......فردت دهب ذراعيها وهي تتمطى فوق الفراش بجسدها الذي عرف معنى الراحة التي حرم منها منذ وقت طويل، و بعد ان استيقظت فتحت عينيها تجوب ارجاء المكان، تنبهت لنفسها ان نور الصباح يملأ جنبات الغرفة، مدت بسرعة يدها لهاتفها القابع فوق الكومود فشهقت بصوت عال عندما وجدت نفسها انها نامت الى ما بعد الظهر بقليل، ازاحت الغطاء من فوقها ووثبت من فوق السرير واسرعت بخطواتها خارج الغرفة، ليصل الى مسامعها اصوات عالية تعجبت قليلا منها، ازاحت بالستارة لتجد الصالة مملؤة عن اخرها بنساء مرتديات جلباب البيت منهن من جالس ارضا وأمامهن اواني واسعة ممتلئة بانواع مختلفة من الطعام كالباذنجان والفلفل والارز، ومنهن من يدخل ويخرج من المطبخ وكذلك اطفال صغيرة تجري هنا وهناك وتحوم حولهن كالنحل الذي يريد ارتشاف المزيد من غذاء الزهور..
ارتفع حاجبي دهب عاليا امام هذا المشهد الغفير بالنساء، اجفلها فاطيما عندما وقفت امام وجهها فجأة وهي تقول بصوت ضاحك
"صباح الخير بالليل ايتها ال**ولة"
رمشت دهب عدة مرات وقالت وهي تشير بيدها لكل تلك النساء
"ماذا فاطيما، ما كل هؤلاء وماذا يفعلن كلهن بصالة بيتكم"
ضحكت فاطيما لوجه دهب ثم اخفضت عينيها تنظر لطبق الارز الذي بيدها واخذت تبحث باصابعها عن شائبة من بين حبوبه الصغيرة وقالت بصوت ضاحك
"انه يوم الثلاثاء حبيبتي"
قطبت دهب جبينها وقالت بتعجب متسائلة
"وما به يوم الثلاثاء، هل هو يوم اعتصام المراة العالمي هنا عندكم"
.صدح صوت ضحكة فاطيما عاليا وقالت وهي تشير للاواني القابعة ارضا
"بل هو يوم المحشو واللحم العالمي حبيبتي، انها عادة منذ ايام ابي رحمه الله، كان هو وكل رجال الحارة ميسوري الحال، يشترون اللحم وحاجيات المحشو، ونقوم بطهيهم، ليتم توزيعها على اهالي الحارة جميعا من اصغرهم لاكبرهم، وكل هؤلاء السيدات من اهل الحارة يساعدون في طبخ اللحم والمحشو، هيا هيا، تعال معنا لتساعدينا"
اختفت فاطيما من امام دهب قبل ان تعترض او تنطق بكلمة ككلمة
"لكن انا....."
رفعت دهب يدها لتشير لفاطيما ولكنها تفاجئت بجونير الطفلة الصغيرة ابنة سيف وهي تشد طرف جلبابها من اسفل، مالت دهب بجذعها لجونير التي فتحت راحة كلتا يديها الصغيرة الممتلئة بقطع صغيرة من الحلوى وقالت بصوت يشوبه الكثير من الحماس والفرحة الطفولية
" دهب، هل رايت الحلوى خاصتي، لقد جمعتهم من اطفال الحارة مقابل اطعام السمكة خاصتك، السمكة نونة"
اتسعت عين دهب عن اخرهما ورفعت راسها ناحية الدورق الذي كان يلتف حوله اطفال لم تعرف عددهم من كثرتهم، شهقت و اسرعت ناحية الدورق ومالت بجذعها لتنظر لسمكتها المسكينة التي امتلئت بطنها عن اخرها وتتحرك ببطء شديد بارجاء دورقها الصغير
كادت دهب ان تدمع عينيها حسرة على سمكتها المسكينة، فأمسكت بالدورق دون ان تنطق بكلمة ومشت بخطوات هادئة ناحية الغرفة دون ان تعر أي انتباها لصيحات الاطفال الاعتراضية، دخلت دهب للغرفة وجلست فوق الفراش بالدورق القابع بحجرها، اخذت تنظر امامها بعيون دامعة ولكنها انتبهت لصوت جونير التي وقفت بقبالتها وهي تقول بصوت يشوبه الكثير من البكاء و الحزن
"دهب، هل انت غاضبة مني"
بإبتسامة حزينة ارتسمت فوق شفتي دهب التي رفعت يدها تربت فوق وجنة جونير برقة قائلة
"لا حبيبتي، لست غاضبة منك ابدا، وهل يجرؤ احد ان يغضب من ملاك جميل رقيق مثلك"
ابتهج وجه جونير وقالت وهي تنظر للسمكة وقالت بعفوية ضاحكة
" انظري لنونة، لقد اصبح لها كرش مثل عم محمود صاحب محل الحلوى"
ضحكت دهب ضحكة خافتة ثم اخفضت راسها تنظر بدورها للسمكة وقالت بصوت هادئ
"..نعم جوجو، لقد اصبح لها كرش، ولذلك حبيبتي يجب ان تطعميها مرة واحدة بالصباح ومثلها بالمساء وفقط بضعة حبيبات صغيرة، حتى لا تمرض، هل فهمتي حبيبتي"
هزت جونير راسها بالايجاب وهي تبتسم لها ببراءة، دخلت فاطيما وهي تزفر بضيق قائلة
"هيا دهب تعال معي، ثرثرة النساء بالخارج اصابتني بالدوار، ارجوكي قفي معي لترحميني منهن و من اسئلتهم التي ليس لها نهاية"
وقفت دهب وقالت متلعثمة وهي تضع الدورق فوق الكومود
"ولكن فاطيما عذرا لك، انا، انا سوف ارحل من هنا، سأرتدي ملابسي و ارحل على الفور، يكفي اثقلت عليكم كل هذا الوقت"
تاففت فاطيما وقالت وهي تمد يدها ليد اسماء تسحبها ورائها
"هذا الحديث الفارغ تقوليه لأمي نازلي هانم او لأخي سيف رجل هذا البيت، اما لو كان علي انا فلن اتركك ابدا ترحلين من هنا"
لم تعر فاطيما اي انتباها لاعتراض دهب المتواصل خلفها وقالت فاطيما بصوت قوي وهي تضع بطبق الارز بين يدي دهب
"لينتهي عمل هذا اليوم اولا ثم بعد ذلك انت حرة، ولو اني اعرف جيدا ان أمي لن تجعلك تذهبي الى اي مكان"
تن*دت دهب باستسلاما لما يحدث لها وحولها وارضخت لامر فاطيما وبدات بمساعدتها بكل ماتطلبه منها
كانت نور جالسة بجانب نازلي والدة سيف تحشو الباذنجان ولكن كان الحزن يرتسم واضحا فوق صفحة وجهها بوضوح جعل نازلي تقلق عليها وهي تسئلها بحب
"ما بك نور، لما انت حزينة هكذا حبيبتي ؟!! هوني على نفسك، ستكون الامور ان شاء الله بخير"
اماءت نور براسها بحركة هادئة وهي تحاول ان ترسم فوق شفتيها ابتسامة باهتة، نظرت لوالدتها التي كانت تجز باسنانها غضبا وغيظا من ابنتها ال**بسة فصاحت لنازلي قائلة بعصبية
"ابنتي واعرفها جيدا يا نازلي، انها تتدلل امامك ليس بها شيء، فهي كما تريها مثل الحصان"
اخفضت نور راسها لاسفل لتكمل ماتفعله و هي تحاول بشق الانفس ان لا تنزل دموعها امام من حولها، ربتت نازلي فوق كتفها وقالت بصوت هادئ
"هيا ابنتي، خذي تلك الصينية واذهبي لبيت ام ابراهيم، تعرفين انها عاجزة ولن تستطيع ان تاتي لهنا لتاخذ نصيبها من طعام اليوم، هيا حبيبتي"
وقفت نور وبعد ان غسلت يدها قامت بحمل الصينية واثناء نزولها السلم وجدت من يقف و يعترض طريقها، فما كان الا حسن كعادته معها منذ صغرهم، رفعت راسها لتتقابل اعينهما فقالت بصوت حاولت ان يكون حادا
"قلت لك حسن اكثر من الف مرة ان تبتعد عن طريقي، ولا تحاول ان تتحدث معي"
لم يعبئ حسن بإعتراضها وكلماتها الخشنة، كان كل ما لفت انتباهه ذاك الجرح، فرفع اصبعه ليلمس بجانب شفتيها الجريحة وقال غاضبا وهو ينظر اليها بقوة
"هي من فعلت بك هذا، اليس كذلك؟؟ "
لم تدري نور بنفسها الا ودموعها تغرق وجهها الحزين بعد ان اشاحت به جانبا وقالت بصوت خافت
"ارجوك حسن دعني امر، ولا تتدخل بحياتي، وكما قلت لك دعني وشأني، امي لن ترحمني اذا راتني اتحدث معك"
تن*د حسن بضيق ومد يده اخذ الصينية وقال لها غير عابئ بما قالته
"لمن تلك الصينية؟ "
مسحت وجهها وأشارت ناحية الحارة، ثم اجابته دون ان تنظر اليه
"للخالة ام ابراهيم التي تسكن بأخر الحارة"
التفت واتجه ناحية باب البيت حاملا الصينية ثم استدار لها وقال بصوت قوي
"اذهبي لبيتك نور و ارتاحي، انا اعلم انك لن تستطيعي تكملة يومك وانتي مرهقة ومتعبة هكذا، وإعلمي ان ماحدث لك على يد والدتك لن يتكرر ثانيا، اعدك بذلك"
رمقت نور ظهر حسن وهو يخرج من البيت وبدون ان تعي ابتسمت وشعرت بقلبها ينبض بقوة، تمنت لو ان ما وعدها به يوفيه وان بالنهاية لن يكون غير ص*ره تحتمي به، اذدردت ريقها بصعوبة عندما صاح عقلها باستحالة ذلك خاصة وان والدتها من المستحيل ان توافق عليه، تن*دت بيأس وعاودت الصعود لشقة خالتها نازلي متمنية ان تعتقها والدتها من اي مهام ثقيلة على قلبها
_خرج حسن من البيت وهو يلعن بداخله تلك التي مدت يدها وجرحت وجه حبيبته واقسم ان ماحدث لن يحصل مرة ثانية والا سوف لا يراع اي اصول وسوف يذهب لوالدة نور لكي تنال منه ما يجعلها تحرم رفع يدها لوجه ابنتها مرة اخرى
اثناء ذلك ومع بداية منتصف اليوم حتى نهايته وتوزيع صوان الطعام على اهالي الحارة، جلست دهب فوق كرسيها بالمطبخ تزفر بأريحية لانتهاء اليوم بسلام ولكن ما حصل لم يكن بالحسبان لديها عندما تعثرت احدى السيدات امام دهب فوقع بحجرها بقية حشو المحشو، شهقت دهب بصوت عال وهبت واقفة بعد ان اتسخ جلبابها تماما، لم تسمع اعتذارت السيدة التي وقع منها الطبق فقد اخذت تحاول تنظيف جلبابها ولكن بدون فائدة، اسرعت فاطيما ولحقت بها وهي تقول
"حصل خير دهب، تعال معي للحمام تعال"
وجدت فاطيما الحمام مغلق من الخارج لوجود من يشغله، فقالت بعد ان زفرت بضيق
" لننزل اذا تحت بشقة سيف"
صاحت دهب باعتراض
"و لكن، لا فاطيما"
اجابتها بصوت هادئ لطمأنتها
"لا تقلقي دهب، سيف لا يرجع من المحل الا بعد صلاة العشاء"
نزلا الاثنتان للطابق الاول، ودلفا للشقة فقالت فاطيما
"ادخلي انت للحمام واغتسلي وسأتي لك بجلباب اخر، هيا"
مطت دهب شفتيها بضيق وارضخت لامر فاطيما على مضض وتركتها تصعد لشقة والدتها، دلفت فاطيما للغرفة واخذت تبحث بحقيبة دهب عن جلباب نظيف ولكنها وجدت ان كل ملابسها متسخة وتحتاج للغسيل، وقبل ان تفتح دولابها لتاخذ منه جلباب خاص بها لتعطيها اياه، صدح رنين هاتفها عاليا نظرت لشاشته فوجدته زوجها مصطفى، ارتسمت ابتسامة رقيقة فوق ثغرها وهي تضغط فوق شاشته، ثم قالت بصوت يشوبه بعض الضيق الزائف
"نعم حضرتك، ماذا تريد الان؟!"
ضحك مصطفى وقال بصوت خافت
"اشتقت لعقابك فاتنتي"
تخضب وجهها بالاحمرار وشعرت بالسخونة تلهب وجنتيها فقالت بصوت جاد
"تأدب مصطفى، كيف تقول ذلك امام الزبائن"
عاود مصطفى الضحك بصوت عال وقبل ان يجيبها، تراءى لمسامع فاطيما صوت ناعم مائع تعرف صاحبته جيدا وهي تقول لمصطفى
"تيفا، يابن خالتي، كيف حالك، انا وخالتك اشتقنا لرؤياك ابن خالتي"
ارتسم الغضب بوجه فاطيما بعد ان صعد الدم براسها، نظرت لشاشة الهاتف ثم وضعته مرة اخرى فوق اذنها لتستطرق السمع بأكثر دقة، فوجدت مصطفى يقول لها بصوت هادئ قوي
"حسنا فاطيما ساغلق الهاتف الان وساعاود الاتصال بك لاحقا حبيبتي، سلام"
فتحت فاطيما فمها لتصرخ به ولكنها تفاجئت بزوجها يغلق الهاتف، رمت الهاتف فوق الفراش واخذت تبحث بعينيها عن عبائتها وهي تقول بصوت غاضب
"ساجعل لون يومك انت ياسي تيفا وتلك الرقطاء اكثر سوادا من ريش الغراب، تدعوك تيفا، حسنا حسنا، سنرى يا روح تيفا"
_تاففت دهب من طول انتظارها لفاطيما بعد ان انتهت من اغتسالها، شعرت بقشعريرة تسري بجسدها، فركت ذراعها وهي تبحث بعينيها على اي شيء ترتديه، وجدت قميص سيف معلق بباب الحمام، فهمست لنفسها بيأس واضح بنبرة صوتها
"اوووف، انا اتجمد من البرد ولا يوجد غيره ماذا افعل؟؟ سارتديه والامر لله"
مدت يدها له وقامت بارتدائه بعد ان قامت باغلاق زرين فقط من ازراره، شعرت ببعض الدفئ يسري بجسدها واخذت نفسا عميقا مشبعا برائحة القميص الذي التفت حول جذعها، شعرت بذبذبات تداعب جدار قلبها من اثر تلك الرائحة التي انعشتها وجعلتها تهمس براحة قائلة
"عطره حلو، ام ياترى هذه رائحة عطره الممزوجة بعرقه"
تأففت من نفسها وهي تقول بنزق وعتب
"احترمي نفسك دهب وتأدبي، الرجل متزوج ولديه طفلة، صحيح انا لا اعرف اين زوجته وهل هي موجودة ام لا، ولكن ذلك لا يعطيني الحرية ان افكر به هكذا"
فتحت باب الحمام فتحة صغيرة مواربة وخرجت براسها فقط تنادي بصوت عال
"فاطيمااااا"
لم تجد من يجيبها، فخرجت من الحمام بخطوات بطيئة وراسها تلتفت بها يمينا ويسارا وهي تتمعن بأثاث الشقة القليل والذي يتسم بالبساطة الشديدة، اتجهت لباب الشقة ووقفت بجانبه منتظرة فاطيما تاتيها بملابسها، سمعت المفتاح يدب بالباب ويفتح امامها فصاحت بصوت عال يشربه الكثير من الضيق
"لماذا تاخرت فاطيما كل هذا الوقت لقد......"
اتسعت عينيها ذعرا عندما وجدت نفسها امام سيف الذي ينظر اليها مذهولا مشدوها متمعنا بجسدها من اخمص قدميها العارية حتي شعر راسها المبتل المنثور حول كتفيها، وقبل ان تصرخ بعلو صوتها........