الفصل الخامس

3527 Words
جلست سجى على ركبتيها ماحيةً فرق الطول بينها وبين تولين التي لم تتوقف عن طرح أسئلة فضولية لم تستطع سجى أن تجيب عليها، أطالت النظر في وجه تولين الجميلة وشرد عقلها تفكر أن تلك الفتاة لم تأخذ من أمها شيئا، تكاد تكون طفلة بلا أم فهي لا تشبهها ولا تعرفها، انقبض قلب سجى وهي تلمح نوراي ابنتها تقف تنظر لها ولتولين بأعين تحاول استيعاب ما يحدث، فقالت "توتا حبيبتي لماذا لا تلعبين مع إخوتك حتى يعود والدك من الخارج؟" ض*بت الصغيرة قدمها بالأرض وقالت "لا، أريد أن أعرف أين زوزوة والفتيات ولماذا لم نخرج معهن" همت سجى بالرد ليسارع جواد قائلا "أمي أخبري توتا أين هن" قالت والدته وهي تنظر له بغضب "جواد ا**ت أنت" سكت جواد على مضض فقالت سجى "بمجرد أن يعود والدك وعمك مأمون معا سيخبراننا بكل شيء، أظن أن الفتيات خرجن لشراء شيء ما لكنهن ضللن الطريق والشباب ذهبوا لإحضارهن لكن لا تخبري الصغار كي لا يبكوا، هذا سر، الكبار فقط من يعلمونه" نظرت لها تولين بشك وقالت "لكنهم سيجدونهن وسيعودون معا قريبا" مالت سجى تقبل خدها وهي تقول "قريبا جدا، أسرع مما تتوقعين" ظلت الصغيرة تنظر لها كأنها تستشف الحقيقة فقال جواد بإصرار "أمي أخبريها الحقيقة لكي توافق أن تلعب معي، لا تتلاعبي بها" قالت سجى بذهول "أتلاعب بها ؟ **تت للحظة ثم صرخت "جوااااد، لا تتدخل فيما لا يعنيك" رد عليها بحنق "كل ما يخص توتا يعنيني" زفرت سجى بيأس من تصرفات ابنها فقالت بتوعد "جواد" حرك الصغير رأسه بإدراك وقال وهو يسحب تولين "حسنا، لا داعي لتتوعديني أمامها، أمي أنت هكذا تحرجينني، تحركي يا توتا دعينا نلعب" تحركت تولين نحو محسن وأحمد وقمر الذين كانوا يقفون على مسافة ينتظرون نهاية النقاش وجمعتهم ليتهامسوا في دائرة مغلقة كأنها من تقودهم حتى محسن صغيرهم ينظر لها باهتمام ويهز رأسه، زفرت سجى بارتياح حين انتهى التحقيق وتحركت تجاه الحائط الزجاجي الضخم تنظر للبعيد بشرود وعقلها يفكر في السبب الذي يدفع الفتيات للهروب، فقد هربت في الماضي بعد أن خانها زوجها واتهمها بخيانته، كانت الذكريات مؤلمة فتحركت نحو الأطفال تحاول أن تجذب عقلها للبر فالغوص في أطلال الماضي مؤلم بعد ساعة كانت تولين تقف في غرفتها وأمامها آنا تدخل حقائب سفر جهزتها للفتيات بحرص وسرية تامة وهي تقول "هذه الحقائب التي طلبتها السيدة أسمهان، وجميع الأوراق بتلك الحقيبة" نظرت تولين للحقائب بذهول وقالت "كيف كانت تفكر أسمهان؟ كيف سنخرج هذه الحقائب وأين سنضعها؟" لم تعطها آنا اهتماما وهي تدخل باقي الحقائب بهدوء مستغلة أن غرفة تولين تعتبر بعيدة نسبيا عن الممر الرئيسي للطابق متحمسة للمبلغ الهائل الذي وعدتها أسمهان به، التفتت تولين للنافذة التي يتقافز منها حصا ناعم واقتربت بنزق لتجد رائف ينظر إليها بنفاذ صبر ويقول بهمس "الوقت يجري، ماذا تفعلين كل هذا الوقت؟" همست له وهي تشير بيديها "كنت أرتب حقائبي وحقائب كنزي" قال لها بحنق "وهل هذا وقت حقائب؟ أحضري الأشياء المهمة فقط والأطفال ودعينا نرحل" عبست وقالت "جميع أشيائي مهمة لن أرحل من دونها" قال بتحايل "إذا دعيني أصعد لأساعدك" حركت كفها بالهواء وقالت "مستحيل، ابقَ حيث أنت وتلقف هذه الحقائب" زفر بارتياح وقال "إذاً انتهيتِ حسنا أسرعي" حركت رأسها ببرود وقالت "لا، إنها حقائب الفتيات والأطفال سأجعل آنا تنزلهم لك حتى أنتهي مما أفعل، لا أريد أن أنسى شيئا" رفع رائف حاجبه وقال "لم نتفق على هذا، لم يخبرني أحد أين سنضعهم؟" قالت بعصبية وحاجب مرفوع "لا أعلم، تصرف يا رجل المهام الصعبة كما كنت تتصرف في الأيام الخوالي" ابتسامة منعشة شقت شفتيه رغم أن عقله يدرك أي ورطة تورطها وقال وهو يغمزها بعينه اليمنى "سأفعل" جعدت تولين أنفها وهمست بدون صوت "سمج" أشار إلى أذنه وهمس "سمعتك" انسحبت تولين من النافذة وقالت لآنا "ساعدي صديقي في إخراج الحقائب من النافذة وبهدوء حتى أنتهي من حقائبي ثم أخبريني كيف سنخرج الأطفال لنرحل بأسرع وقت" تحركت آنا وأخرجت حبلا متينا ربطت به يد إحدى الحقائب وقالت "لقد دبرت كل شيء، انتهي أنت من حقائبك" أسرعت تولين تأخذ أشياءها المتناثرة فوق المنضدة المجاورة للسرير ولم تدري وهي تطبق كفها عليهم أنها تطبق كفها على دموع رجل يكاد يتمزق من عشقه دخلت آنا جناح الأطفال فوجدتهم ملتفين حول سجى التي تقرأ لهم قصة عن شخصية خيالية يعشقها الأطفال والسكون يعم الجناح إلا من صيحاتهم الحماسية كلما ظهر الشرير أو فعل شيئا ما، اقتربت منهم وقالت "سيدة سجى موعد حمام الأطفال سأضطر لأخذهم الآن" قالت لها سجى بدون اهتمام "ليس الآن يا آنا، نحن في بداية القصة" قالت آنا بتوتر "ولكن السيدة أسمهان كانت تصر أن يستحموا في هذا الوقت" قالت سجى "أعلم هذا ولكن سننهي القصة أولا أليس كذلك يا تلاميذ هوغوورتس؟" صاح الأطفال بحماس فتوترت آنا أكثر وقالت "ولكن سيدتي " قاطعتها سجى بعصبية وقالت "آنا اخرجي من فضلك" تحركت آنا للخارج تشعر أنها محاصرة لتجد تولين تختبئ خلف عمود بالممر وتهمس لها "أين الأطفال؟" قالت آنا بخيبة "السيدة سجى تصر على بقائهم رغم أن موعد حمامهم قد حان، حاولت معها فأمرتني بالخروج" نظرت لها تولين بصدمة ونظرت للساعة وقالت "ماذا سنفعل الآن؟" جاءهم صوت سجى المصدوم "تولين" أغمضت تولين عينيها تستشعر حجم الورطة ثم التفتت لسجى بوجه حزين وقالت "أهلا سجى" كان أول لقاء بينهما منذ عودة تولين فأقبلت سجى بابتسامة طيبة تضم تولين وتقول "مرحبا بعودتك، كنت قادمه لك منذ أيام لكن كما تعلمين مأمون مضغوط في العمل بسبب انشغال الشباب ولم أجد الفرصة" ضمتها تولين بحب وقالت "لا عليك ها نحن تقابلنا، كيف حالك؟" قالت سجى "بخير يا حبيبتي، هل عادت الفتيات؟ منذر أخبرني أنك معهن" نظرت تولين لها بتوتر وقالت "للأسف الفتيات لن تعودن يا سجى، لقد أرسلوني لآخذ الأطفال وأريد مساعدتك، وقبل أي شيء اعلمي أنني أخاطب بداخلك قلب الأنثى وليس عقلها فلا عقل ولا تعقل فيما أريد أن أفعله" قالت سجى برعب "أنا لا أفهم شيئا، لماذا لم تعد الفتيات وأين سيذهبن؟ والأطفال كيف سأعطيهم لك؟ إنهم أمانة حتى عودة آبائهم" اقتربت تولين وأمسكت كفها وقالت "أرجوك يا سجى ساعديني الوقت يمر وأخشى عودة الشباب، دعيني آخذهم" قالت سجى "تأخذينهم إلى أين؟ أنت تطلبين مني شيئا لا أستطيع فعله" قالت تولين "سآخذهم لأمهاتهم يا سجى حيث يجب أن يبقوا، فلا رجل بهذا القصر يستحق طفلا منهم، لقد أمسكنا بهم جميعا في نادٍ مشبوه، كان الأمر مؤلما ومقززا، عودة الفتيات إلى القصر بعد ما حدث سيكون قبولا بالأمر الواقع وأنت تعلمين أعراف العائلة فلا طلاق في عرف العزايزة، أرجوك ِ ضعي نفسك مكانهن للحظات وتخيلي مأمون يحمل فتاةً بين ذراعيه كأنه إنسان الغاب، تخيليه بص*ره العاري يقف بين عشرات الراقصات اللاتي يتمايلن أمامه بإغراء، تخيلي أن تجدي زوجك " قاطعتها سجى بغضب "كفى، فهمت، لكن ما هي الخطة الآن؟" نظرت لها تولين بشك فقالت سجى ببرود "صدقيني أنا أكثر واحدة تدرك حجم الخذلان، أنا معكن" ردت عليها تولين بتوتر "سيعدن إلى مصر الليلة" قالت سجى بتفكير "حسنا، ولكن ستواجهنا مشكلة" رفعت تولين حاجبها باستفهام فقالت سجى "تولين الصغيرة لن تتحرك إلا بعد أن تسأل ألف سؤال وإذا لم تتحرك لن يتحرك أحد من الأطفال فجميعهم يسمعون كلامها" تصلب جسد تولين وهي تتذكر أعين تلك الصغيرة المليئة بالكره لها، تكرهها ولا تدري أنها ألمها ووجعها، قالت تولين "سأحاول إقناعها، لكن لنسرع " تحركت سجى نحو الجناح وخلفها آنا التي لم تفقه من حديثهما شيئا ثم تبعتهما تولين بأرجل تتباطأ خشية لقاء تولين الأخرى دخلت سجى فالتفت لها الأطفال بحماس منتظرين بقية القصة لتدخل آنا وتمر لحظة قبل أن تدخل تولين تناظر سمّيتها بخوف وألم، بمجرد أن رأتها الصغيرة قفزت واقفة فتبعها الصغار لتقف أمام تولين وتقول "هل عادت زوزة والفتيات؟" هزت تولين رأسها بنفي وقالت "لا ليس بعد" ردت الصغيرة بحقد "إذاً ماذا تفعلين هنا؟ اخرجي" قالت سجى برفض "تولين تأدبي" التفتت لها الصغيرة وقالت "مؤكد جاءت لتأخذ جناحي كما أخذت الغرفة التي تريدها، أنا أكرهها، أخرجيها من هنا" أشاحت تولين بوجهها تحاول تقبل ما يحدث فقال جواد "من فضلك يا آنسة اخرجي فأنا لا أريدها أن تغضب دعينا نلعب" قالت أمه بلهجة ساخنة "جواد اخرس" ثم التفتت لتولين الصغيرة وقالت "تولين الكبيرة تريد أن تتحدث معك في حديث خاص، هلّا استمعتِ لها؟" ض*بت الصغيرة قدمها بالأرض وقالت "لا، مؤكد جاءت هذه الجنية لتسحرني مثل اللورد فولدمورت وتجعلني أتنازل لها عن جناح أل**بي بدون أن أشعر كما يتحكم فولدمورت بالسحرة ويجعلهم يعملون لصالحه" توسعت أعين الأطفال حتى جواد وصرخت قمر "جنية شريرة!!!" همت سجى بالتحدث لتوقفها حركة من يد تولين التي لوحت بكفيها وقالت "لم أحضر عصاي السحرية، أنتم بأمان" قالت تولين بانتصار "هل رأيتم؟ لقد اعترفت أنها جنية كنت أعلم كنت أعلم" هزت سجى رأسها بيأس، وقالت تولين "هل يمكننا أن نتحدث الآن؟ أنا وأنت" تحركت تولين لبيت هوائي على شكل قلعة وقالت "لنتحدث في قلعتي" سارت تولين خلفها وبدون تفكير دخلت إلى القلعة وجلست أمام أميرتها مرت لحظات وتولين الصغيرة تنظر لتولين الكبيرة بتفحص غريب وقالت "هل أنت جميلة هكذا أم هذا نوع من السحر؟" قالت لها تولين "لقد خلقني ربي جميلة ولا سحر في الحياة يضاهي قدرة الله، انظري لنفسك وستعلمين أن الله أعطاكِ الكثير من الجمال مثلي تماما" قالت الصغيرة "وشعرك طويل جدا لقد رأيته، إنه أطول من شعري بكثير" مدت تولين يدها لخصلات الصغيرة وقالت "حين تصبحين في مثل سني سيكون شعرك أطول " سألت الصغيرة بلهفة "حقا؟" قالت تولين بشجن "حقا" أمسكت الصغيرة طرف حجابها وقالت "إذاً متى سأحصل على أم ٍ خاصة بي؟" أسبلت تولين أهدابها تخشى أن تلمح الطفلة بعينيها نيران الماضي وصواعقه وقالت "من أخبرك أنك ستحصلين على أم؟" همست الصغيرة "أبي أخبرني أنني يوما ما سأحصل على كل ما أريده وكل ما تمنيته، طلب مني أن أدعو الله وأنا دائما ما أفعل" عضت تولين شفتها من الداخل بقوة حتى استشعرت طعم الدماء بحلقها ليزيد من غصتها مرارةً ثم قالت "لماذا تكرهينني يا صغيرة؟" **تت الصغيرة بتفكير ثم قالت "لأنك جنية والدي المفضلة، كان يدخل غرفتك كثيرا ويقف أمام صورتك وأنا أقف بجواره وأخبرك ب**ت عن كل أمنياتي، انتظرتك أنا وهو، لكنك أتيتِ دون أن تحققي لي شيئا، لم أصبح جميلةً مثلك ولا شعري استطال كثيرا ولم تبني لي ولإخوتي قصورا من الحلوى ولم تحضري أمي" كانت الدموع كجيوش تحتشد في مقلتيها فهمست بندم ودمعها يسيل "آسفة أنني لم أكن لك كما أردتِ، سامحيني" تأثرت الصغيرة كثيرا بدموع تولين وفجأة قفزت لتحيط عنقها بقوة وتقول "لا تبكي…..لا تبكي، لكن عديني أن تحققي أمنياتي" ضمتها تولين ودموعها تختفي فوق فستان الصغيرة وقالت "أعدك" ابتعدت الصغيرة وصفقت بجزل وقالت "إذن ستكونين أمي، أريد أن تكون أمي جميلة جدا حتى يروها زملائي في المدرسة العام القادم" **تت تولين إلا عن بكائها المؤلم فقالت الصغيرة بحزن "أنت وعدتني أن تحققي أحلامي" ظلت تولين تنظر للصغيرة وتحولت نظرتها لفزع جعل الصغيرة تقول "هل أنا طفلة سيئة لذلك ليس لي أم؟" اخترقت الكلمة عقل تولين فوضعت يدها على شفتي الصغيرة تقول "لا تقولي هذا، أنا هنا أنا أمك" عادت الصغيرة تلقي نفسها بأحضان تولين وهي تصرخ بحماس "لقد حققت الجنية أمنيتي" ضمتها تولين بقوة كأنها تمنحها الأمان وتجعل نارها دفئا لها ثم أبعدتها وقالت باهتمام وهي تدرك أن الوقت يمر "صغيرتي، أريدك في مهمة عاجلة، أول مهمة لنا كأم وابنتها وأريد أن تساعديني" لمعت أعين الصغيرة بفرحة وظلت تستمع لتولين باهتمام لتكونا خلال دقائق تبدلان ملابسهما لملابس المهمات الخاصة بناء على طلب تولين الصغيرة التي تولت ترتيب هروب إخوتها كجزء من لعبة أقنعتها والدتها أنهما تلعبانها مع أبيها والشباب وقف رائف ينظر لنافذة تولين بتوتر ثم لساعته يراقب عقارب الساعة تسرق الوقت، سمع صوت باب المطبخ الخلفي يفتح فأسرع يخفي نفسه ظنا منه أن إحدى العاملات تتخلص من القمامة، ليتفاجأ بتولين تمسك يد فتاة وتتقدم نحوه وخلفها الخادمة تحمل طفلا جميلا، ثم امرأة أخرى تحمل طفلة يتبعها طفل كبير عن أقرانه وخلفه ولد وبنت يشبهان بعضهما كأنهما توءم، قال رائف بحيرة "لقد تأخرنا، لم يبقَ لموعد الطائرة الكثير" قال جواد بغضب "من هذا؟" ردت تولين بسعادة "مؤكد من سيساعدنا لن**ب، عاش فريق الفتيات" نظر رائف لتولين بعدم فهم لكنها استدارت وقالت لسجى "شكرا على كل شيء، أتمنى أن نلتقي ثانية، أنت إنسانة جميلة" ضمتها سجى وهي تقول بتأثر "سنلتقي لا تقلقي، في رعاية الله" قالت تولين للصغيرة "قودي الفريق خلف المساعد إلى السيارة، وأنا سأحمل محسن" أشارت تولين لأحمد وقمر ليقفا خلفها تماما وهي تلوح لسجى ونوراي بسعادة، فاقترب منها جواد وقال "سأنتظر منك مكالمة، كما لقنتك رقم هاتفي السبعة تسبق التسعة" فقالت تولين كأنها تردد نشيدا "يتبعها خمسة أصفار" فرد جواد ضاحكا وقال "نعم يتبعها خمسة أصفار" ابتسمت تولين بحلاوة فقال رائف "هيا" تحركت الصغيرة بحركة عسكرية كأنها تقود فريق الكشافة بزيهم الموحد وخلفهم تولين تحمل محسن الذي غفا بعد ساعتين كانت الفتيات يدخلن المطار، عزيزة تحمل قمر وتسير بجوار سمراء التي تحمل أحمد وخلفهما أسمهان تحمل محسن، تتبعهما بلقيس التي تستند على كتف تولين يتبعهما رائف الذي يحمل تولين الصغيرة التي قبلت وجنته وهمست له "أنت تذكرني بأبي " متاهات قصتي كلها أروقة مظلمة ومتاهات، صراعات ...نزاعات وقلب يحتضر لسنوات، خوف يملؤني بوجع لا تمحوه الآهات، وماضي يختنق في قبضتي التي تعتصر من قوة الثورات وقف سلطان خلف سارة وملاك كحارس يفرد جناحيه ويحيطهما، منفوخ الأوداج عابس الوجه، يتذمر من أقل تصرف لا يعجبه، وعقله يفكر هل ورط نفسه حين وافق أن يساعدهن؟ فهو لا يمكن أن يتخيل أن تسافر أخته بمفردها ودون علمه من بلد لآخر، وبخ نفسه بضمير يجلده، فكم أخ وكم أب وكم أم ستحترق قلوبهم الآن، الأمر من بدايته شائك، مذ أخبره طاهر بسبب قدومهن وهو لا يهدأ ويتخيل للحظة أن تكون سارة في مكان إحداهن فتثور ثائرته، فهو حتى الآن لم يتخطَّ ما فعله كرم وكلما تذكره نهشته وحوش الكرامة حتى أدمته وجعلته يقاسي في ضبط نفسه حين يرى كرم أو يلمحه في مكان ما، نظر لأخته التي تبتسم بسعادة وتقول لملاك "أريد أن آخذ الكثير من الصور، تخيلي سنكون أنا وأنت مرشدتين سياحيتين لأول مرة، وداخل الحارة سنبدأ رحلتنا من سوق الخضروات وننهيها عند محل الفلافل خاصة العم عطية" التفتت لها ملاك المتوترة وقالت "هل تمزحين؟ هل تدركين في أي ورطة تورطنا؟ نحن سنتستر على فتيات هاربات، آه لو أبلغ عنا أحدهم تخيلي ماذا سيحدث" قالت سارة "توقفي عن خوفك الغير مبرر، كل شيء سيكون على ما يرام فمن سيبلغ عنا بالله عليك، ملاك اهدئي" قالت ملاك بتوتر "حسنا، أخبريني ماذا سيحدث إن علم مؤيد أننا كذبنا عليه؟ هل هذا أيضا سيمر على خير؟" جذبت سارة ملاك نحوها وقالت "أخفضي صوتك فلو سمعك سلطان ستكون ليلتنا بيضاء وسيخبر مؤيد وستنقلب الدنيا على رؤوسنا، لماذا أنت متعجلة فهو مؤكد سيعلم، اهدئي يا ملاك ستفضحيننا" زفرت ملاك بضيق وقالت "عقلي مشغول على يونس، لا أعلم هل أكل أم ترك طعامه، فأنا لاحظت أنه لا يأكل معظم الخضروات وأنواع من الأسماك والأجبان أيضا لكنه لا يبوح، يكتفي بترك صينيه طعامه كما هي ويظل جائعا ب**ت لا يشتكي حتى يرسل له طاهر طعاما آخر أو ألاحظ أنا الصينية وأضع له أي شيء يحبه" نظرت لها سارة باهتمام وقالت "ملاك، اهتمامك بهذا الشاب أصبح هوسا، أنا متأكدة أنك لست خائفة من مؤيد ولا من العزايزة كخوفك أن ينام بدون طعام، ملاك ماذا يحدث معك؟ أستمع كل يوم لهذيانك عنه بالساعات ولا أبالي، اعتقدت أنها شفقة أو عطف، فقلبك جميعنا نعلم أنه رقيق مثلك لكنني بدأت ألاحظ أنه يتحول لاهتمام من نوع آخر، اهتمام شديد" حاولت سارة أن يكون كلامها واضحا لكن بدون أن تحرج ملاك التي ردت بتوتر "أنا فقط بعدما علمت قصته من طاهر ورأيته شعرت أن الله أرسله لي أقصد لنا لكي نهتم به، أنت لا تعلمين كم راقبته لأكتشف في النهاية أنه من يراقبني، أشعر بالمسؤولية الشديدة تجاهه، إنه كطفل أصبحت أخشى عليه من كل شيء، منذ أيام تفاجأت به ينزل وخفت من الأولاد في الشارع أن يؤذوه، كنت خائفة جدا أن أعترض طريقه، لكن حين شعرت أنه لن يتراجع وجدت نفسي أقف أمامه وأطلب منه أن يصعد حتى عودة طاهر، لم أصدق حينها أنني فعلتها، كان شعره الطويل لا يُظهر من ملامحه شيئا ورغم أنه يفوقني طولا بشكل مرعب وعيناه الضبابيتان تبدوان مخيفتين إلا أنه انكمش على نفسه يراقبني وأنا أشير له أن يصعد للأعلى، وبعد محاولات مضنية لم أجد بداً من أن أعيده للأعلى بنفسي" توسعت أعين سارة وقالت "أصبحت حالتك متأخرة، هذا الشاب أصابك بهوس من نوع ما، لا أصدق أنت تخليتِ عن خوفك المرضي من البشر وأعدت ِ شابا لا تعرفينه لغرفته، ولم تخشي أن يصبح ذئبا بشريا فيلتهمك، ملاك هل تشعرين بما يحدث لك؟" مطت ملاك شفتيها وقالت "سارة، أي ذئب؟ أقول لك انكمش حين رآني، لو كنتُ تركته لينزل لم يكن ليسلم من أطفال الحارة، كيف سيتحمل قلبي رؤيته هكذا؟ ألا يوجد رحمة؟ ثم أنا راقبته لأيام فهو لا يستطيع أن يؤذي ذبابه، إنه هادئ مطيع خجول " قاطعتها سارة تقول بتوبيخ "ملاك، هل تدركين أنك تتحدثين عن رجل يكبرك بعشرة سنوات وليس طفلا في العاشرة؟ ملاك ضعي حدودا لتعاملك معه، فقد أصبحت تعتبرينه جزءا أساسيا من يومك ولا تتوقفين عن الكلام عنه والتفكير به كأنه طفل ضائع من دونك" قالت ملاك بتأكيد "أنا فعلا أراه طفلا جميلا جدا وبداخلي نحوه عاطفة قوية تجبرني أن أهتم به، بمجرد أن أطمئن عليه أكون قد وجدت سببا لنومي هانئة، أظن أن ربي لم يضعه في طريقي إلا لحكمة وأنا لن أهمله أبدا حتى تتحسن حالته ويصبح أفضل ويعود كما كان ثم يرحل" رفعت سارة حاجبها وقالت بإدراك "ملاك، أنت تتورطين معه صدقيني، أنت من سيعاني" ابتسمت ملاك وقالت "لا أحد يعاني من يونس، إنه ملاك" قالت سارة بحدة "نعم؟" جاءهما صوت سلطان النزق وهو ينظر في الورقة التي بيده ويقول "أول رحلة باللائحة وصلت، توقفا عن التهامس الذي لا أدرك له سببا وانتبها، ولتعلما أني لا أريد ميوعة أو ضحكات صاخبة أو صوتا عاليا، سنجمعهن في صالة الاستقبال وعند اكتمال العدد سنخرج للحافلات اتفقنا؟" هزت ملاك رأسها بطاعة فيما نظرت سارة لأخيها بشقاوة وقالت "أريدك أن تطلق نظراتك الثاقبة لعلك تجد فتاةً دعت عليها أمها في ليلة القدر فتطلق سهم كيوبيد من عينيها ليشق قلبك وأرتاح منك ومن هيمنتك الذكورية" توحشت ملامح سلطان وقال "سارة لنا منزل" التفتت تقول لملاك "ها أنا مسكت أنف الوحش، بماذا أخطأت؟ هل سيظل جالسا بجواري هكذا؟ متى سيرزقه الله بفتاة تعيد تربيته وتلين قسوته؟ أخي وأعرفه سيصيبها بأزمة قلبية من أول لقاء" وضعت ملاك يدها على فمها برقة تداري الابتسامة فجاءهم صوته الغاضب "ارفعي تلك اللافتة يا ست سارة وكفي عن الثرثرة التي ستتسبب في قطع ل**نك الليلة" رفعت سارة اللافتة المكتوب عليها اسم حركي اتفقت عليه الفتيات وبعد لحظات بدأت الفتيات يتوافدن نحوها ووجوههن مملوءة بالقلق والخوف يتساءلن عن حورية وحفيدات رأفت وبنت الشيخ، فاسم تولين لم يذكر أبدا بل ُترك ليكون كاسم الجندي المجهول والأسباب كانت معلنة لتولين مخفية عن الجميع إلا حورية، طائرة تلو الأخرى ووفد يتبعه آخر، لقاءات مرحة رغم الجو المشحون، وأخرى حزينة كئيبة مرتعبة تزيد من وطأة الأمر، منهن من يتقابلن لأول مرة منذ سنوات طويلة، ومنهن القادمة بحمل يكاد يفقدها روحها وسارة تشاهد ب**ت كيف تفاعلت ملاك الرقيقة مع الجميع تطمئنهن أن الجميع على وشك الوصول و أن كل شيء سيكون بخير، فيما وقفت هي تنفذ تعليمات سلطان الذي وقف بعيدا عنهن بمسافة عابسا بقوة يتابع شاشة الوصول ليتأكد أنهن لن يلف*ن النظر بجمعتهن مستثقلا المهمة، لكن لا تراجع حتى يسلم الأمانة التي وافق على جمعها لأصحابها فقد أخذ القرار ومهما كان مترددا فالتردد لا يفيد أبدا وهو وسط الأمر الواقع، استغفر الله العظيم أكثر من مرة وهو يتابع وصول الرحلات والعدد المهول أمامه يربكه ويجعله مشلول التفكير التفتت كنزي لحور التي لم تتوقف عن الثرثرة منذ ساعات مع تلك الطفلة التي كانت تكرهها بشدة وتصرخ في وجهها كلما رأتها لتتحول فجأة إلى النقيض بل إلى الأسوأ وهي تدعو تولين بأمي الوضع أضحى جنونيا لا يُحتمل وصاحب المطعم يكاد يلتصق بحور ويعد أنفاسها وعيناه تمتلئان بأفكار من السهل جدا قراءتها وهذا يزيد الأمر سوءا، والمخيف أن الطائرة بعد دقائق ستهبط بهن ومازالت صديقتها تهرب من مواجهة ما ينتظرهن أو تخطط لشيء، نعم فادعاؤها اللامبالاة قد ي**ع غيرها لكن هي مستحيل، تحركت بهدوء لكي لا توقظ عزيزة التي تحمل قمر الغافية في أحضانها ومرت بسمراء التي تجلس خلفها بجمود وتناظر الضباب من نافذة الطائرة وبجوارها أحمد الصغير ينام فوق المقعد كالملاك، وخلفهما بلقيس و أسمهان التي تحمل محسن النائم هو أيضا، جميع الأطفال ناموا من شدة الإرهاق إلا تلك الصغيرة التي تشعر أنها تشع بالحماس، وقفت بجوار حور وقالت "حور أريدك" صاحت الصغيرة بحماس "أمي، أليس اسمك تولين مثلي؟ أم الجنيات يحملن أكثر من اسم؟ أريد اسما آخر أنا أيضا" ربتت تولين على شعر الصغيرة وقالت "سنرى ماذا تريد كنزي وبعدها سنختار لك اسما جديدا" ابتسمت الصغيرة بطاعة فقالت كنزي وهي تلاحظ نظرات رائف الثاقبة نحوهما فهو يجلس خلف تولين "أريد أن نتحدث بمفردنا" قالت تولين بحيرة "حسنا" تحركت بعيدا عن رائف الذي كان يجلس على مقعده بلوعة منذ أن سمع تلك الصغيرة تناديها بأمي، انقبض قلبه يتذكر رحيل التي تنتظره الآن بلهفة ليعود وأمها معا، صغيرته التي حلت على حياته كأنها نفحه من الجنة، فتركها وسافر لأقصى الأرض ليعود بمن تتحكم بحياته قلبا وقالبا، نظر لكنزي التي تحدث تولين وعقله يخبره أنها تخطط لشيء، فيا ويله إذا كان ما يفكر به صحيحا، قالت كنزي لحور "دقائق وسنصل، هل يمكنك إخباري محل هذا الشخص من الإعراب؟ سلطان سيهشم وجهه إذا لاحظ التصاقه بك، وجوده معنا سيسبب لنا المشاكل، هلّا أخبرتِه بذلك؟" قالت تولين بتفكير "هذا تماما ما كنت أفكر به، وجود رائف بجانبي سيؤذيه، كنت أفكر أن أهرب منه بالمطار فلو كنت أعلم أنه سيرضخ لمطلبي ويبتعد لفعلتها ولكنه ع**د" ردت عليها كنزي بإدراك "حور، أنت تعلمين أن ما ينتظرنا ليس بالهين ولا تنقصنا ورطة إضافية، تخيلي معي شكل مؤيد وهو يسمع خبر عودتي ويعلم بأي ورطة عدنا" زفرت تولين وقالت "أعلم أعلم، حسنا لنصل فقط وبعدها سأتصرف لكن لا تنسي لا أريد لأحد أن يراك، بمجرد وصولنا أريدك أن تتواري بين الفتيات وتصعدي للحافلة" قالت كنزي بشك "وأنت؟" همست لها تولين بعزم "سأهرب" توسعت أعين كنزي وقالت "ماذا؟" قالت تولين "سأهرب من رائف" ردت عليها كنزي بسخرية "وكيف تخططين لهذا؟" حركت تولين رأسها وقالت "لا أعلم، كنت أخطط للأمر ولكني لم أصل لشيء بعد" قالت لها كنزي "لن تذهبي لأي مكان إلا وقدمي فوق قدمك، سنعود جميعا للحارة وأنا متأكدة أنه أذكى من أن يدخل مع سلطان في عراك" هزت تولين رأسها وقالت "لا أعلم" اقتربت منهما المضيفة تقول بابتسامة "آنساتي إلى مقعد*كما واربطا الأحزمة واستعدا للهبوط" ابتسمت الفتاتان لها لتمر أربعون دقيقة ما بين الهبوط والانتهاء من إجراءات المرور، لتقف كنزي وتولين أمام ملاك وسارة ويبدأن لقاءً حاميا مؤثرا جذب أنظار الكثيرين وقد تناسين كل الاحتياطات التي كان عليهن اتخاذها بخصوص كنزي فلحظة لقائهن كانت لحظة تحبس الأنفاس
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD