......تيقنت فاطيما بداخلها ان ماتفوهت به مؤخرا قد آلمه بالفعل ومس رجولته كزوج، عضت شفتيها وهي تجلس تضع وجنتها فوق يدها تؤنب نفسها وتبحث بعقلها كيف تقنع زوجها انه هو الوحيد بالعالم حبيبها وسندها وامانها وكل حياتها وانها لم تقصد ابدا ما قد استوعبه عقله من كلماتها التي تتصف حقا بالحماقة....
_أما ببيت سيف فقد دلف حسن بمدخل البيت فوجد سيف يستند بظهره على الحائط مكتفا ذراعيه وينظر ناحية السلم، اتجه حسن ناحيته وقال مستفسرا وهو ينظر لما ينظر اليه سيف
"ما بك سيف؟! لماذا تقف هكذا؟ لقد ذهبت للمحل فلم اجدك، وعندما سألت عنك، قالوا انك كنت تتكلم عبر الهاتف وغضبت بشدة اثناء حديثك وتركت المحل مسرعا الى هنا، خيرا ان شاء الله هل في شيء"
تن*د سيف ونظر الى حسن وقال
"لا شيء حسن لماذا جئت لرؤيتي، هل يوجد شيء هام"
ذم حسن شفتيه للامام ثم قال وهو يضرب قدمه بحصى ما مرمية ارضا به
"اريدك سيف ان تأتي معي لوالد نور، اريد ان اطلب يدها منه، واريدك معي انت بالذات لكي تتيقن امها بأن الامل بك اصبح مستحيل"
ربت سيف فوق كتف حسن بقوة وقال مهدئا اياه بصوت قوي هادئ
"حسنا سأتي معك، ولكن هل انت متاكد من تلك الخطوة، امامك المشوار طويل يا حسن، وعائلة نور بل بالاخص والدة نور لن تصبر عليك كثيرا لاتمام الزواج"
قام حسن بالرد عليه بصوت قوي
"اعلم ذلك سيف، لقد هاجر اخي بعد موت ابي ولم يتبقى سواي انا وامي واختي الصغيرة، ولكني ساقوم بفتح المحل القديم وتجديده، والله المستعان يا صديقي، انا كل ما هنالك واريده ان اضمن ان نور لي بالنهاية واغلق على امها اي طريق تستطيع من خلاله ان تنفذ منه لك او لغيرك"
ابتسم سيف له وهز راسه بالايجاب وخرجا الاثنان من البيت باتجاه محل سيف الذي قال
"حسنا حسنا سآتي معك ولكن غدا، فاليوم حنة هناء ومحمود، فلنحتفل معهم و*دا ان شاء الله نذهب لأبو نور"
هز حسن راسه مبتهجا بعد ان انف*جت اساريره بدعم صديقه له في تلك الخطوة الهامة وسار معه بحماس استعدادا لخطوته القادمة غدا ببيت نور
_ وفي اثناء ما كان يحدث كانت قد صعدت دهب السلم مسرعة، و ما ان خطت داخل بيت الخالة نازلي التي شهقت بصوت عال فور ان راتها بحالتها تلك المبعثرة وهتفت وهي تضرب ص*رها بيدها
"بسم الله ماذا حصل معك ابنتي، وما تلك الملابس التي ترتديها؟!!"
وقفت دهب تلهث امامها وهي تقول بغضب
"ساحكي لك كل شيء في وقت اخر خالتي نازلي"
لم تستطع دهب ان تذهب لغرفتها كانت حالة الغضب والغيظ التي انتابتها من تحكم وسيطرة سيف عليها قد فاض الكيل بها منه فهدرت غاضبة امام الخالة نازلي قائلة
"سيف ابنك خالتي، لقد تخطى و بكل بصفاقة حدوده معي الى اقصى حد من الممكن ان تتخيليه، قولي لي خالتي، من هو، ها، من هو ليحاسبني اذا خرجت بدون اذنه، لاااااا بل و الادهى من ذلك يحاسبني على ما ارتديه ايضا، حتى وصلت به درجة الجرآة معي لكي ينذرني بأنها المرة الاخيرة التي اخرج فيها من بيته بدون اذنه اولا، هل تصدقين خالتي ما فعله ابنك معي، من هو، ها، من هووو؟؟؟؟؟"
و ما ان انتهت دهب من ثورة غضبها و غيظها حتى اخذت الخالة نازلي تضحك بعلو صوتها و بدأت تربت و تحاوط كتف دهب بذراعها وتمشي بها ناحية الاريكة ليجلسا سويا فوقها
"اهدئي حبيبتي، هكذا هو سيف ابني، يغار على اهل بيته كثيرا"
هبت دهب واقفة وقالت بعصبية وهي تضرب الارض بقدمها
"و لكني لست من اهل بيته خالتي، انا هنا كضيفة غريبة، وسارحل في غضون عدة ايام لا اكثر من ذلك"
زمت نازلي شفتيها وقالت وهي تؤنبها بعتب واضح بنبرة صوتها
"اهكذا ابنتي، كيف تقولين ذلك يا دهب، انت اصبحت من اهل البيت، وبذلك اصبح سيف مسئولا عنك وعن حمايتك، لا تغضبي منه حبيبتي، هو كان مرتعبا خوفا عليك، لا اعلم ان كنت ستصدقيني ام لا، لن يخطر ببالك ما ان سمع مني انك خرجت من البيت لوجهة لا يعلمها، اعذريه حبيبتي"
شعرت دهب بشعور غريب لاول مرة ينتابها ولا تعرف كيف تصفه هل هو شعور بالسعادة والفرح ام ماذا، لاول مرة تجد من يخاف ويقلق عليها منذ زمن بعيد، اغضبها هذا الشعور من نفسها فكتفت ذراعيها امام ص*رها وقالت غاضبة مغتاظة
"من فضلك خالتي نازلي ابلغي ابنك الفتوة هذا، اني لا احتاج من يخاف علي، و اني ايضا لا اريده ان يتحدث او يتحكم او حتى ينطق بكلمة معي معي بشان خروجي من هنا، وهما يومان فقط وسارحل حاى يستريح تماما من ثقل حمل مسئوليتي كاملا"
تن*دت نازلي باستسلام وقالت بعد ان وقفت و اتجهت ناحية المطبخ
"لا يومان ولا بطيخ، لا رحيل لك من هنا قبل ان اطمئن انا بالاحرى عليك اولا، ومن ناحية سيف ساتكلم معه لكي يخف من حدته و سيطرته معك قليلا، ولو اني اشك في انه سيوافق من الاساس"
اتسعت عيني دهب وزفرت بغيظ و هي تهمس لنفسها بحيرة و يأس
"يا اللهي الصبر، الابن والام معا علي، و لكن انا من سيؤدب هذا الوقح الغاضب"
_و بعد اذان العصر بقليل صدحت بارجاء الحارة اصوات الاغاني الشعبية عبر السماعات الكبيرة التي نصبت بجانب بيت العروس، خرجت دهب للشرفة بعد ان قامت بلف حجاب خفيف حول راسها لتغطي شعرها، خوفا من ان يتهور ذاك المجنون مرة اخرى وتجده فوق راسها، وجدت جدران بيوت الحارة تتزين باللمبات الملونة و الارض المفروشة بنشارة الخشب منثورة على شكل قلبين متلاحمين وبداخلهما اول احرف من اسم العروس والعريس، والاطفال يجرون حولها يلعبون ويرقصون على انغام الاغاني العالية الصوت، سمعت بالخارج صوت الخالة نازلي و هي تناديها
"دهب تعالي"
خرجت دهب لتجد الخالة نازلي ترتدي عباءة سوداء جميلة تتميز حوافها بتطريز من الورود الصغيرة ذات اللون الازرق اللامع، و محاوطها وجهها بحجاب من نفس قماش العباءة والتطريز، اما جونير الطفلة الصغيرة كانت تدور حول نفسها بحماس وفرحة مرتدية فستان زهري زادها جمالا وبراءة، مدت الخالة نازلي يدها الممسكة بعباءة سوداء وقالت بوجه بشوش لدهب
"هيا دهب حبيبتي اسرعي بارتداء تلك العباءة لننزل سويا، سنحضر حنة هناء، هيا لا اريد ان اتاخر على العروس وامها فهما بانتظارنا"
كانت دهب تريد ان تعترض ولكنها رضخت لطلبها فهي تعلم ان لا فائدة من الاعتراض او الرفض، و بعد القليل من الوقت وجدت نفسها بالنهاية تجلس بجانب الخالة بكيزة وبقية سيدات الحارة تصقف مثلهم وتغني معهم، شعرت ولاول مرة بمعني جملة (اللمة الحلوة ) كانت تبتسم وتلوح بيدها لفاطيما التي اتت هي الاخرى ترتدي عباءة زرقاء مطرزة بأحرف ذهبية وفضية وترتدي ذهبها ووشاحا ذهبيا حول وجهها المزين بزينة تناسب الحفل المقام، كانت تتباهى بين سيدات وبنات الحارة وبالأخص لتوحة ووالدتها التي نظرا اليها نظرة حقد وحسد واضح، حاوطت الخالة نازلي بكتفي ابنتها بذراعيها وقبلتها من وجنتها وبدات بتلاوة سورة الفلق خوفا على ابنتها من حسد تلك الحاقدات، بدات العروس ليلتها بارتداء عباءة فضية اللون وزينة تظهر جمالها كعروس، ومع الموسيقي العالية بدات تتمايل بخفة امام صديقاتها فقد حذرها عريسها محمود بالرقص امام الناس، و مع اقتراب المغرب وما ان صدح الاذان بموعده، سكتت السماعات الكبيرة تماما احتراما لاذان الصلاة وبعد اذان الاقامة، بدات الاغاني تصدح من جديد وبالأخص بعد حضور العريس وشباب الحارة، التفت الشباب حول العريس ليرقصوا امامه بحركات شعبية مشهورة، وبعدها اخدت العروس بتبديل ثوبها بثوب صعيدي ووضعت بانفها تلك الحلقة الذهبية، وبدات اجواء الحفل في التوهج اكثر عندما ارتدت العروس و لفت جسدها بساري هندي ذهبي ووضعت تلك العلامة الحمراء بوسط جبهتها والبنات من حولها يرقصون ويتمايلون وهي تبحث بعينيها عن من سيكون زوجها بعد ساعات قليلة لتجده يحذرها بعينينه من الانسياق وراء صديقاتها، زمت شفتيها اعتراضا خفيفا فارسل لها قبلة عبر الهواء بيده، فتخضبت وجنتيها ونظرت للناحية الاخرى تمسك بيد فاطينا التي تتمايل حولها بخفة ونعومة، ارتعبت العروس عندما وجدت مصطفى متجها اليهما ليتأبط ذراع زوجته ويمشي بها بضعة خطوات بعيدا عن زحمة الرقص والراقصين وقال بصوت غاضب بوجه زوجته
"فاطيما، فلتجعلي هذا اليوم يمر على خير، سا**ر راسك ان رايتك ترقصي و تتمايلين هكذا مرة ثانية"
تاففت فاطيما بضيق ووقفت بجانبه تنظر للعريس الذي سحبوه اصدقائه من ذراعه ليرقص مع العروس، فقالت بنبرة صوت ساخرة
"غ*ية يا هنا، يا عيني عليها، الفرحة تنط من عينيها، لا تعلم ما ستراه بعد الزواج، الاحرى بي ان احذرها قبل ان تندم على ما هي مقدمة عليه"
كتف مصطفى ذراعيه امام ص*ره بعد ان امتعض وجهه من حديثها السمج وقال
"هناء فتاة مؤدبة وعاقلة ومحترمة، تعشق زوجها وتحترم وجوده خاصة امام الناس، ولذلك لا تقلقي عليها، ستعيش سعيدة"
شهقت فاطيما و التفتت اليه مغتاظة وقالت غاضبة وهي تقرص ذراعه بكل ماتملك من قوة
"اياك ان تتحدث معي ثانيا، و سابيت هذه الليلة عند امي"
فك مصطفى عقدة ذراعيه و التفت اليها بدوره وقال محذرا اياها بعد ظهر احمرار الغضب بعينيه
"افعليها فاطيما واخطي خطوة واحدة ناحية بيت امك لان عند الخطوة الثانية ستجدين كلتا قدميك م**ورتين، لتقضي ليلتك بالمشفى، هيا،، اريني،، هيا"
تاففت فاطيما ودبت الارض بقدميها واسرعت ناحية والدتها لتجلس بجانبها، فقد ايقنت ان هذه الليلة لن تمر بسهولة ابدا
اقتربت ام العروس من الخالة نازلي وقالت بجانب اذنها وهي تحتضنها
" حفظ الله ابنك سيف يا حاجة نازلي، والله لولا مساعدته لنا لم يكن هذا الحفل سيقام ولو بعد خمس سنين، بعد ان تكفل بمصاريف الحفل كلها، الله يبارك له ويبارك بابنته ويحفظها له حتى يراها عروس امامه"
ابتسمت نازلي بخجل و ربتت فوق كتف ام العروس وقالت بوجه باسم
"حبيبتي، هناء ابنتي مثل فاطيما تماما، ووالدها رحمه الله كان صديق زوجي الحاج بدر الروح بالروح، لا تقولي مثل هذا الكلام مرة اخرى أم هناء، مبارك حبيبتي مبارك"
واثناء مظاهر الحفل المقام كان حسن يبحث بعينيه عن منشودته نور فوجدها تجلس بجانب والدتها التي كانت تنظر شزرا لدهب والتي تحسبها منافسة ابنتها على قلب سيف
سيف الذي لم يحيد بعينيه عن وجه دهب الذي ازداد جمالا وهو محاطا بالوشاح الاسود المطرز حوافه بشريط فضي، و ما ان التقت اعينهما ببعض، حتى غمز لها ليغيظها، فاشاحت بنظرها عن عينيه وهي تتمتم قائلة بغيظ
"وقح وبجح وقليل الادب"
التفتت الخالة نازلي بتعجب وهي تقول لدهب متسائلة
"من هو حبيبتي الذي تشتمينه كل هذه الشتيمة"
تنحنحت دهب وقالت بإحراج و تلعثم ظهر بصوتها
"لا احد خالتي، لا، انا فقط تذكرت شيئا"
صدحت صوت ضحكات سيف عاليا، عندما راى شحوب وجه دهب وامه تتكلم معها بعد ان ايقن انها كانت تشتمه بسرها عندما رأي شفتيها تتحرك بغيظ
_إتجه حسن للشاب المسئول عن وضع الاغاني بالجهاز المتصل بالسماعات وهمس باذنه عن اغنية ما يريد ان يسمعها، فهز الشاب راسه بالموافقة على طلبه، وصدحت الاغنية التي كانت تقول كلماتها
بوسة ع الخد اللي ماطولته وكلامي اللي ماقلته
الحب حاضنه في قلبي معرفش ليه انا مخبي
امتى هقوي قلبي انا امتى معرفش ليه بغنيلك
هموت حبيبي اديلك، بوووووسة
كان حسن يرقص بحركات رجولية شعبية على كلمات الاغنية وعينينه لا تحيد عن وجه نور، لعلها تفهم وتشعر وتحس انه يهديها تلك الاغنية، كانت نور تتشدق بعلكتها كالعادة وتهرب بعينيها بعيدا عنه، تفاجئت بفاطيما تهمس بالقرب من اذنها وتقول بصوت خافت معاتبة لها
"انت ايتها الحمقاء، الرجل يموت عشقا بك، وانت مثل البقرة التائهة عن صاحبها، ليكن بعلمك يا نور ان الست ام فايزة تحارب من اجل الفوز بحسن لإبنتها فايزة، قد انذرتك وانت حرة"
زادت حدة تشدق نوو بالعلكتها بعد ان قطبت حاجبيها تبحث بعينيها عن فايزة وامها فوجدتهما يصفقان بحماس وام فايزة تميل براسها تهمس لابنتها، ضاقت عينيها تحاول ان تفهم بماذا تهمس لها، و اتتها الاجابة سريعا بدخول فايزة بقبالة حسن لترقص امامه
همست نور بحدة وغيظ لنفسها
"هكذا اذا يا فايزة، تريدين سرقته هكذا علنا، والله انا من سيرقص على قبرك ايتها العنزة الجرباء"......