لأذني ذلك الذي يتوضأ، يردد خلفها بخفوت وابتسامة ذائبة تفيض محبة ويهز رأسه برضا يملؤه حتى التخمة وهو يحسن وضوءه خرج جعفر من الحمام وبيده منشفة صغيرة واقترب يجلس بجوار نعمة وهو يقول "همسك يدغدغ روحي يا نعمةً من ربي صباحك رضا من الرحمن" مال ليقبل جبهتها فرفعت رأسها تقول "رضي عنك وأرضاك الرحمن يا جعفر، لم أشأ إيقاظك" أحاطها بكتفه وربت بيده عليها بحنان وقال "وكيف أنام وأنت لست بجواري؟ أشعر بك طوال الليل، النوم يجافيك هل هناك ما يؤلمك؟" توترها ظهر في حركات السبحة التي تحركت بين أصابعها بقوة وقالت "أبدا، أنا بخير، لا تقلق لكن قلبي مقبوض يا جعفر ولا أعرف السبب" عبس جعفر ووضع يده على مكمن قلبها وقال "فرّج الله هم قلبك يا نعمة وأبدل حزنك فرحا وقلقك راحة وضيقك ف*جا يا غالية" همست بتأثر "اللهم آمين اللهم آمين" سألها جعفر بتوتر "هل تخفين عني شيئا يا نعمة؟" نظرت له نعمة بتمعن وقالت "أخشى أن يكون العمر ضاع في طاعة لا تقبل، أخشى أن أكون قد ظلمت أحدا أو سكتّ عن حق أحد أو تركت أحدا ليغرق ولم أمد له يد العون، أخشى ظلمة القبر يا جعفر وأخشى نيران جهنم" توسعت أعين جعفر من هول ما يسمع وقال بلهفة "معاذ الله يا قلبي أن تكوني ظالمة، وبقدرته ورحمته الواسعة لن تمسّ النار قلبك ولا جسدك، كيف تظنين أنك قد ضللتِ طريق الحق وأنت تطعمين الفقير والمسكين وتكفلين اليتيم وتمدين يدك في الخير بغير تفكير ولا حساب؟ تساعدين الكل فلا يُرد عندك سائل ولا يخيب ظنّ من قصدك، ما بك اليوم يا قلب جعفر؟" هزت رأسها وقالت "إخلاصنا في العبادة وإكثارنا من الخير قد لا يكون كافيا لدخول الجنة، لربما ارتكبنا إثما رأيناه هينا صغيرا وهو عند الله عظيم، ما نحن سوى عباد الرحمن وكل ابن آدم خطّاء" سارع جعفر يقول وهو يضمها لص*ره" وخير الخطائين التوابون يا نعمة، لا حول ولا قوة إلا بالله، ماذا بك اليوم؟ هل تريدين لقلبي أن يلتاع من خوفه عليك؟ وحّدي الله يا نعمة من ربي، إن الله غفور رحيم" رفعت رأسها لتقع بحورها بين حدقتيه فتزيده غرقا فيها وقالت "أنا بخير يا جعفر، أنا فقط أذكرك أن الإنسان مهما بلغ صلاحه يمكنه أن يخطئ في حق ربه والخوف كل الخوف من ذنوب تخفى حتى عن صاحبها، ذنوب نعمى عن رؤيتها، ذنوب نظلم بها أنفسنا وغيرنا" شعر جعفر بانقباض قلبه وهمس "اللهم احفظنا ،اللهم احفظنا" ظلت أعينهما معلقة ببعضها ولكن طرقات هادئة قطعت التواصل فالتفت جعفر للباب بملامح شاردة مأخوذة وقال "ادخل" دخلت تبارك على استحياء تقول "صباح الخير يا شيخ صباح الخير يا أمي" رد عليها جعفر بمحبة رغم أن الابتسامة لم تستطع أن ترتسم فوق ملامحه "صباح الجمال يا بنت الشيوخ" قبلت تبارك كف جدها بحب وقالت "آسفة يا شيخ أنني طرقت الباب بهذا الوقت" ربت جعفر على رأسها بحنان وقال "في أي وقت تطرقين الباب ستجدين الشيخ ينتظرك يا مليحة" تحركت تبارك لتقبل كف نعمة بحب وتقول "هل تغازلني يا شيخ في حضرة نعمة؟" لمعت أعين جعفر وقال "ل**ني لا يتذوق الغزل إلا حين ينطق اسم نعمة، فإن أصدقتك القول يوما هذا لا يعني أن قولي غزل، فأنت أخذت الحسن من أمك وأبيك" أسبلت نعمة أهدابها وقالت وهي تتحاشى أن تبتسم "ما الذي جاء بك في هذا الوقت يا شبيهة أمك؟" كان رد نعمة واضحا وكأنها طفلة تشتعل من الغيرة فابتسمت تبارك وقالت "لقد تعبت أمي منار واضطر أبي أن يسافر بها للعا**ة، يبدو أنه خائف أن تكون حاملا وتنزف مثل ما حدث آخر مرة" قال جعفر "لا حول ولا قوة إلا بالله، لماذا لم يخبرني أو يخبر أخاه ويأخذه معه؟" ردت نعمة "أنت تعرف ابنك، من المؤكد ذهب عقله من الخوف حين تعبت زوجته، اللهم سلم طريقهما، لا تهاتفه وهو يقود السيارة فحين يصل سنهاتفه لنطمئن، خير إن شاء الله" أمسك جعفر بكفها وقال "وكأن قلبك كان يعلم، ألم أقل لك أن بقلبك نور، سلِّم يا رب سلِّم، أين أخواكِ يا ابنتي؟" قالت تبارك "أوصلنا أبي ورحل، هما الآن في غرفة عمتي غفران" نظرت نعمة لتبارك نظرة ذات مغزى وقالت "خذيهما لغرفة أبيهما لكي يكملا نومهما ولكن بعد الصلاة" قالت تبارك بطاعة "أمرك يا أمي" تحركت تبارك خارج الغرفة فيما مالت نعمة على كتف جعفر الذي يشعر بقلبه الذي لم يخطئ فيها يوما أنها تخفي شيئا ليس بالهين لتستجلب هذه العزيمة لتخفيه عنه، **ت شاردا بعينيها اللتين لم تنما وبجسدها المرهق من السهر لكنه **ت بصبر ينتظرها أن ترتاح وبعدها ستخبره بكل شيء
الحافلتان تنهبان الطريق والوقت يمر روح المرح التي كانت تملأ الأجواء حين ركبن الحافلة لأول مرة لم يعد لها مكان، فالتوتر يملأ الأجواء ودقات قلوب الجميع ت** آذانهن، وأرواحهن تطوف في ملكوت الله تلهج بالدعاء بأن يمر كل شيء على خير، سكون كئيب يحاوطهن وعيون شاخصة نحو شروق الشمس الذي بدأ ينير الكون وأفكار معقدة تشاركنَها رغم ال**ت، تمطت تولين الصغيرة بأحضان تولين الكبيرة وهمست بصوت ناعس "أمي إلى أين سنذهب؟" اقشعر بدن تولين من كلمة أمي وظلت صامتة للحظات قبل أن تقول "نحن ذاهبات لأرض العزايزة" توسعت أعين الصغيرة وقالت "هل هي كأرض العزة؟" ابتسمت تولين بشجن وقالت "إنها أرض العزة الخاصة بنا ستنبهرين بها وأنا أيضا فأنا لم آتي إلى هنا سوى وأنا في مثل سنك أو أصغر" نظرت الصغيرة من زجاج النافذة نحو الطريق الممتد الذي يكتظ بالأشجار على جانبه وقالت "سأصورها لجواد، هل يمكنني مهاتفته الآن؟" نظرت تولين للساعة ثم قالت" من المؤكد قد نام، لقد قاربت الساعة هناك منتصف الليل، لماذا لا تأخذين بعض الصور ونؤجل المكالمة لبضع ساعات؟" ابتسمت الصغيرة ونامت فوق ص*رها انتظرتها تولين أن تتحرك لكنها التصقت بها وقالت "هل يمكنك أن تغني لي أغنيتي المفضلة؟" مسدت تولين شعرها وقالت "للأسف لا أعرفها لكن أعدك أنني سأحفظها من أجلك ويمكنني أن أغني لأجلك شيئا آخر" قالت الصغيرة بحيرة "مثل ماذا؟أغنية الجنيات؟" ابتسمت تولين وهزت رأسها لتغني بصوت ناعم
فنظرت لها كنزي بابتسامة وقالت "يا وردة المعي …. خلي القوة تبان" شاركتها أسمهان قائلة "يرجع اللي كان اللي ضاع من زمااااان" بدأت مشاركات متوترة تتداخل كاسرات حاجز الخوف والتوتر، ابتسمت تولين بارتياح بسيط وأصوات الفتيات تعلو مثيرة داخلها شعورا بالانفصال عن مخاوفها وأحزانها ليأتيها صوت إحداهن تسأل "ما هي تكملة هذه الأغنية؟" التفتت لها تولين وقالت "هي هكذا فقط بمجرد أن يعود الضائع ونلمع بقوة لا يعد هناك كلام ليقال" ردت عليها الفتاة بمرح "إذاً غني أغنية أخرى ونحن سنغني معك" صرخت تولين الصغيرة بحماس وتنبهت حواس الفتيات يحاولن الهروب في أي طريق غير طريق الأطفال فقالت تولين "حسنا دعونا نغني، اخترن أغنية" صارت الاقتراحات تتناثر من أفواههن بسخرية وبجدية وبمزاح قلب الجو رأسا على عقب لكن توقف الحافلة المفاجئ لفت انتباه الجميع، قالت كنزي للسائق "لماذا توقفت؟ هل وصلنا؟" رد السائق الخمسيني والذي اختاره سلطان بعناية "لا ولكن الحافلة الأمامية توقفت والطريق ضيق لا يمكنني أن أرى ما سبب وقوفها" اقتربت تولين تنظر من خلال الزجاج للحافلة الأمامية وقالت "من فضلك افتح الباب دعنا نرى ما يحدث" فتح السائق الباب فترجلت تولين وبيدها تولين الصغيرة وكنزي وتقدمن للأمام فوجدن سلطان يقف بغضب وأمامه شاب طويل وسيم يرفع سلاحا ويصرخ به "عودوا من حيث أتيتم" توسعت أعين تولين وانضمت سارة المذهولة لهن لتقول "من أين ظهرت؟ هل أنت أ**ق؟ ألا ترى عددنا؟ اخفض سلاحك وعد أنت من حيث أتيت وإلا مزق أخي وجهك" نظر لها ظافر بترفع وعاد بنظراته لسلطان وقال "ما دمت الرجل الوحيد معهن ها أنا أتحدث إليك رجلا إلى رجل، عودوا من حيث أتيتم" قال له سلطان بغضب وقال "لا تقل رجلا إلى رجل، فأنا لا أرى رجالا أمامي، فأنت تعلم أن من يتعدى على النساء ويرفع سلاحه بوجههن يكن حيوانا خاليا من الرجولة والنخوة" صرخ به ظافر "اخرس ولا تجعلني أفعل ما تندم عليه، خذهن وارحل فلا مكان لكم هنا" لم يعد سلطان يستطيع التحكم في غضبه ويخشى على أخته والفتيات فهن أمانة لديه فصرخ بهن "عُدْن للحافلة وأغلقن الباب، لا أريد واحدة منكن بالخارج" قالت سارة برفض "سلطان لن أتركك بمفردك في وجه قاطع الطرق هذا" صرخ بهوت هادر "سااااارة" احمر وجه سارة وهي تشعر أن سلطان لن يتراجع عن غضبه فنظرت لتولين باستجداء لكن تولين كانت تشعر بالشلل وهي تسحب الصغيرة وتدفعها خلفها، صوت ناعم قوي جاء من الخلف يقول "ما هذا يا ظافر العزايزي؟ ماذا تفعل بذلك المسدس؟ هل ستطلق النار بالهواء احتفالا بوصولنا؟ صحيح أن الدنيا مازالت بخير" نظرت تولين لأسمهان التي تقدمت تحمل محسن الغافي على كتف وعلى الكتف الآخر تنام ضفيرتها الطويلة المشعثة، نظر لها ظافر بتوتر أخفاه بمهارة وعيناه تفحصانها من منبت رأسها وبعينه سؤال عالق نظر لها سلطان ال**بس وقال "أتعرفينه؟" ابتسمت أسمهان بتهكم وقالت "ابن عمي وعمهن ولن يطلق النار اطمئن، رغم أنني أتساءل عن سبب ما يفعله ولكن ليس لدينا وقت للتفكير، دعونا ننطلق وإذا ظل واقفا يعترض طريقنا اصدمه واعبر من فوقه، لا نريد أن نتأخر" تصلب فك ظافر وعيناه التصقتا بأسمهان يحاول أن يتذكر أي ابنة عم هي فهذه أول مرة يراها فكيف تتحدث عنه هكذا، ألقاه سلطان بنظرة غاضبة وتحرك نحو الحافلة فصرخ به ظافر "توقف" لم يلتفت له أحد فلم يفكر قبل أن يض*ب طلقة طائشة بجوار قدم سلطان جمدتهم جميعا، نزلت سمراء من الحافلة وأمرت السائق بأن يغلق الباب لتتجمد من المنظر، اقتربت من أسمهان و قد أفزع صوت الرصاصة محسن فرفع رأسه يبكي بقوة وقالت "ماذا يفعل هذا المجنون؟" لم ترد عليها وهي تعطها محسن بعنف والتفتت بأقدام تدك الأرض لتقف في وجه ظافر بأعين غاضبة مشتعلة شعر بلهيبها رجل الثلج الواقف أمامها وقالت "أقسم بالله يا بن العزايزي إن لم تفسح الطريق لنا لنعبر بكل هدوء فسأجعلك عبرة لمن يعتبر وبمجلس الشيخ أمام رجال العائلة، أيها الجبان، أترفع سلاحك على نساء تجري بعروقهن نفس دمائك؟"
زلزال أصاب جبال الثلج في عينيه لتكون نظراتهما اشتعال وانصهار وكأنهما بمجال مغناطيسي مغلق، رفع ظافر حاجبه يرمق قوتها بإعجاب وقال "هذا إذا وصلتم أرض العزايزة، صدقيني لن يمر أحد" ابتسمت أسمهان وقالت "صدقني أنت لا نحتاج للمرور فخلال دقيقة بل لحظة ويصبح البث مباشر، انظر" التفت ظافر للفتاة التي كانت تصور ما يحدث بهاتف من خلف زجاج الحافلة وزمجر "أحضري ذلك الهاتف ولا تشعلي نيراني" قالت بتهكم "وهل لجبل الثلج أن يشتعل؟ ابتعد عن وجهي" استغل سلطان انشغال ظافر وهجم عليه يلكم قبضته بعنف فطاح المسدس على الأرض قريبا من سيارة ظافر التي تسد الطريق، دار عراك حامي جعل سارة تكاد تتدخل خوفا على أخيها الذي كان ظافر يقاربه قوة وغضبا ويرد الصاع صاعين، حاولت أسمهان أن تتصرف فتحركت ناحية سيارة ظافر لتبعدها عن الطريق وهيا تشير لسمراء أن تعود بالفتيات للحافلة، تحركت سمراء بمحسن لتعطيه لعزيزة التي كانت تبكي بفزع وتضع يدها على قلبها ثم سحبت تولين الصغيرة التي ظلت تصرخ لا تريد ترك أمها ثم سحبت كنزي وهي تقول "أسمهان ستمهد لنا الطريق اجذبي سارة للحافلة" نظرت كنزي لأسمهان التي جلست خلف عجلة القيادة في سيارة ظافر وجذبت سارة بقوة تدفعها إلى الحافلة لكن ظافر كان قد لمح ما يحدث فاستجمع قوته التي تراخت من ض*بات سلطان وسدد لأنفه ض*بة جعلت أنفاس سلطان تنقطع والدم يسيل من أنفه ليسقط من شدة الألم على ركبتيه يحاول التقاط أنفاسه وتحرك نحو المسدس ليحمله ويوجهه ناحية أسمهان ويقول لها بغضب "انزلي" صرخة سارة المرعوبة "أخي، سلطان" جاءت تزامنا مع ظهور رائف الذي سدد فوهة مسدس آخر لرأس ظافر وقال "انزل أنت على ركبتيك" حركت أسمهان السيارة نحو الأرض الزراعية مستغلة ارتباك ظافر الذي قال بكبرياء "لن أفعلها ولو كان موتي بيدك، لم يلد بعد من أركع أمامه" نظرت تولين لرائف بجزع فابتسم لها وقال "أخبرتك أنني سأكون معك وحولك، آسف أني تأخرت قليلا" رفع ظافر عينيه فلم يجد أحدا سوى فتاة محجبة تحاول مساعدة الرجل المسجى على الأرض، لم يتبين ملامحها وقبضته تشتد على سلاحه، شاهدها تعتدل بارتجاف وترجع للخلف خطوتين فرفع حاجبه بارتياب طار بالهواء حين اعتدل سلطان فجأة قافزا نحوه ليرتد جسدهما معا على الأرض بقوة شعر ظافر أنها سحقت ضلوعه، فارتخت قبضته على المسدس الذي أسرع رائف يقذفه بقدمه بعيدا حيث الأشجار الكثيفة فلم يعد له أثر مد رائف كفه لسلطان الذي كان يجثو فوق رائف فنظر له بريبة قبل أن يمد كفه له فسحبه رائف ليقف وهو يقول "هل أنت بخير؟" قال سلطان بعنف "ليس طويلا فإن لم أفهم لماذا تقف أمامي الآن لن يكون أحد منا بخير، فاستغفالي أمر عواقبه وخيمة على الجميع" قال الكلمة بمغزى وهو يلتفت لتولين التي كانت تضم نفسها بارتجاف، فرد عليه رائف "أعدك سنلتقي ونتحدث لكن ليس الآن، عليك أن تسرع بالتحرك قبل أن يستطيع هذا الأبله التحرك " نظر سلطان لظافر وقال "أنا متأكد إنه لن يستطيع التحرك فلقد هشمت ضلوعه" ثم التفت إلى رائف ولكمه بعنف جعله يتراجع للخلف أكثر من خطوة وهو يقول "كما سأهشم وجهك إذا ظهرت مجددا في طريقي بدون سبب لأكتشف في النهاية أنك تستغفلني" توسعت أعين رائف وكاد أن يدور عراك آخر ولكن نظرتها المترجية جعلته يتحكم في غضبه فيقف كالمكبل يلقي سلطان بنظرات تكاد ترديه قتيلا وهو يتلمس فكه، تحركت أسمهان حتى وقفت فوق رأس ظافر لتجده ينازع الألم لدرجة جعلته على وشك أن يفقد وعيه، نظرت له بقوة لينظر لها ببرود رغم كل ما به فقالت له "لا تتحرك إن كان لد*ك **ر، سأحاول أن أرسل أحد لينقذك" ثم تحركت تسحب تولين وهي تقول لها" هيا تأخرنا" لوح رائف لتولين وأشار لها بيده وهو يحرك شفتيه بدون صوت ويقول "سأكون حولك ومعك" أسرعت تولين نحو الحافلة تضم الصغيرة التي تبكي بحزن لأنها تركتها وجسدها يرتجف وصعدت وراءها أسمهان، أما سلطان فالتفت إلى رائف وقال "حسابنا لم ينتهِ بعد لدي أمانة سأوصلها وبعدها سأجدك" لم يرد رائف بل شاهد سلطان يتحرك للحافلة ليتحركوا أمام أعين ظافر الذي فقد وعيه وآخر ما يذكره هو صورة أسمهان وصوتها، رفع رائف هاتفه يطلب الإسعاف لظافر وأعاد سيارته لمنتصف الطريق بعد أن مرر سيارته وجلس على مقربة يراقب الطريق منتظرا قدوم الإسعاف يخشى أن يتركه ملقىً في منتصف الطريق ويرحل وفي نفس الوقت يحترق لأنه لم يتبعها، مد يده يسحب الظرف الملقى على الكرسي المجاور له في السيارة، كان ظرفا قديما لا يعرف ماذا سيفعل به فهمس وهو يسحب الظرف ويلقيه في درج السيارة "سأتفرغ لك لكن ليس الآن" دقائق وبمجرد وصول الإسعاف لأخذ ظافر انطلق رائف ينهب الطريق نحو أرض العزايزة ليقف مذهولا من المشهد، سيارات كموكب لا نهاية له تتقدمهن الحافلات يعبرْن إلى أرض العزايزة التي يدرك صعوبة مروره إليها ابتسم باتساع رغم ألم فكه وهو يهمس "لن يداوي جروحك سواي ودوما سأبقى معك وحولك مهما حدث" أوقف السيارة في أقرب مكان يمكنه الوصول له حتى يجد طريقة للتسلل للداخل، وفجأة تذكر الظرف فمد يده بدون اهتمام يفرغ محتوياته على الكرسي المجاور ليجد أوراقا قديمة وبعض الصور، ظل يقلب وهو لا يفهم ما الغرض من وصول هذا الظرف إليه لتقع بيده شهادة ميلاد وشهادة وفاة بالكاد يتبيّن الكلمات بهما ليتشنج جسده وأصابعه و عقله يرتب أوراق الأحجية أمامه ورقة ورقة فتشتعل عيناه وكأن الوصول لحدود هذه الأرض كان خطأً لا يغتفر خطأً فتح أبواب الجحيم
أرض البيت الكبير كانت تهتز بذهول، الرجال الغفر وكل البيوت المجاورة للعائلة، لا أحد يفهم ما يحدث والجميع مصدوم أن زوجة شيخ أرض العزايزة أعطت أمرا بمرور الموكب الذي اجتمع على أطراف البلد، منذ متى تأتي المواكب بالنساء؟ على بوابة الباب الكبير ترجلت الفتيات ليجدن غفران وتبارك تقفان لاستقبالهن فيما كانت حورية تعاني في الأعلى خوفا من اللحظة التي سيفتح بها منير عينيه.
لا تنظر لرقة ملامحي ولا لجمال ابتسامتي، لا تغرنّك نعومة شعري وورود وجنتي، فإن لم تغريك ثورة روحي وتمرد ال*قل والمنطق داخلي وإن لم يبهرك سعيي الدائم لبلوغ الحق فأنت لا تراني
أصوات متداخلة تلج إلى غياهب اللاوعي داخله وتسحبه بإزعاج وهو لم ينم سوى بعد صلاة الفجر، تقلب بقلق يحاول أن يظل نائما لكن ازدياد الأصوات جعله ينتفض جالسا على سريره ينظر إلى المنبه متفاجئا أنها السادسة إلا ثلث فمن أين ستأتي هذه الأصوات في هذا الوقت المبكر؟ سمع صوت الماء يتدفق في الحمام فعلم أن حورية تستحم داخله، كان يخطط أن يصل تلك الليلة لأعماقها فتعترف بما تخفيه فغرق ولم يجد للنجاة دربا، ابتسم بسعادة وعقله يأخذه لجنونهما ولكن الصوت الغير طبيعي في الخارج جعله يتحرك نحو النافذة ويفتحها ليتفاجأ بمدخل البيت الكبير يعج بالسيارات وحافلتين ممتلئتين بفتيات يترجلن ليدخلن المنزل، أغلق النافذة بجزع واستدار يبحث عن هاتفه ليأتيه صوت حورية تقول "منير عمَّ تبحث؟" اقترب منها وقال "عن هاتفي، هل تعلمين ماذا يحدث؟ هل أقامت أمي وليمة بدون علمي؟ ففي الأسفل موكب ضخم بل مهول، هل يمكن أن يكون هناك اجتماع وأنا لا أعرف؟ المنظر أذهلني" هربت حورية بعينيها وقالت "منير ليس هناك وليمة ولا اجتماع، الأمر بسيط أستطيع إخبارك بكل شيء لو استمعت إليّ وهدأت قليلا" شعر منير بالريبة وقال "أنا هادئ يا حورية، لماذا تظنين أنني لست كذلك؟" تحركت حورية نحو الخزانة بعصبية ظهرت من حركة جسدها المتشنج وقالت "أنا لم أقل هذا، قصدت أنك لو أعطيتني الفرصة سأخبرك بكل شيء" رفع منير حاجبه وقال "حورية، ماذا تخفين عني؟" بدأت حورية تستجمع كلماتها وقالت "وماذا سأخفي عنك؟ كنت فقط أريد أن أخبرك أن فتيات العائلة جميعا في الأسفل" رفع حاجبه وقال "فتيات العائلة جميعا! كيف؟" كانت حورية تحارب لغلق سحاب فستانها فتقدم يغلقه وهو يسمعها تقول "أقصد فتيات العزايزة، بنات عمك" تشوشت أفكار منير فقال "أتقصدين عائلات أعمامي جميعها؟" همست بخفوت وهي تتحرك نحو المرآة "لا، أقصد الفتيات فقط ...بنات أعمامك فقط" جذب ذراعها لتنظر لوجهه وقال بغضب "أتقصدين أنهن جئن بمفردهن؟ وكيف وافق رجال العائلة على هذا؟ أنا لا أفهم شيئا، ثم هل كنت تعلمين أنهن سيجتمعن ولم تخبريني؟ أراك تتحدثين بل**ن العارف بخبايا الأمور، حورية أخبريني ماذا يحدث؟" قالت له بهدوء "لقد جئن لرؤية أبي جعفر، لديهن بعض المطالب" إن كان ما بداخله توجس ها هو التوجس تحول إلى يقين فقال بصوت قاطع "حورية لماذا لا تكونين أوضح، أرى بعينيك الذنب كالغيوم، اعترفي بما تخفينه الآن، فإن لم أعلم منك سأعلم من غيرك وحينها سيكون حسابنا مضاعفا" رعدة قوية سرت بجسدها وقد شعر بها لكنها تماسكت ونظرت له بقوة وهي تقول "منير، أنا لم أفعل شيئا يضع بيننا حسابا، أنا فقط قدمت المساعدة حين طُلب مني ذلك، ساعدتهن في سعيهن فقط، أظن أن هذا واجبي تجاه العائلة، أن أمد يد العون دوما" صرخ بها منير وقلبه يحدثه أن زوجته وضعته ووضعت نفسها بمأزق "توقفي عن التلاعب بالكلام، وبدون لف و دوران أخبريني بما فعلتِ، فلا أظن أن تجميل الحقائق يغير منها" نزعت ذراعها التي اشتدت قبضة منير عليه وقالت "أنا لا أحتاج تزيين أي فعل يص*ر مني لأنني أحرص دائما على أن تكون أفعالي سليمة لا تسيء لك أو لي، أخبرتك أنني ساعدتهن فقط " تصلب منير ينظر لها بغضب ثم أخذ نفسا قويا وقال "حسنا يا حورية، دعيني أسير خلفك حتى نرى إلى أين سنصل، هل يمكنك إخباري مَن مِن الفتيات طلبت مساعدتك ومن أجل ماذا؟" كان هذا هو السؤال الذي تناور للهروب منه، تعلم أن هذا ما كانت تخشاه من البداية لكنها لا تفعل هذا لأجل الفتيات فقط، بل تفعله لأجل أولادها وأبنائها القادمين، من تكون تلك العائلة لتلعب بخيوط المستقبل وتربط المصائر بكلمة منها؟ قالت كمن تيقن أنه سيسقط لا محال "اسم الفتاة لا يهمك ولا أستطيع الإفصاح عنه، يمكنك اعتبارها أي واحدة ممن في الأسفل، فالآن لا يهم من طلب ومن بدأ المهم هو ما سيحدث" **تت للحظة ثم قالت "والطلب هو تسهيل التواصل بين بنات العائلة داخل مصر وخارجها وإقناعهن بالمطالبة بفض المكاتيب وطلب الطلاق لكل واحدة تعيش تحت سقف واحد مع رجل تستحيل عشرته" ما هو شعوره الآن؟ صدمة؟ بل الأمر تخطى ذلك، طعنة نافذة؟ الأمر تخطى هذا أيضا، إنه هلاك! قال بصدمة "وهل فعلتِ؟" تكلمت حورية ووجهه الذي انسحبت منه الدماء يمزق خلاياها "نعم فعلت وصُدمت من كمية النساء التعيسات الخاضعات تحت جبروت رجال لا يستحق الواحد منهم ظفر واحدة منهن ولكن حكم العائلة يفضي ألا طلاق لا حياة حكمٌ عليهن بالتعاسة حتى الممات، تخيل معي أن أكون نائمة بجوارك وأنا متقززة منك ومن أنفاسك، تخيل العذاب، أما الفتيات فكن كالمقيدات بأطواق مدببة في أعناقهن، لم يكن لواحدة منهن حق الاختيار ولا التجربة، لم يكون لواحدة منهن أن تحيا حياة طبيعية لماذا؟ لأن العائلة تملك مكاتيبا أهم منهن ومن أحلامهن، هل لك أن تتخيل العدد في الأسفل؟ وصلت القاهرة بالأمس حافلتان ممتلئتان ومن جميع المحافظات حتى أرض العزايزة، من كل حدب وصوب جاءت امرأة تصرخ تطالب بحقوقها، هؤلاء النساء سيزلزلن هذه الأرض حتى يحصلن على حقوقهن، لم يعد هناك مجال للتراجع، لقد فعلت ما رأيته صحيحا، أعلم أنك لم تكن لتوافق لو أخبرتك لكن صدقني هذا ما كان يجب أن يحدث منذ زمن، هل كنت تظن أن مواساتي لغفران ستكفي؟ هل كنت تظن أنها مهما فعلتم لأجلها ستكون سعيدة مع رجل متزوج ولا تحبه؟" **تت و**ت والنظرات تحدثت، كانت عيناها ترجوانه أن يتحدث لكنه تحرك نحو الحمام فأمسكت ذراعه تجذبه وتقول "لماذا لا ترد عليّ؟" نظر لها بخيبة ملأت عينيه وكأن قلبه الذي يتصدع قد علا صوته حتى أذهله، قال لها بصوت مختنق "لم يعد هناك كلام ليقال، أنت اخترتِ وفعلتِ ما رأيتِه صحيحا، لكن وسط كل هذا هل نظرتِ لي؟...لا أظن، بالماضي سقطت بين يد*ك خوفا من أن تتركيني وكأن في هذه العلاقة أنا فقط من يفكر ومن يعطي ومن يلهث خلف سعادتنا، لسنوات ابتعدتُ بك ومثلت الجمود أحاول أن أسيطر على جموحك لكن ها أنا أكتشف بعدما بلغت الأربعين أنني أبله لم أفعل معك شيئا سوى أني مكنتك من قلبي أكثر وأكثر وفي النهاية تردين لي حبي بأن تقفي في وجه عائلتي محرضة فتياتها ونساءها على التمرد، في النهاية خنتني وبأسوأ طريقة، هل يمكنك تصور موقفي وأنا واقف أمام أبي في هذا السن ليقول لي زوجتك تعبث بعقول نسائنا وأنت لا تستطيع السيطرة عليها فمن الأفضل أن تطلقها هل هذا ما تسعين إليه؟ إذا كان هذا هدفك كان يمكنك طلب الطلاق بطريقة تحفظ كرامتي أكثر، أم التقليل مني لد*ك ليس له اعتبار أنا لست مصدوما أنا " لم يستطع أن يكمل كلامه فتحرك تجاه الحمام مغلقا بابه بعنف، تاركا إياها كتمثال كأنها فقدت روحها من هول ما سمعته، تنظر لباب الحمام بفزع وتهمس "طلاق!" تحركت نحو باب الحمام تحاول فتحه لتجده مغلقا من الداخل فطرقت عليه بعنف وهي تقول "أنا لا أصدق، أبي جعفر لن يفعلها أنت تعلم أنه يحبني وأنت تحبني ولن تطلقني أو تتخلى عني هل تسمعني؟ أنا زوجتك وسأظل هكذا حتى الممات، حتى لو افترقنا يا منير لن أتطلق منك ولن تكون لامرأة سواي" ض*ب الباب من الداخل بعنف جعلها ترتد للخلف وصرخ "أبي سيفعلها لينقذ هيبتنا من الضياع، ليحفظ ماء وجوهنا، أنت تلاعبتِ في منطقة خطرة، وأنا حذرتك أكثر من مرة حذرتك يا حورية" وقفت أمام باب الحمام مهزومة قبل أن تبدأ المعركة، أرضها تتفتت من تحتها ولم يعد للثبات مكان، دمعة أبية فرت من عينيها وهي ترفع رأسها بكرامة تتقبل سهم الحياة، فليس هناك حرب دون خسائر وخسارتها هي لا تعوض بل ستكون قاتلة، كم هو مضحك أن تسيل دماؤها قبل حتى أن تمسك رمحا أو سهما في هذه الحرب، ما هذا الفشل؟ لم تتحمل أكثر من هذا ففتحت باب الغرفة وخرجت تغلقه خلفها بعنف وصل لأذن ذلك الذي فتح باب الحمام بسرعة ليقا**ه الفراغ الذي أخافه بشدة فصرخ بقهر وض*ب بقدمه المرآة الذهبية التي اشترتها حورية بعد عودتهم للبيت الكبير لكي تنظر بها كل صباح قبل أن تخرج للمصنع فوقعت وتهشمت لألف شظية أصابت جميعها قلبه