....وبعد انتهاء حفل الحناء وببيت سيف، اقترحت الخالة نازلي على دهب ان يكملا السهرة معا بالجلوس امام التلفاز، بعد تحضير اكواب من الشاي الساخن بجانب الفطائر المحلاة بالسكر، وافقت دهب على الفور وآثرت مشاركتها هذه الأمسية، فجلست هي ترسم و تصمم بعض الموديلات لتنفيذها بمشغل الحاج عبد الله، و كذلك ترسم بعض الاشكال المناسبة للتطريز خاصة لمفارش الخالة نازلي...
واثناء تلك الجلسة الهادئة سمعت دهب رنين رسالة عبر هاتفها فنظرت لشاشته فكانت رسالة من رقم حفظته بإسم الفتوة الوقح، تأكدت ما ان قرأت فحوى الرسالة وهي متسعة العينين ان اسمه على مسمى، فقد ارسل سيف لها رسالة تقول
"اشيائك الحمراوية اللون تؤرق نومي بأحلام قليلة الحياء، اليس لد*ك لون هادئا بعض الشيئ كي يساعدني على النوم دون احلام قليلة الادب مثلك ومثل اشيائك الصغيرة المزركشة تلك"
أطبقت شفتيها قبل ان تخرج شهقتها وسبة لصاحب الرسالة الوقح، نظرت نازلي بتوجس لدهب وقالت متسائلة بعدما سمعت صوتها الخافت و رأت عينيها المتسعة ووجنتيها التي تلونت باللون الاحمر
"ما بك ابنتي، هل حدث شيء ازعجك؟!!!"
رمت دهب الهاتف بجانبها وتنحنحت ثم قالت وهي تكمل رسمتها بالدفتر
"لا شيء خالتي، انها رسالة اعلانية من شركة خط الهاتف"
هزت الخالة نازلي رأسها وعاودت تطريز مفرشها مع معاودة اهتزاز الهاتف مرة ثانية معلنا وصول رسالة اخرى
زفرت دهب بضيق وامسكت بالهاتف كانت تود ان ترميه ارضا ليتحطم قطعا صغيرة
ولكنها لم تستطيع قبع فضولها فقرات فحوى ما أرسله والذي كان يقول
"لماذا لم تجيبي سؤالي، يبدو انك تريدي ان اشتريهم على ذوقي انا، حسنا كما تريدين ذهبيتي"
تأففت دهب بغيظ وهي ترمي بالهاتف جانبها و عندما عاودت الرسم مرة ثانية بدفترها **رت سن القلم بعد ان شوه الرسمة قليلا، فصاحت بغضب وعصبية وبصوت عال
"ا****ة، كله من هذا الوقح"
رفعت بكيزة راسها بعد ما اجفلها صوت دهب فعاودت سؤالها بتعجب اكثر قائلة
"دهب يا ابنتي ما بك، ماذا حدث ؟!"
تن*دت دهب محاولة منها لتهدئة نفسها فقالت بصوت يشوبه التوتر وهي تهرب بعينيها عن عيني الخالة نازلي
"لا شيء خالتي، لقد **رت سن القلم وكدت ان اخرب مارسمته بعد ان تعبت فيه كثيرا"
ضحكت نازلي وقالت وهي تضع بمفرشها جانبا
"دعك من هذا الان واحكي عنك قليلا، وطبعا هذا اذا كنت لا تمانعين، انا لا احب ان اثقل عليك بالحديث"
تنحنحت دهب قليلا وزاغت بعينيها هربا من صاحبة ذاك الوجه البشوش وقالت بعد وضعت بالقلم والدفتر جانبها واستندت بذراعها فوق ظهر الاريكة
"ما رايك انت خالتي بأن تحكي لي عن قصتك الغامضة مع الحاج (بدر الدين) رحمة الله عليه مع العروس الهاربة الا و هي انت، لقد قلتي سابقا بانك سترويها لي لاحقا، وبصراحة خالتي انا اشتاق كثيرا لسماعها"
انف*جت اسارير بكيزة وارتسمت البهجة بملامح وجهها كما باغتتها ابتسامة خجل جعلت وجنتيها تخضب باللون الاحمر، تبدو و كأنها كانت تتمنى من يطلب منها هذا الطلب، لتستعيد به ذكرياتها التي تعيش على اطلالها حتى الآن، وقبل ان تعتدل بجلستها هي الاخرى لتبدا برواية قصتها انتفضا على صوت رنين هاتف دهب، التي ما ان نظرت لشاشته حتى اغلقته تماما لتستريح من ذاك اللحوح النزق، لم تعر بكيزة اهتمامها لرنين هاتف دهب، فقط مدت بصرها لصورة زوجها المعلقة فوق الحائط وقالت وهي تتن*د
"انا يا ابنتي من عائلة كبيرة ثرية، مات ابي وامي وانا صغيرة فقام عمي برعايتنا انا واخي جلال ببيت العائلة بجانب اولاده، وعندما انتهيت من دراستي قرر عمي ان اتزوج بإبنه فؤاد، مثلما قرر بزواج اخي من ابنته فادية، ولكني رفضت واصررت على الرفض لكون ابن عمي هذا بمثابة اخ لي مثل جلال لا اكثر، ولكن عمي اصر، وبيوم الزفاف قررت الهرب، وبالفعل هربت بمساعدة خادمتي وانا بثوب الزفاف، لم اكن اعرف الى اين سأذهب، كل ما فكرت به هو النجاة من تلك الزيجة البائسة التي كنت ساعيش بسببها تعيسة طوال حياتي، و في غياهب ظلام تلك الليلة ظللت امشي وامشي حتى وجدت نفسي واقفة على جانب الطريق افرد ذراعي لأعلى اشير به لتلك السيارة الآتية من بعيد، وقد كان، وقفت السيارة ونزل منها شاب ضخم طول وعرض وعينان تنظر لي بتعجب، وباللحظة التي اقترب فيها مني هذا الشاب شعرت وان حجر طائر اصاب قلبي فأوقعه ارضا مغشيا عليه، تسمرت عيني عليه دون ان انطق بكلمة، فاخذ يلتفت يمينا ويسارا ناظرا للطريق من حولنا ثم نظر وقال لي وهو يلوح بيده امام وجهي
"ماذا، من انت، وماذا تفعلين هنا في مثل هذا الوقت من الليل، عروس تائهة من عريسها ام ماذا بالضبط"
..لم انتبه لنفسي وانا فاغرة الفاه وعيناي لا تحيد عن عينه الزائغة تبحث عن اجابة، فرقع بأصبعيه امام وجهي لأصحو من غيبوبتي، فرمشت عدة مرات وتنحنحت قائلة
"هل من الممكن ان تساعدني، فقط اريدك ان تقوم بايصالي الى اي فندق قريب من هنا"
قطب هذا الشاب جبينه وضاقت عينيه وهو يقول مستفسرا
"ماذا، اي فندق، افصحي اولا، من انت وماذا تفعلين هنا بثوبك هذا"
تن*دت وتأففت وانا اضرب جانبي بيدي وقلت بصوت عال امام وجهه
" كما ترى، أنا عروس هربت يوم زفافها، واريد مساعدتك، هل ستساعدني، ام ترحل دون ان تلقي بوجهي الكثير من اسئلتك المزعجة"
دعوت بص*ري ان لا يتركني ويرحل بالفعل، ولكني وجدته رفع حاجبه تعجبا من حديثي وقال وهو يشير لسيارته
"تفضلي ايتها العروس الهاربة اركبي،لا استطيع ان اتركك هكذا على قارعة الطريق، ستجدين بدل العريس مائة وسيعملون عليك حفلة حتى الصباح، تفضلي امامي، لا اعلم لما المصائب تختارني انا لتقع فوق رأسي من بداية هذا اليوم"
ضحكت نازلي عندما تذكرت نفسها في تلك اللحظة عندما تخصرت امامه وهتفت باعتراض واستنكار
"انا لست مصيبة ياافندي، فلتتفضل انت وشكرا لا اريد مساعدتك"
عاودت نازلي قولها وهي تنظر لدهب بعد ما ضعت يدها فوق ص*رها قائلة
"ارتج قلبي بص*ري عندما رأيته يقترب مني خطوتين وهو يقول من بين اسنانه بصوت غاضب وعينين ضيقيتين،،،،، امشي امامي ولا تطولي بحديثك الابله هذا، لا اريد اضاعة الكثير من الوقت ونحن بهذا المكان، هيا امامي"
..ساعتها ارضخت فورا لقوله بعد ما شعرب بالخوف من نظرة عينيه الثاقبة لداخلي دون استئذان او طلب، وما ان مرت دقيقتين من ركوبي سيارته المتهالكة حتي وجدت نفسي بتلقائية غير معهودة بي قصصت عليه قصة حياتي كاملة منذ يوم ولادتي حتى تلك اللحظة التي قابلته فيها وانا عروس هاربة، لا اعرف لما اطمئننت له واحسست تجاهه بالالفة والامان، وبدلا من يوصلني لأي فندق وجدت نفسي هنا بالحارة بعد ان قال ان عمي سيجدني بسهولة اذا سكنت بالفندق، وانني ساكون بأمان بضيافة والده ووالدته ببيته، وما ان خطوت اول خطوة داخل الحارة بجانب بدر الدين لأجد رجال الحارة واهلها يلتفون حولنا يهللون ببدر وعروسه، وكلمات التهنئة والمباركة تصم اذاننا واصدقاء بدر يرفعونه عاليا فرحين به وبعروسه والتي هي انا، لن انسى طوال حياتي نظرة والده ووالدته عندما دخلت هذا البيت، نظرة تعجب ممتزجة ببعض الغضب والاستنفار، ولكنهما كانا نعم الناس، بعد معرفة حكايتي عاملوني كابنتهما، وذهب بدر ووالده لعمي لكي يجدا حلا لمشكلتي ولكن عمي سامحه الله طردهما وقال لهما، ان ارجع واتزوج ابن عمي او سيحرمني من ميراث ابي وانسى تماما ان لي عائلة، وبالطبع رفضت وظللت ضيفة هنا لثلاثة اشهر وكل اهل الحارة يظنون اني زوجة بدر، حتى وجدت نفسي زوجته بالفعل، بعد قصة حب تشبه ببدايتها قصة مشا**ة بين القط والفأر،،،
ضحكت نازلي عندما تذكرت المشا**ات بينها وبين بدر للفوز بقلبه، نظرت لدهب التي كانت لا تحيد بعينيها عنها وتستمع بكل حواسها لتلك القصة الغريبة، بابتسامة حالمة تزين شفتيها وبعينين يملؤهما بعض الحزن والشجن، انتفضت الاثنتان على اثر طرقات قوية بباب الشقة فأسرعت دهب لفتح الباب لتتفاجئ بسيف الذي ضاقت عينيه ناظرا اليها ثم قال غاضبا بهمس
"كيف تجرؤين وتغلقي الهاتف بوجهي"
توقف عن استطراد حديثه عندما وجد عينيها ممتلئة بالدموع فاقترب منها وهو يتساءل بلهفة
"هل كنت تبكين، ماذا حدث اخبريني"
مدت دهب راسها للامام و هي ترد بنفس الهمس الغاضب
"لا شأن لك، ثم انك تستحق بعد رسالتك الو**ة التي ارسلتها لي بان اغلق الهاتف بوجهك، بماذا كنت تظن يااستاذ، هل كنت ساقوم بالرد مثلا"
اشتاط سيف غضبا وقبل ان يجيبها وصل لاذانهما صوت نازلي وهي تقول
"سيف ماذا تريد، ولماذا تقف هكذا"
صاح سيف بعد ان رفع رأسه عاليا فوق رأس دهب وقال
"لا شيء امي، كنت اطمئن على جونير، تصبحون على خير"
نزل برأسه وقال لدهب بصوت حاد بجانب اذنها متوعدا اياها
"افتحي هاتفك واياك ان تفعليها مرة ثانية والا ستجديني فوق راسك بأي لحظة، تصبحي على خير ذهبيتي"
ذمت دهب شفتيها واغلقت الباب بوجهه، والتفتت ناحية خالتها نازلي وهي تقول بغضب
"سانام خالتي هل تريدين شيئا"
ابتسمت نازلي بخبث وهي تقرأ حالتها العصبية والتي السبب فيها هو ابنها وقالت بهدوء
"لا حبيبتي سلامتك، تصبحين على خير"
تمتمت دهب بكلمات غير مفهومة وهي بطريقها لغرفتها بعد ان تركت هاتفها متعمدة قابعا فوق الاريكة، وهمست بداخلها
"هذا الرجل يحتاج للتربية من جديد".....