ما إن خرجا من بوابة الشركة رمى ريو مفاتيح السيارة ليومي التي تلقفتها في الهواء وتوقفت بمكانها، ل**ن حالها يقول: 'إنه بالفعل يعتقد أني سائقه الخاص!'
وضع ريو قفص ويقل بينت- بتر في المقعد الخلفي وعندما أرادت يومي الالتفاف إلى ناحية السائق لاحظت أن ريو متجمدٌ بوضعية غريبة، يده على مقبض الباب لكنه لا يتحرك، نظرت إليه وقالت: "ما الخطب هل نسيت شيئًا؟"
فتح ريو فمه وأغلقه وعلى وجهه نظرة من الرعب الخام، رمقته باستغراب ثم حدقت إلى يده حيث كان ينظر وهو جاحظ العينين، فوق كفه كان هنالك نحلة صفراء صغيرة، "أوه، ألا تحب النحل؟"
قالت وهشتها ببساطة فطارت النحلة واقتربت من ريو...لحظيًا تحول وجهه للون البنفسجي، "إلهي أتخاف منها لهذه الدرجة؟"
أمسكت بيده وأبعدته، وقفت أمامه بإطارها القصير وهشت النحلة مجددًا وهي تقول: "ابتعدي شو إنه ليس زهرة، صدقيني قضمة واحدة وستصابين بالتسمم."
أخيرًا طارت النحلة بعيدًا ولفحها الهواء تجاه أحد المحال، التفتت يومي إلى ريو فوجدته يتصبب عرقًا وصامتًا مثل تمثال حجري، قطبت، لا يعقل أن السبب في خوفه هو ما حدث ذلك اليوم...مسح العرق عن جبينه بكفه المرتعش ...صحيح؟!
"أنت بخير؟ هل تتنفس؟" حركت اصبعين أمام وجهه، "هل تستطيع رؤيتهما؟"
صفع ريو يدها وقال: "أنا بخير." دلف إلى السيارة وجلس خالفًا قدمًا فوق الأخرى كأنما لا شيء حدث.
جلست يومي خلف المقود أعادت السيارة للوراء وهي تنظر عبر المرآة الأمامية، قالت: "إن أصدقاءك ما يزالون يتبعوننا..."
أعادته جملتها تلك إلى أرض الواقع، التفت إلى الخلف وبالفعل كانت سيارة الياكوزا السوداء تتبعهما كما العادة، جزء منه بات لا يلقي بالًا لهم لذا لم يبدُ عليه التفاجؤ، حدجته يومي بنظرة منزعجة وقالت: "ألا تنوي تسوية هذا الأمر؟"
"امهمم" واضعًا خده على كفه رد دون اهتمام فدورت عينيها، "إن حدث لك شيئًا ما سأتبرأ من معرفتي لأيٍ من هذا!"
"امهمم" أجابها مجددًا فضيقت عينيها تجاهه وبغيظ قالت: "بالمناسبة أنا لستُ سائقك الخاص ألا يفضل الشبان في العادة أن يقودوا بأنفسهم؟!"
"أنا لا أحب القيادة."
"إذَا لم لا تعين سائقًا؟"
"لا أحب أن يقود لي أحد."
رمقته بنظرة غير مصدقة، "أنت جاد؟ حقًا؟"
"امهمم"
أطلقت يومي نفسًا عميقًا وطلبت من نفسها التركيز على الشارع، نعم قودي فقط وأنت ساكتة وإلا ستصابين بنوبةٍ قلبية وسيكتب في الجرائد غدًا أن وريثي شركة فوجيتسو ماتا في حادثٍ مؤسف.
بداخل المحل التجاري وضع ريو ويقل بينت-بتر عند الاستقبال مع حقيبة حاسوبه المحمول بعد ذلك التفت إلى يومي وقال: "هل نحن ذاهبين لوجهة معينة؟"
"نعم، محلٍ في الطابق الرابع، لطالما أردت الذهاب إليه وهذه فرصة مثالية."
"تذكري أننا هنا من أجل الهدية،" رفع تجاهها حاجبًا مشككًا فدورت عينيها، "أعرف، إنه محل هدايا!"
"ليس محلًا به فساتين زهرية؟" قال بازدراء وهو يرمق فستانها الوردي بنظرة منزعجة، استدارت حول نفسها فرفرفت أطراف الفستان من حولها، حدق بها المارة وضحكوا عليهما، احمر وجه ريو وقال: "إن تصرفتي هكذا مجددًا فسأترككِ ورائي!"
"هاه تذكر أنك من يحتاجني!"
"لن أضحي بسمعتي من أجل هدية."
"ستضحي بحياتك حينها فالسيدة آيري ستقتلك حتمًا."
توقف ريو في مسيره فجأة فارتطمت يومي بظهره، دلكت جبينها وقالت: "هايّ! لماذا-"
"من أين تعرفين والدتي؟"
"هاه؟"
"أنا لم أخبركِ أن والدتي تدعى السيدة آيري."
أوه تبًا يومي كم أنتِ غ*ية!
"ما الذي تقوله؟ إن علاقتي بالسيد سايرس جيدة بالطبع أعرف عن السيدة آيري وشيزوكو،" تابعت المشي أمامه وهي تتظاهر بعدم الاهتمام، رمقها بنظرة فاحصة طويلة فابتلعت ريقها وأضافت: "إن شيزوكو تبدو لطيفة لا أعلم من أين أتيت أنت."
أدخل ريو يديه في جيب بنطاله الأسوَّد وتابع المشي وهو يفكر أنها لم ترهما وهما يتحدثان عن موت البطلة ذلك اليوم، قال لطيفة قال! لطيف ويقل بنت-بتر.
كان المحل التجاري يقع في الجزء الصاخب من المدينة لذا يعج بالزوار، امتلأت الممرات بالعائلات والأطفال وكانت كراسي المقاهي والمطاعم محجوزة بالكامل، الطابق الأول اختص بالماركات العالمية المشهورة، واجهاتها زجاجية لامعة وعرضت وراءها الملابس والحقائب بطريقة راقية، أما الطابق الثاني فاختص بالترفيه، احتوى حلبة تزلج ودور سينما وصالة للبولينق، والطابقين الثالث والرابع فكانا مملؤان بمحلات الأثاث والهدايا.
راقب ريو أحد الأطفال يجر والدته ناحية محلٍ للحلوى فابتسم، كانت مثل هذه الأجواء الحيوية تعجبه، أن يجلس في ركنٍ ويراقب الحركة الرتيبة للحشود، الجانب السعيد من حياة مليئة بالمشغوليات في العادة.
انتبهت يومي لمزاجه الجيد ورفعت نظرها من الهاتف، اهتز بيدها مجددًا فنظرت إلى اسم المرسل، رسالة جديدة من "خطيبها"، كان غاضبًا ويعاتبها بطريقة غير مباشرة على إلغاء موعدهما الأخير، أرسلت له ردًا مع وجوهٍ معتذرة كثيرة وقلبٍ وردي فأعاد إرسال القلب إليها وهو م**ور، ضحكت، نظر إليها ريو وقال: "ماذا بك؟"
"آه فقط أفكر أن كل الشبان الذين أعرفهم قساة القلوب أيًا كان عمرهم."
"ألم تفكري من قبل ربما أنتِ من يستحق القسوة؟"
ضيقت عينيها تجاهه بضغينة فابتسم قليلًا وأشاح بوجهه، وقع نظره على محل "كوفي بينز"، كانت رائحة القهوة القوية تفوح في الجو مع نكهة الق*فة والكراميل.
"دعنا نشرب بعض القهوة قبل الذهاب للمحل."
لم تعطه فرصة للرد وجذبته من يده إلى الكاونتر، وقفا أمام القائمة وسألت: "ماذا تريد أن تطلب؟"
"اسبريسو." أجابها فورًا ومن دون تفكير.
"ألا تشرب شيئًا غير القهوة السوداء والاسبريسو؟ يا رجل لا تكن كئيبًا هكذا!"
زمت البارسيتا شفتيها وهي تحدق بهما محاولةً كتم ضحكتها، انتبه ريو لها، عقد يديه أمام ص*ره وقال: "حسنًا لا بأس، اختاري أنتِ إذن."
وفوريًا الابتسامة العريضة التي شقت وجه يومي جعلته يندم على قراره، من دون النظر إلى القائمة قالت للباريستا: "أريد مشروبيّ كوتن كاندي هورشاتا لاتي."
"هل هذه لغة شعوذة؟"
مع سؤال ريو البرِئ ضحكت الباريستا، أدخلت الطلب في الجهاز وقالت: "دقيقة واحدة ويكون جاهزًا."
"لا تحرجنا يا رجل الكهف! هذه القهوة هي المميزة لمحل كوفي بينز."
"حقًا؟ لماذا ليس اسمها كوفي بينز إذًا؟"
دورت يومي عينيها وشعرت بأنه لا جدوى من الحديث مع هذا الشخص القادم من الملينيا السابقة، تناولت الكوبين من الباريستا، شكرتها ثم أعطت أحدهما لريو.
نظر ريو ناحية الكوب الشفاف المتدرج بألوانه من البنيّ الغامق حتى الكريمة البيضاء المكومة أعلاه ورمق يومي بنظرة مشككة، شفطت من قهوتها عبر القشة وقالت: "لو أردت اغتيالك كنتُ سأختار طريقة تكلف مالًا أقل."
أزال الغطاء وأبعد القشة ثم أخذ رشفة انتحارية، والغريب في الأمر أنه استساغ الطعم، لم يكن سكره كثيرًا كما توقع لكن به طعمًا حلوًا، أومَأ برضا وقال: "ليس سيئًا،" بعدها رمقها بنظرة مشئمزة وأضاف: "أزيلي هذه القشة، من يشرب القهوة عبر قشة؟!"
"آه ذكرتنيّ!"
باحترافية وسرعة بدت لريو غير بشرية أخرجت يومي هاتفها والتقطت عدة لقطات للكوب من اتجاهات عدة، اختارت أفضل صورة منها ثم حملتها في تطبيق انستجرام مع هاشتاقات: #كوتن_كاندي_هورشاتا_لاتي #أموال_الرئيس_طعمها_رائع #صلح_الحرب_الباردة #محاولة_اغتيال #جمعية_شرب_القهوة_عبر_القشة
هزّ ريو رأسه وقال: "عندما أرزق بأطفال لن أشتري لهم هواتف محمولة."
وهي تطرق على الكيبورد قالت: "هاه هذا على أساس أنت من سيقوم بتربيتهم، صدقني هم من سيقومون بتربيتك...أنت لا تعرف شيئًا عن الأطفال."
"وأنتِ تعرفين؟"
أدخلت الهاتف إلى جيب فستانها وقالت: "أكثر منك بأي حال."
"لد*كِ أشقاء صغار؟"
"لا، ابنة وحيدة تحوز على كل الدلال."
أخذ شفطة قال بعدها: "هذا يفسر الكثير."
"ما الذي تعنيه بذلك؟"
"أين هو المحل؟ أرغب في العودة قبل السادسة لإكمال عمليّ."
"قاتلٌ للمرح..."
وقفا في انتظار المصعد، تابعت يومي الشفط من قهوتها عبر المقشة أما ريو فأكمل كوبه وألقى به في سلة المهملات المصفحة.
قادته إلى محلٍ ذو واجهة زجاجية ضخمة، من ورائها بدت العديد من الصناديق والتحف مرصوصة على رفوفٍ من خشب المهوقنيّ اللامع، كانت الرائحة العطرية للمحل قوية، خليطًا من الورود المجففة والخشب، رن الجرس ما إن دخلا إليه.
اقترب منهما صاحب المحل، كان رجلًا عجوزًا يرتدي سترة رسمية، تدلى من جيبه ساعة جيب قديمة كالساعة التي يبحث عنه الأرنب في أليس من بلاد العجائب، كان الطابع العام للمحل يشبه القصص الخيالية القديمة، به العديد من المجسمات لبيوتٍ خشبية صغيرة وعلب مجوهرات بحواشي من القماش ذات أشكالٍ هندسية.
"كيف استطيع خدمتكما؟"
"آه نود أن نلقي نظرة أولًا..." قالت يومي بابتسامة، أومَأ الرجل ناحيتها وقال: "خذا وقتكما." ثم انسحب عائدًا أدراجه.
التفتت يومي ناحية ريو وقالت: "هل تحب شيزوكو أشياء الفتيات؟"
"تعنين مثل هذه الصناديق؟" أشار لصناديق مجوهرات بيضاء مرصوصة فوق طاولة تجميل عتيقة.
"نعم، مثلها أما ربما تفضل الأشياء الرياضية أكثر؟"
"أعتقد أنه ستحبها، لديها صندوق قديم تضع فيه أقراطها المفضلة."
"ما هو لونها المفضل؟"
همهم ريو مع نفسه وهو يفكر بعمق، حاول أن يتذكر اللون الطاغي في غرفتها والملابس التي ترتديها عادةً، أضاءت عينيه وقال: "الأزرق. إنها تحب اللون الأزرق الفاتح."
رفعت يومي إبهامها: "ذوق أختك رائع، أخبرتك، لا أدري من أين أتيت أنت."
"أحضرني لقلق من وراء البحار."
تجمدت تعابير يومي مدةً من الزمن ثم انفجرت ضاحكة، رفع تجاهها حاجبًا باستغراب فما قاله لم يكن مضحكًا لتلك الدرجة.
مسحت أطراف عينيها وما يزال على وجهها باقي ضحكة: "أنتما بالفعل صديقان..."
"نحن؟"
"انسَ الأمر...سيدي لقد قررنا ما الذي نريده."
"متى قررنا؟"
وقبل أن يكمل احتجاجه اقترب منهما الرجل العجوز ذو السترة، تحدثت معه يومي فقادها إلى إحدى الخزانات في الخلفية، بدت أنها تعرف ما تريده لذا تركها ريو تفعل ما تشاء وتآمل المحل من حوله، وقف أمام مجسمٍ صغير لكوخٍ خشبي ولمسّ دمية صبي كانت مثبتة أمام الكوخ، جلس الصبي على أرجوحة أسفل شجرة كبيرة وبدا سعيدًا وهو يلعب، لاحظّ أنه وراء نافذة الكوخ كان هنالك صبيٌّ آخر، يقف وحيدًا كما لو أنه يراقب الصبي في الأرجوحة بحسد... بدا المجسم له كئيبًا بالرغم من ألوانه المبهجة ودقة صنعه، لماذا لم يثبت الصبيان بداخل الكوخ معًا أو بخارجه معًا؟ فكر...هل كان على أحدهما أن يُترَك وحيدًا؟