولها الخناق
بالخارج كان ديفيد مستنداً على الحائط الذي يفصل بينه وبينهم ليسير مبتعداً بعد أن أثرت به كلماتها، وقد اقتنع أنه يكفي ما تسبب به إلى الآن
حملها بين ذراعيه ليضعها بفراشها لتلتقط الوسادة بين أحضانها وهي عاجزة عن إيقاف نفسها عن البكاء، فقط الدموع تجري دون إرادتها وكأنها قد سئمت الاحتجاز، لينتشل الوسادة منها ويلقها بعيداً لتضم ذراعيها إليها بإحكام
دخل معها بالفراش واقترب منها ثم حاوطها جيداً ورفع الغطاء عليهما ليطبع قبلة عميقة على شعرها بينما كانت رؤيتها مشوشة وضبابية إثر تراكم الدموع بمقلتيها لتسمع همسه الرقيق
"أنتِ طفلة كبيرة باكية أيتها الجميلة"
ضحكت وسط بكائها ليضم رأسها لص*ره بقوة
بالصباح، استيقظت إثر إحساسها بالاختناق لتجد أنه يعانقها كدب قطبي لتحاول إبعاد ذراعيه عنها ولكنه أدعي النوم مبتسماً غير سامح لها بالابتعاد لتتأفف بضيق
"رودلف، رودلف استيقظ، أنا سأصاب بالاختناق هنا"
فتح عيناه ليبرز شفته السفلى بمشا**ة ثم تحدث ب**ل
"وماذا أفعل؟"
"ابتعد عني"
ليتظاهر بالتفكير ثم لوى فكه برفض
"لا، أنا لا أريد"
"أرجوك"
"قبليني وسأبتعد"
انفجرت بغيظ
"أنت وقح، وسأخبر عمي"
ضحك بتسلية
"وماذا ستقولين له؟
جوناثان، ابنك عديم الحياء يريد مني قبلة صباحية، وأنا طفلة مهذبة لا أسمح بذلك
أراهن أنكِ لن تفعلي وتوشي بي إليه"
ظلت ساكنة لعله يمل ويبتعد ولكنه لم يفعل
"رودلف، أنا لا أمزح"
"ولا أنا"
بدت على وشك البكاء ليقبلها هو، ارتفعت إحدى يديه لخلف عنقها ويده الأخرى خلف خصرها
في حين أخذ جسده بالارتفاع فوقها تدريجياً
وكلما يفصل القبلة يعاود تقبيلها من جديد
يدها السليمة أخذت تضرب كتفه محاولة إيقافه ليهمس لها بأذنها بأنفاس لاهثة
"أريد أن نتزوج سريعاً لنصنع طفلاً لذيذاً مثلكِ"
تملصت منه لتجري نحو باب المرحاض وتغلق عليها من الداخل بينما هو وضع ذراعاً خلف رأسه ناظراً للسقف بابتسامة سعيدة وأعين لامعة
إنه يشك أن ما حدث كان حلماً جميلاً من شدة سعادته،،،
بعد الجامعة، كان منتظراً إياها بسيارته ولكنها فجأة وبسرعة أوقفت سيارة أجرة وانطلقت لوجهة مجهولة ليقطب حاجبيه متتبعاً إياها
رأى توقف السيارة أمام دار للأيتام ليركن سيارته ويقترب من المكان بخفة
من خلف الشباك، شاهدها وتفاجأ، لقد كانت مبتسمة بحنان غير محدود وسط الأطفال الصغار
الرقة والحنان والطيبة والعطف والجمال والعظمة كلها أمور كانت متجسدة بها
مشعة هي بينهم
كانت تحكي لهم قصة وهي تمسح حيناً على شعر أحدهم وتربت حيناً آخر على ذراع أحدهم وتمنح آخر ابتسامة مثالية دافئة براقة، وتشجع الآخرون باتساع عينيها والإيماء بحماسة
رجع لسيارته منتظراً إياها حتى خرجت وهي تحيي وتودع الأطفال بحرارة وتوعدهم بزيارة أخرى قريبة، وعندما خرجت من البوابة وجدت سيارته أمامها وقد فتح لها الباب منتظراً صعودها
جلست بارتباك لأنها لم تتوقع رؤيته ليتأملها بأعين مكثفة بالعاطفة ثم تحدث
"تأتين إلى هنا بانتظام؟"
ابتلعت بجفاف ثم أومأت له بصمت
"لما تفعلين ذلك؟"
"نقطة ضعفي الوحيدة هي الأطفال"
صمتت ناظرة إليه بأعين مهتزة
"أنا لا أريد أن يمر أي طفل بما مررت به في صغري،،
لا أريد أن تؤثر تلك الأشياء على نفسيتهم كما حدث معي بسبب عدم انتباه البعض لتلك المشاعر الطفولية البريئة، عندما أرى سعادتهم أشعر بسعادة غامرة تحيي روحي وتنعش قلبي"
أخذ يدها بين كفيه مردفاً بعشق
"ستكونين أم عظيمة"
نظرت أمامها بشرود هامسة وكأنها تحدث نفسها
"أتمنى ذلك"
"اليوم ليس عادياً، إنه يوم مميز بعائلتنا يا إيزابيلا، إنه عيد ميلاد أبي، ولقد أردت مساعدتك في انتقاء هدية مميزة له"
"يسعدني ذلك"
رفع يدها لشفتيه ليطبع عليها قبلة ممتنة معبراً عن شكره بطريقة راقية لتلقي نظرة أخيرة على الملجأ قبل أن تتحرك السيارة،،،
بالمتجر، كانا معاً بقسم الساعات ومعهم رجل آخر وطفله، مررت إيزابيلا للطفل ابتسامة جميلة رغماً عنها ليرد لها الطفل الابتسامة بأخرى فرحة ليلفت ذلك نظر الأب الذي تطلع بها وهي غير منتبهة
ألقتْ نظرة سريعة على الرفوف لتعجبها واحدة زرقاء، لتخبر رودلف بذلك ليلتقطها بإعجاب ثم ابتسم لها ولكن ابتسامته سقطت عندما شاهد اقتراب ذلك الرجل منهم
"آسف على إزعاجكما، أنا سام ديمتش، وهذا ابني كين، لقد طلب مني أن أعرفكِ عليه................."
ولكنه سكت بتفاجؤ عندما انحنت إيزابيلا لمستوى الطفل وصافحته مبتسمة لتحمر وجنتي الصغير خجلاً ويطبع قبلة سريعة على وجنتها لتضحك مندهشة من جراءته، لتعبث بشعره بطفولية
"أنتِ لطيفة، وأنا قد أحببتكِ كثيراً يا قطعة السكر"
كلمات الصغير جعلت قلبها بين يديه، لتمسك يده سائرة به نحو قسم الأل**ب متناسية أمر رودلف ووالد الطفل
"رودلف جوناثان، وتلك ابنة عمي وزوجتي إيزابيلا"
نطق رودلف كلمة زوجتي ببطء وتشديد عندما لاحظ نظرات الإعجاب بأعين ذلك الرجل
ليومئ له سام بعدم اهتمام جاعلاً الغيرة تجري كالسم بدماء الآخر، ليتحرك باندفاع جاذباً إيزابيلا من ذراعها بقوة وسط حيرتها من غضبه المفاجئ لتلوح للطفل قبل أن تختفي من أمام ناظريه،،،
بموقف السيارات، دفعها نحو الحائط ثم حاصرها بسرعة وقبلها بعنف صدمها، التفت ذراعيه حولها ملصقاً إياها به
"أنا أشعر بالغيرة إيزابيلا، أنتِ زوجتي، ملكي وحدي، ولن يشاركني أحد بكِ"
"دعنا نعود، رأسي يؤلمني، أرجوك"
حدق بها بأنفاس متسارعة إثر غضبه وهو يتذكر قبلة ذلك الصغير الجرئ لها ونظرات والده العاهر ليجذبها من ذراعها السليمة خلفه متحدثاً بنبرة جادة
"أنا أريدك زوجتي اليوم ولن أنتظر لتحقيق ذلك يوماً آخر بعد"
بالسيارة كان لا يزال هائجاً بينما التزمت هي الصمت بيأس وحزن حتى لا ينفجر بها ولكنه أوقف السيارة فجأة محاولاً تبرير موقفه لها
"إيزابيلا، أنا لم أرد إفزاعكِ هكذا، ولكنك لم تلاحظي نظرات ذلك الرجل الحقيرة لكِ كما أن ابنه غير مهذب، وأنا لم أحتمل، أنا لا أريدك أن تغضبي مني، لقد أعماني الغضب وعاملتك بعنف دون قصد"
ما فعلته، صدمه
حيث رفعت أناملها لوجنته متحدثة بلطف
"لا بأس، أنا لم أغضب منك يا رودلف"
أسقطت يدها وسط تجمده لتردف بتن*د
"ولكننا لم نحصل على هدية لعمي وعلينا أن نعاود البحث بمكان آخر عن هديتين، واحدة لك وواحدة لي، فأنا أيضاً أريد أن أهدي عمي هدية بمناسبة عيد ميلاده"
وافقها بابتسامة رائعة وترتها،،،
✳️✳️✳️✳️✳️✳️✳️✳️✳️✳️✳️✳️✳️✳️✳️✳️✳️✳️✳️✳️✳️✳️✳️