الفصل السادس

3847 Words
وقفت سمراء و أسمهان وعزيزة وبلقيس بذهول ينظرن لقاعة الاستقبال التي احتشدت فيها بنات العائلة فيما اقتربت الفتيات منهن وكل واحدة تعرف عن نفسها وسمراء وأخواتها مذهولات مما يحدث، بدأت الأسئلة والاستفسارات تنهال على رؤوسهن وللغرابة لم تستطع واحدة منهن إدراك سبب أن توجه الأسئلة لهن تحديدا، التفتت سمراء لتولين التي تقف بعيدا بجوار كنزي وفتاتين يبدو أن علاقتهما بها قوية تطلب منها أن تتصرف فمالت تولين على أذن سارة تحدثها لتقترب سارة تقول بابتسامة "دعونا لا نلفت النظر أكثر من هذا، الحافلات تنتظر بالخارج، دعونا نرحل وحين نصل سنتحدث باستفاضة" اقتربت منها واحدة تقول "هل سنتجه لأرض العزايزة الآن؟" قالت سارة "للأسف ليس بعد، نحن ننتظر أمرا بالتحرك حين يصل سننطلق وحتى وقتها ستحللن ضيوفا لدينا وهذا لساعات ليس أكثر، من فضلكن اتبعنني" تحركت الفتيات خلف سارة وملاك التي تقدمت تساعدها في توجيه هذا العدد، اقتربت أسمهان من تولين وخلفها الفتيات وقالت "تولين، إلى أين سنذهب؟" ابتسمت تولين وقالت "أسمهان، أنا هنا حور انتبهي، حتى تولين الصغيرة لن تخبر اسمي الثاني لأحد أبدا" أطلقت الصغيرة صيحة حماس وقالت "وأنا اسمي حور مثل أمي" توسعت أعين الفتيات وقالت سمراء "أنا لا أفهم شيئا" ردت تولين بإرهاق "الآن سنذهب للحارة لنرتاح بمنزلي وبمجرد أن تخبرنا حورية أن نتحرك سنتحرك لا تقلقي، اتبعن الفتيات للحافلة ولا تفكرن بشيء، استريحن فقط" جاءهم صوت سلطان النزق الذي يقف على البوابة "هيا لا أريد أن تتوه إحداكن وأظل أبحث عنها كشاةٍ شردت عن القطيع" توسعت أعين بلقيس وقالت بصدمة "شاة؟ من هذا؟" ضحكت تولين بقوة وقالت "سلطان العطار وهذه اللغة الوحيدة التي يعرفها فلا أريد أن أرى الصدمة تعلو وجوهكن الآن، أنتن لم تصلن إلى الحارة بعد" زفر سلطان بغضب فلمحت كنزي رائف يقترب بباقي الحقائب فهمست لتولين "صاحب المطعم أحضر باقي الحقائب، وسلطان يطلق أنفاسا ساخنة كالتنين" قالت لها تولين وعيناها تتابعان رائف الذي يقترب منها "اسبقيني أنت فالفتيات خائفات من سلطان، أعطني فرصة لعله يستمع" قالت كنزي بعدم رضا "لا تتأخري" تحركت كنزي تلطف الجو وتسير بجوار الفتيات يتقدمهن سلطان نحو الحافلة، فيما أمسكت تولين بيد تولين الصغيرة تنتظر اقتراب رائف الذي أقبل يقول "لقد أحضرت حقيبتك وحقيبتي، هيا بنا" نظرت له تولين وقالت "إلى أين؟" نظر لها رائف بتدقيق وقال "إلى حيث تريدين الذهاب، سأظل معك حتى تنتهي مما تفعلينه وبعدها" قالت تولين بهدوء "وبعدها ماذا يا رائف؟" انفلتت أعصاب رائف وهو يدرك ما تفعله وقال بعصبية "وبعدها ستأتين معي لبيتي، لرحيل، تلك الصغيرة التي تنتظرك" قالت له وشعور بالذنب يملؤها "بأي صفة؟ أظنك تعلم أن لا صفة تجمعنا سوى الصداقة، أنا ممتنة لكل ما فعلته لأجلي ولأجل أخواتي لكنني أخبرتك من قبل أنك تريد مني ما لا أستطيع تقديمه، سامحني" لمعت حدقتاه كأن بها دموع وقال بغضب "أسامحك على ماذا؟ هل اصطدمتِ بي عن طريق الخطأ؟ ماذا تنتظرين أن يحدث الآن؟ أن أتركك وأرحل؟ اسمعيني يا صغيرتي، أنا أدرى منك بنفسك وأقرأ ما تخفيه شفتاك وأشعر بما يؤلم قلبك وأفهم ما يحدث لك لكنني لن أتركك لتتخبطي مثلما فعلت بالماضي، أنت لم تعودي صغيرة ولست أول من مر بتجربة آلمته، كل ما يحدث لك أنا مستعد لتقبله إلا ابتعادك مجددا، هذا ليس واردا إطلاقا" **ت يقهره كان ردها للحظات قبل أن تقول "ارحمني يا رائف، أنا لا أريد إيلامك أكثر لأنك تملك في قلبي مكانة كبيرة، وجودك بجانبي هو ما ليس وارد" قال رائف بحزن "أثقيلة هي كلمة أحبك على ل**نك يا تولين؟" همت بالرد ليقاطعها صوت سلطان الغاضب "حور، ماذا تفعلين؟" التفتت له بتوتر وقال "نسيت حقيبتي وأحضرها لي هذا ال " لم تكمل حديثها ليندفع سلطان يسحب الحقيبة من يد رائف غير مهتم بأن يلقي عليه نظرة فقد كان متعجلا وهذا من حسن الحظ وقال "شكرا يا أخ" همّ رائف بالتدخل لتوقفه نظرة عينيها وهمسها الناعم "لا أريد مشاكل أرجوك" رجاؤها الحار كبله وقيد روحه بقيود عينيها، بدأت تبتعد خلف سلطان وعيناها بعينيه فلم يستطع سوى أن يهمس "سأظل معك وحولك طوال الوقت، وسنتحدث قريبا جدا" شعرت تولين بكف الصغيرة يرتخي بقبضتها فالتفتت لها لتجدها تقاوم النعاس بأعجوبة فانحنت تحملها وعيناها مازالتا معلقتين برائف الذي لوح لها بابتسامة كأنها ما أسمعته من الحديث ما يؤلمه، هذا الرجل يؤلمها بشكل غريب، بشكل يزيد من آلامها وهي غارقة في بحور ألم لا نهاية لها، لماذا يصر على أن يعذب نفسه؟ خرجت خلف سلطان الذي قال لها "هيا اصعدي، لم آخذ من شهامتي غير وجع الرأس وتأنيب الضمير" صعدت تولين لينغلق باب الحافلة ويتحرك سلطان نحو الحافلة الأولى ليرشد السائق، فوجدت جوا من الألفة كأنه جو للهروب من الواقع، والبنات بدأن بالغناء معا فاندمجت بدون تفكير فهي سيدة الهروب كان كرم يجلس بتوتر أمام ورشته وعيناه لا تفارقان الشارع الرئيسي ينتظر عودتها بحيرة، فخروجها قبل أذان المغرب بقليل مع سلطان وملاك جعله يتوجس ويشعر بالخوف، خوف أصبح يصيبه كلما غادرت الحارة تحت أنظار الشباب التي لا يغفل عن إعجابهم بها، منذ أيام صرحت زوجة رضا أخيه أن هناك خاطبا قصد والدها ليتوسط له عند سلطان من أجلها، فسلطان منذ ما حدث وهو يرفض الخطاب بدون تفكير لكن بعدما عددت زوجة أخيه ميزات ذلك الشاب شعر أنه من شدة الخوف يرتجف وفي نفس الوقت لا يعلم ماذا إن حدث وخطبت هل سيستطيع أن يقف ويقول لا لا يظن فحينها سيقتله سلطان وبدم بارد خرج هلال من الورشة يمسح يديه بخرقة وهو يقول "كرم، لماذا أصريت أن ننهي هذا العمل الليلة؟ الوقت تأخر ورضا طلبني أكثر من مرة وفي النهاية أخبرني أنه سينزل ليرى ماذا يحدث" قال كرم بعصبية "هل نحن أطفال لينزل ليتأكد أننا بخير؟ أخبر أخاك أن لدينا عمل لا يمكننا تأجيله سننهيه ونغلق الورشة" قال هلال باستفسار "أي عمل هذا؟ كرم، هل تخفي عني شيئا؟" صوت زامور حافلة ضخمة توقفت أمام منزل حور وترجل منها سلطان وسارة جذب انتباههما، فقال كرم بتعجب "ماذا يحدث؟" حرك هلال كتفه بحيرة وقال "لا أعلم" فجأة وصلهم صياح عيسى "قنبلة فتيات وانفجرت في الحارة، يا سعدك يا سلطان، ابن عمي أبو السلاطين أنا قادم" أمسك كرم عيسى من قفاه وقال "هل تفهم ماذا يحدث؟" رد عيسى بمرح "اللهم صلّ على سيدنا محمد، هناك حافلة أخرى، لا يهم ما يحدث المهم أنهن هنا" قال هلال ببلاهة "من هن؟" جذب عيسى نفسه وقال "لا أعلم، انظر كم هن فاتنات" ابتسم هلال وقال له "خذني معك يا عيسى لنقف مع ابن عمنا" ألقى هلال الخرقة على كرم وقال له "أغلق الورشة يا كرم، فالرزق ينتظرنا أمام بيت أبيك القديم" شاهد كرم سارة تقف بابتسامة بجوار أخيها ترحب بعدد مهول من الفتيات وقد فتحت كل نوافذ الحارة لتشاهد هذا المشهد الذي سيكون حديث الكل لفترة لا بأس بها، وغصبا عنه شعر أن الاقتراب صعب لكنه أسرع يغلق الورشة ليقترب من إخوته فسمع عيسى يهاتف عمر ويقول "أين أنت يا بن الجوهري؟ لن تصدق ما يحدث بالحارة، أختك عادت وحور ومعهما حافلتان بهما كل ما لذ وطاب، القصيرة والطويلة، الشقراء والبيضاء، رأيت واحدة كالملبن " لم يصل لعيسى سوى صوت انقطاع الخط فنظر للهاتف بتعجب وتحرك يقول لسلطان "أي خدمة يا أبا السلاطين، أنا تحت أمرك" رد عليه سلطان بإرهاق "أحتاج مكانا لأبيت به الليلة فبقية الفتيات سيذهبن مع سارة للمنزل" رد هلال بحبور "البيت بيتك وبيتهن، أضاءت الحارة وأضاء قلبي، ما هذا غزال؟" سمع سلطان ضحكة خجولة فلكم هلال في بطنه بقوة وقال "خذ أخاك وارحل من هنا يا م***ف وإلا سأجعلهن يشاهدن مباراة قذفك وأخيك في بالوعة الحارة، ولا تنسَ أن تترك سريرا خاليا لي" استغل كرم انشغال سلطان مع أخويه واقترب من سارة يقول "ماذا يحدث؟" التفتت له وقد آلم صوته قلبها، نظرت له للحظة ثم قالت باستخفاف واضح "اسأل سلطان" وابتعدت تلمح ملاك تصعد درجات المنزل بلهفة فأدركت أنها ذاهبة لتطمئن على يونس، مرت دقائق قبل أن تتوقف سيارة عمر بصوت مدوي وهو يقفز منها بفزع يبحث بعينيه عن أخته وسط فتيات لا حصر لها ليشعر فجأة بجسد يصطدم به بعنف وكنزي تتعلق بعنقه بقوة وتقول "اشتقت لك يا عمر، اشتقت لك كأني سافرت لسنوات" ضمها تحت أنظار الفتيات واحمر وجهه بشدة من المشاهدات فابتعدت عنه تقول برجاء حار "لا تخبر مؤيد أرجوك، حتى الصباح فقط" هم بالرد عليها لتقفز مبتعدة عنه تلوح له واقتربت من فتاة أقل ما يقال عنها فاتنه وأشارت لمنزل سلطان، مشت و سحبت خلفها الكثيرات واتجهت إليه تاركة إياه لضياعه وخوفه في نفس الوقت كان عبد الرحمن ينام قرير العين وشعر منار يداعب أنفاسه فيشاركه سكون أحلامه، بينما قلب منار يتأرجح ويدق بعنف من شدة الخوف، عيناها تدمعان ليس من الألم ولكن من الخوف فقد أعطت حورية وعدا بأن تساعدها وتساعد غفران وابنتها وكل بنات العائلة، وهي لن تخذلهن وستفعلها نعم تستطيع فعلها، أنفاسها تسارعت فتحركت يد عبد الرحمن بدون وعي تربت عليها كأنه يعلم ما بها، نظرت لسقف الغرفة وكأنها تناشد الله أن يكون معها ويعينها على ما ستفعله ثم أخذت نفسا الثاني الثالث وصرخت على طرف مبسمي مسكن الآه، وعلى طرف حدقتيّ مكامن الدمع الثقيل، أشعر أنني كتلة حزن متحركة، أشعر أنني ذرات من وجع تجمعت، أخشى القادم ولكنني لا أملك ما أخشى ضياعه سوى المتبقي مني ضجيج زحام ضحكات صاخبة همسات مكتومة، رعب يسكن الأحداق لكن تنكره ابتسامات مهزوزة على الشفاه، المنزل ممتلئ كما لم يكن يوما بع** الهوة السحيقة الفارغة بص*رها والتي لا تتوقف عن الانقباض، دارت بعينيها في غرفة عادل الهادئة تتلمس وسادته التي كانت كأنها تبكيه كما تبكيه هي تماما، رفعت كفها تمسح دموعها و اتجهت نحو خزانته وفتحتها تتلمس ملابسه التي كانت تنتقي له معظمها، ابتسمت بارتعاش ويدها تسقط على البدلة التي ارتداها يوم زفافهما البسيط الذي لم يرتبا له أبدا كأنه كان قرارا أن يمسك كل منهما بيد الآخر ولا يهم كيف ستكون الطريقة، ازدادت حدة بكائها فلم تتمالك نفسها وهي تسقط على ركبتيها تبكي وتبكي وتبكي لعل ألم ص*رها يرحل، لم تعد تطيقه بل لم تعد تطيق ما يحدث لها التقطت أنفاسها بصعوبة ووقفت تقاوم السقوط مجددا ثم مسحت وجهها جيدا ولفت حجابها وقد شع الت**يم من عينيها فتحت باب الغرفة وخرجت كأنها كانت بعالم وخرجت لآخر صاخب جدا، الفتيات انتشرن في كل مكان الصالة المطبخ الغرف وهناك طابور أمام الحمام وباب الشقة مفتوح على مصراعيه كباب شقة ملاك تماما وكأنهما شقة واحدة، لمحت سما تجلس وسط مجموعة فتيات كُنّ قد رأين طاهر وهو يودعها قبل أن يقضي ليلته مع أبيه في المنزل القديم، فبدأن بالحديث حول وسامته فاستفاضت في شرح قصة حبهما التي جعلت القلوب تتقافز من عيون الفتيات وصيحات الحماس تكاد توقظ الحارة التي تشك أن أيا منها قد نام بعد وصولهن تخرج فرحة من المطبخ تحمل صينية ً كبيرة عليها بعض التسالي لتقف أمامها وتقول "عمر أخبر كنزي أنه سيحضر الطعام، فجهزتُ بعض التسالي حتى يصل، فسيد ذهب ليبيت ليلته مع طاهر والعم صلاح" ابتسمت لها تولين وقالت "هذا جيد، أين ملاك؟" نظرت فرحة حولها وقالت "لا أعلم، لعلها في الطابق الثاني أو صعدت إلى السطح" صراخ حماسي لإحدى الفتيات "الطعام وصل عاش الوسيم الذي جلبه وعاش الوحش الآخر رغم غلاظته" لم تكن تولين تعرف فتيات العائلة ولم يكنّ يعرفنها بل تشك أن واحدةً منهن تذكرها أساسا، أسرعت فرحة توزع الوجبات التي كانت رائحتها الشهية تسيل الل**ب، تحركت نحو الباب فلمحت ملاك تحمل وجبةً وتتجه نحو السطح فيما كانت أسمهان تحمل محسن على كتفها تحاول أن تهدهده لينام وسمراء تحمل الوجبات خلفها فاقتربت منهما تقول بهدوء "أين تولين؟" ردت سمراء "سقطت نائمة من شدة الإرهاق فهي لم تنم بالطائرة ولم تتوقف عن الثرثرة، توقعت أن هذا ما سيحدث حين نصل، وبلقيس أيضا نائمة سأوقظها لتأكل وتأخذ علاجها" ابتسمت تولين بشجن واضح وعيناها الحمراوان تلمعان ببو**ي دموع عالقة "إذا كان الأطفال نائمين فاحتفظن بوجباتهم فقد نتحرك خلال ساعات و من المؤكد سيكونون جياعا، هل ينقصكن شيئا؟ أخبرنَني" اقتربت عزيزة التي كان وجهها شبه متورم من البكاء المتواصل وقالت "لا تقلقي حبيبتي نحن بخير، لكن أين كنزي؟" ردت تولين وقد انقبض قلبها من منظر عزيزة "مؤكد مع الفتيات في منزل سارة، حاولن أن ترتحن وبعد أن تأكل الفتيات أخبرنهن أن ينلن قسطا من الراحة ولو لساعة فالطريق من هنا لأرض العزايزة ليس بالهين" نظرت لها سمراء بتفحص ومن خلفها أكثر من فتاة تصعدن إلى الطابق الثاني وقالت "حسنا، ولكن إلى أين أنت ذاهبة؟" لمعت عينا تولين بحزن شديد وقالت "ذاهبة لعادل، كان يجب أن يكون أول محطة لي، لكن كما رأيتن لم تسعفني الظروف، لن أتأخر سألحق عمر قبل أن يرحل، أو سآخذ سلطان معي، أعلم أنه سيغضب من خروجي في هذا الوقت لكنه طيب وسيأخذني" كالتماثيل، مشاعرهن معزولة عن عينيهن، نظرن لها بتفهم وقالت أسمهان "لا تتأخري واحرصي على سلامتك فنحن تخطينا منتصف الليل" همست تولين "لا تقلقي وإذا احتاجت إحداكن أي شيء فملاك هنا وفرحة أيضا، لا أريدكن أن تشعرن بأن شيئا ينقصكن منزلي منزلكن" تحركت تولين نحو السلم وهمت بالنزول فتذكرت أنها لم تخبر ملاك فأخذتها أقدامها للسطح لا تدري ماذا تفعل صديقتها بالأعلى في هذا الوقت بمجرد وصول الطعام لم تتمالك ملاك نفسها ووجدت نفسها تحمل وجبة مغلفة وتستغل انشغال أمها وتصعد إليه، حاولت حين وصلت أن تطمئن عليه لكن نظرة من والدتها التي أخبرتها أن الوقت تأخر ولا يصح أبدا أن تصعد له جمدتها في مكانها وجعلت القلق عليه يتعاظم بين ضلوعها حتى ما عات تستطيع مقاومة الصعود إليه، ارتجفت ونسيم الليل البارد يلفح جسدها ولكنها اقتربت من باب الغرفة لتصدم برؤية القفل المعلق على الباب، تذكرت كيف أصر طاهر على أخذه ليبيت معه في منزل العم صلاح وهي من رجته ألا يفعل ومن المؤكد أنه وجد أن إغلاق الباب عليه أسلم حل لكي لا ينزل فيرتعب من العدد المهول بالأسفل أو يرعب الفتيات بوجوده ظلت تحدق في الباب بيأس فقد كانت تريد أن تراه وأن تعطيه الطعام فهو يحب المشويات للحظات ظلت واقفة تحاول أن تسمع أي صوت بالداخل فقربت أذنها من الباب ولكن لا يوجد صوت، من المؤكد أنه نائم فهمت بالانسحاب خطوة ثم خطوة أخرى لتتلقى في كتفها حصوة جعلتها تلتفت بفزع لتلمحه بل لتلمح عينيه الظاهرتين من تلك النافذة العالية للغرفة، أشرق وجهها كأن الشمس أشرقت قبل أوانها وهمست "يونس" اقتربت من النافذة لكنها كانت عالية تأخذ شكل مستطيل قبل سقف الغرفة بعدة سنتيمترات وقالت "أما زلت مستيقظا؟ هل تناولت طعامك؟" لم تجد منه إجابة كالعادة سوى نظراته التي تنظر لها بنوع من الحذر والترقب، رفعت الوجبة التي بيدها للأعلى وقالت "جئت لك بطعام شهي سيعجبك" لم يص*ر عنه أي حركة أو صوت فلم تيأس وهي تتلفت حولها بحثا عن شيء عالٍ تستطيع أن تصل به إليه، لتلمح السلم الحديدي وبدون تفكير تحركت تاركة الوجبة فوق السور وسحبت السلم الثقيل ثم ثبتته على الجدار تحت النافذة وحملت الوجبة وتسلقته حتى صارت ترى وجهه بالكامل فقالت بتوتر "يونس، كيف حالك؟" لم تنتظر ردا وهي تدفع الوجبة وتقول "انظر ماذا جلبت لك، أريدك أن تأكلها كلها ثم تنام لا تسهر ولا تنسَ أن تغسل يد*ك وأسنانك قبل النوم" كانت أعين يونس تنظر لها بعدم إدراك كأنه طفل يتلقى أوامر تفوق استيعابه، فبدأت ملاك تشرح له بالحركات وهي تتحدث بدون أن تمل أو تستثقل المهمة وظلت تكرر الحركات حتى مد يديه وأخذ الطعام لتهديه ابتسامة راحة ورضا وهي تقول "أحسنت يونس، أنت ملاك" "ملاك" التفتت ملاك بفزع تجاه تولين التي سألتها بحيرة "ماذا تفعلين؟" ردت عليها بتوتر "كنت أحضر الطعام ليونس" قال تولين بفزع "أي يونس؟" نظرت ملاك ليونس وأشارت له وهي تقول "ادخل وكُلْ طعامك هيا" ثم سحبت النافذة لتغلقها ونزلت تقول لتولين "يونس الشاب الذي أحضره طاهر" هزت تولين رأسها بإدراك وقالت "تذكرت ولكن ماذا كنت تفعلين بالأعلى؟" توترت ملاك بقوة وقالت "أغلق طاهر عليه الباب حتى لا يخرج فحالته لا تسمح له" قاطعتها تولين تقول باستعجال "سنتحدث عنه فيما بعد، أردت أن أخبرك أنني ذاهبة لرؤية عادل وأريدك أن تظلي مع الفتيات لعل إحداهن تحتاج شيئا ما" ابتسمت ملاك بدعم وقالت "لا تقلقي أنا هنا" ربتت تولين على كتفها قبل أن تنزل السلم بسرعة وهي تدعو الله أن يكون عمر مازال بالأسفل صوت كعب حذائها وهو يطرق ممر المشفى نحو غرفة عادل لم يكن غريبا على أذنيها ولكن الغريب جدا هو اللهفة التي تسحبها ناحية غرفته، لهفة شديدة كأن روحه كانت تنتظرها على باب المشفى وحين وصلت ظلت تدفع بها نحو غرفته لتعجل باللقاء، كان عمر وسلطان يسيران أمامها بخطوات واسعة تترجمها خطواتها عدوا، لمحت باب الغرفة فتأنت الخطا وتسارعت أنفاسها لا تعلم السبب أهو رهبة من اللقاء أم لهفة إليه، التفت لها عمر وقال "حور، سننتظرك هنا" حركت رأسها بطاعة فيما قال سلطان "لا تجزعي إن لم يستجب لك فاستجابته أصبحت ضعيفة والأطباء في هذه المرحلة يحاولون أن يهيؤوا له جوا خاليا من الآلام فيجعلونه نائما طوال الوقت" غصة أحكمت حلقها بمرار حب وود تحمله له ففتحت الباب ودخلت الغرفة مغلقة إياه خلفها بهدوء لتشهق بعنف حين وقع نظرها على عادل أو ….ما تبقى منه، كل ما تعرفه فيه رحل، كان كطيف هزيل يرقد بالسرير، هي لم تفارقه سوى أيام، يا الله اقتربت منه ودموعها تحكي القصة من البداية، دموع حزن ووجع وأسف دموع احتياج وضياع وخوف، مدت يدها تلتقط كفه الباردة الخالية من أي أثر للحياة ورفعتها برقة تقربها من شفتيها لتقبلها وهي تقول "عادل لقد عدت، عدت وكلي ندم لأنني رحلت، صدقني أتمنى لو أني ما فارقتك يوما" عادت تقبل يده مجددا وتقول "عادل، اشتقت إليك، أرجوك قاوم بكل ما أوتيت من قوة فلا أريد أن أفقدك، عادل، أنا ضائعة بدونك، عد لي أنا أحتاجك، أتعلم؟ لقد كنتَ لي دفء العالم، أشتاق كلامك الهادئ، حضنك الواسع وقبلتك التي تنام في كفي وأنت تقول لي يا جنوني، كنتُ برغم وجعي وألمي أستكين وأهدأ وأنا أتيقن أنني أملك رجلا مثلك، كأنني وجدت في كنفك بري ومرساي كنتُ قد اكتفيتُ بك صدقني وبدأت أحارب هذا الألم، لكنني بدونك لا أملك حتى روحي، ضائعة بلا هوية أعاني من التشتت" فردت كفه فوق قلبها وقالت بحرقة "هذا الاحتراق هل تشعر به؟ قلبي كبركان لا يخمد يا عادل وحممه الملتهبة لا تكوي سواي، حمقاء أنا أعلم حمقاء لأنني غارقة في بحور من الوجع، لكنني لنفسي بالمرصاد ولن أستسلم وسأظل قوية كما عهدتني" رفعت كفه إلى وجنتها كأنها ستنام فيه وهمست "أعدك ألا أكون سوى ما أردت أن أكون، رغم العثرات التي سأقع فيها سأعود لأقف و أنتظرك لكن هذه المرة أريدك أن تهرب بي، لا أذكر كم مرة طلبتَها وأنا رفضت وأقنعتك أن نبقى، ها أنا أطلبها منك عُد لنهرب سويا، لنهرب مجددا لعلنا هذه المرة نجد خلاص أرواحنا المعذبة" قبلت كفه مجددا ووضعتها بجواره ثم دارت حول السرير بعيدا عن الأسلاك الموصولة بجسده وجلست بجواره على طرف السرير ثم رفعت كفها لرأسه الخالي من الشعر وبكت بقوة تقول "حين أذكر اسمك كل الناس تراك زوجي إلا أنا أراك ملاكي الحارس، فطوال ثلاث سنوات وأكثر منذ أول لقاء لنا في هذا المشفى على بعد بضع غرف وأنا قادمة وكلي أمل أن أجد وظيفة في رعايتك لم أشعر سوى أن القدر قادني إليك لترعاني وأنت لم تقصر أبدا أو تجرحني يوما، لم تحزني يوما، لم تخذلني يوما، كنت أماني وحمايتي وونيسي وكل شيء، أنت كل شيء، أرجوك لا ترحل، قاوم المرض وعد إليّ فلمن ستتركني؟ ألا يؤلمك أن تفارقني يا عادل؟" مالت بخفة لتضع رأسها على كتفه بجوار رأسه وهي تحرص ألا تضغط على جسده، سالت دموعها ب**ت وهي بجوار أذنه تهمس "أتساءل كثيرا عن نهايتي، أين سأكون؟ بجوار من؟ هل سيكون هناك من يمسك بيدي وأنا ألفظ أنفاسي الأخيرة أم سأموت وحيدةً؟ أظنني مبتلاة بالفقد، أخشى حين أفقد كل شيء يأتي الأوان أن أفقد نفسي، حينها أنا من سيذهب للموت لن أنتظره ليأتي فأنا لم أنتظره وهو يخ*ف والدي مني ثم ها هو يسحبك نحوه، لا تستسلم يا عادل، لا ترحل، ابقَ معي أو خذني معك" سحبها من هذيانها اهتزاز الهاتف فاعتدلت ببطء كأنها تتحرك بصعوبة ومدت أصابعها المرتجفة تسحب الهاتف لتجد رسالة من حورية تأمرهم بالتحرك حالا، أعادت الهاتف لحقيبتها وهي تشعر بخمول شديد يربطها بالسرير كأنها لا تريد أن تتحرك، تتمنى لو تظل جالسة بجواره تشكي له قسوة الحياة ومرارها لكنها تذكرت وجوه الفتيات اللواتي كانت عيونهن تحكي قصص قهر وان**ار دفعتها لتميل لجبهته تقبلها قبلتين متتابعتين وتغلق عينيها وتقول "لن أغيب أعدك، أستودعك من لا تضيع ودائعه، أحبك" ظلت شفتاها فوق جبهته للحظات تبكي ب**ت، ثم وقفت تلقي إليه نظرة أخيرة قبل أن تتحرك نحو باب الغرفة والتفتت له قبل أن تخرج وتغلق الباب خلفها، وقف سلطان وعمر فقالت بصوت متقطع "علينا أن نتحرك، يجب أن نصل مع شروق الشمس" عبس سلطان وقال "لننتظر للصباح فإن خروجكن في هذا الوقت غير مناسب أنتن فتيات بلا رجل وهذا الوضع لا يليق، هل تظنين أنكن في منزل رجل لا يراعي الأصول أم تعاملاتكن السابقة كانت مع أشباه الرجال؟" قال عمر بتحذير "سلطان" هم سلطان بالرد لتقاطعه تولين تقول بإرهاق "أنت ستكون معنا يا سلطان وأظن هذا يكفي" أسقطت في يده فما كان منه سوى أن زم شفتيه وتصلب فكه وسار أمامها ساحبا عمر الذي نظر لها باعتذار فهزت رأسها بلطف وسارت خلفهما تفكر أن الوقت يجري بسرعة لا تساعدها، يجري ولا تعلم هل هو معها أم ضدها وهي مرهقة ليست مستعدة للقادم إطلاقا داخل الغرفة المغلقة خرج الظل المتواري للنور فأصبح مرئيا رؤية العين وتقدم بخطوات بطيئة نحو عادل الذي سالت دموعه على جانبي وجهه وحين شعر بالظل الضخم يحلق فوقه، فتح عينيه بضعف وهمس ببضع كلمات شعر أنه لابد أن يفصح عنها لأجل من حملت الروح ورحلت طائرة خاصة تشق الغيوم حاملة على متنها سبعة رجال أقل ما يقال عنهم أنهم مشتعلون بنيران تكاد تشق صدورهم غضبا خوفا وشوقا وعدم إدراك لما يحدث، منذ عودتهم إلى المنزل ليكتشفوا أن الأطفال اختفوا حتى ابنته تولين وبمنتهى الهدوء سجى تخبرهم أن تولين جاءت وأخذت الأطفال بعد أن أخبرتها أن الفتيات تركن القصر بعدما تأكدن من خيانتهم، وأنها لم تكن لتحرم الأطفال من أمهاتهم وأن من أخطأ يتحمل نتيجة خطئه كان حديثها جافا لكنه صادم تولين جاءت بمفردها وأخذت الأطفال ….. حتى ابنته التي لا تطيق رؤيتها؟؟ كيف؟ سألها إلى أين ذهبن، أنكرت أنها تعلم شيئا حتى احتد مأمون عليها فجابهته ببرود قائلة إنها فعلت ما رأته صحيحا وليست نادمة، لم يشأ أن تتعقد الأمور بينهما بسبب مشاكل لا تخصهما، حاول بشر أن يشاهد شرائط المراقبة فلم يرَ سوى ما أشعل روحه حين شاهدها تدخل خلف ابنته البيت الهوائي لتخرج بعدها بلحظات ساحبة ابنته بيدها كأنها ألقت عليها من سحرها تعويذة خاصة تعويذة كالتي ألقتها عليه حين حملها بين يديه كقطعة وردية أرسلها له الله إنها نعيم، نعم هي نعيمه وجحيمه في الدنيا، هي سر كل ما يحدث له، ما بداخله نحوها لا يمكن أن يوصف، كأنه يشعر أنها نبتت بين أضلعه، إنها منه وداخله إلى درجة لا توصف وهو لا يعلم كيف يعيش بدون أنفاسه أو بدون قلبه أو بدونها، ولا يعلم هل لعذابه نهاية أم نهايته الموت بين يديها؟ أخرج أنفاسه الملتهبة واستنشق أخرى لم تهدِّئ من وجيب قلبه ولا من حرقته، حرك رأسه يمينا ويسارا يتمنى الخلاص …يتمناها، فخلاصه هي هي فقط، لا يريد سواها لكنها بعيدة بشكل مؤلم وهو يخشى إن مد يده وجذبها لتقترب أن ترفض وتثور فيؤلمها بقبضته التي لن تفلتها ويؤلم نفسه برفضها، هو كمراهق لا يدرك كيف يقترب من الفتاة التي يعشقها، هموم الحياة ومشاكلها جعلته مثقلا لدرجة أنه حين يقف أمامها يكون كمن وصل إلى آخر محطة يسعى إليها، فيقف مذهولا مبهوتا يتوق لأن يضمها حتى يدفعها بين الضلوع ثم يصرخ ملقيا حمول الحياة كلها معلنا أخيرا أن روحه عادت وآن له أن يستريح صراخ أسد المفزع سحبه من لجة أفكاره وهو يقول "سافرن! كيف؟ إلى الآن لا أصدق من أين أتين بهذه الجرأة؟ وإلى أين؟ إلى أين؟ قلبي سيقف" قال عاصي "أسد، توقف عن الصراخ، من المؤكد أنهن ذاهبات لأبيك لإخباره بما رأيْنه، الوضع كان صعبا وهن ظنّن أن لا أعرف ماذا أقول، الموقف كان مقززا" قال صفي بصوت مهزوز "نحن لم نفعل شيئا أنا لم أفعل شيئا كيف جعلنَها تسافر وهي متعبة بهذا الشكل؟ لقد خرجت من المشفى منذ يومين فقط، أنا سأجن أكاد أنفجر" قال ليل بهدوء مخيف "كيف تأكدتم أن وجهتهن أرض العزايزة؟" رد عليه منذر الذي كان يرتجف وقلبه ينتفض بذعر وألم "ليس هناك مكان آخر يمكنهن قصده في مصر، أتمنى فقط أن نجدهن هناك" قال عاصي وهو يبتهل بالدعاء "بإذن الله سنجدهن، بإذن الله" ساد ال**ت للحظات تعالى بها رنين هاتف بشر ليجده رجل مأمون الذي أخبرهم بوجهة الفتيات يقول له "سيد بشر لقد تأكدنا أن الرجل بالملهى هو نفسه الرجل الذي وصل معهن المطار والذي كانت سيارته تقف بعيدا عن كاميرات قصرك في الأيام الماضية لساعات طويلة لكن التقطته كاميرات السير، إنه رجل أعمال مصري اسمه رائف جسور حشاد" انفجارات كغارات الحرب بل أشد وأعنف هزت جسد بشر الذي صرخ بعنف وأنفه ينزف وقد بلغ ضغطه أقصاه "ليس مجددا ليس مجددا يا تولين "
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD